عـدالـة الصـحابـة
( 14 )
الشـيخ محمّـد السـند
تعرّضنا في الحلقة السابقة(1) للبحث في أزمة كتب السيرة وأسباب النزول ، الناشئة من أثر سياسة الحزب القرشي في مواجهة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته الجديدة ، من خلال تشييد قاعدة الإزراء بشخصيّته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والحطّ من قدره ، والتنزيل من عظمته ، وإثارة الشكوك حول عصمته ، والنيل من حكمته ، والطعن في هديه وسيرته ، في مقابل بناء رموز للتطاول على مقامه الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإحاطتها بهالات من التقديس تحرّم التعرّض إليها . .
وذكرنا موردين للمزايدة بين عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالة الصحابة ، أوّلها كان : الصلاة على موتى المنافقين ، ثمّ أُسارى بدر .
وبحثنا ، في عدّة نقاط ، ما ورد في تفسير الآية الخاصّة بالأسرى وما ذُكر من أسباب في نزولها ، وها نحن نستمر في ما بدأناه . .
(1) المنشورة في العدد المزدوج ( 77 ـ 78 ) لسنة 1425 هـ .
(49)
ذكر الآلوسي في ذيل قوله تعالى : ( ما كانَ لِنَبِيّ أن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى . . . )(1) .
قال : « أخرج أحمد ، والترمذي وحسّنه ، والطبري ، والحاكم وصحّحه ، عن ابن مسعود (رضي الله عنه) ، قال : لمّا كان يوم بدر جيء بالأُسارى ، وفيهم العبّـاس ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما ترون في هؤلاء الأُسارى ؟
فقال أبو بكر . . . » ثمّ ذكر الرواية المتقدّمة(2) وكلام أبي بكر وعمر وعبـد الله بن رواحة ، وفي الذيل : « فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : إنّ الله تعالى ليلين قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللبن ، وإنّ الله سبحانه ليشـدّد قلوب رجال حتّى تكون أشـدّ من الحجارة »(3) .
أقـول :
هذه الرواية شاهدة لما مرّ استنتاجه : إنّ موقف عمر في قضية الأُسارى من المحطّات التي يجب التوقّف عندها ; لمعرفة رأيه تجاه قرابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعشـيرته ; لأنّ تعريضـه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالموقف المتشـدّد : « إنّ الله سبحانه ليشـدّد قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة » هو تمثّل منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ فَهِيَ كالْحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً )(4) . .
وبقوله تعالى : ( أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ في ضَلال مُبِين )(5) . .
وبقوله تعالى : ( وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كَانُوا يَعْمَلونَ )(6) . . . وغيرها من الآيات الذامّة لقساوة القلب .
تداعيات موقف عمر وأحكام الأسير :
وممّا أوجب اضطراب مؤدّى آيتي الأسير عند أهل سُـنّة الخلافة : ما التزموه في ما يخصّ قصّة الأُسارى في بدر بحسب روايات عمر وموقفه فيها . .
وكلماتهم تشتّتَت في نسبة مفاد قوله تعالى في سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِّقابِ حتَّى إذا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أوْزارَها )(7) ; فقد ذكر القرطبي أنّهم اختلفوا في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال :
الأوّل : إنّها منسوخة ، وهي في أهل الأوثان لا يجوز أن يفادَوا ولا يُمنّ عليهم ، والناسخ لها عندهم : قوله تعالى : ( فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ )(8) ، وقوله تعالى : ( فإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ )(9) ، وقوله تعالى : ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً )(10) ; قاله قتادة والضحّاك والسدي وابن جريج والعوفي ، عن ابن عبّـاس .
واسـتدلّ على هذا القول بفعل أبي بكر .
الثاني : إنّها في الكفّار جميعاً ، وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر ، منهم : قتادة ومجاهد ; قالوا : إذا أُسـر المُشرك لم يجز أن يمنّ عليه ، ولا أن يفادى به فيردّ إلى المشركين ، ولا يجوز أن يفادى عندهم إلاّ بالمرأة ; لأنّها لا تقتل ، والناسخ لها قوله تعالى : ( فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) ; إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف ، فوجب أن يُقتل كلّ مشرك إلاّ مَن قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومَن يؤخذ منه الجزية . وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ; خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين .
الثالث : إنّها ناسخة لقوله تعالى : ( فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) ; قاله الضحّاك والحسن وعطاء . .
فعن عطاء : لا يقتل المشرك ولكن يُمنّ عليه ويفادى . وبزعم الحسن : أن ليس للإمام قتل الأسير المشرك بعد وضع الحرب أوزارها والإثخان ، لكنّه يختار : إمّا أن يمنّ ، أو يفادي ، أو يسترق .
الرابع : قول سعيد بن جبير أنّها غير ناسخة ولا منسوخة ، والفداء والأسر لا يكون إلاّ بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله تعالى : ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرْضِ )(11) ، فإذا أُسر بعد ذلك فيتخيّر الإمام بين القتل وغيره .
الخامس : إنّ الآية محكمة والإمام مخيّر في كلّ حال ; روي ذلك عن ابن عبّـاس ، وقاله ابن عمر والحسن وعطاء ، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم ، ويروى ذلك عن أهل المدينة أيضاً . .
واسـتدلّ بفعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لكلّ ذلك ; إذ قتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبراً ، وفادى سائر أُسارى بدر ، ومنّ على ثمامة وهو أسير في يده(12) .
ويدفع دعاواهم :
أوّلاً :
إنّه لا دليل على النسخ ; إذ هو متوقّف على دليل قاطع وإلاّ لزم تعطيل آيات الكتاب بمجرّد التخرّص والتظنّي ، كما إنّ النسخ يتوقّف على تعارض ما بين المفادين ، والحال أن لا تنافي بين الآيات ; إذ آية الأُسارى كالمفصّل لما أجمل من الإطلاق في آيات قتال المشركين ، مع إنّه متوقّف على تأخّر آيات القتال المطلقة على آية الأُسارى .
ثانياً :
إنّه لا قرينة على اختصاص آية الأُسارى بالمشركين كي يفرض رفع حكمها مطلقاً ; فهي ـ على ظاهرها ـ شاملة لغير المشركين ، وتكون نسبة مدلولها لمدلول آيات قتال المشركين هي العموم والخصوص من وجه .
ثالثاً :
إنّ آية الأُسارى صريحة في كون المنّ أو الفداء هو بعد الإثخان فيهم وهزيمتهم و ( تضع الحرب أوزارها ) فكيف يثبت قبله ؟ !
ونظير ذلك قولهم بالقتل بعد الإثخان مع إنّ الآية صريحة في الانتهاء بالغاية ، وهي : الإثخان .
رابعاً :
ما استدلّوا به من قتل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض أفراد المشركين بعد الإثخان لا ينافي ظهور وصريح الآية ; لإنّها موارد خاصّة ، كعقوبة متخصّصة ، نظير استباحته (صلى الله عليه وآله وسلم) دماء نفر في فتح مكّة ولو كانوا متعلّقين بأستار الكعبة . .
وأمّا فعل أبي بكر وعمر فلا حجّية فيه حسب ما يقرّ أهل سُـنّة الخلافة من عدم عصمتهما وعدم حجّية فعلهما ، بل إنّ الذي ورّطهم في هذا الفهم المقلوب للآيات هو فعل عمر وموقفه اعتراضاً على الساحة النبوية ، من أن إبقاء الأسير بعد انتهاء الحرب كان منهيّاً عنه .
خامساً :
إنّ الذي التزموا به من النسخ المتبادل المتعاكس بين آية الأُسارى وآيات قتال المشركين لا يبرّر ولا يفسّر موقف عمر بالاعتراض والمطالبة بقتل الأسرى بعد الحرب يوم بدر ; وذلك لأنّ بين قوله تعالى في شأن الأُسارى في سورة الأنفال : ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكونَ لَهُ أسْرى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللهُ يُريدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزيزٌ حَكيمٌ ) ، وبين قوله تعالى في سورة القتال ( سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ) : ( فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِّقابِ حتَّى إذا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أوْزارَها ) تمام التطابق . .
فإنّ آية الأنفال في الأُسارى تنفي وتنهى أن يكون لنبيّ أسرى ـ أي شدّ وثاق ـ قبل الإثخان وقبل إنهاك العدو وهزيمته وانتهاء الحرب والقتال في المعركة ، وشدّ الوثاق عبارة وكناية عن الأسر والاسترقاق ; فالآيتان في السورتين متطابقتان على تحديد القتل للأُسارى إلى غاية الإثخان ، وهو انتهاء الحرب ، وأنّ بعد الحرب لا يقتل الأسير ، وهو ما لا يتطابق مع إصرار عمر على قتل أُسارى بدر بعد الحرب .
ومن وضوح دلالة الآيتين على ذلك اضطر غير واحد منهم إلى الإقرار بأنّ معنى الآية في الأنفال هو : عتاب الله عزّ وجلّ لأصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبيّ أسرى قبل الإثخان ، ولهم هذا الإخبار بقوله تعالى : ( تُريدونَ عَرَضَ الدُّنْيا ) ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد قط عرض الدنيا وإنّما فعله جمهور مباشـري الحرب(13) .
فموضع العتاب الإلهي ومورد قوله تعالى : ( لَوْلا كِتابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ )(14) هو : أخذ الأُسارى واستبقاؤهم وقت الحرب قبل الإثخان ; فالمؤاخذ على هذه الغنيمة هو بلحاظ أنّها أُخذت من غير حلّها ، مع الالتفات إلى أنّ الأُسارى لم يؤخذوا كلّهم وقت الحرب بل فيهم القليل ممّن أُخذ بعد الحرب ، كـ : العبّاس وعقيل ونوفل .
والعجيب أن تراهم مع كلّ ذلك يتمحّلون لاعتراض عمر ، والذي كان بعد الحرب ، ورأيه بقتل الأُسارى ، بأنّ النهي والعتاب في الآية طال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً ; لأنّه لم ينهَ عن استبقاء الأسرى حين رآهم من العريش ، وفي المقابل فإنّ سعد بن معاذ وعمر بن الخطّاب وعبـد الله بن رواحة كرهوا ذلك ، مع إنّ الروايات التي رووها عن عمر ـ في ما زعم من فعله ـ تشير إلى أنّه كان بعد الحرب ، فكيف يتّفق ذلك مع القول بأنّ موضع النهي في الفعل الذي حدث كان أثناء الحرب ؟ !
وتمحّلوا أنّ قتل الأسرى الّذين فودوا ببدر كان أوْلى من فدائهم ، ويومئذ كان المسلمون قليلون فلمّا كثروا واشتدّ سلطانهم أنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا في الأسارى : ( فَإِمَّا مَنَّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) في سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)( سورة القتال ) ، فزعموا أنّ الآية الثانية في الأسرى ناسخة للأُولى وقد تقدّم تمام المطابقة بين الآيتين ، كما هو حكم الأُسارى من التفصيل بين أخذهم أثناء الحرب أو بعدها في مذهب الإمامية ، كما رووه عن الصادق (عليه السلام) : « كان أبي يقول : إن للحرب حُكمين : إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها ولم يثخن أهلها فكلّ أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام بالخيار إن شاء ضرب عنقه وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحّط في دمه حتّى يموت ; وهو قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلاَف أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) في سورة المائدة الآية 33 . . .
والحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكلّ أسير أُخذ في تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم وإن شاء فاداهم أنفسهم وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيداً »(15) .
وقد روي عن الكلبي في قوله تعالى : ( فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ): « نزلت في العبّـاس لمّا أُسر في يوم بدر فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : افد نفسك وابنيْ أخيك ـ يعني عقيلا ونوفلا ـ وحليفك ـ يعني عتبة بن أبي جحدر ـ فإنّك ذو مال .
فقال : إنّ القوم استكرهوني ولا مال عندي .
قال : فأين المال الذي وضعته بمكّة عند أُمّ الفضل حين خرجت ، ولم يكن معكما أحد ، وقلت : إن أُصبت في سفري فللفضل كذا ، ولعبد الله كذا ، ولقثم كذا ؟ !
قال : والذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما علم بهذا أحد غيرها ، وإنّي لأعلم أنّك لرسول الله .
ففدّى نفسـه بمائة أُوقية ، وكلّ واحد بمائة أوقية ، فنزلت : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم مِنَ الأسْرَى )(16) ، فكان العبّـاس يقول : صدق الله وصـدق رسوله ; فإنّه كان معي عشرون أوقية فأُخذت ، فأعطاني الله مكانها عشرين عبداً ، كلّ منهم يضرب بمال كثير ، أدناهم يضرب بعشرين ألف درهـم »(17) . .
وهذه الرواية تدلّ على كون الأسرى من بني هاشم لم يكن موقفهم معادياً لمعسكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما أُكرهوا على المجيء إلى بدر ، فهم كالأُسارى انتقلوا من أسر إلى آخر ، بل إنّ موقفهم متعاطف مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فقد رووا تجاوب العبّـاس مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّه ذكر أنّه كان مُكرهاً ، وأنّه تشهّد الشهادتين . .
روى القمّي في تفسيره بعد ذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعقيل : « قد قتل الله ـ يا أبا يزيد ! ـ أبا جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومنية وبنية ابني الحجّاج ، ونوفل بن خويلد ، وسهيل بن عمرو ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط ، وفلاناً وفلاناً .
فقال عقيل : إذاً لا تُنازَع في تهامة ، فإن كنت قد أثخنت القوم ألا فاركب أكتافهم . فتبسّـم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله .
وكان القتلى ببدر سبعين ، والأسرى سبعين ، وقد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعة وعشرين ولم يؤسـر أحداً »(18) .
وهذا دالّ بوضوح على أنّ أُسارى بني هاشم الثلاثة كانوا في اصطفاف لنصرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن أكرهتهم قريش للقتال في بدر . .
قال السـيّد المرتضى (قدس سره) : « إنّهم لمّا تباعدوا عن العريش وعن مرآه (صلى الله عليه وآله وسلم) أسروا من أسروا من المشركين بغير علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يبعد أن يكون هو عليه السلام لم يأسر حتّى فرّ الكفار وانهزموا وتباعدوا وانتهى الأمر إلى آخره ووضعت الحرب أوزارها ، فحينئذ أُسر من أُسر . . .
وأمّا الأمر بالقتل في قوله تعالى : ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان )(19) ، فالمراد به : الكثرة لا محالة ، لا عموم ضرب أعناق الكفّار بلا خلاف ، فالقتل المدلول عليه بالآية لا ينافي الأسـر ، وممّا يدلّ على أنّ المراد به : الكثرة ، هذه الآية ; فإنّها كالمفسّـرة لتلك . .
وكذلك قوله تعالى : ( فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِّقابِ حتَّى إذا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ) . . .
والأمر بالقتل كان مقيّداً بحال المحاربة ، كما هو المتبادر من قوله تعالى : ( فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِّقابِ ) ; فإنّ الظاهر من الأمر بضرب الرقاب وقت اللقاء ، وهو حال الحرب ، ولا يسمّى ما بعد الحرب وحصول الأسرى مكتوفين بأيدي الخصوم وتبدّد شملهم وزوال فئتهم عن مراكزهم : لقاءً .
وأيضاً المتبادر من مثل هذه العبارة حدثان ذلك الفعل وفواتحه ، لا أواخـره ، وإن دام .
على أنّ ضرب الأطراف الذي فُسّر به ضرب البنان غير معهود من صاحب الشرع في الأسير ; فإنّه يجري مجرى المثلة ، وإنّما يجوز وقت التحام الحرب وحين المسايفة »(20) .
ومن الموارد الأُخرى التي خاضوا في مزايداتها بين عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالة الصحابة :
آية الحجاب في حقّ نساء النبيّ
(صلى الله عليه وآله وسلم)
وهو قوله تعالى : ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا لا تَدْخُلوا بُيوتَ النَّبِيِّ إلاّ أن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعام غَيْرَ ناظِرينَ إنَاهُ ولكِنْ إذَا دُعِيتُمْ فادْخُلوا فإذَا طَعِمْتُمْ فانتَشِروا ولاَ مُسْتَأنِسينَ لِحَدِيث إنَّ ذلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ وَإذَا سَأَلْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ذلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً إنَّ ذلِكُمْ كانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً )(21) .
وهي قصّة تشريع الحجاب ; فإنّها من الموارد التي جعلها أهل سُـنّة الخلافة والجماعة من مناقب عمر ، المنقولة عن لسانه ، وأنّ استقامته فاقت عصـمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد نزل الوحي بموافقته على خلاف موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . .
وفي الحقيقة هذه الحادثة هي أيضاً من الموارد الشنيعة التي تعدّ من المواقف المحسوبة على عمر ، والتي أُريد لها تغطية حقيقة الحدث وملابساته ، ولو كنّا نحن وما رواه أهل سُـنّة الجماعة ولحن الآيات الكريمة لاستكشفنا حقيقة الأمر ـ كما سيتبيّن ـ وهي : إنّ آية الحجاب واردة انتهاراً لسلوك عدّة من الصحابة البارزين !
فقد روى أبي داود الطيالسي في مسـنده بسنده عن أنس بن مالك ، قال : قال عمر : وافقت ربّي عزّ وجلّ في أربع :
قلت : يا رسول الله ! لو صلّيت خلف المقام ، فنزلت هذه الآية : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً )(22) ، وقلت : يا رسول الله ! لو ضربت على نسائك الحجاب ; فإنّه يدخل عليك البرّ والفاجر ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) . . . الحديث(23) .
والرواية كما ترى يرويها عمر نفسـه !
ورواه الطبراني(24) في الصغير بسنده عن عمر بن الخطاب إلاّ أنّ فيه : وافقت ربّي في ثلاث . . . وذكر الثالثة في قصّة أُسارى بدر ، التي مرّ أنّها ورطة وقع فيها وقد حاول التخلّص من وصمتها بجعلها منقبة .
ورواه في الكبير(25) عن عبـد الله بن عمر، أنّه قال في أبيه : فضل عمر الناس بأربع : بذكره الأسارى يوم بدر ، فأمر بقتلهم ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( لَوْلا كِتابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ ) ، وبذكره الحجاب ، فقالت زينب : وإنّك لتغار منّا والوحي ينزل في بيوتنا ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) . . . الحديث .
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره في ذيل قوله تعالى : ( وإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) :
« قال بعضهم : نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وليمة زينب بنت جحش ثمّ جلسوا يتحدّثون في منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبرسول الله إلى أهله حاجة ، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله »(26) .
وروى بإسناده عن أنس بن مالك أنّه : « كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أُنزل في مبتنى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب بنت جحش أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها عروساً ، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتّى خرجوا ، وبقي منهم رهط عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأطالوا المكث ، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج ، وخرجت معه لكي يخرجوا ، فمشى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومشيت معه ، حتّى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ ظن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهم قد خرجوا ، فرجع ورجعت معه ، حتّى دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا ، فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورجعت معه ، فإذا هم قد خرجوا ، فضرب بيني وبينه ستراً ، وأُنزل الحجاب »(27) .
وروى بإسناده عن أنس بن مالك ، قال : « قال عمر بن الخطّاب : قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو حجبت عن أُمّهات المؤمنين ; فإنّه يدخل عليك البرّ والفاجر ، فنزلت آية الحجاب »(28) .
وروى بإسناده عن عبـد الله ، قال : « أمر عمر نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالحجاب ، فقالت زينب : يا بن الخطّاب ، إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا ، فأنزل الله : ( وإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) »(29) .
وروى بإسناده أنّ الإطعام كان في بيت أُمّ سلمة(30) .
وذكر الطبري في تفسير الآية : « وقوله : ( إنَّ ذلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ) . يقول : إنّ دخولكم بيوت النبيّ من غير أن يؤذن لكم ، وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له ، كان يؤذي النبيّ ، فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام ، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيّته لذلك منكم ، والله لا يستحي من الحقّ أن يتبيّن لكم ، وإن استحيى نبيّكم فلم يبين لكم كراهية ذلك ; حياءً منكم .
( وَإذَا سَأَلْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) . يقول : وإذا سألتم أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب ; يقول : من وراء سـتر بينكم وبينهنّ ، ولا تدخلوا عليهنّ بيوتهنّ .
( ذلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) . يقول تعالى ذكره : سؤالكم إيّاهنّ المتاع ، إذا سألتموهنّ ذلك من وراء حجاب ، أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ من عوارض العين فيها ، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال ، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهنّ سبيل .
وقد قيل : إنّ سبب أمر الله النساء بالحجاب إنّما كان من أجل أنّ رجلا كان يأكل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعائشة معهما ، فأصابت يدها يد الرجل ، فكَرِه ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »(31) . .
وروى ذلك عن مجاهد .
وقال : « وقيل : نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . .
وروى بسنده عن عائشة ، قالت : إنّ أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كنّ يخرجن بالليل إذا تبرّزن إلى المناصـع ، وهو صعيد أفيح ، وكان عمر يقول : يا رسول الله ! احجب نساءك . فلم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر بصوته الأعلى : قد عرفناك يا سودة ; حرصاً أن ينزل الحجاب . قال : فأنزل الله الحجاب »(32) .
وروى بسـنده عن عائشة : « قالت : خرجت سودة لحاجتها بعدما ضرب علينا الحجاب ، وكانت امرأة تفرع النساء طولا ، فأبصرها عمر ، فناداها : يا سودة ! إنّك والله ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين ـ أو كيف تصنعين ـ ؟
فانكفأت فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّه ليتعشّى ، فأخبرته بما كان وما قال لها وإنّ في يده لعِرقاً ، فأُوحي إليه ثمّ رفع عنه وإنّ العِرق لفي يده ، فقال : لقد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ »(33) . .
وقد ذكر عدّة طرق لهذه الروايات ، وقد وردت في مصادرهم الحديثية الأُخرى .
وقبل أن نورد بقية أقوالهم ورواياتهم نستخلص جملة أُمور ـ ممّا سبق ـ تؤكّد أنّ هذه الواقعة لنزول الآية هي إحدى الدواهي التي أقدم عليها بعض كبار الصحابة ، ثمّ جعلت منقبة له ; تغطيةً للحدث ، كما سيتبيّن أنّ جملة آيات الحجاب واردة ردعاً لسلوكيات عدّة من الأسماء اللامعة في الصحابة :
الأمر الأوّل :
إنّ ما رووه في مصادرهم الحديثية بطرق متعدّدة أنّ : « زينب بنت جحش قالت لعمر : إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا ، فأنزل الله تعالى آية الحجاب » شاهد على أنّ نزول آية الحجاب كان قبل اعتراض عمر على نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; وذلك لأنّ نزول آية الحجاب ـ كما في أكثر مروياتهم ـ هو عند بناء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب وعرسـه بها وإطعامه ، وقبل ذلك لم تكن زينب في بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كي تخاطب عمر بأنّ : « الوحي ينزل في بيوتنا » ، كما أنّ لحن قولها هو مواجهته على تطاوله على أمر حجاب نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الأمر الثاني :
إنّ ما رووه من رواية عائشة أنّ : خروج سودة ليلاً لحاجتها بعدما ضرب عليهنّ الحجاب واعتراض عمر لها ، هو الآخر يشهد بأنّ نزول آية الحجاب لم يكن على وفق مراد عمر ; بل ظاهر ذلك هو : كون الآية نزلت رادعة لسلوك عمر مع نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما ستأتي شواهد أُخرى على ذلك .
الأمر الثالث :
إنّ انكفاء سودة بعد قول عمر لها ، وتشهيره بها ، ونزول الوحي بالإذن لنساء النبيّ أن يخرجن لحاجتهنّ ، شاهد على ردع الوحي لسلوك عمر مع نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه تشهير باسم زوج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام الناس ، وبأعلى صوته ، وجهاره بمعرفته لها ، وأنّها لا تخفى عليه ، فكيف يمكن توجيه ذلك ؟ !
وهذا بحدّ ذاته شاهد على أنّ سلوكه لم يكن مناسباً ، وخصوصاً بعـدما نزل الوحـي بالإذن لهنّ في الخروج للحاجـة ليلاً على خلاف ما قام به من اعتراض سـودة في الطريق .
الأمر الرابع :
من ذلك يظهر اشتباه ما ادّعوه ; تبريراً لفعل وسلوك عمر مع سودة أنّه : « حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فنزل الحجاب »(34) . .
وكيف يتصـوّر الحرص على العفاف والسـتر والغيرة على الحجاب مع ندائه بأعلى صـوته باسم سـودة في الطريق ، وجهاره أنّها لا تخفى عليه ؟ !
هل هذا إلاّ من التشهير بأُمّهات المؤمنين وهتك لخفارتهنّ ؟ !
بل لعلّ قوله تعالى : ( يَا أيُّها الْنَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَلبِيبِهِنَّ ذلِكَ أدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً )(35) ، والأمر بإدناء الجلباب لكي لا يؤذين في خروجهنّ هو الوحي الذي نزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعـد .
الأمر الخامس :
إنّ ما رووه في سبب نزول الآية : إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تأذّى « من أجل أنّ رجلاً كان يأكل معه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعائشة معهما ، فأصابت يدها يد الرجل ، فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » ، يتطابق مع الآيات السابقة الواردة في نفس المضمار من قوله تعالى : ( يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَد مِنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً )(36) ; فالآية تُظهر أنّ نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كنّ في معرض التخاطب مع بعض الصحابة من فئة ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ) . .
وهذه الفئة هي من أوائل الّذين اندسّوا في صفوف المسلمين في مكّة ، كما تشير إلى ذلك سورة المدّثّر(37) ، وسورة المدّثّر رابع سورة نزلت على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوائل البعثة .
وهذه الفئة من الصحابة ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ) قد كشف القرآن عن أنّهم سيتقلّدون السلطة وزمام الأُمور بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّهم من أصحاب الصفوف الخلفية في الحروب والقتال ، كما في سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) (38) ، وأنّهم ممّن صفتهم ـ كما في سورة الأحزاب(39) ـ : نعامة في الحروب ، وجبن في القتال ، وذوي ألْسِنة حداد في السلم و . . .
وهذه الفئة هي التي ينهى الله تعالى نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخضوع معهم في القول والتخاطب ; ممّا يبيّن أنّ لهم عِشرة قريبة مع أُمّهات المؤمنين .
قال الطبري في تفسـيره : « ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) ، يقول تعالى ذكره : وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله وما يصلح ذلك لكم .
( ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً ) يقول : وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً ; لأنّهن أُمّهاتكم ، ولا يحلّ للرجل أن يتزوّج أُمّـه .
وذكر أنّ ذلك نزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب ، قال : لئن مات محمّـد لأتزوّجن امرأة من نسائه . سمّاها ; فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً ) . .
ثمّ ذكر رواية مسـندة في ذلك ، عن ابن زيد : قال : ربّما بلغ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الرجل يقول : لو أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي تزوّجت فلانة من بعده . قال : فكان ذلك يؤذي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فنزل القرآن : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ . . . ) . الآية »(40) . .
الأمر السادس :
قد كنّى الطبري عن هذا الصحابي بـ : « الرجل » دون أن يصرّح باسـمه ، ولكنّه وصفه بـ : « كان يدخل قبل الحجاب » ، أي : ممّن يتردّد بالدخـول في بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا الإخفاء لاسمه هو كالتكنية والإخفاء لاسـم الصحابي الذي نزل فيه صدر الآية في قوله المتقدّم : « وقد قيل : إنّ سـبب أمر الله النساء بالحجاب إنّما كان من أجـل أنّ رجلا كان يأكل مع رسول الله وعائشة معهما ، فأصابت يدها يد الرجل ، فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » ; فهنا أيضاً أخفوا اسم هذا الصحابي الذي هو أيضاً ممّن يدخل في بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) !
ثمّ قال الطبري في تفسير الآية اللاحقة(41) : « ( إِن تُبْدُوا شَيْئاً أوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) ، يقول تعالى ذكره : إن تظهروا بألسنتكم شيئاً ـ أيّها الناس ! ـ من مراقبة النساء ، أو غير ذلك ممّا نهاكم عنه ، أو أذىً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقول : لأتزوّجن زوجته بعد وفاته ، ( أوْ تُخْفُوهُ ) ، يقول : أو تخفوا ذلك في أنفسكم ، ( فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) ، يقول : فإنّ الله بكلّ ذلك ، وبغيره من أُموركم وأُمور غيركم عليم لا يخفى عليه شيء ، وهو يجازيكم على جميع ذلك »(42) .
الأمر السابع :
وفي ذيل آيات الحجاب قوله تعالى : ( إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً * إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * يَا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَلبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً * لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً )(43) .
وهذا الذيل يُنزل لعنة الله في الدنيا والآخرة على مَن نزلت آيات الحجاب فيهم من الصحابة الّذين آذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نسائه ، وأنّهم من فئة ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ) . .
قال النحّاس في معاني القرآن : « وقوله عـزّ وجلّ : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً ) ، قال قتادة : قال رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم : إن مات رسـول الله صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم تزوّجت فلانة ; قال معمر : قال هذا طلحة لعائشـة »(44) .
وقال النحّاس : « وقوله جلّ وعزّ : ( يَا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَلبِيبِهِنَّ ) ، قال أبو مالك والحسـن : كان النساء يخرجـن بالليل في حاجاتـهنّ فيؤذيـهنّ المنافـقون ويتوهّمون أنّهنّ إماء ، فأنزل الله جلّ وعزّ : ( يَا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ )إلى آخـر الآية »(45) .
الأمر الثامن :
قولهم : إنّ الأمر بإدناء الجلباب نزل لكون نساء النبيّ والمؤمنين يؤذَيْن في خروجهن ليلاً لقضاء حاجتهنّ ، وقد روت عائشة(46) أنّ عمر قد تعرّض لسودة بنت زمعة في خروجها ليلاً لقضاء حاجتها وأنّها انكفأت راجعة شاكية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما آذاها به عمر ، فأوحى الله تعالى لنبيّه الإذن بأن يخرجن أي بجلباب فلا يؤذين .
وقال الجصّاص في أحكام القرآن : « قوله تعالى : ( وَإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) قد تضمّن حظر رؤية أزواج النبيّ صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم ، وبيّن به أنّ ذلك ( أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) ; لأنّ نظر بعضهم إلى بعض ربّما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب . .
قوله تعالى : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) ، يعني بما بيّن في هذه الآية من إيجاب الاستئذان وترك الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم وبين نسائه »(47) .
وقال ابن الجوزي في زاد المسير ، في أسباب نزول آيات الحجاب : « والثالث : إنّ عمر بن الخطّاب قال : قلت : يا رسول الله ! إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر ، فلو أمرتهنّ أن يحتجبْن . فنزلت آية الحجاب . .
أخرجه البخاري من حديث أنس ، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر ، كلاهما عن عمر .
والرابع : إنّ عمر أمر نساء رسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [بالحجاب ، فقالت زينب : يا بن الخطّاب ! إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا . فنزلت الآية . .
قاله ابن مسعود .
والخامس : إنّ عمر كان يقول لرسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [ : احجب نساءك . فلا يفعل ، فخرجت سودة ليلة فقال عمر : قد عرفناك يا سودة . حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فنزل الحجاب . .
رواه عكرمة ، عن عائشة .
والسادس : إنّ رسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [ كان يطعم معه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم ، فكره النبيّ صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم ذلك ، فنزلت آية الحجاب . .
قاله مجاهد . . .
قوله تعالى : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) ، أي : ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء . قال أبو عبيدة : ( كان ) من حروف الزوائد . والمعنى : ما لكم أن تؤذوا رسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [ . .
( ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً ) ، روى عطاء عن ابن عبّـاس ، قال : كان رجل من أصحاب رسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [ قال : لو توفّي رسول الله ] صلّى الله عليه وآله وسلّم [ تزوّجت عائشة . فأنزل الله ] تعالى [ ما أنزل . .
وزعم مقاتل : إنّ ذلك الرجل : طلحة بن عبيد الله(48) .
وقال الطبرسي في مجمع البيان في ذيل الآية : « فإذا سألتم أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم شيئاً تحتاجون إليه ، فاسألوهنّ من وراء الستر . .
قال مقاتل : أمر الله المؤمنين ألاّ يكلّموا نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ من وراء حجاب .
وروى مجاهد ، عن عائشة ، قالت : كنت آكل مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حيساً في قعب ، فمرّ بنا عمر ، فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي ، فقال : ( حس ! لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين ) فنزل الحجاب »(49) .
الأمر التاسع :
تُبـيّن رواية مجاهـد أنّ الصحابـي الذي أصابـت يده يد زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فكره (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك هو : عمر ، وقد تقدّم أنّ كراهته (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك كانت سبب نزول آية الحجاب ، فآية الحجاب نزلت للنهي عن ما ابتدر من عمر ، لا ما ادّعاه هو لنفسه من كونه أغير من سيّد الأنبياء وأشرف المرسلين حبيب إله العالمين ، الذي وصفه ربّ العزّة : ( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِـيم )(50) و : ( مَا ضَـلَّ صَاحِـبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى )(51) ، وقد قال تعالى في وسط آيات الحجاب : ( إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) . .
فانظر هذه المحبّة الإلهية إلى خُلُق نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ وعيد الإله تعالى بلعن وتعذيب الّذين يؤذون نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبعد كلّ ذلك يأتي عمر مدّعياً أنّه أكثر غيرة وعفّة من سـيّد الرسل ؟ ! ، والحال أنّه الذي نزلت فيه هذه الآيات .
وقال الشيخ الطوسي في التبيان في ذيل الآية : « ( فإذَا طَعِمْتُمْ فانتَشِروا ولاَ مُسْتَأنِسينَ لِحَدِيث ) ، أي : تفرّقوا ولا تقيموا ولا تستأنسوا بطول الحديث ; وإنّما مُنعوا من الاستئناس من أجل طول الحديث ; لأنّ الجلوس يقتضي ذلك ، والاستئناس هو ضدّ الاستيحاش ، والأُنس ضدّ الوحشة . وبيّن تعالى فقال : لأنّ ذلك الاستئناس بطول الجلوس ( كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنكُمْ ) ، أي : من الحاضرين ، فيسكت على مضض ومشقّة ، ( وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ ) . .
ثمّ قال : ( وَإذَا سَألْتُـمُوهنَّ مَتاعاً ) يعني : إذا سألتم أزواج النبيّ شيئاً تحتاجوه إليه ( فَسْألُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) وستر ( ذلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) من الميل إلى الفجـور .
ثمّ قال : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) ، قال أبو عبيدة : ( كان ) زائدة ، والمعنى : ليس لكم أن تؤذوا رسول الله بطول الجلوس عنده ومكالمة نسائه ، و ( لاَ ) يحلّ لكم أيضاً ( أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً ) ; لأنّهنّ صرن بمنزلة أُمّهاتكم في التحريم .
وقال السدي : لمّا نزل الحجاب قال رجل من بني تيم : أنُحجـب من بنات عمّنا ؟ ! إن مات عرّسنا بهنّ . فنزل قوله : ( ولاَ أنْ تَنكِحُوا أزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَداً إنَّ ذلِكُمْ ) إن فعلتموه ( كانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً ) .
ثمّ قال لهم : ( إن تُبْدُوا شَيْئاً ) أي : إن أظهرتموه من مواقعة النساء ( أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) لا يخفى عليه شيء من أعمالكم لا ظاهرة ولا باطنة »(52) .
وقال الطبرسي : « ونزل قوله : ( ومَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ )إلى آخر الآية في رجل من الصحابة قال : لئن قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر ، عن ابن عباس ; قال مقاتل : وهو طلحة بن عبيد الله . .
وقيل : إنّ رجلين قالا : أينكح محمّـد نساءنا ولا ننكح نساءه ؟ ! والله لئن مات لنكحنا نساءه . وكان أحدهما يريد عائشة والآخر يريد أُمّ سلمة ، عن أبي حمزة الثمالي »(53) .
الأمر العاشر :
يظهر من مجموع الروايات الواردة عندهم أنّ سبب نزول آيات الحجاب كان بشأن ما صدر من فعل مجموعة من الصحابة البارزين ، الّذين يكثر دخولهم بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانوا يدخلون دون استئذان ، ويطيلون الحديث مع أُمّهات المؤمنين ; كما ذكر ذلك عدّة من مفسّـري أهل سُـنّة الجماعة ، ممّن تقدّم نقل كلماتهم . .
وأنّ الرجل الآخر ينتمي إلى بني أُمية والعاص ; لأنّ مقتضى كلامه في أُمّ سلمة ; إذ كانت ذا نسب بهم .
روى الطبري بسـنده عن أنس بن مالك ، قال : « أنا أعلم الناس بهذه الآية ، آية الحجاب : لمّا أُهديت زينب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صنع طعاماً ودعا القوم ، فجاؤوا فدخلوا وزينب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في البيت ، وجعلوا يتحدّثون ، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج ثمّ يدخل وهم قعود . قال : فنزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ . . . إلى : فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) . قال : فقام القوم وضُرب الحجاب »(54) .
فالتعبير في هذه الرواية بـ « القوم » دالّ على « عدّة » هي مورد الخطاب لنزول الآيات : ( لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ) .
ومن الظاهر كونهم ممّن يكثِر الاختلاط بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والدخول في بيوته ; فهم من مبرّزي الصحابة .
وكانوا ممّن يعتاد جلوسـه على الطعام في بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد مرّ في رواية مجاهد مرور عمر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت عائشة ، وقد قال تعالى في الآية : ( وَلكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنكُمْ وَالله لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ ) ، كما أنّ قوله تعالى : ( وَإِذَا سَأَلْتُـمُوهنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ) ; ممّا يدلّ على كثرة خلطتهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيوته ، وقد مرّ في الروايات مخاطبة عمر لزينب بنت جحش وسودة بنت زمعة وعائشـة .
وأنّ هذه السلوكيات من هذه الفئة من الصحابة الملتصقين كان يؤذي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ الله )..
بل الآيات صعّدت لهجة النكير مع هؤلاء الصحابة ; إذ تجاسروا على ذلك وعلى القول بنكاح أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى في ذيل تلك الآيات : (إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) . .
بل شدّدت النذير : ( لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) .
وهذه الفئة والجماعة من الصحابة هم الّذين قد ورد الخطاب عنهم : ( يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَد مِنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) ، وقد تقدّمت رواياتهم أنّ رجلين من هؤلاء قد تجاسروا مسقطين رداء الحياء والعِفّة والأدب معلنين إرادة نكاح أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته .
الأمر الحادي عشر :
رغم كلّ هذه التوصيات القرآنية وقوله تعالى باتّحاد الحجاب في الحديث مع نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقوله تعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى )(55) . . .
رغم كلّ ذلك فكيف يفسّر خروج عائشة للحرب على إمام زمانها في صخب الجيش ومعترك الرجال وإخراج طلحة والزبير لها في هذا المسير ؟ !
للبحث صلة . . .
(1) سورة الأنفال 8 : 67 .
(2) قد ُذكر مصدرها في الحلقة السابقة ، وهو تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن ) 8 / 46 ، الذي يرويها عن مسلم في صحيحه : كتاب الجهاد ب 18 : باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم .
(3) روح المعاني 10 / 34 ; وانظر : مسند أحمد بن حنبل 1 / 383 ، المعجم الكبير 10 / 143 .
(4) سورة البقرة 2 : 74 .
(5) سورة الزمر 39 : 22 .
(6) سورة الأنعام 6 : 43 .
(7) سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) 47 : 4 .
(8) سورة التوبة ( البراءة ) 9 : 5 .
(9) سورة الأنفال 8 : 57 .
(10) سورة التوبة ( البراءة ) 9 : 36 .
(11) سورة الأنفال 8 : 67 .
(12) انظر : تفسير القرطبي 16 / 192 .
(13) تفسير القرطبي 8 / 45 .
(14) سورة الأنفال 8 : 68 .
(15) الكافي 5 / 32 .
(16) سورة الأنفال 8 : 70 .
(17) بحار الأنوار 18 / 130 .
(18) تفسير القمّي 1 / 269 .
(19) سورة الأنفال 8 : 12 .
(20) بحار الأنوار 34 / 388 .
(21) سورة الأحزاب 33 : 53 .
(22) سورة البقرة 2 : 125 .
(23) مسند أبي داود الطيالسي : 9 .
(24) المعجم الصغير ـ للطبراني ـ 2 / 38 .
(25) المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 9 / 167 .
(26) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 45 .
(27) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 46 .
(28) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 46 .
(29) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 47 .
(30) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 47 .
(31) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 48 .
(32) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 49 .
(33) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 49 .
(34) زاد المسير ـ لابن الجوزي ـ 6 / 212 .
(35) سورة الأحزاب 33 : 59 .
(36) سورة الأحزاب 33 : 32 .
(37) سورة المُدّثّر 74 : 31 : ( ومَا جَعَلْنَا أصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلاَئِكَةً ومَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَاناً ولاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ والْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهذَا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ ) .
(38) سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) 47 : 20 ـ 23 : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إن تَوَلَّيْتُمْ أن تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) .
(39) سورة الأحزاب 33 : 12 ـ 19 : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * . . . أشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللهُ أعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) .
(40) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 50 .
(41) سورة الأحزاب 33 : 54 .
(42) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 50 .
(43) سورة الأحزاب 33 : 56 ـ 62 .
(44) معاني القرآن ـ للنحّاس ـ 5 / 373 .
(45) معاني القرآن ـ للنحاس ـ 5 / 377 ـ 378 .
(46) جامع البيان ـ لابن جرير الطبري ـ 22 / 49 .
(47) أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 3 / 483 .
(48) زاد المسير ـ لابن الجوزي ـ 6 / 212 ـ 213 .
(49) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ 8 / 177 .
وانظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري 8 / 408 ، تفسير القرآن العظيم ـ لابن كثير ـ 3 / 513 ، مجمع الزوائد ـ للهيثمي ـ 7 / 93 ، السُـنن الكبرى ـ للنسائي ـ 6 / 435 ح 11419 ، المعجم الأوسط 3 / 212 ، المعجم الصغير 1 / 84 .
وذكره السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول : 178 ، وفي الدرّ المنثور 5 / 213 ; وفيه : « وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة ، قالت : . . .
وأخرج ابن سـعد عن ابن عبّـاس ، قال : نزل حجاب رسول الله في عمر ; أكل مع النبيّ طعاماً فأصاب يده بعض أيدي نساء النبيّ صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم ، فأمر بالحجاب » .
حس : كلمة يقولها الإنسان عند التوجّع ممّا آذاه ، مثل : « أوه » . والحِيس : الطعام المتّخذ من التمر والأقط ـ أي : اللبن المحمض المجمّد ـ والسمن . والقعب : القدح الضخم ; انظر : معجم مقاييس اللغة 2 / 9 ـ 10 ، لسان العرب 6 / 61 مادّة « حيس » ، ونهاية ابن الأثير 1 / 476 .
(50) سورة القلم 68 : 4 .
(51) سورة النجم 53 : 2 و 3 .
(52) التبيان ـ للشيخ الطوسي ـ 8 / 357 ـ 358 .
(53) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ 8 / 174 .
(54) جامع البيان ـ ابن جرير الطبري 22 / 47 .
(55) سورة الأحزاب 33 : 33 .
|