شذرات من كتب مفقودة
لمحمّـد بن بحر الرُّهني الكرماني
( العالم الشيعي في القرن الرابع الهجري )
الشيخ رسول جعفريان
بسـم الله الرحمن الرحيـم
نسبه :
هو أبو الحسين محمّـد بن بحر بن سهل الشيباني الرُّهني السجستاني الكرماني ، العالم الشيعي المؤرّخ ، والجغرافي الفقيه المتكلّم ، ساكن رُهْنة من نواحي نرماشير ، وهي من نواحي كرمان ، وكرمان جزء من سجستان في القرون الأولى الهجرية .
والمؤلّف عربي من قبيلة بني شيبان ، وهم كسائر المهاجرين جاءوا بعد الفتوحات إلى النواحي المفتوحة وسكنوها . وقد ألّف كتاباً في سكنى القبائل العربية في النواحي المفتوحة بعنوان : « نحل العرب » ، سنتعرّض إليه .
أقوال علماء الرجال فيه :
نذكرها حسب الترتيب الزمني :
(8)
قال الكشّي : محمّـد بن بحر الكرماني الدهني ( كذا ) النرماشيري(1) .
قال الطوسي : محمّـد بن بحر الرُّهني من أهل سجستان(2) .
قال النجاشي : أبو الحسين الشيباني ساكن نرماشير من أرض كرمان(3) .
قال ياقوت : محمّـد بن بحر الرُّهني أبو الحسين الشيباني ، والرُّهني بالراء المهملة والنون ، منسوب إلى رهنة ، قرية من قرى كرمان ، وكان يسكن نرماسير من أرض كرمان ، وهو يكنّى أبا الحسين ، شيباني الأصل(4) .
وقال في البلدان ذيل « رهنة » : « محمّـد بن بحـر يكنّى أبا حسن ( كذا ) الرُّهني » .
قال العلاّمة : « محمّـد بن بحر ـ بالباء المنقوطة تحتها نقطة ـ الرُّهني ـ بالراء المضمومة والهاء الساكنة والنون ـ ، أبو الحسين الشيباني ، ساكن ترماشير ( كذا ) من أرض كرمان »(5) .
قال الصَفَدي : « أبو الحسين الرُّهني محمّـد بن بحر أبو الحسين الرُّهني بالراء والنون ، نسبة إلى رهنة قرية من قرى كرمان ، وهو شيباني معروف بالفضل والفقه »(6) .
قال ابن حجر ( عن تاريخ الري لمنتجب الدين وغيرها ) : محمّـد بن
(1) رجال الكشي : 147 .
(2) الفهرست للطوسي : 132 .
(3) رجال النجاشي : 384 رقم 1044 .
(4) معجم الأدباء 18 / 31 .
(5) إيضاح الاشتباه : 290 .
(6) الوافي بالوفيات 2 / 244 .
(9)
بحر السيستاني السجستاني(1) .
والظاهر أنّ الأكثر على أنّ كنيته أبو الحسين ولا يصحّ أبو الحسن . وأنّ بلده نرماشير أو نرماسير لا ترماسير أو ترماشير ; وتأكيد الحلّي على صحّة « ترماسير » في الإيضاح(2) غير مقبول . كما أنّ لقبه الرُّهني ; لأنّه منسوب إلى رُهْنة من قرى كرمان كما صرّح به ياقوت ، و« الدهني » تصحيف وغلط .
مشايخه :
أحمد بن محمّـد بن كيسان النحوي . قال محمّـد بن بحر : سمعت أحمد بن محمّـد بن كيسان النحوي وأنا أقرأ عليه كتاب سيبويه(3) .
ابن سهيل بن عبـد الله بن مطر . قال ابن حجر : « وكان سمع ابن سهيل بن عبد الله بن مطر »(4) .
وروى أيضاً عن بشر بن سليمان النخّاس في سنة 286 خبراً رواه الصدوق والشيخ .
وروى عن أحمد بن مسرور كما في خبر الصدوق الآتي الذكر في كمال الدين .
وروى أيضاً عن أحمد بن حارث روايتين .
(1) لسان الميزان 5 / 736 .
(2) إيضاح الاشتباه : 290 .
(3) معجم الأدباء 18 / 32 .
(4) لسان الميزان 5 / 736 .
(10)
وروى عن عبـد الرحمن بن أحمد الذهلي رواية ذكرها الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه .
وروى أيضاً عن ثعلب عن ابن الأعرابي في معنى العترة .
أبو العباس الجزري كما في سند رواية ذكرها الصدوق في العيون(1) .
الرواة عنه :
روى عنه أبو العبّاس أحمد بن علي بن العبّاس بن نوح . ذكره النجاشي ، وقال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن علي بن العبّاس بن نوح ، حدّثنا محمّـد بن بحر بسائر كتبه ورواياته(2) . وذكره أيضاً في ترجمة حسين بن سعيد الأهوازي وفيه : إنّ الحسين بن علي بن سفيان البزوفري كتب إليه في سنة 352 فهو ـ أي أبو العبّاس أحمد بن علي ـ في هذه السنة كان بالغاً عالماً . ومات قبل سنة 423 كما نبّه عليه العلاّمة الطهراني(3) ، فراجع بشأنه مشيخة النجاشي(4) .
وروى عنه الخطابي المعروف ، قال ابن حجر : « روى عنه الخطّابي في غرائب الحديث»(5) .
وروى عنه في شأنه : أيضاً أحمد بن طاهر القمّي كما في رواية ذكرها الصدوق .
وروى عنه أيضاً أبو مفضّل الشيباني أحاديث .
وروى عنه أبو شجاع فارس بن سليمان(6) .
طبقته :
قال الطهراني ـ بعد نقل رواية أحمد بن علي بن عبّاس عنه ـ : « إنّه كان في طبقة الشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381 »(7) .
ولكن هذا مخالف لما قاله ابن حجر من أنّه مات قبل الثلاثين والثلاثمائة(8) ، ومخالف لما قاله الطهراني في موضع آخر من أنّ محمّـد بن بحر توفّي سنة 340(9) ، ومخالف لما قاله الرُّهني : « وردت كربلاء سنة ستّ وثمانين ومئتين(10) . والصدوق ينقل عن آثاره ولا يروي عنه نفسه ، كما أنّ المؤلّف نفسه لم يرو عن الأئمّة(عليهم السلام) ، ممّا يدلّ على أنّه كان يعيش في فترة الغيبة الصغرى ، وهو معاصر للشيخ الجليل الكليني(رحمه الله) ( ت 328 أو 329 هـ) .
وكتب أبو القاسم أحمد بن علي الكوفي ( ت 352 هـ ; صاحب كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة ) كتاباً في الردّ على الرُّهني بعنوان : الردّ على محمّـد بن بحر الرُّهني(11) . وهذا يعني أنّه كان قبل ذلك عالماً مشهوراً .
فضله وعلمه :
ذكر الطوسي وغيره أنّ الرُّهني ألّف أكثر من خمسمائة مصنَّف أو رسالة ، وهذا يدلّ على فضله وسعة علمه ، وآثاره كانت موجودة في بلاد خراسان قبل غزو المغول ، ولكن من المؤسف جدّاً هو أنّنا لم نعثر على شيء من مؤلّفاته غير كتابه القلائد الذي كان موجوداً في خراسان عند السيّد صفي الدين محمّـد بن معد الموسوي ، وكتب خبره إلى العلاّمة الحلّي ; وكتاب القلائد أيضاً في زماننا مفقود .
كانت له مؤلّفات في الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافياء والتفسير والكلام ، ووصفه الشيخ بأنّه كان عالماً متكلّماً ، كما أنّ ياقوت استفاد كثيراً من بعض مؤلّفاته .
قال ياقوت : محمّـد بن بحر الرُّهني أبو الحسين الشيباني . . . معروف بالفضل والفقه . قال شيخنا رشيد الدين(12) : كان لِقناً(13) حافظاً يذاكر بثمانية آلاف حديث ، غير أنّه كثر حفظه وتتبّع الغرائب فعمّر ، ومن طلب غرائب الحديث كذب .
قال : ووقفت على كتابه البدع فما أنكرت فيه شيئاً وعند الله علمه ، وكان عالماً بالأنساب وأخبار الناس ، شيعي المذهب غالياً فيه ، له تصانيف في أخبار الشيعة(14) .
وقال ياقوت أيضاً : محمّـد بن بحر يكنّى أبا حسن ( كذا ) الرُّهني ، أحد الأدباء العلماء ، قرأ على ابن كيسان كتاب سيبويه ، وروى كثيراً من أحاديث الشيعة ، وله في مقالاتهم تصانيف(15) .
قال العلاّمة : وجدت بخطّ السيّد السعيد صفي الدين محمّـد بن معد : هذا الكتاب ـ أي القلائد ـ عندي ، وقع إليّ من خراسان ، وهو كتاب جيّد مفيد(16) وفيه غرائب ، ورأيت مجلّداً فيه كتاب النكاح ، حسن بالغ في معناه ، ورأيت أجزاء مقطّعة وعليها خطّه إجازةً لبعض من قرأ الكتاب عليه يتضمّن الفقه والخلاف والوفاق(17) .
وقال ابن حجر : ذكره ابن بابويه منتجب الدين صاحب الفهرست ت ح 600 في تاريخ الريّ وقال : شيخٌ من شيوخ السنّة يكنّى أبا الحسين ، وكان من علمائهم ، وله تصانيف بخراسان ، وكان مليناً ؟ عندهم ، وسكن بعض قرى كرمان . وقال ابن بابويه : وقيل كان في مذهبه غلوّ وارتفاع ; وكان قويّاً في الأدب واللغة روى عنه الخطّابي في غريب الحديث ، وكان سمع ابن سُهَيل بن عبد الله بن مطر ، ومات قبل الثلاثين والثلاث مائة(18) .
يبدو أنّ ابن حجر نقل نصّ عبارة منتجب الدين ، وعلى كلّ حال فتعبيره : « من شيوخ السنة » لا يعني أنّه من أهل السنّة ، ومن المسلم به فإنّ منتجب الدين كان على اطلاع بأحواله ونسبة الغلوّ إليه تؤكّد على أنّ اسمه قد ورد في المصادر الرجاليّة الشيعيّة.
محمّـد بن بحر والغلوّ :
والرجل مع علمه وفضله ، متّهم بالغلوّ من قِبَلِ ابن الغضائري .
قال الكشّي : « حدّثني أبو الحسن ( كذا ) محمّـد بن بحر الكرماني الدهني ( كذا ) النرماشيري ، قال : وكان من الغلاة الحنقين(19) . وقال أيضاً : محمّـد بن بحر هذا غال ، وفضالة ليس من رجال يعقوب وهذا الحديث مزاد فيه مغيّر عن وجهه »(20) .
وهذا بعد نقل رواية عنه في ذمّ زرارة ، والرواية منكرة جدّاً ، ومع ذلك فإنّ النجاشي قال : « قال بعض أصحابنا : إنّه كان في مذهبه ارتفاع ، وحديثه قريب من السلامة ، ولا أدري من أين قيل ذلك »(21) .
وهذا يعني أنّه لم يقبل غلوّ الرُّهني .
وقد أشار ياقوت إلى هذه العبارة حيث قال : « قال ابن النحّاس في كتابه : قال بعض أصحابنا : إنّه كان في مذهبه ارتفاع ، وحديثه قريب من السلامة ، وما أدري من أين قيل »(22) . فكلام ابن النحّاس مأخوذ من النجاشي كما هو ظاهر .
قال الطوسي : « محمّـد بن بحر الرُّهني من أهل سجستان ، كان متكلّماً عالماً بالأخبار فقيهاً إلاّ أنّه متّهم بالغلوّ »(23) .
وقال أيضاً : « محمّـد بن بحر الرُّهني يُرمى بالتفويض »(24) .
قال العلاّمة : « وقال ابن الغضائري : إنّه ضعيف ، في مذهبه ارتفاع ، والذي أراه التوقّف في حديثه »(25) .
قال ابن شهرآشوب : « أبو الحسين بن بحر الرُّهني السجستاني المتكلّم ، يتّهم بالغلوّ »(26) .
وقال منتجب الدين في تاريخ الريّ : قيل : وكان في مذهبه غلوّ وارتفاع ، وكان قويّاً في الأدب واللغة(27) .
فعلى هذا فإنّ اتّهامه بالغلوّ كان مشهوراً عند الرجاليّين ، وإن كان الأصل في ذلك يرجع إلى ابن الغضائري ، وعند التدقيق فيما بقي من مصنّفاته يتبيّن ـ باحتمال ـ أنّ الاتّهام ناشئ عمّا نقل عنه الصدوق في تفضيله الأنبياء والأئمّة على الملائكة ، وهذا كاف عند بعض الشيعة المعتدلة للغلوّ ، ولكنّ القول بالاتّحاد والحلول لم يُذكر عنه أصلا ، والمهمّ أنّ النجاشي أظهر الترديد في هذا الاتّهام ، فراجع عبارته في الرجل .
مؤلّفاته :
محمّـد بن بحر الرُّهني : أحد كتّاب الاماميّة في أواسط القرن الرابع الهجري ، كان كثير التأليف . وإنّ آثاره العلميّة خير شاهد على أنّه كان عالماً دينياً محدّثاً ومتكلّماً من جانب ، ومن جانب آخر يعدّ أديباً وعالماً لامعاً في الجغرافياء ، وتواجده في منطقة « رهنة » التابعة لكرمان تدلّ على أنّ جذور التشيّع كانت قويّة في هذه البلدة .
قال الطوسي : « له نحو من خمسمائة مصنّف ورسالة ، وكتبه موجودة ، أكثرها بخراسان ، فمن كتبه : الفرق بين الآل والأُمّة ، وكتاب القلائد »(28) .
وقال ابن شهرآشوب : « له نحو من خمسمائة مصنّف ورسالة ، وكتبه بخراسان »(29) .
وبعد الاستقصاء الدقيق والاستقراء العميق وقفنا على جملة من مؤلّفاته ، والتي منها :
1 ـ القلائد .
قال النجاشي : « كتاب القلائد ، فيه كلام على مسائل الخلاف بيننا وبين المخالفين »(30) .
وقال السيّد السعيد صفي الدين محمّـد بن معد : « هذا الكتاب عندي ، وقع إليّ من خراسان ، وهو كتاب جيّد مفيد(31) وفيه غرائب ، ورأيت مجلّداً فيه كتاب النكاح ، حسن بالغ في معناه ، ورأيت أجزاء مقطّعة وعليها خطّه إجازة لبعض من قرأ الكتاب عليه يتضمّن الفقه والخلاف والوفاق ، وظاهر الحال أنّ المجلّد الذي يتضمّن النكاح يكون أحد كتب هذا الكتاب الذي الأجزاء المذكورة منه ، ورأيت خطّ المذكور وهو خطّ جيّد مليح »(32) .
2 ـ كتاب البدع(33) .
قال ياقوت : قال شيخنا رشيد الدين : . . . ووقفت على كتابه البدع فما أنكرت فيه شيئاً وعند الله علمه(34) .
3 ـ كتاب البقاع(35) .
4 ـ كتاب التقوى(36) .
5 ـ كتاب الاتباع وترك المراء في القرآن(37) .
6 ـ كتاب البرهان(38) .
7 ـ كتاب الأوّل والعشرة(39) .
8 ـ كتاب المتعة(40) .
9 ـ الفرق بين الآل والأُمّة(41) .
10 ـ البرهان السديد من عون المديد .
11 ـ الطلاق .
12 ـ المبسوط في الصلاة .
13 ـ التكليف والتوظيف(42) .
14 ـ إثبات الإمامة .
15 ـ الردّ على من أنكر الاثني عشر ومعجزاتهم .
16 ـ كتاب الحجّة في إبطاء القائم(عليه السلام)(43) .
17 ـ مجلس الرُّهني .
18 ـ المساواة والمقابلة .
19 ـ التلخيص في التفسير(44) .
20 ـ المثل والسير والخراج .
21 ـ القواعد .
22 ـ مرج البهاء وروض الضياء .
23 ـ المناسك .
24 ـ نحل العرب(45) .
قال ياقوت : « له تصانيف في أخبار الشيعة منها : كتاب سمّاه كتاب نحل العرب يذكر فيه تفرّق العرب في البلاد في الإسلام ، منهم من كان شيعيّاً ومنهم من كان خارجيّاً أو سنّياً ، فيحسن قوله في الشيعة ويقع فيمن عداهم ، وقفت على جزء من هذا الكتاب ذكر فيه نحل أهل المشرق خاصّة من كرمان وسجستان وخراسان وطبرستان »(46) .
25 ـ الدلائل على نحل القبائل .
قال ياقوت : « وذكر فيه(47) أنّ له تصنيفاً آخر سمّاه كتاب الدلائل على نحل القبائل »(48) .
26 ـ مقدّمات القرآن .
قال السيّد صفيّ الدين محمّـد بن معد : وقع إليّ من كتبه كتاب مقدّمات القرآن وهو كتاب جيّد(49) ، ونقل عنه ابن طاووس في سعد السعود : 227 ـ 229 .
27 ـ الفروق بين الأباطيل والحقوق(50) .
قال الصدوق : « قد ذكر محمّـد بن بحر الشيباني(رضي الله عنه) في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل والحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية ، فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف ابن مازن الراسبي في هذا المعنى والجواب عنه ، وهو الذي رواه أبو بكر محمّـد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، قال : حدّثنا أبو طالب زيد بن أحزم . . . » .
الموارد المنقولة من كتب محمّـد بن بحر:
ومن المؤسف أن نذكر أنّه لم يبق حتّى واحد من مصنّفات آثار الرُّهني مع كونها ـ كما قال الطوسي ـ قد قاربت الخمسمائة مصنّف أو رسالة ، ولكن هناك مقطوعات منها ، منقولة في كتب الصدوق والطوسي وياقوت .
ولإحياء هذا الرجل الشيعي والعالم البليغ والمحدّث والجغرافي المؤرّخ ، نذكر هذه المقطوعات ; لنعكس جانباً وضّاءً من التراث الشيعي اللامع ، ولبيان الدور الذي اضطلع به هذا العَلَم الهُمام ، لا سيّما وأنّه كان من متكلّمي الشيعة في القرنين الثالث والرابع الهجريّين ، ومن رواتهم في بعض المسائل الحسّاسة والمهمّة التي تتعلّق بالمهدي المنتظر ( عجّل الله فرجه ) .
1 ـ ما أورده ياقوت في معجم الأُدباء حول الكتاب والمؤلّف .
ذكر ياقوت في معجم الأدباء أنّه رأى مجلّد من كتاب نحل العرب لمحمّـد بن بحر ، ذكر فيه نحل أهل المشرق خاصّة من كرمان وسجستان وخراسان وطبرستان ، ونقل عن الكتاب حكايتين .
ونقل أيضاً عن محمّـد بن بحر في معجم البلدان ذيل عناوين بعض بلاد سجستان وخراسان ، من دون أن يذكر اسم المصدر الذي نقل منه .
وإليك النصوص المنقولة عن كتاب أو كتب محمّـد بن بحر :
قال ياقوت في معجم الأُدباء 6 / 2435 : ذكر فيه ـ أعني كتاب النحل ـ : أخبرني ابن المحتسب ببغداد في درب عبْدة بالحربية ، قال : أخبرنا أحمد ابن الحارث الخزّاز ، قال : أخبرني المدائني علي بن محمّـد بن أبي سيف ، عن سلمة بن سليمان المغنّي وغيره ، فذكر قصّة الملبَّد بن يزيد بن عون بن حرملة بن بسطام بن قيس بن حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان الخارج في أيّام المنصور شارياً بالجزيرة حتّى قتل .
وقال في موضع آخر : حدّثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف ، قال : حدّثني أبو هاشم الجعفري ، وقال فيه : حدّثني النوفلي علي بن محمّـد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن أبيه ، وقال فيه : سمعت أحمد ابن محمّـد بن كيسان النحوي وأنا أقرأ عليه كتاب سيبويه ، يقول : لم يجىء على فَعَّلَ إلاّ أربعة أسماء : البَقَّمُ : هي الخشبة التي يصبغ بها وهي معروفة ، وشَلَّمُ : اسم بيت المقدس بالنبطية ، وبَذَّرُ : وهو اسم ماء من مياه العرب . قال كُثيِّر :
سقى الله أمواتاً عرفت مكانها *** جُراباً وملوكاً وبَذَّرَ والغمرا
وخَصَّمُ : اسم للعنبر بن عمرو بن تميم(51) .
2 ـ ما أورده في معجم البلدان من كتاب « نحل العرب » .
الأبارق : قال ياقوت : غيرَ مضاف ، عَلَم لموضع بكرمان ، عن محمّـد بن بحر الرُّهني الكرماني(52) .
بَبْق: قال الرُّهني وذكر خبيصا من بلاد كرمان، ثمّ قال: وبناحيتها خبق وببق ولا أدري ما هما(53).
بردسير : بكسر السين وياء ساكنة وراء ، أعظم مدينة بكرمان ممّا يلي المفازة التي بين كرمان وخراسان ; وقال الرُّهني الكرماني : يقال : إنَّها من بناء اردشير بابكان(54) .
جيرفت : وقال الرُّهني : وبجيرفت ناس من الأزد ثمّ من المهالبة ، منهم محمّـد بن هارون النسّابة ; أعلم خلق الله تعالى بأنساب الناس وأيامهم ، قال : ورأيته شيخاً هِمّاً طاعناً في السنّ ، وكان أعلم من رأيت بنسب نزار واليمن ، وكان مفرطاً في التشيّع ، وكان له ابنان : عبد الله وعبد العزيز ، فنظر عبد العزيز في الطبّ فحسن عمله فيه ، وألطف النظر من غير تقليد ، وألّف فيه تآليف(55) .
الخبيص : قال الرُّهني : ويكتنف جانبي كرمان عرضان : القُفْص من جانب البحر ، وخبيص من جانب البرّ . وخبيص طرف بلاد فهلو ، قد مسخ الله لسانهم وغيّر بلادهم ، وبناحيتها خبْق وببْق(56) .
دار رزين : قال ياقوت : من نواحي سجستان ، وقال الرُّهني : من نواحي كرمان(57) .
سجستان : قال محمّـد بن بحر الرُّهني : سجستان إحدى بلدان المشرق ، ولم تزل لَقاحاً على الضيم ممتنعة من الهضم منفردة بمحاسن متوحّدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان ، ما في الدنيا سوقة أصحّ منهم معاملة ولا أقلّ منهم مخاتلة ، ومن شأن سوقة البلدان أنّهم إذا باعهم أو اشترى منهم العبد أو الأجير أو الصبي كان أحبّ إليهم من أن يشتري منهم الصاحب المحتاط والبالغ العارف ، وهم بخلاف هذه الصفة ، ثمّ مسارعتهم إلى إغاثة الملهوف ومداركة الضعيف ، ثمّ أمرهم بالمعروف ولو كان فيه جدع الأنف ، منها جرير بن عبد الله صاحب أبي عبد الله جعفر بن محمّـد الباقر(رضي الله عنه) ، ومنها خليدة السجستاني صاحب ( تاريخ آل محمّـد ) ; قال الرُّهني : وأجلّ من هذا كلّه أنّه لُعِن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) على منابر الشرق والغرب ، ولم يُلعن على منبرها إلاّ مرّة ، وامتنعوا على بني أُميّة حتّى زادوا في عهدهم أن لا يُلعنَ على منبرهم أحد ، ولا يصطاد في بلدهم قنفذاً ولا سلحفاة ، وأيُّ شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، على منبرهم وهو يُلعن على منابر الحَرَمين مكة والمدينة (58) ! .
سيرجان : قال الرُّهني : منها حرب بن إسماعيل ، لقي أحمد بن حنبل وصحبه ، وله مؤلّفات في الفقه ، منها كتاب السنّة والجماعة ، قال : شتم فيه فِرَقُ أهل الصلاة ، وقد نقضه عليه أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي(59) . والعبارة تدلّ على تشيّعه الأصيل.
القفس : قال الرُّهني : القفس جبل من جبال كرمان ممّا يلي البحر ، وسكّانه من اليمانية من الأزد بن الغوث ثمّ من ولد سليمة بن مالك بن فهم ، وولده لم يكونوا في جزيرة العرب على دين العرب ، للاعتراف بالمعاد والإقرار بالبعث ولا كانوا مع ذلك على دينهم في عبادة طواغيتهم التي كانوا يعبدونها من الأوثان والأصنام ، ثمّ انتقلوا إلى عبادة النيران فلم يعبدوها أيضاً عندهم وفي قدرتهم ..
ثمّ فتحت كرمان على عهد عثمان بن عفّان(رضي الله عنه) ، فلم يظهر لأحد منهم من ذلك الزمان إلى هذا الزمان ما يوجب لهم اسم نحلة وعقد ولا اسم ذمّة وعهد ، ولم يكن في جبالهم التي هي مأواهم بيت نار ولا فهر يهود ولا بيعة نصارى ولا مصلّى مسلم إلاّ ما عساه بناه في جبالهم الغزاة لهم ، وأخبرني مخبر أنّه أخرج من جبالهم الأصنام ولم أتحقّقه .
قال الرُّهني : وإنّي وجدت الرحمة في الإنسان وإن تفاوت أهلها فيها فليس أحد منهم يعرى من شيء منها ، فكأنّها خارجة من الحدود التي يميّز بها الإنسان من جميع الحيوان كالعقل والنطق اللذين جعلا سبباً للأمر والزجر ولأنّ الرحمة وإن كانت من نتائج قلب ذي الرحمة ولذلك في هذه الخلّة التي كأنّها في الإنسان صفة لازمة كالضحك ، فلم أجد في القفس منها قليلاً ولا كثيراً ، فلو أخرجناهم بذلك عن حدّ من حدود الإنسان لكان جائزاً . .
ولو جعلناهم من جنس ما يُصاد ويُرمى لا من جنس ما يُغزى ويُدعى ويؤمر ويُنهى إذا ما كان على ما بان لنا وظهر وانكشف وشهر أنّه لم يصلح إلى سياسة سائس ولا دعوة داع وهداية هاد ولم يعلق بقلوبهم ما يعلق بقلوب من هو مختار للخير والشر والإيمان والكفر كأنّ السبع الذي يقتل في الحرم والحلّ وفي السرق والأمن ولا يستبقى للاستصلاح والاستحيـاء للإصلاح أشبه منه بالإنسان الّذي يرجى منه الارعواء عن الجهالة والانتقال من حالة إلى حالة .
قال : وولد مالك بن فهم ثمانية : فراهيـد والخمام والهناءة ونوى والحارث ومعن وسليمة وجذيمة الأبرش بنو مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبـد الله بن مالك بن نصر بن الأزد .
قال : والمتمرّد من ولد عمرو بن عامر بوادي سبا هو جدّ القفس ، وذلك أنّ سليمة بن مالك هو قاتل أبيه مالك بن فهم ، وهو الفار من إخوته بولده وأهله من ساحل العرب إلى ساحل العجم ممّا يلي المكران والقاطن بعد في تلك الجبال .
قال الرُّهني : وأردنا بذكر هذه الأمور التي بيّناها من الفقس لندلّ على أنّهم لم يكن لهم قطّ في جاهليّة ولا إسلام ديانة يعتمدونها ، وليعلم الناس أنّهم مع هذه الأحوال يعظّمون من بين جميع الناس عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، لا لعقد ديانة ولكن لأمر غلب على فطرتهم من تعظيم قدره واستبشارهم عند وصفه(60) .
قوهستان : قال الرُّهني : أوّل بلاد قوهستان جوسف وآخرها إسبيذرستاق وهي الجنابذ ومايليها ، وأهل الجنابذ يدّعون أنّ أرضهم من حدود الجنبذ لأنّها بين قائن التي هي قصبة قوهستان ، ويدّعي أهل قائن أنّ إسبيذرستاق من أرض قوهستان إلاّ أنّها من عمل قوهستان . قال الرُّهني : وعرضها ما بين كرين إلى زوزن وهي مفاوز ليس فيها شيء ، وإنّما عمران قوهستان ما بين النخيرجان ومسينان إلى إسبيذرستاق ، وهذه المدن والقرى التي بقوهستان متباعدة في أعراضها مفاوز ، وليست العمارة بقوهستان مشتبكة مثل اشتباكها بسائر نواحي خراسان ، وفي أضعاف مُدُنها مَفاوز يسكنها أكراد وأصحاب السوائم من الإبل والغنم ; وليس بقوهستان فيما علمته نهر جار ، إنّما هي القَنى والآبار(61) .
لاز : بالزّاي من نواحي خواف من أعمال نيسابور . وقال الرُّهني : لاز من ناحية زوزن ، نسب إليها أبو الحسن بن أبي سهل بن أبي الحسن اللازي ، شاعر فاضل ، ومن شعره :
يشم الأنوف الشمّ عرصة داره *** وأعجب بأنف راغم فاز بالفخر ومن قدماء أهل لاز أحمد بن أسد العامري وأبناه أبو الحارث أسد وأبو محمّـد جعفر ، وكانوا علماء شعراء لا يشقّ غبارهم(62) .
نسا : قال الرُّهني : نسا من رساتيق بمّ بكرمان; ونسا مدينة بهمذان(63) .
هراة : قال الرُّهني : إنّ مدينتها بُنيت للإسكندر وذلك أنّه لمّا دخل الشرق ومرّ بها إلى الصين وكان من عادته أن يكلّف أهل كلّ بلد ببناء مدينة تحصنهم من الأعداء فيقدّرها ويهندسها لهم ، وأنّه أُعلِمَ أنّ في أهل هراة شِماساً وقلّة قبول ، فاحتال عليهم وأمرهم أن يبنوا مدينة ويحكموا أساسها ، ثمّ خطّ لهم طولها وعرضها وسمك حيطانها وعدد أبراجها وأبوابها ، واشترط لهم أن يوفّيهم أجورهم وغراماتهم عند عوده من ناحية الصين ، فلمّا رجع من الصين ونظر إلى ما بنوه ، عابه وأظهر كراهيّته وقال : ما أمرتكم أن تبنوا هكذا ، فردّ بناءهم عليهم بالعيب ولم يعطهم شيئاً(64) .
يبدو أنّ هناك معلومات كثيرة جدّاً نقلها ياقوت الحموي في معجم البلدان عن الرُّهني ولكنّه لم يذكره بالاسم ويمكن أن تكون هذه المعلومات غالباً عن مدن وقرى خراسان وكرمان وسيستان .
موردان من كتاب « الفرق بين الآل والأُمّة » :
ألف ـ كتبت عدّة كتب بهذا العنوان ، أحدها من الريّان بن الصلت الأشعري القمّي ، قال النجاشي : « إنّ له كتاباً جمع فيه كلام الرضا (عليه السلام) في الفرق بين الآل والأُمّة »(65) ، والآخر من عيسى بن مهران المستعطف تحت عنوان كتاب الفرق بين الآل والأُمّة(66) ، وآخر أيضاً من الميرزا محمّـد بن بحر الرُّهني وقد ذكره الشيخ الطوسي في فهرسته واسمه : كتاب الفرق بين الآل والأُمّة(67) .
ونذكر أدناه نصّاً ذكره الكفعمي وقد أتى في آخره ما نصّه : « ذكر ذلك محمّـد بن بحر الشيباني في كتابه عن ثعلب عن ابن الأعرابي » ، ونظراً إلى محتوى ما نقل فالمحرز لدينا أنّه لا بدّ وأن يكون من كتاب الفرق بين الآل والأُمّة للرهني حيث قال الكفعمي(68) (رحمه الله) : « العترة » ولد الرجل وذرّيته من صلبه ، ولذلك سمّيت ذرّية النبيّ (صلى الله عليه وآله) من فاطمة وعليّ (عليه السلام) عترة محمّـد (صلى الله عليه وآله) .
والعترة : البلدة والبيضة ، فهم (عليهم السلام) بلدة الإسلام وبيضته وأُصوله .
والعترة : صخرة عظيمة يتّخذ الضبّ جحره عندها ; يهتدي بها لئلاّ يضلَّ عنه ، وهم (عليهم السلام) الهداة للخلق على معنى الصخرة .
والعترة : أصل الشجرة المقطوعة التي تنبت من أُصولها ، وهم (عليهم السلام)أصل الشجرة المقطوعة ; لأنّهم وتِروا وقُطعوا وظُلموا فنبتوا من أُصولهم لم يضرّهم قطع من قطعهم .
والعترة : شجرة صغيرة كثيرة اللبن بتهامة ، وهم (عليهم السلام) ينابيع العلم على معنى كثرة اللبن .
والعترة : شجرة تنبت على باب وجار الضبع ، وهم (عليهم السلام) الشجرة التي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أصلها ، وعليّ فرعها ، والأئمّة (عليهم السلام) أغصانها ، وشيعتهم ورقها .
والعترة : قطع المسك الكبار في النافجة ، وهم (عليهم السلام) من بين بني هاشم ومن أبي طالب كقطع المسك الكبار في النافجة .
والعترة : العين النابعة العذبة ، وعلومهم لا شيء أعذب منها عند أهل الحكمة والعقل .
والعترة : الذكور من الأولاد ، وهم (عليهم السلام) ذكور غير إناث .
والعترة : الريح ، وهم جند الله تعالى وحزبه كما أنّ الريح جند الله .
والعترة : نبت ينبت متفرّقاً مثل المرزنجوش ، وهم (عليهم السلام) أصحاب المشاهد المتفرّقة وبركاتهم منبثّة في المشرق والمغرب .
والعترة : قلائد تعجن بالمسك والأفاوية ، وهم (عليهم السلام) أولياء الله المتّقون وعباده المخلصون(69) .
والعترة : الرَّهط ، وهم (عليهم السلام) رهط رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ورهط الرجل قومه وقبيلته .
إذا عرفت ذلك ، فجميع ما قلناه من الألفاظ في معنى العترة التي اختلف العلماء فيها ، فهي كناية عنهم (عليهم السلام) . ذكر ذلك محمّـد بن بحر الشيباني في كتابه عن ثعلب عن ابن الأعرابي(70) .
باء ـ في كمال الدين(71) : وحكى محمّـد بن بحر الشيباني ، عن محمّـد بن عبد الجبّار صاحب أبي العبّاس ثعلب في كتابه الذي سمّاه كتاب الياقوتة ، قال :
حدّثني أبو العبّاس ثعلب(72) قال : حدّثني ابن الأعرابي قال : العترة : قطاع المسك الكبار في النافجة وتصغيرها عتيرة . والعترة : الريقة العذبة وتصغيرها عتيرة . والعترة : شجرة تنبت على باب وجار الضبّ ، وأحسبه أراد وجار الضبع ; لأنّ الذي يكون هو للضبّ مكنٌ(73) وللضبع وجار ثمّ قال : وإذا خرجت الضبُّ من وجارها تمرّغت على تلك الشجرة فهي لذلك لا تنمو ولا تكبر ، والعرب تضرب مثلا للذليل والذلّة فتقول : أذلُّ من عترة الضبّ قال : وتصغيرها عتيرة والعترة : ولد الرجل وذرّيته من صلبه ، ولذلك سمّيت ذرّية محمّـد (صلى الله عليه وآله) من عليّ وفاطمة (عليهم السلام) عترة محمّـد (صلى الله عليه وآله) .
قال ثعلب : فقلت لابن الأعرابي : فما معنى قول أبي بكر في السقيفة : « نحن عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال : أراد بلدته وبيضته . وعترة محمّـد (صلى الله عليه وآله)لا محالة ولد فاطمة (عليهم السلام) ، والدليل على ذلك ردّ أبي بكر وإنفاذ عليّ (عليه السلام)بسورة براءة ، وقوله (صلى الله عليه وآله) : « أُمرت أن لا يبلّغها عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي » ، فأخذها منه ودفعها إلى من كان منه دونه . فلو كان أبو بكر من العترة نسباً دون تفسير ابن الأعرابي أنّه أراد البلدة ، لكان محالا أخذ سورة براءة منه ودفعها إلى عليّ (عليه السلام) » .
موارد من كتاب « كتاب الحجّة في إبطاء القائم ( عج ) »:
أ ـ في كمال الدين(74) : حدّثنا محمّـد بن علي بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي ، قال : حدّثنا أحمد بن طاهر القمّي ، قال : حدّثنا محمّـد بن بحر بن سهل الشيباني ، قال : أخبرنا عليّ بن الحارث عن سعيد بن منصور الجواشني ، قال : أخبرنا أحمد بن علي البديلي ، قال : أخبرنا أبي عن سدير الصيرفي قال : . . .
وفي الغيبة للطوسي (75) : أخبرني جماعة ، عن أبي المفضّل محمّـد بن عبد الله بن محمّـد بن عبيد الله بن المطلب (رحمه الله) ، قال : حدّثنا أبو الحسين محمّـد بن بحر بن سهل الشيباني الرُّهني ، قال : أخبرنا علي بن الحارث ، عن سعد(76) بن المنصور الجواشني ، قال : أخبرنا أحمد بن علي البديلي ، قال : أخبرني أبي عن سدير الصيرفي ، قال : دخلت أنا والمفضّل بن عمر وداود بن كثير الرقّي وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا الصادق (عليه السلام) ، فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح(77) خيبريّ مطرّف بلا جيب ، مقصّر الكُمَّين ، وهو يبكي بكاء الوالهة الثكلى ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيّر في عارضيه ، وأبلى الدمع محجريه ، وهو يقول :
« سيّدي غيبتك نفت رقادي وضيّقت عليّ مهادي وابتزّت منّي راحة فؤادي ، سيّدي غيبتك أوصلت مصائبي بفجائع الأبد ، وفقد(78) الواحد بعد الواحد بفناء الجمع والعدد ، فما أُحسُّ بدمعة ترقأ من عيني وأنين يفشا(79) من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلاّ مثل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها ، وبواقي أشدّها وأنكرها ، ونوائب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك (80) » .
قال سدير فاستطارت عقولنا ولهاً وتصدّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل(81) ، فظننّا أنّه سَمَتَ(82) لمكروهة قارعة ، أو حلّت به من الدهر بائقة ، فقلنا :
لا أبكى الله عينيك يا ابن خير الورى ، من أيّة حادثة تستذرف(83)دمعتك وتستمطر عبرتك ؟ وأيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟
قال : فزفر(84) الصادق (عليه السلام) زفرة انتفخ منها جوفه ، اشتدّ منها خوفه فقال :
« ويكم(85) ! إنّي نظرت صبيحة هذا اليوم في كتاب الجفر المشتمل على علم البلايا والمنايا ، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، الذي خصّ الله تقدّس اسمه به محمّـداً والأئمّة من بعده (عليهم السلام) ، وتأمّلت فيه مولد قائمنا (عليه السلام)وغيبته وإبطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين ( من ) بعده في ذلك الزمان ، وتولّد الشكوك في قلوب الشيعة من طول غيبته ، وارتداد أكثرهم عن دينه ، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال الله عزّ وجلّ : ( وَكُلَّ إِنسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ )(86) ، يعني الولاية ، فأخذتني الرقّة واستولت عليّ الأحزان » .
فقلنا : يا ابن رسول الله! كرِّمنا وفضِّلنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك .
قال : « إنّ الله ـ تعالى ذكره ـ أدار في القائم منّا ثلاثة أدراها لثلاثة من الرسل قدَّر مولده تقدير مولد موسى (عليه السلام) ، وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى (عليه السلام) ، وقدّر إبطاءه تقدير إبطاء نوح (عليه السلام) ، وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح ـ أعني الخضر (عليه السلام) ـ دليلا على عمره » .
فقلنا : اكشف لنا يا ابن رسول الله عن وجوه هذه المعاني .
قال : « أمّا مولد موسى (عليه السلام) فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة ، فدلّوا على نسبه وأنّه يكون من بني إسرائيل ، فلم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتّى قتل في طلبه نيّفاً وعشرين(87) ألف مولود ، وتعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى (عليه السلام)بحفظ الله تعالى إيّاه .
كذلك بنو أُميّة وبنو العبّاس لمّا وقفوا على أنّ به زوال مَملكة(88)الأمراء والجبابرة منهم على يدي القائم منّا ، ناصبونا العداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإبادة نسله ; طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم (عليه السلام) ، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون .
وأمّا غيبة عيسى (عليه السلام) ، فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل ، فكذّبهم الله عزّ وجلّ بقوله : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِن شُبِّهَ لَهُمْ )(89) .
كذلك غيبة القائم ، فإنّ الأُمّة ستنكرها لطولها ، فمن قائل يقول : إنّه لم يولد ، وقائل يفتري بقوله : إنّه ولد ومات ، وقائل يكفر بقوله : إنّ حادي عشرنا كان عقيماً ، وقائل يمرق بقوله : إنّه يتعدّى إلى ثالث عشر فصاعداً ، وقائل يعصي الله بدعواه : إنّ روح القائم (عليه السلام) ينطق في هيكل غيره .
وأمّا إبطاء نوح (عليه السلام) فإنّه لمّا استنزل العقوبة ( من السماء ) بعث الله إليه جبرئيل (عليه السلام) معه سبع نويات ، فقال : يا نبيّ الله ! إنّ الله جلّ اسمه يقول لك : إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلاّ بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة ، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإنّي مثيبك عليه ، واغرس هذا النوى ; فإنّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص ، وبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين .
فلمّا نبتت الأشجار وتأزّرت وتسوّقت وأغصنت ، وزها الثمر عليها(90)بعد زمان طويل استنجز من الله العِدَة ، فأمره الله تعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ، ويعاود الصبر والاجتهاد ، ويؤكّد الحجّة على قومه ، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتدّ منهم ثلاثمئة رجل وقالوا : لو كان ما يدّعيه نوح حقّاً لما وقع في عدّته خلف .
ثمّ إنّ الله تعالى لم يزل يأمره عند إدراكها كلّ مرّة أن يغرس تارة بعد أُخرى إلى أن غرسها سبع مرّات ، وما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عادوا إلى نيّف وسبعين رجلا ، فأوحى الله عزّ وجلّ عند ذلك إليه وقال : الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرّح الحقّ عن محضه ، وصفا الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة .
فلو أنّي أهلكت الكفّار وأبقيت من ارتدّ من الطوائف التي كانت آمنت بك ، لما كنت صدّقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا لي التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوّتك ، بأن استخلفهم في الأرض ، وأُمكّن لهم دينهم ، وأُبدّل خوفهم بالأمن ; لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم .
وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن منّي لهم ، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدّوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوخ(91) الضلالة ؟ فلو أنّهم تنسّموا(92) من الملك الذي أُوتي المؤمنون وقت الاستخلاف إذا هلكت(93) أعداؤهم ، ( لنشقوا ) روائح صفاته ، ولاستحكم ( سرائر ) نفاقهم ، وتأبّد خبال ضلالة قلوبهم ، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة ، وحاربوهم على طلب الرئاسة ، والتفرّد بالأمر والنهي عليهم ، وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب ! كلاّ ( فاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا )(94) .
قال الصادق (عليه السلام) : وكذلك القائم (عليه السلام) ، فإنّه تمتدّ غيبته ليصرّح الحقّ عن محضه ، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم (عليه السلام) » .
قال المفضّل : فقلت : يا ابن رسول الله ! فإنّ النواصب تزعم ( أنّ )(95)هذه الآية أنزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، فقال :
« لا أهدى الله قلوب الناصبة ! متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكّناً بانتشار الأمن في الأُمّة وذهاب الخوف من قلوبها وارتفاع الشكّ من صدورها ، في عهد واحد من هؤلاء أو في عهد عليّ (عليه السلام) ، مع ارتداد المسلمين والفتن التي كانت تثور في أيّامهم والحروب والفتن التي كانت تشبّ بين الكفّار وبينهم ؟ ثمّ تلا الصادق (عليه السلام) هذه الآية مثلا لإبطاء القائم (عليه السلام) : ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا )(96) الآية .
وأمّا العبد الصالح ـ أعني الخضر (عليه السلام) ـ فإنّ الله تعالى ما طوّل عمره لنبوّة قرّرها له ، ولا لكتاب نزل عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء (عليهم السلام) ، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ، ولا لطاعة يفرضها ، بلى إنّ الله تعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يقدّره(97) ، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام) ; ليقطع بذلك حجّة المعاندين لئلاّ يكون للناس على الله حجّة(98) .
ب ـ في كمال الدين(99) : حدّثنا محمّـد بن عليّ بن محمّـد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني ، قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي ، قال : حدّثنا أحمد بن طاهر القمّي ، قال : حدّثنا محمّـد ابن بحر بن سهل الشيباني ، قال : حدّثنا أحمد بن مسرور(100) عن سعد بن عبد الله القمّي ، قال : كنت امرأً لهجاً بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها ، كلفاً باستظهار ما يصحّ لي من حقائقها ، مغرماً(101) بحفظ مشتبهها ومستغلقها ، شحيحاً على ما أظفر به من معضلاتها(102) ومشكلاتها ، متعصّباً لمذهب الإماميّه ، راغباً عن الأمن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدّي إلى التباغض والتشاتم ، معيباً لفِرق ذوي الخلاف ، كاشفاً عن مثالب أئمّتهم ، هتّاكاً لحجب قادتهم ، إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة ، وأطولهم مخاصمة ، وأكثرهم جدلا ، وأشنعهم سؤالا وأثبتهم على الباطل قدماً .
فقال ذات يوم ـ وأنا أُناظره ـ : تَبّاً لك ولأصحابك يا سعد ! إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما ، وتجحدون من رسول الله ولايتهما وإمامتهما ، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته ، أما علمتم أنّ رسول الله ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلاّ علماً منه أنّ الخلافة له من بعده ، وأنّه هو المقلّد لأمر التأويل ، والملقى إليه أزمّة الأُمّة ، وعليه المعوّل في شعب الصدع ولمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك(103) ، كما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته ، إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه ، ولمّا رأينا النبيّ متوجّهاً إلى الانجحار ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد ، استبان لنا قصد رسول الله بأبي بكر للغار ; للعلّة التي شرحناها .
وإنّما أبات عليّاً على فراشه لمّا لم يكن يكترث به ولم يحفل به لاستثقاله(104) ، ولعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها .
قال سعد : فأوردت عليه أجوبة شتّى ، فما زال يعقّب(105) كلّ واحد منها بالنقص والردّ عليّ ، ثمّ قال : يا سعد ! ودونكها أُخرى بمثلها تخطم أنوف الروافض(106) ، ألستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرّأ من دنس الشكوك والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق ؟ واستدللتم بليلة العقبة ، أخبرني عن الصدّيق والفاروق ، أسلما طوعاً أو كرهاً ؟
قال سعد : فاحتلت لدفع هذه المسألة عنّي خوفاً من الإلزام ، وحذراً من أنّي إن أقررت له بطوعهما(107) للإسلام احتجّ بأنّ بدء النفاق ونشأه في القلب لا يكون إلاّ عند هبوب روائح القهر والغلبة ، وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد إليه قلبه ، نحو قول الله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا )(108) وإن قلت : أسلما كرهاً كان يقصدني بالطعن إذ لم تكن ثمّة سيوف منتضاة(109) كانت تريهما البأس .
قال سعد : فصدرت عنه مزورّاً(110) قد انتفخت أحشائي من الغضب ، وتقطّع كبدي من الكرب ، وكنت قد اتّخذت طوماراً وأثبتّ فيه نيّفاً وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيباً ، على أن أسال عنها خبير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّـد (عليه السلام) .
فارتحلت خلفه وقد كان خرج قاصداً نحو مولانا بسرّ من رأى ، فلحقته في بعض المنازل ، فلمّا تصافحنا قال : بخير لحاقك بي . قلت : الشوق ثمّ العادة في الأسولة . قال : قد تكافينا على هذه الخطّة الواحدة ، فقد برّح بي القرم(111) إلى لقاء مولانا أبي محمّـد (عليهم السلام) وأنا أُريد أن أسأله عن معاض في التأويل ومشاكل في التنزيل ، فدونكها الصحبة المباركة فإنّها تقف بك على ضفّة بحر(112) لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه ، وهو إمامنا .
فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا فاستأذنّا فخرج علينا الآذن بالدخول عليه ، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبري فيه مئة وستّون صرّة من الدنانير والدراهم ، على كلّ صرّة منها ختم صاحبها .
قال سعد : فما شبّهت وجه مولانا أبي محمّـد (عليه السلام) حين غشينا نور وجهه إلاّ ببدر قد استوفى من لياليه أربعاً بعد عشر ، وعلى فخذه الأيمن غلامٌ يناسب المشتري في الخلقة والمنظر ، على رأسه فرق بين وفرتين كأنّه ألف بين واوين ، وبين يدي مولانا رمّانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها ، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة ، وبيده قلمٌ إذا أراد أن يسطر به على البياض شيئاً قبض الغلام على أصابعه ، فكان مولانا يدحرج الرمّانة بين يديه ويشغله بردّها كيلا يصدّه عن كتابة ما أراد(113) فسلّمنا عليه فألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس .
فلمّا فرغ من كتبه البياض الذي كان بيده ، أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر الهادي (عليه السلام)(114) إلى الغلام وقال له :
« يا بني فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك » .
فقال : يا مولاي أيجوز أن أمدّ يداً طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟ » .
فقال مولاي : « يا ابن إسحاق ! استخرج ما في الجراب ليميّز ما بين الحلال والحرام منها » .
فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام :
« هذه لفلان بن فلان ، من محلّة كذا بقمّ ، تشتمل على اثنين وستّين ديناراً ، فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها وكانت إرثاً له عن أبيه خمسة وأربعون ديناراً ، ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر ديناراً ، وفيها من أُجرة الحوانيت ثلاثة دنانير » .
فقال مولانا : « صدقت يا بني ، دُلّ الرجل على الحرام منها » .
فقال (عليه السلام) : « فتّش عن دينار رازي السكّة ، تاريخه سنة كذا ، قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه ، وقراضه آمليّة وزنها ربع دينار ، والعلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الصرّة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّاً وربع منّ ، فأتت على ذلك مدّة ، وفي انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق ، فأخبر به الحائك صاحبه فكذّبه واستردّ منه بدل ذلك منّاً ونصف منّ غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه ، واتّخذ من ذلك ثوباً ، كان هذه الدنانير مع القراضة ثمنه » .
فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال ، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة .
ثمّ أخرج صرّة أُخرى فقال الغلام :
« هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم ، تشتمل على خمسين ديناراً لا يحلّ لنا لمسها » .
قال : « وكيف ذاك؟ » قال :
« لأنّها من ثمن حنطة حاف صاحبها على أكّاره في المقاسمة ، وذلك أنّه قبض حصّته منها بكيل واف وكان ما حصّ الأكّار بكيل بخس » .
فقال مولانا : « صدقت يا بني » .
ثمّ قال : « يا أحمد بن إسحاق : احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها ; فلا حاجة لنا في شيء منها وائتنا بثوب العجوز » .
قال أحمد : وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته(115) .
فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب ، نظر إليّ مولانا أبو محمّـد (عليه السلام) فقال : « ما جاء بك يا سعد ؟ » .
فقلت : شوّقني أحمد بن إسحاق على لقاء مولانا .
قال : « والمسائل التي أردت أن تسأله عنها ؟ » .
قلت : على حالها يا مولاي .
قال : « فسل قرّة عيني » وأومأ إلى الغلام ، فقال لي الغلام : « سل عمّا بدا لك منها » .
فقلت له : مولانا وابن مولانا إنّا روينا عنكم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة : « إنّك قد أرهجت على الإسلام(116) وأهله بفتنتك ، وأوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك ، فإن كففت عنّي غربك(117) وإلاّ طلّقتك » ، ونساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان طلاقهنّ وفاته .
قال : « ما الطلاق؟ »
قلت : تخلية السبيل .
قال : « فاذا كان طلاقهنّ وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد خلّيت لهنّ السبيل فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج ؟ » .
قلت : لأنّ الله تبارك وتعالى حرّم الأزواج عليهنّ .
قال : « كيف ! وقد خلّى الموت سبيلهنّ ؟ » .
قلت : فاخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوّض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حكمه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) .
قال : « إنّ الله تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله) فخصّهنّ بشرف الأُمّهات ، فقال رسول الله : يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن لله على الطاعة ، فأيّتهنّ عصت الله بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج ، وأسقطها من شرف أُمومة المؤمنين »(118) .
قلت : فأخبرني عن الفاحشة المبيّنة التي إذا أتت المرأة بها في عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته .
قال : « الفاحشة المبيّنة هي السحق دون الزنا(119) فإنّ المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزوّج بها لأجل الحدّ ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي ، ومن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه ، ومن أخزاه فقد أبعده ، ومن أبعده فليس لأحد أن يقرّبه » .
قلت : فأخبرني يا ابن رسول الله عن أمر الله لنبّيه موسى (عليه السلام) : ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً(120) ) فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة .
فقال (عليه السلام) : « من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوّته ; لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين إمّا تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة ، فإن كانت صلاته جائزة ، جاز له لبسهما في تلك البقعة ، وإن كانت مقدّسة مطهّرة فليس بأقدس وأطهر من الصلاة ، وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما ، فقد أوجب على موسى أنّه لم يعرف الحلال من الحرام ، وما علم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز ، وهذا كفر »(121) .
قلت : فاخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما .
قال : « إنّ موسى ناجى ربّه بالواد المقدّس فقال : يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي ، وغسلت قلبي عمّن سواك ـ وكان شديد الحبّ لأهله ـ فقال الله تعالى : ( اخلع نعليك ) أي انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة ، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولا » .
قلت : فاخبرني يا ابن رسول الله عن تأويل ( كهيعص ) .
قال : « هذه الحروف من أنباء الغيب ، أطلع الله عليها عبده زكريّا ، ثمّ قصّها على محمّـد (صلى الله عليه وآله) وذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إيّاها ، فكان زكريّا إذا ذكر محمّـداً وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين سُرِّيَ عنه همّه ، وانجلى كربه ، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة ، ووقعت عليه البهرة(122) .
فقال ذات يوم : يا إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعاً منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي ، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي ؟ فأنبأه الله تعالى عن قصّته ، وقال : ( كهيعص ) فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد ، وهو ظالم الحسين (عليه السلام) ، والعين عطشه ، والصاد صبره(123) .
فلمّا سمع ذلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيها الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب ، وكانت ندبته : « إلهي أتفجّع خير خلقك بولده ! إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ! إلهي أتلبس عليّاً وفاطمة ثياب هذه المصيبة ! إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما ! » ثمّ كان يقول : « اللّهمّ ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر ، واجعله وارثاً وصيّاً ، واجعل محلّه منّي محلّ الحسين ، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ، ثمّ فجّعني به كما تفجّع محمّـداً حبيبك بولده » فرزقه الله يحيى وفجّعه به . وكان حمل يحيى ستّة أشهر وحمل الحسين (عليه السلام) كذلك ، وله قصّة طويلة » .
قلت : فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم .
قال : « مصلحٌ أو مفسدٌ؟ » .
قلت : مصلحٌ .
قال : « فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدٌ ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ » .
قلت : بلى .
قال : « فهي العلّة ، وأُوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك(124) : أخبرني عن الرّسل الذين اصطفاهم الله تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأُمم(125) وأهدى إلى الاختيار ، منهم مثل موسى وعيسى (عليهما السلام) هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن ؟ » .
قلت : لا .
فقال : « هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم ، فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله تعالى : (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا ـ إلى قوله ـ لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم )(126) فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور وما تكنّ الضمائر وتتصرّف عليه السرائر ، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح .
ثمّ قال مولانا : « يا سعد ! وحين ادّعى خصمك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أخرج مع نفسه مختار هذه الأُمّة إلى الغار إلاّ علماً منه أنّ الخلافة له من بعده ، وأنّه هو المقلّد أُمور التأويل ، والملقى إليه أزمّة الأُمّة ، وعليه المعوّل في لمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود ، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر ، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته ، إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه ، وإنّما أبات عليّاً على فراشه لمّا لم يكن يكترث له ، ولم يحفل به لاستثقاله إيّاه ، وعلمه أنّه إن قُتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها .
فهلاّ نقضت عليه دعواه بقولك : أليس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم .
فكان لا يجد بدّاً من قوله لك : بلى .
قلت : فكيف تقول حينئذ : أليس كما علم رسول الله أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعليّ ؟
فكان أيضاً لا يجد بُدّاً من قوله لك : نعم .
ثمّ كنت تقول له : فكان الواجب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يخرجهم جميعاً على الترتيب إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر ، ولا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم وتخصيصه أبا بكر وإخراجه مع نفسه دونهم .
ولمّا قال : أخبرني عن الصدّيق والفاروق...
قال سعد : ثمّ قام مولانا الحسن بن عليّ الهادي (عليه السلام) للصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما ، وطلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكياً ، فقلت : ما أبطأك وأبكاك ؟ قال : قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره . قلت : لا عليك فأخبره ، فدخل عليه مسرعاً وانصرف من عنده متبسّماً وهو يصلّي على محمّـد وآل محمّـد ، فقلت : ما الخبر ؟ قال : وجدت الثوب مبسوطاً تحت قدمي مولانا يصلّي عليه .
قال سعد : فحمدنا الله تعالى على ، ذلك وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا أيّاماً ، فلا نرى الغلام بين يديه . فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا(127) ، وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائماً وقال :
يا ابن رسول الله ! قد دنت الرحلة ، واشتدّ المحنة(128) ، فنحن نسأل الله تعالى أن يصلّي على المصطفى جدّك ، وعلى المرتضى أبيك ، وعلى سيّدة النساء أُمّك ، وعلى سيّدَيْ شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك ، وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك ، وأن يصلّي عليك وعلى ولدك ، ونرغب إلى الله أن يعلي كعبك ويكبت عدوّك ، ولا جعل الله هذا آخر عهدنا من لقائك .
قال : فلمّا قال هذه الكلمات ، استعبر مولانا حتّى استهلّت دموعه وتقاطرت عبراته ، ثمّ قال :
« يا ابن إسحاق ! لا تكلّف في دعائك شططاً ، فإنّك ملاق الله تعالى في صَدرك هذا » .
فخرّ أحمد مغشيّاً عليه ، فلمّا أفاق قال : سألتك بالله وبحرمة جدّك إلاّ شرّفتني بخرقة أجعلها كفناً .
فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهماً فقال :
« خذها ولا تنفق على نفسك غيرها ، فإنّك لن تعدم ما سألت ، وأنّ الله تبارك وتعالى لن يضيع أجر من أحسن عملا » .
قال سعد : فلمّا انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حُلوان على ثلاثة فراسخ ، حُمَّ أحمد بن إسحاق وثارت به علّة صعبة أيس من حياته فيها ، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطناً بها(129) ، ثمّ قال : تفرّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي ، فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد منّا إلى مرقده .
قال سعد : فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح ، أصابتني فكرة(130) ، ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم ( خادم مولانا أبي محمّـد (عليه السلام) ) وهو يقول :
أحسن الله بالخير عزاكم ، وجبر بالمحبوب رزيّتكم ، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه ، فقوموا لدفنه ; فإنّه من أكرمكم محلاًّ عند سيّدكم .
ثمّ غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتّى قضينا حقّه ، وفرغنا من أمره(131) (رحمه الله) .
ج ـ في كمال الدين(132) : حدّثنا محمّـد بن عليّ بن حاتم النوفلي ، قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي ، قال : حدّثنا أحمد ابن طاهر القمّي ، قال : حدّثنا أبو الحسين محمّـد بن بحر الشيباني ، قال : وردت كربلاء سنة ستٍّ وثمانين ومئتين ، قال : وزرت قبر غريب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ انكفأت إلى مدينة السلام متوجّهاً إلى مقابر قريش في وقت قد تضرّمت الهواجر وتوقّدت السمائم ، فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران ، أكببت عليها بعبرات متقاطرة ، وزفرات متتابعة ، وقد حجب الدمع طرفيّ عن النظر . فلمّا رقأت العبرة وانقطع النحيب ، فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه ، وتقوّس منكباه ، وثقنت جبهته وراحتاه ، وهو يقول لآخر معه عند القبر : يا ابن أخي ! لقد نال عمّك شرفاً بما حمّله السيّدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم ، التي لم يحمل مثلها إلاّ سلمان ، وقد أشرف عمّك على استكمال المدّة وانقضاء العمر ، وليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسرّه .
قلت : « يا نفس ! لا يزال العناء والمشقّة ينالان منكِ بإتعابي الخفّ والحافر(133) في طلب العلم ، وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ على عِلم جسيم وأثر عظيم ، فقلت :
أيّها الشيخ ! ومن السيّدان ؟
قال : النجمان المغيّبان في الثرى بسرّ من رأى .
فقلت : إنّي أقسم بالموالاة وشرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة والوراثة ، إنّي خاطب علمهما ، وطالبٌ آثارهما ، وباذلٌ من نفسي الأيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما .
قال : إن كنت صادقاً فيما تقول فاحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم .
فلمّا فتّش الكتب وتصفّح الروايات منها قال : صدقت ، أنا بشر بن سليمان النخّاس(134) ، من ولد أبي أيّوب الأنصاري ، أحد موالي أبي الحسن وأبي محمّـد (عليهما السلام) ، وجارهما بسرّ من رأى .
قلت : فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما .
قال : كان مولانا أبو الحسن عليّ بن محمّـد العسكري (عليهما السلام) فقّهني في أمر الرقيق ، فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلاّ بإذنه ، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات ، حتّى كملت معرفتي فيه ، فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام .
فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسرّ من رأى وقد مضى هويّ(135) من الليل إذ قرع الباب قارع ، فعدوت مسرعاً فإذا أنا بكافور الخادم ، رسول مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّـد (عليهما السلام) ; يدعوني إليه .
فلبست ثيابي ودخلت عليه ، فرأيته يحدّث ابنه أبا محمّـد واخته حكيمة من وراء الستر ، فلمّا جلست قال :
« يا بشر ! إنّك من ولد الأنصار ، وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلفٌ عن سلف ، فأنتم ثقاتنا أهل البيت ، وإنّي مزكّيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة(136) في الموالاة بها : بسرٍّ أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة »(137) .
فكتب كتاباً ملصقاً(138) بخطّ روميّ ولغة روميّه ، وطبع عليه بخاتمه ، وأخرج شستقة(139) صفراء فيها مئتان وعشرون ديناراً فقال :
« خذها وتوجّه بها إلى بغداد ، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا ، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها ، فستحدّق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس ، وشراذم من فتيان العراق ، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البُعد على المسمّى ( عمر بن يزيد النخّاس ) عامّة نهارك إلى أن يُبرِزَ للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا ، لابسة حريرتين صفيقتين ، تمتنع من السفور ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمّل مكاشفها من وراء الستر الرقيق ، فيضربها النخّاس فتصرخ صرخة روميّة ، فاعلم أنّها تقول : ( واهتك ستراه ) ، فيقول بعض المبتاعين :
عليّ بثلاثمائة دينار ; فقد زادني العفاف فيها رغبة ، فتقول بالعربيّة :
لو برزتَ في زيِّ سليمان ، وعلى مثل سرير ملكه ، ما بدت لي فيك رغبة ، فاشفق على مالك .
فيقول النخّاس : فما الحيلة ولا بدّ من بيعك .
فتقول الجارية : وما العجلة ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه و إلى أمانته وديانته ؟ !.
فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له :
إنّ معي كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف ، كتبه بلغة روميّة وخطّ روميّ ، ووصف فيه كرمه ووفاه ونبله وسخاءه ، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه ، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك » .
قال بشر بن سليمان النخّاس : فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية ، فلمّا نظَرت في الكتاب بكت بكاءً شديداً ، وقالت لعمر بن يزيد النخّاس :
بعني من صاحب هذا الكتاب ، وحلفت بالمحرّجة المغلّظة(140) إنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها .
فما زلت أُشاحّه في ثمنها حتّى أستقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير في الشستقة الصفراء ، فاستوفاه منّي وتسلّمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد ، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاها (عليه السلام)من جيبها وهي تلثمه(141) وتضعه على خدّها ، وتطبقه على جفنها ، وتمسحه على بدنها .
فقلت تعجباً منها : أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه ؟
قالت : « أيّها العاجز الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء أعرني سمعك ، وفرّغ لي قلبك ، أنا مليكة بنت يشوعا(142) بن قيصر ملك الروم ، وأُمّي من ولد الحواريّين ، تُنسب إلى وصيّ المسيح شمعون ، أُنبئك العجب العجيب :
إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة ، فجمع في قصره من نسل الحواريّين ومن القسّيسين والرهبان ثلاثمئة رجل ، ومن ذوي الأخطار سبعمئة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وقوّاد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف ، وأبرز من بهو ملكه عرشاً مسوّغاً(143) من أصناف الجواهر إلى صحن القصر ، فرفعه فوق أربعين مرقاة ، فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عُكّفاً ، ونشرت أسفار الإنجيل ، تسافلت الصلبان(144) من الأعالي فلصقت بالأرض ، وتقوّضت الأعمدة(145) فانهارت إلى القرار ، وخرّ الصاعد من العرش مغشيّاً عليه ، فتغيّرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم .
فقال كبيرهم لجدّي : أيّها الملك ! أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدّين المسيحي والمذهب الملكاني(146) .
فتطيّر جدّي من ذلك تطيّراً شديداً ، وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة ، وارفعوا الصلبان ، واحضروا أخا هذا المدبّر العاثر(147) المنكوس جدّه ; لأزوّج منه هذه الصبيّة فيدفع نحوسه عنكم بسعوده .
فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل ، وتفرّق الناس وقام جدّي قيصر مغتمّاً ودخل قصره وأُرخيت الستور .
فأُريت في تلك الليلة كأنّ المسيح وشمعون وعدّة من الحواريّين قد اجتمعوا في قصر جدّي ونصبوا فيه منبراً يباري السماء علوّاً(148) وارتفاعاً في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه ، فدخل عليهم محمّـد (صلى الله عليه وآله) مع فتية وعدّة من بنيه فيقوم إليه المسيح فيعتنقه ، فيقول : أي محمّـد (صلى الله عليه وآله) :
يا روح الله ! إنّي جئتك خاطباً من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا ، وأومأ بيده إلى أبي محمّـد صاحب هذا الكتاب .
فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف ، فصل رحمك برحم رسول الله (صلى الله عليه وآله) . قال : قد فعلت . فصعد ذلك المنبر ، وخطب محمّـد (صلى الله عليه وآله) زوّجني ، وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد بنو محمّـد (صلى الله عليه وآله) والحواريّون .
فلمّا استيقظت من نومي أشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي وجدّي ; مخافة القتل ، فكنت أُسِرّها في نفسي ولا أبديها لهم ، وضُرِبَ صدري بمحبّة أبي محمّـد حتّى امتنعت من الطعام والشراب ، وضعفت نفسي ، ودقّ شخصي ، ومرضت مرضاً شديداً ، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلاّ أحضره جدّي وسأله عن دوائي ، فلمّا برّح به اليأس(149) قال :
يا قرّة عيني ! فهل تخطر ببالك شهوة فأُزوّدكها في هذه الدنيا ؟
فقلت : يا جدّي ! أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة ، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال ، وتصدّقت عليهم ومننتهم بالخلاص ، لرجوت أن يهب المسيح وأُمّه لي عافية وشفاءً .
فلمّا فعل ذلك جدّي تجلّدت في إظهار الصحّة في بدني ، وتناولت يسيراً من الطعام ، فسرّ بذلك جدّي وأقبل على إكرام الأُسارى وإعزازهم ، فرأيت أيضاً بعد أربع ليال كأنّ سيّدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان ، فتقول لي مريم : هذه سيّدة النساء أُمّ زوجك أبي محمّـد (عليه السلام) ، فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمّـد من زيارتي ، فقالت لي سيّدة النساء (عليها السلام) :
إنّ ابني أبا محمّـد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى(150) وهذه أُختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك ، فإن ملت إلى رضا الله عزّ وجلّ ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمّـد إيّاك فتقولي : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ ـ أبي ـ محمّـداً رسول الله .
فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني سيّدة النساء إلى صدرها فطيبت لي نفسي ، وقالت : الآن توقّعي زيارة أبي محمّـد إيّاك ، فإنّي منفذته إليك ، فانتبهت وأنا أقول : وا شوقاه إلى لقاء أبي محمّـد !
فلمّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمّـد (عليه السلام) في منامي ، فرأيته كأنّي أقول له :
جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبّك . قال : ما كان تأخيري عنك إلاّ لشركك ، وإذ قد أسلمتِ فإنّي زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان ، فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية » .
قال بشر : فقلت لها : وكيف وقعت في الأسر(151) ؟ فقالت : أخبرني أبو محمّـد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب(152) جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا ، ثمّ يتبعهم ، فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا ، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت ، وما شعر أحدٌ بي بأنّي ابنة ملك الرّوم إلى هذه الغاية سواك ، وذلك باطلاعي إيّأك عليه ، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته ، وقلت : نرجس ، فقال : اسم الجواري .
فقلت(153) : إنّك روميّة ولسانك عربي ؟
قالت : بلغ من ولوع جدّي وحمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعز(154)إلى امرأه ترجمان له في الاختلاف إليّ ، فكانت تقصدني صباحاً ومساءً وتفيدني العربيّة حتّى استمرّ عليها لساني واستقام .
قال بشر : فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأى(155) دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري (عليه السلام) ، فقال لها :
« كيف أراكِ الله عزّ الإسلام وذلّ النصرانيّة ، وشرف أهل بيت محمّـد (صلى الله عليه وآله) ؟ » .
قالت : كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به منّي ؟
قال : « فإنّي أُريد(156) أن أُكرمك ، فأيّما أحبُّ إليك ، عشرة آلاف درهم ، أم بشرى لك فيها شرف الأبد ؟ » .
قالت : بل البشرى(157) .
قال (عليه السلام) : « فابشري بولد يملك الدّنيا شرقاً وغرباً ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجوراً » .
قالت : ممّن ؟
قال (عليه السلام) : « ممّن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله) له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالروميّة » .
قالت : مِن المسيح ووصيّه ؟
قال : « فممّن زوّجك المسيح ووصيّه ؟ » .
قالت : من ابنك أبي محمّـد .
قال : « فهل تعرفينه ؟ » .
قالت : وهل خلوت ليلة من زيارته إيّاي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيّدة النساء أُمّه ؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : « يا كافور ! أُدع لي أُختي حكيمة » ، فلمّا دخلت عليه قال (عليه السلام) لها : « ها هيه ، فاعتنقتها طويلا وسُرّت بها كثيراً ، فقال لها مولانا : « يا بنت رسول الله ! أخرجيها إلى منزلك ، وعلّميها الفرائض والسنن ; فإنّها زوجة أبي محمّـد وأمّ القائم (عليه السلام) » .
موردان من كتاب : « مقدّمات من علم القرآن » :
في سعد السعود(158) : فصل فيما نذكره من الجزء الأوّل من مقدّمات علم القرآن تصنيف محمّـد بن بحر الرُّهني . ذكر في أوّل كرّاس منه ما وجده من اختلاف القراءة ، وما معناه أنّ كلّ واحد منهم قبل أن يتحدّد القارئ الذي بعده كانوا لا يجيزون إلاّ قراءته .
ثمّ لمّا جاء القارئ الثاني انتقلوا من ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني ، وكذا في قراءات السبعة ، فاشتمل كلّ واحد منهم على إنكار قراءته ، ثمّ عادوا إلى خلاف ما أنكروه .
ثمّ اقتصروا على هؤلاء السبعة مع أنّه قد حصل في علماء المسلمين والقائلين بالقرآن أرجح منهم ، ومع أنّ زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة ولا عدد معلوم للصحابة من الناس يأخذون القرآن عنهم .
ثمّ ذكر محمّـد بن بحر الرُّهني(159) أنّه وقف على كتاب سهل بن محمّـد السنجري وقد حمل الهجاء على جميع أهل الكوفة ، والذي ردّ عليهم وعتب دينهم .
قال الرُّهني : وسمعت أبا حاتم يطري نحو أهل البصرة ويهجو نحو أهل الكوفة .
و قال الرُّهني ما هذا لفظه : قلت : ولم يدّع أبو حاتم مع ما قاله وهجائه الكوفة وأهلها ; ذكر تأليف علي بن أبي طالب للقرآن ، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عهد إليه عند وفاته ألاّ يرتدي برده إلاّ لجمعة حتّى يجمع القرآن ، فجمعه » . ثمّ حكي عن الشعبي على أثر ما ذكره أنّه قال : كان أعلم الناس بما بين اللوحين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
قال محمّـد بن بحر الرُّهني : حدّثني القرباني قال : حدّثنا إسحاق بن راهويه ، عن عيسى بن يونس ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن عطيّة بن أبي سعيد الكوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله :
« إنّي تارك فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » .
قال محمّـد بن بحر الرُّهني : وما حدّثنا به المطهّر ، قال : حدّثنا محمّـد بن عبد الله بن نمير ، عن عبد الله بن موسى ، عن الركين بن الربيع ، عن القسم بن حيّان ، عن زيد بن ثابت ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
« إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » .
قال الرُّهني في الوجهة الأُولى من القائمة الخامسة ما معناه : كيف يقبل العقل والنقل أنّ النبيّ يجعل القرآن وأهل بيته عوضه وخليفتين من بعده في أُمّته ، ولا يكون فيهما كفاية وعوض عن غيرهما ممّا حدث في الأُّمة وفي القرآن من الاختلاف ؟
جاء في سعد السعود(160) :
فصل فيما نذكره عن محمّـد بن بحر الرُّهني من الجزء الثاني من مقدّمات علم القرآن من التفاوت في المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الأمصار ، من ثالث كرّاس منه من الوجهة الأُولى منها في أوّل قائمة من آخر سطر بلفظه :
اتّخذ عثمان سبع نسخ ، فحبس منها مصحفاً بالمدينة ، وبعث إلى أهل مكّة مصحفاً ، وإلى أهل الشام مصحفاً ، وإلى أهل الكوفة مصحفاً ، وإلى أهل البصرة مصحفاً ، وإلى أهل اليمن مصحفاً ، وإلى أهل البحرين مصحفاً . فالخلاف بين مصحف المدينة ومصحف البصرة أربعة عشر حرفاً ، وقيل : بل أحد وعشرون حرفاً :
منها : في البقرة 132 : ( وأوصى بها إبراهيم ) بزيادة ألف .
وفي آل عمران 132 ـ 133 : ( لعلّكم ترحمون سارعوا ) بغير واو .
وفي المائدة 52 ـ 53 : ( في أنفسهم نادمين يقول ) بغير واو ، وقوله 54 : ( من يرتدّ منكم عن دينه ) بزيادة دالّ .
وفي براءة 106 ـ 107 : (عليم حكيم * الذين اتّخذوا ) بغير واو .
وفي الكهف 36 لعلّه : ( لأجدنّ خيراً منهما منقلباً ) بزيادة ميم .
وفي المؤمنين 85 : ( سيقولون لله لله لله ) ثلاثهنّ .
وفي الشعراء 217 : ( فتوكّل على العزيز الرحيم ) بالفاء ، وفي مصحف البصريّين بالواو .
وفي مصحف المدينة : ( أن يبدّل دينكم وأن يظهر ) غافر 26 بحذف الألف .
وفي عسق 30 : ( من مصيبة بما كسبت ) بغير فاء .
وفي الزخرف 71 : ( وما تشتهيه الأنفس ) بزيادة هاء .
وفي الحديد 24 : ( فإنّ الله هو الغنيّ الحميد ) بنقصان هو .
وفي الشمس 15 : ( فلا يخاف عقباها ) بالفاء ، وهو عند البصريّين بالواو .
فهذه أربعة عشر حرفاً .
وزعم آخرون : أنّ في مصحف أهل المدينة في يوسف 50 : ( وقال الملك ائتوني به ) .
وفي بني إسرائيل 93 : ( قال سبحان ربّي ) .
وفي الكهف 95 : ( ما مكّنني فيه ) بنونين ، وعند البصريّين بنون واحدة .
وفي الملائكة ( فاطر ) 33 : ( من ذهب ولؤلؤاً ) بزيادة ألف .
وفي الزخرف 68 : ( يا عبادي لا خوف عليكم ) .
وفي هل أتى ( الإنسان ) 15 ـ 16 : ( قواريرا * قواريرا ) بزيادة ألف في الثانية .
وفي قل أُوحي ( الجنّ ) 20 : ( إنّما أنا أدعو ربّي ) بنقصان ألف ، وعند البصريّين قال : ( إنّما أدعو ربّي ) .
وهو تمام أحد وعشرون حرفاً .
ثمّ ما بين مصحف أهل مكّة والبصرة حرفان ، ويقال خمسة عند أهل مكّة .
في آخر النساء 136 : ( فآمنوا بالله ورسوله ) ، وعند البصريّين : ( ورسله ) .
وفي براءة 72 : ( تجري من تحتها الأنهار ) ، وعندهم : ( تجري تحتها الأنهار ) بغير من .
وفي الكهف 95 : ( وما مكّنني ربّي خيراً ) بغير « في » .
وفي النمل 21 : ( أو ليأتينني بسلطان مبين ) بزيادة نون .
وفيه غافر 26 : ( وأن يظهر في الأرض الفساد ) بغير ألف .
ثمّ ما بين مصحف أهل الكوفة والبصرة عشرة أحرف ، ويقال أحد عشر حرفاً .
في مصحف أهل الكوفة في يس 35 : ( وما عملته أيديهم ) بغير هاء .
وفي الأحقاف 15 : ( ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً ) .
وفي الأنعام 63 : ( لئن أنجانا من هذه ) بالألف ، وعند البصريّين : ( لئن أنجيتنا ) .
وفي بني إسرائيل 93 : ( نقرؤه قال ) بالألف .
وفي الأنبياء 4 : ( قال ربّي يعلم القول في السماء ) ، وفي آخرها ( قال ربّ احكم ) 112 ، وهي ثلاثهُنّ عند البصريّين : قل قل قل .
وفي المؤمنون 85 : ( سيقولون لله ) الثانية والثالثة فحذف ألفين .
وفي الملائكة ( فاطر ) 33 : ( ولؤلؤا ) بالألف .
وفي سورة الإنسان 15 ـ 16 : ( قواريرا * قواريرا ) بزيادة ألف في الثانية .
ثمّ جاء في مصحف أهل حمص الذي بعث به عثمان إلى أهل الشام ، وما خالف المصاحف تسعة عشر حرفاً ، ويقال أحد وعشرون حرفاً في مصحفهم .
في البقرة 115 ـ 116 : ( واسع عليم * قالوا اتّخذ ) بنقصان الواو .
وفي آل عمران 183 : ( بالبيّنات ) بزيادة باء .
وفي النساء 66 : ( ما فعلوه إلاّ قليلا ) .
وفي الأنعام 32 : ( ولدار الآخرة ) بلام واحدة ، وفي مصحف البصريّين : ( وللدار الآخرة ) . وفي الأنعام 137 : ( زيّن مضمومة لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ) وهذا غير جائز في الكلام ، وجائز منه في الضرورات الشعرية .
وفي الأعراف في أوّلها 3 : ( قليلا ما تتذكّرون ) بتائين ، وفيها 43 : ( تجري من تحتها الأنهار ) مكان تحتهم ، وفيها 43 : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي ) بغير واو ، وفيها 141 : ( وإذا نجّاكم من آل فرعون ) بالألف ، وفيها 195 : ( ثمّ كيدوني ) بإثبات الياء .
وفي الأنفال 67 : ( والله مع الصابرين ما كان للنبيّ ) بلامين .
وفي يونس 22 : ( هو الذي ينشركم في البرّ والبحر ) ، وفيها 68 : ( وقال اتّخذوا لله ) بالواو .
وفي الكهف 77 : ( ولو شئت لاتّخذت ) بلامين .
وفي النمل 67 : ( وآباؤنا انّنا ) بنونين منقلبين .
وفي الروم 9 : ( كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدُّ منكم ) بالكاف .
وفي الرحمن 12 : ( والحبّ ذا العصف ) بنصب الألف .
وفي آخر الرحمن 78 : ( تبارك اسم ربّك ذو الجلال والإكرام ) بالواو مرفوع مثل الأوّل في صدر السورة .
وفي الحديد 10 : ( وكلّ وعد الله الحسنى ) بغير ألف مرفوع .
وفي المدثّر 33 : ( والليل إذا أدبر ) بألفين .
وفي الزمر 64 : ( أفغير الله تأمرونني ) بزيادة نون .
وأهل مصر يقرأون بمثل قراءة أهل الشام : ( وكلٌّ وعد الله الحسنى )(161) بالرفع ، ( وهو الذي ينشركم في البرّ والبحر )(162) في سورة ، وقيل : إنّ في قبلة مسجد مصر مكتوب : ( وكلّ وعد الله الحسنى ) بغير ألف .
أقول : فهذا ما حكاه محمّـد بن بحر الرُّهني ، نقلناه بلفظه .
مورد من كتاب : « الفروق بين الأباطيل والحقوق » :
قال محمّـد بن علي مصنّف هذا الكتاب(163) : قد ذكر محمّـد بن بحر الشيباني (رضي الله عنه) في كتابه المعروف بكتاب : الفروق بين الأباطيل والحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمعاوية ، فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراشي في هذا المعنى والجواب عنه ، وهو الذي رواه أبو بكر محمّـد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، قال :
حدّثنا أبو طالب زيد بن أحزم ، قال : حدّثنا أبو داود ، قال : حدّثنا القاسم بن الفضل ، قال : حدّثنا يوسف بن مازن الراشي ، قال : بايع الحسن ابن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ، ولا يقيم عنده شهادة ، وعلى أن لا يتعقّب على شيعة عليّ شيئاً ، وعلى أن يفرّق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفّين ألف ألف درهم ، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد . قال ما ألطف حيلة الحسن صلوات الله عليه هذه في إسقاطه إيّاه عن إمرة المؤمنين .
قال يوسف : فسمعت القاسم بن محيمة يقول : ما وفى معاوية للحسن بن عليّ صلوات الله عليه بشيء عاهده عليه ، وإنّي قرأت كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية يَعُدُّ عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة عليّ (عليه السلام) فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه .
فنقول : رحمك الله ! إنّ ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن (عليه السلام)ومعاوية عند أهل التمييز والتحصيل تسمّى المهادنة والمعاهدة ، ألا ترى كيف يقول : ما وفى معاوية للحسن بن علي (عليه السلام) بشيء عاهده عليه وهادنه ، ولم يقل بشيء بايعه عليه ، والمبايعة على ما يدّعيه المدّعون على الشرائط التي ذكرناها ، ثمّ لم يف بها لم يلزم الحسن (عليه السلام) ، وأشدّ ما ها هنا من الحجّة على الخصوم معاهدته إيّاه أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ، والحسن (عليه السلام) عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده أن لا يكون عليه أميراً ; إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له .
فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الإئتمار لمعاوية إذا أمره أمراً على نفسه ، والأمير هو الذي أمّره مأمور من فوقه فدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ لم يؤمّره عليه ، ولا رسوله (صلى الله عليه وآله) أمّره عليه ; فقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يلينّ مفاء على مفيىء ، يريد أنّ من حكمه هو حكم هوازن الذين صاروا فيئاً للمهاجرين والأنصار ، فهؤلاء طلقاء المهاجرين والأنصار بحكم إسعافهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيئهم لموضع رضاعه ، وحكم قريش وأهل مكّة حكم هوازن لمن أمّره رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم ، فهو التأمير من الله جلّ جلاله ورسوله (صلى الله عليه وآله) أو من الناس .
كما قالوا في غير معاوية إنّ الأُمّة اجتمعت فأمّرت فلاناً وفلاناً وفلاناً على أنفسهم فهو أيضاً تأمير ، غير أنّه من الناس لا من الله ولا من رسوله ، وهو إن لم يكن تأميراً من الله ومن رسوله ولا تأميراً من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم ، فهو تأمير منه بنفسه .
والحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمّر معاوية على نفسه بشرط عليه أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ، فلم يلزمه ذلك الائتمار له في شيء أمره به ، وفرغ صلوات الله عليه إذ خلص نفسه من الإيجاب عليها الائتمار له عن أن يتّخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون ، وهم الذين كتب في قلوبهم الإيمان ، ولأنّ هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم ، ولأنّ الحسن (عليه السلام) أمير البررة وقاتل الفجرة كما قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) أمير المؤمنين : « عليّ أمير البررة وقاتل الفجرة » ، فأوجب (صلى الله عليه وآله) أنّه ليس لبرّ من الأبرار أن يتأمّر عليه ، وأنّ التأمير على أمير الأبرار ليس ببرّ ، هكذا يقتضي مراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
ولو لم يشترط الحسن بن علي (عليه السلام) على معاوية هذه الشروط وسمّاه أمير المؤمنين وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) : قريش أئمّة الناس أبرارها لأبرارها وفجّارها لفجّارها ، وكلّ من اعتقد من قريش أنّ معاوية إمامه بحقيقة الإمامة من الله عزّ وجلّ اعتقد الائتمار له وجوباً عليه ; فقد اعتقد وجوب اتّخاذ مال الله دولاً وعباده خولاً ودينه دخلاً ، وترك أمر الله إيّاه إن كان مؤمناً ; فقد أمر الله عزّ وجلّ المؤمنين بالتعاون على البرّ والتقوى ، فقال : ( وَتَعَاوَنُو عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الأثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(164) .
فإن كان اتّخاذ مال الله دولاً وعباده خولاً ودين الله دخلاً من البرّ والتقوى ; جاز على تأويلك من اتّخذه إماماً وأمّره على نفسه ، كما ترون التأمير على العباد ، ومن اعتقد أنّ قهر مال الله على ما يقهر عليه ، وقهر دين الله على ما يسام ، وأهل دين الله على ما يسامون هو بقهر من اتّخذهم خولاً ، وأنّ لله من قبله مديلاً في تخليص المال من الدول ، والدين من الدغل ، والعباد من الخول علم وسلم ، وآمن واتقى ، إنّ البرّ مقهور في يد الفاجر ، والأبرار مقهورون في إيدي الفجّار بتعاونهم مع الفاجر على الإثم والعدوان المزجور عنه ، المأمور بضدّه وخلافه ومنافيه .
وقد سُئل سفيان الثوري عن العدوان ما هو ؟ فقال : هو أن ينقل صدقة ( بانقيا ) إلى الحيرة فتفرّق في أهل السهام بالحيرة وببانقيا أهل السهام ، وأنا أُقسم بالله قسماً بارّاً أنّ حراسة سفيان ومعاوية بن مرّة ومالك ابن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك ; من العدوان الذي زجر الله عزّ وجلّ عنه ، وأنّ حراسة من سمّيتهم بخشبة زيد رضوان الله عليه الداعية ، شبيه بنقل صدقة بانقيا إلى الحيرة .
فإن عذر عاذر من سمّيتهم بالعجز عن نصر البرّ الذي هو الإمام من قبل الله عزّ وجلّ الذي فرض طاعته على العباد ، على الفاجر الذي تأمّر بإعانة الفجرة إيّاه ; قلنا : لعمري أنّ العاجز معذور فيما عجز عنه ، ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب في ما فرض الله عزّ وجلّ عليه ، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسوله وطاعة أُولي الأمر ، وبأنّه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم ، كما لم يجز أن يكون سريرة النبيّ الذي هو أصل ولاة الأمر وهم فرعه بخلاف علانيته ، وأنّ الله تعالى العالم بالسرائر والضمائر ، والمطّلع على ما في صدور العباد ، لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد ، جلّ وعزّ عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم ، إذ ذاك ظلم من المكلّف وعبث منه ، وأنّه لا يجوز أن يجعل ـ جلّ وتقدّس ـ اختيار من يستوي سريرته بعلانيته ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغصب والظلم منه ، إلى من لا يعلم السرائر والضمائر ، فلا يسع أحداً جهل هذه الأشياء .
وإن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه ، فإنّه لا يسعه الجهل بالإمام البرّ الذي هو إمام الأبرار ، والعاجز بعجزه معذور والجاهل غير معذور ، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام ، وإن كان مقهوراً في قهر الفاجر والفجّار ، فمتى لم يكن للبرّ إمام برّ قاهر أو مقهور ، مات ميتة جاهلية إذا مات وليس يعرف إمامه .
فإن قلت : فما تأويل عهد الحسن (عليه السلام) وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة ، لإيجاب الله عزّ وجلّ عليه إقامة شهادة بما علمه قبل شرطه على معاوية ؟
قيل : إنّ لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط ، وهي : حدودها التي لا يجوز تعدّيها ، لأنّ من تعدّى حدود الله عزّ وجلّ فقد ظلم نفسه ، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل وحَكَمِ عدل ، ثمّ الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من تجد شهادته حقّاً ويميت بها أثَرَةً ويزيل بها ظلماً ، فإذا لم يكن من يشهد عنده ، سقط عنه فرض إقامة الشهادة ، ولم يكن معاوية عند الحسن (عليه السلام) أميراً أقامه الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، أو حاكماً من ولاة الحكم ، فلو كان حاكماً من قبل الله وقبل رسوله ثمّ علم الحسن (عليه السلام) أنّ الحَكَمَ هو الأمير ، والأمير هو الحكم وقد شرط عليه الحسن (عليه السلام) أن لا يؤمر حين شرط ألاّ يسمّيه أمير المؤمنين ، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الإمرة بشرط أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ؟ وإذا أزال ذلك بالشرط ; أزال عنه الحكم ; لأنّ الأمير هو الحاكم ، وهو المقيم للحاكم ، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم يحكم فحكمه هذر ، ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر .
فإن قلت : فما تأويل عهد الحسن (عليه السلام) على معاوية وشرطه عليه ألاّ يتعقّب على شيعة عليّ (عليه السلام) شيئاً ؟
قيل : إنّ الحسن (عليه السلام) علم أنّ القوم جوّزوا لأنفسهم التأويل ، وسوّغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء ، وإن كان الله تعالى حقنه وحقن ما أرادوا حقنه ، وإن كان الله تعالى أراقه في حكمه ، فأراد الحسن (عليه السلام) أن يبيّن أنّ تأويل معاوية على شيعة عليّ (عليه السلام) بتعقّبه عليهم ما يتعقّبه ، زائل مضمحل فاسد .
كما أن أزال إمرته عنه وعن المؤمنين بشرطه أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ، وأنّ إمرته زالت عنه وعنهم ، وأفسد حكمه عليه وعليهم .
ثمّ سوّغ الحسن (عليه السلام) ، بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة ، للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة ، وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين ، وتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها ، وكدار العزيز وهو كيوسف فيها .
فإن قال : دانيال ويوسف (عليهما السلام) كانا يحكمان لبخت نصر والعزيز .
قلنا : لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف ، أن يريقا بشهادة عمّار بن الوليد وعقبة بن أبي معيط ، وشهادة أبي برده بن أبي موسى ، وشهادة عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس ، دم حجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه ـ رحمة الله عليهم ـ وأن يحكما له بأنّ زياداً أخوه ، وأنّ دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت ، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز ، والحكم بالعدل يرمى الحاكم به في قدرة عدل أو جائر ، ومؤمن أو كافر ، لا سيّما إذا كان الحاكم مضطرّاً إلى أن يدين قدر الجائر الكافر ، والمبطل والمحقّ بحكمه .
فإن قال : ولم خصّ الحسن (عليه السلام) عدا الذنوب إليه وإلى شيعة عليّ (عليه السلام) وقدّم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه وقد قتل حجر وأصحابه وغيرهم ؟
قلنا : لو قدّم الحسن (عليه السلام) في عدّه على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه ، لكان سؤالك قائماً فتقول : لِمَ قدّم حجراً على عبد الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والإعراض عنها ، فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الحزق على أمير المؤمنين (عليه السلام) وشدّة حبّهم إيّاه وإفاضتهم في ذكره وفضله ، فجاءهم فضرب أعناقهم صبراً ، ومن أنزل راهباً من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله ، أعجب ممّن يخرج قسّاً من ديره فيقتله ; لأنّ صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه على التشريط من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض .
فتقديم الحسن (عليه السلام) العبّاد على العبّاد ، والزهّاد على الزهّاد ، ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد ، لا يتعجّب منه ، بل يتعجّب لو قدّم في الذكر مقصّراً على مخبت ، ومقتصداً على مجتهد .
فإن قال : ما تأويل اختيار مال دار ابجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفّين ؟
قيل : لدار ابجرد خطب في شأن الحسن بخلاف جميع فارس .
وقلنا : إنّ المال مالان :
الفيء الذي ادّعوا أنّه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملّة وعمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة ، ولأرزاق الأسارى .
ومال الصدقة الذي خصّ به أهل السهام .
وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان ممّا فتح منها صلحاً وما فتح منها عنوةً وما أسلم أهلها عليها هنّات وهنّات ، وأسباب وأسباب ، بإيجاب الشرائط الدالّة لها ، وقد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطّاب وهو عامله على العراق :
أيّدك الله ! هاش في السواد ما يركبون فيه البراذين ويتختّمون بالذهب ويلبسون الطيالسة ، وخذ فضل ذلك فضعه في بيت المال .
وكتب ابن الزبير إلى عامله : جنّبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر ; فإنّه سحت .
فقصر المال عمّا كان ، فكتب إليهم : ما للمال قد قصر ؟
فكتبوا إليه : أنّ أمير المؤمنين نهانا عمّا يؤخذ على المناظر والقناطر فلذلك قصر المال . فكتب إليهم : عودوا إلى ما كنتم عليه . هذا بعد قوله : إنّه سحت .
ولا بدّ أن يكون أولاد من قتل من أصحاب عليّ صلوات الله عليه بالجمل وبصفّين من أهل الفيء ، ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصدقة :
« أُمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم » بالكاف والميم ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة ومن وجبت لهم الصدقة ، فخاف الحسن (عليه السلام) أنّ كثيراً منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ، ولا أكل صدقة كثير منهم ; إذ كانت غسالة ذنوبهم ، ولم يكن للحسن (عليه السلام) في مال الصدقة سهم .
روى ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري ، عن أبيه ، عن جدّه : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال :
« في كلّ أربعين من الإبل ابنة لبون ، ولا تفرّق إبل عن حسابها ، من أتانا بها مؤتجراً فله أجرها ، ومن منعناها أخذناها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربّنا ، ليس لمحمّـد وآل محمّـد فيها شيء ، وفي كلّ غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عزّ وجلّ وإن منعوا » .
فخصّ الحسن (عليه السلام) ما لعلّه كان عنده أعفّ وأنظف من مال أرْدَشِير خُرَّه ; لأنّها حوصرت سبع سنين حتّى اتّخذ المحاصرون لها في مدّة حصارهم إيّاها مصانع وعمارات ، ثمّ ميّزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم ، وبين الاصطخر الأوّل والاصطخر الثاني هنّات علمها الربّاني الذي هو الحسن (عليه السلام) ، فاختار لهم أنظف ما عرف .
فقد روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال في تفسير قوله تعالى ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ )(165) : « إنّه لا يجاوز قدما عبد حتّى يُسئل عن أربع : عن شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت » .
وكان الحسن والحسين (عليهما السلام) ابنا عليّ (عليه السلام) يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما وعلى عيالهما ما تحمله الدابة بفيئها .
قال شيبة بن نعّامة : كان عليّ بن الحسين (عليه السلام) ينحل ، فلمّا مات نظروا فإذا هو يقول في المدينة أربعمئة بيت من حيث لم يقف الناس عليه .
فإن قال : فإنّ هذا محمّـد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال : حدّثنا أبو بشر الواسطي قال : حدّثنا خالد بن داود ، عن عامر ، قال : بايع الحسن بن عليّ (عليه السلام) معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب ، ولم يبايعه على أنّه أمير المؤمنين .
قلنا : هذا حديث ينقض آخره أوّله ، وإنّه لم يؤمّره ، وإذا لم يؤمّره لم يلزمه الائتمار له إذا أمره ، وقد رويناه من غير وجه ما ينقض قوله : يسالم من سالم ويحارب من حارب ، فلم نعلم فرقة من الأُمّة أشدّ من معاوية من الخوارج ، وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج ، فقال معاوية للحسن : أُخرج إليهم وقاتلهم .
فقال : « يأبى الله لي ذلك » .
قال : فَلِمَ ؟ أليس هم أعداءَك وأعدائي ؟
قال : « نعم يا معاوية ، ولكن ليس من طلب الحقّ فأخطأه ، كمن طلب الباطل فوجده » .
فسكت معاوية ، ولو كان ما رواه أنّه بايع على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب لكان معاوية لا يسكت على ما حجّه به الحسن (عليه السلام) ، ولأنّه يقول له : قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائناً من كان ، وتسالم من سالمت كائناً من كان ، وإذا قال عامر في حديثه : ولم يبايعه على أنّه أمير المؤمنين قد ناقض ; لأنّ الأمير هو الآمر والزاجر ، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر ، فأبى تصرّف الأمر فقد أزال الحسن (عليه السلام) في موادعة معاوية الائتمار له ، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ولو تنبّه معاوية لحيلة الحسن (عليه السلام) بما احتال عليه لقال له :
يا أبا محمّـد ! أنت مؤمن وأنا أمير ، فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضاً أميراً ، وهذا حيلة منك ، تزيل أمري عنك ، وتدفع حكمي لك وعليك ، فلو كان قوله : يحارب من حارب مطلقاً ولم يكن شرطه إنْ قاتلك من هو شرّ منك قاتلته ، وإن قاتلك من هو خير منك في الشرّ وأنت أقرب منه إليه لم أقاتله ، ولأنّ شرط الله على الحسن (عليه السلام) وعلى جميع عباده التعاون على البرّ والتقوى ، وترك التعاون على الإثم والعدوان ، وأنّ قتال من طلب الحقّ فأخطأه مع من طلب الباطل فوجده تعاون على الإثم والعدوان ، والمبايِع غير المبايَع والمؤازِر غير المؤازَر .
فإن قال : هذا حديث أنس بن سيرين يرويه محمّـد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدّثنا بشّار ، قال : حدّثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن أنس بن سيرين قال : حدّثنا الحسن بن عليّ (عليه السلام) يوم كلّم فقال :
« ما بين جابرسا وجابلقا رجل جدّه نبيّ غيري وغير أخي ، وإنّي رأيت أن أُصلِح بين أُمّة محمّـد وكنت أحقّهم بذلك ، فإنّا بايعنا معاوية ولعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين » .
قلنا : ألا ترى إلى قول أنس كيف يقول يوم كلّم الحسن ، ولم يقل يوم بايع ، إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة ، وإنّما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه ، لا مبايعة تكون بين أوليائه وأوليائه ، فرأى الحسن (عليه السلام)رفع السيف مع العجز بينه وبين معاوية ، كما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع السيف بينه وبين أبي سفيان وسهيل بن عمرو ، ولو لم يكن رسول الله مضطرّاً إلى تلك المصالحة والموادعة لما فعل .
فإن قال : قد ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين سهيل وأبي سفيان مدّة ، ولم يجعل الحسن بينه وبين معاوية مدّة .
قلنا : بل ضرب الحسن (عليه السلام) أيضاً بينه وبين معاوية مدّة وإن جهلناها ولم نعلمها ، وهي ارتفاع الفتنة وانتهاء مدّتها وهو متاع إلى حين .
فإن قال : فإنّ الحسن قال لجبير بن نفير حين قال له : إنّ الناس يقولون إنّك تريد الخلافة ، فقال : « قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت ، تركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أُمّة محمّـد ، ثمّ أثيرها يا تيّاس أهل الحجاز ؟
قلنا : إنّ جبيراً كان دسيساً إلى الحسن (عليه السلام) ، دسّه معاوية إليه يختبره هل في نفسه الإثارة ؟ وكان جبير يعلم أنّ الموادعة التي وادع معاوية غير مانعة من الإثارة التي اتّهمه بها ، ولو لم يجز للحسن (عليه السلام) مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك فلا يسأله ; لأنّه يعلم أنّ الحسن (عليه السلام) لا يطلب ما ليس له طلبه ، فلمّا اتّهمه بطلب ماله طلبه دسّ إليه دسيسةً هذا ليستبرئ برأيه ، وعلم أنّه الصادق وابن الصادق ، وأنّه إذا أعطاه بلسانه أنّه لا يثيرها بعد تسكينه إيّاها فإنّه وفيّ بوعده صادق في عهده ، فلمّا مقته قول جبير قال له : « يا تيّاس أهل الحجاز » ، والتيّاس بيّاع عسب الفحل الذي هو حرام .
وأمّا قوله : « بيدي جماجم العرب » فقد صدق (عليه السلام) ، ولكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفاً ويزيدونهم ، قال الأشعث : يوم رفع المصاحف وقع تلك المكيدة : إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غداً يمانيّان بسهم ، ولم يطعن يمانيّان برمح ، ولا يضرب يمانيّان بسيف ، وأومى بقوله إلى أصحابه أبناء الطمع .
وكان في تلك الجماجم شبث بن ربعي تابع كلّ ناعق ومثير كلّ فتنة ، وعمرو بن حريث الذي ظهر على عليّ صلوات الله عليه وبايع ضبّة احتوشها مع الأشعث ، والمنذر بن الجارود الطاغي الباغي . وصدق الحسن صلوات الله عليه أنّه كان بيده هذه الجماجم يحاربون من حارب ولكن محاربة منهم للطمع ، ويسالمون من سالم لذلك ، وكان من حارب لله تعالى وابتغى القربة إليه والحظوة منه قليلا ليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله ، والنزاع لأولياء الله ، واستمداد كلّ مدد وكلّ عدد وكلّ شدّة على حجج الله تعالى !
مورد آخر مناظرة مفضّلوا الانبياء على الملائكة مع مخالفيهم :
في علل الشرائع(166) : ما ذكره محمّـد بن بحر الشيباني المعروف بالرُّهني (رحمه الله) ، في كتابه من قول مفضّلي الأنبياء والرسل والأئمّة والحجج صلوات عليهم أجمعين على الملائكة .
قال مفضّلوا الأنبياء والرسل والحجج والأئمّة على الملائكة : إنّا نظرنا إلى جميع ما خلق الله عزّ وجلّ من شيء علا علوّاً طبعاً واختياراً ، أو عُلي به قسراً واضطراراً ، أو سفل طبعاً واختياراً ، أو سفل به قهراً واضطراراً ; فإذا هي ثلاثة أشياء بالإجماع : حيوان ، ونام ، وجماد وأفلاك سائرة ، وبالطبع الذي طبعها عليه صانعها دائرة ، وفيما دونها عن إرادة خالقها مؤثّرة .
وإنّهم نظروا في الأنواع الثلاثة وفي الأشياء التي هي أجناس منقسمة إلى جنس الأجناس الذي هو شيء ، إذ يعطي كلّ شيء اسمه ، قالوا : ونظرنا أيَّ الثلاثة وهو نوع لما فوقه وجنس لما تحته أنفع وأرفع ، وأيّها أدون وأوضع ; فوجدنا أرفع الثلاثة الحيوان ، وذلك بحقّ الحياة التي بان بها عن النامي والجماد .
وإنمّا رفعة الحيوان عندنا في حكمة الصانع ، وترتيبها أنّ الله تقدّست أسماؤه جعل النامي له غذاء ، وجعل له عند كلّ داء دواءً ، وفيما قدّر له صحّة وشفاء ، فسبحانه ما أحسن ما دبّره في ترتيب حكمته إذ الحيوان الرفيع فما دونه يغذو ، ومنه لوقاية الحرّ والبرد يكسو ، وعليه أيّام حياته ينشو .
وجعل الجماد له مركزاً ومكديا فامتهنه له امتهاناً ، وجعل له مسرحاً وأكناناً ومجامع وبلداناً ومصانع وأوطاناً ، وجعل له حَزَناً محتاجاً إليه وسهلا محتاجاً إليه ، وعلوّاً ينتفع بعلوّه وسفلا ينتفع به وبمكاسبه برّاً وبحراً .
فالحيوان مستمتع فيستمتع بما جعل له فيه من وجوه المنفعة والزيادة والذبول عند الذبول ، ويتّخذ المركز عند التجسيم والتأليف من الجسم المؤلّف تبارك الله ربّ العالمين .
قالوا : ثمّ نظرنا فإذا الله عزّ وجلّ قد جعل المتّخذ بالروح والنمو والجسم ، أعلى وأرفع ممّا يتّخذ بالنموّ والجسم والتأليف والتصريف ، ثمّ جعل الحيّ الذي هو حيّ بالحياة التي هي غيره نوعين : ناطقاً وأعجم ، ثمّ أبان الناطق من الأعجم بالنطق والبيان اللذين جعلهما له ، فجعله أعلى منه ; لفضيلة النطق والبيان .
ثمّ جعل الناطق نوعين : حجّة ومحجوجاً ، فجعل الحجّة أعلى من المحجوج ; لإبانة الله عزّ وجلّ الحجّة ، واختصاصه إيّاه بعلم علويّ خصّه به دون المحجوجين ، فجعله معلّماً من جهته باختصاصه إيّاه وعلماً بأمره إيّاه أن يعلم بأنّ الله عزّ وجلّ معلّم الحجّة دون أن يكله إلى أحد من خلقه ، فهو متعال به ، وبعضهم يتعالى على بعض بعلم يصل إلى المحجوجين من جهة الحجّة .
قالوا : ثمّ رأينا أصل الشيء الذي هو آدم (عليه السلام) ، فوجدناه قد جعله على كلّ روحاني خلقه قبله ، وجسماني ذرأه وبرأه منه ، فعلّمه علماً خصّه به لم يعلّمهم قبلُ ولا بعدُ ، وفهّمه فهماً لم يفهّمهم قبلُ ولا بعدُ ، ثمّ جعل ذلك العلم الذي علّمه ميراثاً فيه لإقامة الحجج من نسله على نسله .
ثمّ جعل آدم (عليه السلام) لرفعة قدره وعلوّ أمره للملائكة الروحانيين قبلةً ، وأقامه لهم حجّة ، فابتلاهم بالسجود له ، فجعل لا محالة من سجد له أعلى وأفضل ممّن أسجدهم ; لأنّ من جعل بلوى وحجّة أفضل ممّن حجّهم به ، ولأنّ إسجاده جلّ وعزّ إيّاهم للخضوع ألزمهم الاتّضاع منهم له ، والمأمورين بالاتّضاع بالخضوع والخشوع والاستكانة دون من أمرهم بالخضوع له .
ألا ترى إلى من أبى الائتمار لذلك الخضوع ولتلك الاستكانة فأبى واستكبر ولم يخضع لمن أمره له بالخضوع ; كيف لُعِنَ وطُرِدَ عن الولاية ، وأُدخل في العداواة فلا يرجى له من كبوته الإقالة ( إلى ) آخر الأبد .
فرأينا السبب الذي أوجب الله عزّ وجلّ لآدم (عليه السلام) عليهم فضلا فإذا هو العلم الذي خصّه الله عزّ وجل به دونهم ، فعلّمه الأسماء ، وبيّن له الأشياء ، فعلا بعلمه على من لا يعلم ، ثمّ أمره جلّ وعزّ أن يسألهم سؤال تنبيه لا سؤال تكليف عمّا عَلِمَهُ بتعليم الله عزّ وجلّ إيّاه ممّا لم يكن علّمهم ليريهم جلّ وعزّ علوّ منزلة العلم ورفعة قدره ، كيف خصّ العلم محلاًّ وموضعاً اختاره له وأبان ذلك المحلّ عنهم بالرفعة والفضل .
ثمّ علمنا أنّ سؤال آدم (عليه السلام) إيّاهم عمّا سألهم عنه ممّا ليس في وسعهم وطاقتهم الجواب عنه ، سؤال تنبيه لا سؤال تكليف ; لأنّه جلّ وعزّ لا يكلّف ما ليس في وسع المكلّف القيام به ، فلمّا لم يطيقوا الجواب عمّا سُئلوا علمنا أنّ السؤال كان كالتقرير منه ولهم ، يقرّر به انصياعهم بالجهالة عمّا علّمه إيّاه ، وعلوّ خطره باختصاصه إيّاه بعلم لم يخصّهم به ، فالتزموا الجواب بأن قالوا : سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا .
ثمّ جعل الله عزّ وجلّ آدم (عليه السلام) معلّم الملائكة بقوله : ( أَنْبِئْهُمْ ) ; لأنّ الإنباء من النبأ تعليم ، والأمر بالإنباء من الأمر تكليف يقتضي طاعةً وعصياناً ، والإصغاء من الملائكة عليهم السلام للتعليم والتوقيف والتفهيم والتعريف تكليف يقتضي طاعةً وعصياناً .
فمن ذهب منكم إلى فضل المتعلّم على المعلِّم ، والمُوقَف على المُوقِفِ ، والمعرَّفَ على المعرِّفِ ، كان في تفضيله عكس لحكمة الله عزّ وجلّ ، وقلب لترتيبها التي رتّبها الله عزّ وجلّ ; فإنّه على قياس مذهبه أن تكون الأرض التي هي المركز أعلى من النامي الذي هو عليها الذي فضّله الله عزّ وجلّ بالنموّ ، والنامي أفضل وأعلى من الحيوان الذي فضّله الله جلّ جلاله بالحياة والنموّ والروح . والحيوان الأعجم الخارج عن التكليف والأمر والزجر أعلى وأفضل من الحيوان الناطق المكلّف للأمر والزجر ، والحيوان الذي هو محجوج أعلى من الحجّة التي هي حجّة الله عزّ وجلّ فيها ، والمعلَّم أعلى من المعلِّم وقد جعل الله عزّ وجلّ آدم حجّة على كلّ من خلق من روحاني وجسماني إلاّ من جعل له أوّلية الحجّة .
فقد روي لنا عن حبيب بن مظاهر الأسدي بيّض الله وجهه أنّه قال للحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) : أيّ شيء كنتم قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ آدم (عليه السلام) ؟ قال : « كنّا أشباح نور ندور حول عرش الرحمن فنعلِّمُ الملائكة التسبيح والتهليل والتحميد » ، ولهذا تأويل دقيق ليس هذا مكان شرحه ، وقد بيّنّاه في غيره .
قال مفضّلو الملائكة : إنّ مدار الخلق ـ روحانياً كان أو جسمانياً ـ على الدنوّ من الله عزّ وجلّ والرفعة والعلوّ والزلفة والسموّ ، وقد وصف الله جلّت عظمته الملائكة من ذلك بما لم يصف به غيرهم ، ثمّ وصفهم بالطاعة التي عليها موضع الأمر والزجر والثواب والعقاب ، فقال جلّ وعزّ : ( لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )(167) ، ثمّ جعل محلّهم الملكوت الأعلى ، فبراهينهم على توحيده أكثر ، وأدلّتهم عليه أوفر ، وإذا كان ذلك كذلك كان حظّهم من الزلفة أجلّ ، ومن المعرفة بالصانع أفضل .
قالوا : ثمّ رأينا الذنوب والعيوب الموردة النار ودار البوار كلّها من الجنس الذي فضّلتموه على من قال الله عزّ وجلّ في نعتهم لمّا نعتهم ووصفهم بالطاعة لمّا وصفهم : ( لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .
قالوا : كيف يجوز فضل جنس فيهم كلّ عيب ولهم كلّ ذنب على من لا عيب فيهم ولا ذنب منهم صغائر ولا كبائر ؟
والجواب : إنّ مفضّلي الأنبياء والحجج صلوات الله عليهم قالوا : إنّا لا نفضّل ها هنا الجنس على الجنس ، ولكنّا فضّلنا النوع على النوع من الجنس . كما أنّ الملائكة كلّهم ليسوا كإبليس وهاروت وماروت ; لم يكن البشر كلّهم كفرعون الفراعنة وكشياطين الإنس المرتكبين المحارم والمقدّمين على المآثم .
وأمّا قولكم في الزلفة والقربة : فإنّكم إن أردتم زلفة المسافات وقربة المداناة ، فالله عزّ وجلّ أجلّ وممّا توهّمتموه أنزه ، وفي الأنبياء والحجج من هو أقرب إلى قربه بالصالحات والقربات الحسنات ، وبالنيّات الطاهرات من كلّ خلق خلقهم ، والقرب والبعد من الله عزّ وجلّ بالمسافة والمدى تشبيه له بخلقه ، وهو من ذلك نزيه .
وأمّا قولهم في الذنوب والعيوب ، فإنّ الله جلّت أسماؤه جعل الأمر والزجر أسباباً وعللاً ، والذنوب والمعاصي وجوهاً ، فأنبأ جلّ جلاله وجعل الذي هو قاعدة الذنوب من جميع المذنبين من الأوّلين والآخرين إبليس ، وهو من حزب الملائكة وممّن كان في صفوفهم ، وهو رأس الأبالسة ، وهو الداعي إلى عصيان الصانع ، والموسوس والمزيّن لكلّ من تبعه ـ وقبل منه وركن إليه ـ الطغيان ، وقد أُمهل الملعون لبلوى أهل البلوى في دار الابتلاء ، فكم من ذرّية نبية وفي طاعة الله عزّ وجلّ وجيه وعن معصيته بعيدة ، قد أقمأ إبليس وأقصاه وزجره ونفاه ، فلم يلو له على أمر إذا أمر ، ولا انتهى عن زجر إذا زجر ، له لمّات في قلوب الخلق مكافى من المعاصي ، فلمّات الرحمن دافعة للمّاته ووسوسته وخطراته ، ولو كانت المحنة بالملعون واقعة بالملائكة ، والابتلاء به قائماً كما قام في البشر ، ودائماً كما دام ، لكثرت من الملائكة المعاصي ، وقلّت فيهم الطاعات إذا تمّت فيهم الآلات ، فقد رأينا المبتلى من صنوف الملائكة بالأمر والزجر مع آلات الشهوات كيف انخدع بحيث دنا من طاعته ، وكيف بَعُدَ ممّا لم يبعد منه الأنبياء والحجج الذين اختارهم الله على علم على العالمين ، إذ ليست هفوات البشر كهفوة إبليس في الاستكبار ، وفعل هاروت وماروت في ارتكاب المزجور .
قال مفضّلو الملائكة عليهم السلام : إنّ الله جلّ جلاله وضع الخضوع والخشوع والتضرّع والخنوع حلية ، فجعل مداها وغايتها آدم (عليه السلام) فقارب الملائكة في هذه الحلية ، وأخذ منها بنصيب الفضل والسبق ، فجعل للطاعة فأطاعوا الله فيه ، ولو كان هناك بنو آدم لما أطاعوه فيما أمر وزجر ، كما لم يطعه قابيل فصار إمام كلّ قاتل .
الجواب : مفضّلو الأنبياء والحجج عليهم الصلوات والسلام قالوا : إنّ الابتلاء الذي ابتلى به الله عزّ وجلّ الملائكة من الخشوع والخضوع لآدم (عليه السلام)عن غير شيطان مُغو عدوّ مطغي ، فأضلّ بغوايته بين الطائعين والعاصين والمقيمين على الاستقامة عن الميل ، وعن غير آلات المعاصي التي هي الشهوات المركبات في عبادة المبتلين ، وقد ابتلي من الملائكة من ابتلي ، فلم يعتصم بعصمة الله الوثقى ، بل استرسل للخشوع الذي كان أضعف منها .
وقد روينا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال : إنّ في الملائكة من باقة بقل خير منه ، والأنبياء والحجج يعلمون ذلك لهم وفيهم ما جهلناه ، وقد أقرّ مفضّلو الملائكة بالتفاضل بينهم ، كما أقِرّ بالتفاضل بين ذوي الفضل من البشر ، ومن قال : إنّ الملائكة جنس من خلق الله عزّ وجلّ فقلّ فيهم العصاة ، كهاروت وماروت ، وكإبليس اللعين إذ الابتلاء فيهم قليل ، فليس ذلك بموجب أن يكون فاضلهم أفضل من فاضل البشر الذين جعل الله عزّ وجلّ الملائكة خدمهم إذا صاروا إلى دار المقامة التي ليس فيها حَزَنٌ ولا همٌّ ولا نَصَبٌ ، ولا سقم ولا فقر .
قال مفضّلو الملائكة عليهم السلام : إنّ الحسن البصري يقول : إنّ هاروت وماروت علجان من أهل بابل ، وأنكر أن يكونا ملكين من الملائكة ، فلم تعترضوا علينا بالحجّة بهما وبإبليس فتحتجّون علينا بِجِنيّ فيه .
الجواب : قال مفضّلوا الأنبياء والحجج عليهم السلام : ليس شذوذ قول الحسن عن جميع المفسّرين من الأُمّة بموجب أن يكون ما يقول كما يقول : وأنتم تعلمون أنّ الشيء لا يستثنى إلاّ من جنسه ، وتعلمون أنّ الجنّ سُمّوا جنّاً لاجتنانهم عن الرؤية ، إلاّ إذا أرادوا الترائي بما جعل الله عزّ وجلّ فيهم من القدرة على ذلك ، وأنّ إبليس من صفوف الملائكة ، وغير جائز في كلام العرب أن يقول قائل جاءت الإبل كلّها إلاّ حماراً ، ووردت البقر كلّها إلاّ فرساً ، فإبليس من جنس ما استثني .
وقول الحسن : في هاروت وماروت ، بأنّهما علجان من أهل بابل شذوذ شذّ به عن جميع أهل التفسير ، وقول الله عزّ وجلّ يُكذّبه إذ قال : ( وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بفتح اللام بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ )(168) ، فليس في قولكم عن قول الحسن فرج لكم ، فدعوا ما لا فائدة فيه من علّة ، ولا عائدة من حجّة .
قال مفضّلو الملائكة عليهم السلام : قد علمتم ما للملائكة في كتاب الله تعالى من المدح والثناء ممّا بانوا به عن خلق الله جلّ وعلا ، إذ لو لم يكن فيه إلاّ قوله : ( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )(169) لكفى .
قال مفضّلوا الأنبياء والحجج عليهم السلام : إنّا لو استقصينا آي القرآن في تفضيل الأنبياء والحجج صلوات الله عليهم أجمعين ، لاحتجنا في ذلك إلى التطويل والإكثار وترك الإيجاز والاختصار ، وفيما جئنا به من الحجج النظريّة التي تزيح العلل من الجميع مقنع ; إذ ذكرنا ترتيب الله عزّ وجلّ خلقه ، فجعل الأرض دون النامي ، والنامي أعلى وأفضل من الأرض ، وجعل النامي دون الحيوان ، والحيوان أعلى وأرفع من النامي ، وجعل الحيوان الأعجم دون الحيوان الناطق ، وجعل الحيوان الناطق أفضل من الحيوان الأعجم ، وجعل الحيوان الجاهل الناطق دون الحيوان العالم الناطق ، وجعل الحيوان العالم الناطق المحجوج دون الحيوان العالم الحجّة . .
ويجب على هذا الترتيب أنّ المعرب المبين أفضل من الأعجم غير الفصيح ، ويكون المأمور المزجور مع تمام الشهوات وما فيهم من طباع حبّ اللذات ومنع النفس من الطلبات والبغيات ، ومع البلوى بعد ، ويمهل ويمتحن بمعصيته إيّاه هو يزينها له محسّناً بوسوسته في قلبه وعينه ، أفضل من المأمور المزجور مع فقد آلة الشهوات ، وعدم معاداة هذا المتوصّل له بتزيين المعاصي والوسوسة إليه .
ثمّ هذا الجنس نوعان : حجّة ومحجوج ، والحجّة أفضل من المحجوج ، ولم يحجّج آدم الذي هو أصل البشر بواحد من الملائكة ، تفضيلا من الله عزّ وجلّ إيّاه عليهم ، وحجّج جماهير الملائكة بآدم (عليه السلام)فجعله العالم بما لم يعلموا ، وخصّه بالتعليم ليبيّن لهم أنّ المخصوص بما خصّه به ، ممّا لم يخصّهم أفضل من غير المخصوص ، بما لم يخصّه به . وهذا الترتيب حكمة الله عزّ وجلّ ، فمن ذهب يروم إفسادها ظهر منه عناد من مذهبه وإلحاد في طلبه .
فانتهى الفضل إلى محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه ورث آدم وجميع الأنبياء (عليهم السلام) ; ولأنّه اصطفاه الذي ذكره الله عزّ وجلّ فقال : ( إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ )(170) ، فمحمّـد الصفوة والخالص نجيب النجباء من آل إبراهيم ، فصار خير آل إبراهيم بقوله : ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض )(171) ، واصطفى الله جلّ جلاله آدم ممّن اصطفاه عليهم من روحاني وجسماني ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّـد وآله وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قال مصنّف هذا الكتاب الشيخ الصدّوق (رحمه الله) : إنّما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب ، وليس قولي في إبليس إنّه كان من الملائكة ، بل كان من الجنّ ، إلاّ أنّه كان يعبد الله بين الملائكة ، وهاروت وماروت مَلَكان ، وليس قولي فيهما قول أهل الحشو ، بل كانا عندي معصومين ، ومعنى هذه الآية : ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيَمانَ )(172) إنّما هو ، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، وعلى ما أنزل على المَلَكَين ببابل هاروت وماروت ، وقد أخرجت في ذلك خبراً مسنداً في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) .
موردان آخران:
ألف : وفي رواية محمّـد بن بحر الشيبانيّ ، عن أحمد بن الحرث قال : حدّثنـا أبو أيّوب الكوفـي قال : حدّثنـا إسحاق بن وهب العلاّف ، قال : حدّثنا أبو عاصم النبّال عن ابن جريج ، عن الضحّاك ، عن ابن عبّاس ، قال :
« خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من منزل عائشة فاستقبله أعرابيّ ومعه ناقة فقال : يا محمّـد ! تشتري هذه الناقة ؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « نعم ، بكم تبيعها يا أعرابيّ ؟ » . فقال : بمئتي درهم . فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « بل ناقتك خير من هذا » ، قال : فما زال النبيّ (صلى الله عليه وآله) يزيد حتّى اشترى الناقة بأربع مئة درهم .
قال : فلمّا دفع النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة فقال : الناقة ناقتي والدراهم دراهمي ، فإن كان لمحمّـد شيء فليقم البيّنة . قال : فأقبل رجل فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « أترضى بالشيخ المقبل ؟ » ، قال : نعم يا محمّـد ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « تقضي فيما بيني وبين هذا الأعرابي ؟ » ، فقال : تكلّم يا رسول الله . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي » ، فقال الأعرابيّ : بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي ، إن كان لمحمّـد شيء فليقم البيّنة ، فقال الرجل : القضيّة فيها واضحة يا رسول الله ، وذلك أنّ الأعرابي طلب البيّنة .
فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « اجلس » فجلس ، ثمّ أقبل رجل آخر فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « أترضى يا أعرابيّ بالشيخ المقبل ؟ » ، قال : نعم يا محمّـد ، فلمّا دنا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « اقض فيما بيني وبين الأعرابيّ » ، قال : تكلّم يا رسول الله ، فقال النبىّ (صلى الله عليه وآله) : « الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي » ، فقال الأعرابي : بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي ، إن كان لمحمّـد شيء فليقم البيّنة . فقال الرجل : القضية فيها واضحة يا رسول الله ; لأنّ الأعرابي طلب البيّنة .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : « اجلس حتّى يأتي الله بمن يقضي بيني وبين الأعرابيّ بالحقّ » .
فأقبل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « أترضى بالشابّ المقبل ؟ » ، قال : نعم . فلمّا دنا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « يا أبا الحسن ! اقض فيما بيني وبين الأعرابي » .
فقال تكلّم يا رسول الله . فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : « الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابيّ » ، فقال الأعرابي : لا ، بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي ، إن كان لمحمّـد شيء فليقم البيّنة .
فقال عليّ (عليه السلام) : « خلّ بين الناقة وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) » . فقال الأعرابي : ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البيّنة(173) .
قال : فدخل عليّ (عليه السلام) منزله فاشتمل على قائم سيفه(174) ثمّ أتى فقال :
« خلّ بين الناقة وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) » ، قال : ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البيّنة .
قال : فضربه عليّ (عليه السلام) ضربة فاجتمع أهل الحجاز على أنّه رمى برأسه ، وقال بعض أهل العراق بل قطع منه عضواً ، قال :
فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « ما حملك على هذا يا عليّ ؟ » ،
فقال : يا رسول الله ! نصدّقك على الوحي من السّماء ولا نصدّقك على أربعمئة درهم !» .
باء : وروى محمّـد بن بحر الشيباني ، عن عبد الرحمن بن أحمد الذهلي ، قال : حدّثنا محمّـد بن يحيى النيسابوري ، قال : حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصيّ ، قال : حدّثنا شعيب ، عن الزهريّ ، عن عبد الله ابن أحمد الذهلي قال(175) : حدّثني عمارة بن خزيمة بن ثابت : أنّ عمّه حدّثه وهو من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ابتاع فرساً من أعرابيّ فأسرع النبيّ (صلى الله عليه وآله) المشي ليقبضه ثمن فرسه ، فأبطأ الأعرابيّ ، فطفق رجال يعترضون الأعرابيّ فيساومونه بالفرس(176) ، وهم لا يشعرون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)ابتاعه ، حتّى زاد بعضهم الأعرابيّ في السوم على الثمن ، فنادى الأعرابي فقال : إن كنت مبتاعاً لهذا الفرس فابتعه وإلاّ بعته .
فقام النبيّ (صلى الله عليه وآله) حين سمع الأعرابي فقال : « أو ليس قد ابتعته منك ؟ » .
فطفق الناس يلوذون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وبالأعرابي وهما يتشاجران ، فقال الأعرابي : هلمّ شهيداً يشهد أنّي قد بايعتك ، ومن جاء من المسلمين قال للأعرابي : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكن ليقول إلاّ حقّاً ، حتّى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع لمراجعة النبي (صلى الله عليه وآله) والأعرابي فقال خزيمة : إنّي أنا أشهد أنّك قد بايعته .
فأقبل النبي (صلى الله عليه وآله) على خزيمة فقال : « بم تَشهد ؟ » .
قال : بتصديقك يا رسول الله .
فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) شهادة خزيمة بن ثابت شهادتين ، وسمّاه ذا الشهادتين »(177) .
مصادر البحث
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ إعلام الورى ، أبوعلي فضل بن حسن الطبرسي ، طهران ، دار الكتب الإسلامية ، 1390 هـ . ق .
3 ـ إكمال الدين و إتمام النعمة ، الشيخ الصدوق ، طهران ، دار الكتب الإسلامية ، 1359 هـ . ش .
4 ـ إيضاح الاشتباه ، العلاّمة الحلّي ، مؤسّسة النشر الإسلامى ، قم ، 1319 .
5 ـ تفسير القمّي ، علي بن إبراهيم ، قم ، دار الكتاب الإسلامى-- ، 1410 .
6 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، الشيخ آقا بزرگ الطهراني ، بيروت ، دار الأضواء .
7 ـ رجال الطوسي ، الشيخ الطوسي ، نجف ، المطبعة الحيدرية ، 1380 هـ . ق .
8 ـ رجال العلاّمة الحلّي ، قم ، منشورات الرضي ، 1402 .
9 ـ رجال الكشي ، (اختيار معرفة الرجال) محمّد بن الحسن الشيخ الطوسي ، تصحيح مصطفوي ، مشهد ، جامعة مشهد .
10 ـ رجال النجاشي ، أبو العبّاس النجاشي ، تصحيح موسى الشبيري الزنجاني ، قم ، مؤسّسة النشر الإسلامي .
11 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ، زين العابدين علي بن يونس العاملي ، تحقيق محمّد باقر البهبودي ، طهران ، مرتضوية ، 1384 هـ . ق .
12 ـ علل الشرائع ، الشيخ الصدوق ، نجف ، مطبعة الحيدرية ، 1385 هـ . ق .
13 ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الشيخ الصدوق ، طهران ، منشورات الأعلمي .
14 ـ الغيبة ، أبوجعفر محمّد بن حسن الشيخ الطوسي ، طهران ، مكتبة نينوى ، (و تحقيق و نشر: بنياد معارف إسلامي ، قم) .
15 ـ فهرست كتب الشيعة و أصولهم ، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ، تصحيح السيد عبد العزيز الطباطبائي ، قم |