العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 79 و 80   > مكانة " العقل " في




(51)
مـكـانـة « الـعـقـل »
في التشـريـع
السـيّد عليّ الهاشمي
بسـم الله الرحمن الرحـيم
اتّفق علماء المسلمين على حرمة ممارسة الإنسان للتشريع في قبال الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسُـنّة ; إذ أجمعوا ـ ولو نظريّـاً ـ على أنّـه لا اجتهاد في مقابل النـصّ ، إلاّ أنّهم اختلفوا بعد ذلك في تحديد موقع العقل في الشريعة على ثلاثة أقـوال :
الأوّل : جواز رجوع الفقيه إلى العقل بوصفه مصدراً مستقلاًّ للتشريع في طولِ الكتاب والسُـنّة ، لمعرفة أحكام الموضوعات التي لم يرد نصّ من الشارع لبيان حكمها الشرعي .
الثـاني : جواز اتّخاذ العقل طريقاً كاشـفاً عن الأحكام الشـرعية التي لا نجد دليلا عليها من الآيات والروايات .
الثالث : حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها المتمثّلة في الكتاب والسُـنّة .
وسوف نتعرّض في ما يلي لكلّ من هذه الأقوال بالبحث والنقد ، ونحاول أن نتعرَّف أيّها الحقيق بالاتّباع ..


(52)
أمّا القول الأوّل :
فهو يمثّل اتّجاهاً لدى بعض فقهاء أهل السُنّة ، يفسح المجال لتدخّل العقل في التشريع ، بذريعة عدم بيان الشريعة لأحكام جميع الموضوعات ، وهذا الاتّجاه هو المعروف بـ : « اجتهاد الرأي » ، في قبال التعبّد بالنصوص وعدم الانسياق وراءَ الرأي والتقدير الشخصي في مجال تحديد الأحكام ، الذي كان عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والسائرون على هداهم ..
قال ابن حزم : « فكان ممّا حدث بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة أشياء غلط فيها القوم فتديّنوا بها ، ووفّق الله تعالى آخرين لإسقاط القولِ بها ، ويسّرهم للثبات على ما بيّنه تعالى في كتابه وعلى لسانِ رسوله ، وتلك الأشياء التي حدثت هي : الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد .
فكان حدوث الرأي في القرن الأوّل ... وحقيقة معنى لفظ الرأي الذي اختلفنا فيه هو : الحكم في الدين بغير نصّ ، ولكن بما رآه المفتي أحوط وأعدل في التحريم والتحليل أو الإيجاب .
ومَن وقف على هذا الحدّ وعرف معنى الرأي ، اكتفى في إيجاب المنع منه بغير برهان ; إذ هو قول بلا برهان » (1) .
ويمكن إبطال هذا القول بالأدلّة التالية :
الدليل الأوّل :
ما دلّ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على انحصار حقّ



(1) الصادع في الردّ على من قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، مجلّة دراسات أُصولية ـ قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) ، ص 237 ـ 238 .


(53)
التشريع بالله عزّ وجلّ ، وعلى حرمة تدخّل الإنسان في مجال التشريع ، ومن ذلك :
1 ـ قوله تعالى : ( ومَن لَمْ يَحْكُم بِما أنْزَلَ اللهُ فأُولئكَ هُمُ الكافرون ) (1) .
ومن الواضح : أنّ ما أنزله الله سبحانه على نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) منحصر بالكتاب والسُـنّة ، فالآية صريحة في الدلالة على انحصار التشريع بهما ، وفي إلحاقِ من يلجأ إلى استمداد الأحكام من غيرهما بالكافرين .
فإن قيـل :
إنّ هذه الآية توجـب الحكم بما أنزل الله تعالى ، ولكنّها لم تنهَ عن الأخـذ بحكم العقل في ما لم ينزل به من الله حكم .
فالجواب :
إنّ هذا يرد على فرض وجود وقائع لم ينزل بها حكم شرعي ، وهو ليس صحيحاً قطعاً ; لِما هو ثابت بالعديد من أدلّة الكتاب والسُـنّة ـ التي سنعرض لها عمّا قريب ـ من أنّ أحكام الشريعة شاملة لكلِّ الوقائع ، وأنّه ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم ، والروايات المفسِّـرة لهذه الآية (2) تدلّ على أنّ المراد : أنّ الأحكام جميعها قد بُلّغت ، وأنّ المخالف لِما بُلّغ ونَزل في القرآن أو سُـنّة النبيّ والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) حاكم بغير ما أنزل الله تعالى .



(1) سورة المائدة 5 : 44 .
(2) سنورد بعضها ضمن عنوان : الدليل الثالث ، من هذا البحث .



(54)
2 ـ قوله تعالى عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( وما ينطقُ عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (1) .
وهو يؤكّد أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه أكمل الخلق وأكرمهم على الله سبحانه ، ليس مخوّلا بإصدار الأحكام استناداً إلى عقله ورأيه الشخصي ، وإنّما هو مقيّد بتبليغ ما يتلقّاه من ربّه عن طريق الوحي ، فغيره ممّن لا يبلغ شأوه من الناس أَوْلى بأن يمنع من اتّخاذ رأيه وعقله مصدراً للتشريع .
هذا وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله لهشام بن الحكم : « إنّ لله على الناسِ حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) ، وأمّا الباطنة فالعقول » (2) .
ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا الحديث أنّ العقل يقع في مرتبة النبيّ والإمام من حيث خصوصيّة كونهما مصدراً للتشريع ; فإنّ هذه الخصوصيّة قد نُفيت عن العقل بالأدلّة التي نسوق بعضها فعلا في هذا البحث ، وأُثبتت للحجّة الظاهرة فقط .
قال تعالى : ( أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأُولي الأمرِ منكم ) (3) ، وقال تعـالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (4) ، فأعطى بذلك حقّ الطاعة والتشريع للنبيّ والإمام ، وهما الحجّة الظاهرة ، وميّزهما بذلك عن الحجّة الباطنة ، أي : العقل .
فلا بُـدّ من حمل مراد الشارع بالحديث المذكور على الجانب



(1) سورة النجم 53 : 3 و 4 .
(2) الكافي 1 / 16 ح 12 كتاب العقل والجهل .
(3) سورة النساء 4 : 59 .
(4) سورة الحشـر 59 : 7 .



(55)
العقائدي خاصّـة دون التشريعي ، وأنّ الحجّة الباطنة تهدي الإنسان إلى معرفة ربّـه ، وإلى إدراك أنّه ليس بوسـعه أن يعرف ما يرضـي الله وما يسخطه ، بل لا بُدّ له من طلب الرسل ليتعرّف منهم دين الله تعالى ، ويصـوغ سلوكه الفردي والاجتماعي في إطار أحكام الدين ، وسيأتي قريباً ما أقرّه الإمام الصادق (عليه السلام) من « أنّ مَن عَرفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلاّ برسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضـة » (1) .
3 ـ الروايات المتضافرة في مصادر الفريقين التي تنهى عن ( الابتداع ) في الدين ، وهو : إدخال ما ليـس من الدين فيه .
فكلّ حكم لم يرد فيه نصّ من الشارع ، لا يجوز لأيّ أحد من الناس أن يضيفه إلى الشريعة وأن يلزم به المسلمين ; لأنّه لو كان مراداً للشارع المقـدّس لجاء به نصٌّ من الكتاب أو السُـنّة .
وقد كثرت الروايات التي تذمّ الابتداع وتحذّر منه وتتوعّد عليه ; نظراً لِما ينتج عنه من اختلاط التشريع الإلهي بالأحكام الوضعية التي ما أنزل الله بها من سلطان .
ومن هذه الروايات :
1 ـ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من أَحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه ، فهو ردّ » (2) .



(1) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(2) كنز العمّال 1 / 219 ح 1101 .



(56)
2 ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « اتّبعوا ولا تبتدعوا ; فقد كفيتم » (1) .
3 ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ألا وكلّ بدعة ضلالة ، ألا وكلّ ضلالة في النار » (2) .
4 ـ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ما أُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سُـنّة ، فاتّقوا البِدع ، والزموا المَهْيَع » (3) .
5 ـ قوله (عليه السلام) أيضاً : « إنّما بدءُ الفتن أهواء تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ، يخالَف فيها كتاب الله ، يُقلّد فيها رجالٌ رجالا على غير دين الله » (4) .
الدليل الثاني :
ما دلَّ من الأحاديث على أنّ الإنسان ليس مكلّفاً بالتشريع ; لأنّه لا يمتلك القدرة على معرفة ما يرضـي الله تعالى وما يسـخطه ، وليس لديه إحاطة بالملاكات الواقعية التي يقوم عليها التشريع وتبتني عليها الأحكام الإلهيّـة ، ومن هذه الأحاديث :
1 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « ليس لله على خلقه أن يعرفوا ، وللخلقِ على الله أن يعرّفهم ، ولله على الخلقِ إذا عرّفهم أن يقبلوا » (5) .
2 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل أنّه قال : « بالعقل عرف العباد خالقهم وأنّهم مخلوقون ، وأنّه المدبِّرُ لهم وأنّهم المدبَّرون ، وأنّه



(1) كنز العمّال 1 / 221 ح 1112 .
(2) الكافي 1 / 57 ح 22 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة 145 ..والمَهْيَع : الطريق الواسع المنبسط ، كنايةً عن سعة الشريعة ووفائها بجميع الأحكام بنحو لا يترك مسوّغاً للابتداع .
(4) نهج البلاغة : الخطبة 50 .
(5) الكافي 1 / 164 ح 1 .



(57)
الباقي وهم الفانون ...
قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟
قال : إنّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ، علم أنّ الله هو الحقّ ، وأنّه هو ربّه ، وعلم أنّ لخالقه محبّة ، وأنّ له كراهة ، وأنّ له طاعة ، وأنّ له معصـية ، فلم يجد عقلَه يدلُّه على ذلك » (1) .
أي : لم يجد عقله يدلّه على ما يحبّه الله ولا على ما يكرهه ، حتّى يعرف العصيان من الطاعة .
3 ـ « عن منصور بن حازم ، قال : قلت لأبي عبـد الله (عليه السلام) : ... إنّ مَن عَرَفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربِّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلاّ بوحي أو رسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضـة ... فقال (عليه السلام) : رحمك الله » (2) .
الدليل الثالث :
ما دلَّ من الآيات والروايات على إكمال الدين ووفاء النصوص الشرعية ببيان أحكام جميع الموضوعات ، وأنّه ما مِن واقعة إلاّ وللهِ فيها حكم ، ومنها :
1 ـ قوله تعالى : ( اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نِعمتي ورضـيتُ لكم الإسلامَ ديناً ) (3) .



(1) الكافي 1 / 29 كتاب العقل والجهل .
(2) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(3) سورة المائدة 5 : 3 .



(58)
2 ـ قوله تعالى : ( ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ) (1) .
3 ـ قوله تعالى : ( ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلِّ شيء ) (2) .
4 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « ما مِن شيء إلاّ وفيه كتاب أو سُـنّة » (3) .
5 ـ قول الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليـه الأُمّـة إلاّ أنزلـه في كتابـه وبيّـنه لرسـوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعل لكلِّ شيء حـدّاً ، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه ، وجعل على مَن تعدّى ذلك الحدِّ حـدّاً » (4) .
6 ـ ما ورد عن سماعة ، أنّه سأل الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) : « أكلّ شـيء في كتاب الله وسُـنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو تقولون فيه ؟
فقال : بل كلّ شيء في كتاب الله وسُـنّة نبيّه » (5) .
7 ـ « عن الإمام الرضا (عليه السلام) : فمَن زعمَ أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه ، فقد ردَّ كتاب الله ، ومَن ردَّ كتاب الله فهو كافر » (6) .
8 ـ عـن الإمام الصادق (عليه السلام) وهـو يتحـدّث عـن شـمول الشريـعة : « فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيء يحتاج إليه الناس ، حتّى الأرش في الخـدش » (7) .



(1) سورة الأنعام 6 : 38 .
(2) سورة النحل 16 : 89 .
(3) الكافي 1 / 59 ح 4 .
(4) الكافي 1 / 59 ح 2 .
(5) الكافي 1 / 62 ح 10 .
(6) معاني الأخبار : 96 .
(7) بصائر الدرجات : 198 ، باب 12 في الأئمّة أنّ عندهم الصحيفة الجامعة ح 4 ، الكافي 1 / 339 كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة ح 1 .



(59)
ويتحصّل ممّا تقدّم :
أوّلا : إنّ النصوص الواردة في الدليل الأوّل ، تدلّ على حرمة اتّخاذ العقل مصـدراً مسـتقلاًّ للتشـريع .
ثانياً : إنّ نصوص الدليل الثاني توضّح علّة هذا التحريم ، وأنّها عدم قدرة العقل على إدراك ملاكات الأحكام من المصالح والمفاسد ، بل إنّ تكليف الإنسان بمعرفة الأحكام غير معقول ; لأنّه تكليف بغير المقدور .
ثالثاً : إنّ نصـوص الدليل الثالـث تثـبت عـدم الحاجـة أصلا إلى العقل بوصـفه مصـدراً مسـتقلاًّ للأحكام في طولِ الكتاب والسُـنّة ; لأنّها تنصّ على وفاء الشـريعة بأحكام جـميع الوقائـع ، وتنقض الأساس الذي استند إليه أصـحاب القول الأوّل ، من عدمِ توفّر البيان الشرعي لأحكام بعض الوقائـع .
وقد كان أصـحاب القول بالرأي على وعـي بأنّ الذهنية الإسلامية لا تستسـيغ تدخّل الإنسان في التشريع ، ولا ترتضي تحكيم العقل في قبال النصوص الشرعية ، ولأجل ذلك حاولوا إقناع هذه الذهنية بأنّ هناك أحكاماً لم توضّحها النصوص ، الأمر الذي يضطرّنا إلى الاسـتعانة باجتهاد الرأي لسدِّ الفراغ الحاصـل في أدلّة الأحكام .
وقد كان عمر بن الخطّاب هو رائد اتّجاه تحكيم الرأي في مجال التشـريع ، الأمر الذي تفطّن له وأقرّ به كثير من الباحثين ، ومنهم :
1 ـ الدكتور محمّـد رواس قلعه چي ; فقد قال في مقدّمة كتابه من موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي : « إنّ الأُستاذ لمدرسة الرأي هو عمر ابن الخطّاب ; لأنّه واجه من الأُمور المحتاجة إلى التشريع ما لم يواجهه


(60)
خليفة قبله ولا بعده » (1) .
2 ـ الدكتورة نادية العمري ; فقد قالت : « لم يكن الاجتهاد بالرأي والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعةً ابتدعها التابعون المقيمون في العراق ، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة ، منهم عمر بن الخطّاب » (2) .
3 ـ الأُستاذ أحمد أمين ; الذي قال : « بل يظهر لي أن عمر كان يستعمل الرأي في أوسـع من المعنى الذي ذكرناه ; ذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصَّ من كتاب ولا سُـنّة ، لكنّنا نرى عمر سار أبعدَ من ذلك ، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث ، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه ، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته » (3) .
وقد كان عمر بن الخطّاب يتحدّث عن نقص الأدلّة الشرعية وكأنّه أمر مفروغ عنه ، « قال الشعبي : قال لي عمر بن الخطّاب : ما في كتاب اللهِ وقضاءِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقضِ به ، فإذا أتاك ما ليس في كتاب اللهِ ولم يقضِ به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما قضى به أئمّة العدل ، وما لم يقضِ به أئمّةُ العدل ، فأنت بالخيار ، إن شئت أن تجتهد رأيك ، وإن شئت تؤامرني ، ولا أرى مؤامرتك إيّاي إلاّ أسلم لك « . أخرجه وكيع في أخبار القضاة ( 2 / 189 ) » (4) .
وقد عمد القائلون بالرأي إلى دعم ما يذهبون إليه ببعض الروايات ،



(1) موسوعة فقه السلف 1 / 85 .
(2) اجتهاد الرسول : 321 .
(3) فجر الإسلام : 238 .
(4) روضة الناظر وجنّة المناظر 1 / 11 مقدّمة المحقّق .



(61)
ومنها :
* أوّلا : حديث يرويه « الحارث بن عمرو ، عن رجال من أصحاب معاذ ; أنّ النبيّ لمّا بعثه إلى اليمن ، قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟
قال معاذ : أقضي بكتاب الله .
قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟
قال معاذ : فبسُـنّة رسول الله .
قال : فإن لم يكن في سُـنّة رسول الله ؟
قال معاذ : أجتهد رأيي .
قال : فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحمدُ لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي رسولَ الله » (1) .
ويلاحظ على هذا الحديث :
أوّلا : مناقشة العلماء في سنده ; فقد ذكروا فيه : أنّه ضعيف من جهتين (2) :
الأُولى : أنّه مرسل لا حجّة فيه ; لأنّه مرويّ عن أُناس من أهل حمص غير معروفين .
والأُخرى : أنّ راويه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة هو نفسه مجهول أيضاً ..
قال ابن الجوزي : « هذا حديث لا يصـحّ ... لأنّ الحارث بن عمرو



(1) مسـند أحـمد 5 / 236 ، سُـنن الترمـذي 3 / 616 ح 1327 و ح 1328 ، سُـنن أبي داود سليمان بن الأشـعث 3 / 303 ح 3592 .
(2) أُصـول الفقه 3 / 193 .



(62)
مجـهول ، وأصحاب معاذ من أهل حـمص لا يُعرفـون ، وما هذا طريقه لا وجـه لثبوتـه » (1) .
وقال ابن حزم : « لا يصـحّ ; لأنّ الحارث مجهول ، وشيوخـه لا يُعرفون ، فلا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه ، وهو باطل لا أصل له » (2) .
ثانياً : إنّ هذا الحديث معارَض بحديث آخر رواه ابن ماجة في الواقعة نفسها بسنده « عن معاذ ، قال : لمّا بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن قال : لا تقضـينَّ ولا تفصـلنَّ إلاّ بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر فقف حتّى تتبيّنه ، أو تكتب إليَّ فيه » (3) .
ويعضـد هذا الحديـث موافقـته لآيات الكتاب المتقـدّمـة ، التي تحـرّم على الإنسـان ممارسـة التقنـين ، وتصـرّح بانحصار حـقّ التشريـع بالله عزّ وجلّ .
ثالثاً : إنّ السيرة العملية لمعاذ تكذِّب هذا الحديث ; فقد روى مالك في موطّئـه : « أنّ معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ، ومن أربعين بقرة مسـنّة ، وأُتي بما دون ذلك ، فأبى أن يأخذ منه شيئاً ، وقال : لم أسمع من رسول الله فيه شيئاً ، حتّى ألقاه فأسأله » (4) ..
فسـيرة معاذ في اليمن لم تكن قائمة على اجتهاد الرأي ، وإنّما كانت على التوقّف ومراجعة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما لا يعلم حكمه ، تطبيقاً لِما أوصاه به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرواية التي تقدّم ذكرها عن ابن ماجة .



(1) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 2 / 758 ح 1264 .
(2) الإحكام في أُصـول الأحكام 6 / 373 .
(3) سُـنن ابن ماجة 1 / 21 ح 55 .
(4) الموطّأ 1 / 260 باب : ما جاء في صدقة البقر .



(63)
رابعـاً : إنّـه حديث واضح الاختلاق ; إذ كيف يُعقل أن يقرّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكرة نقص الشـريعة ! وكيف يرضـى لواليه أن يتدخّل في التشـريع ، مع تصريح الآية الكريمة بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسـه لا ينطق عن الهوى ، وأنّ ما يبلّغه منحصـر بما يتلقّاه وحياً من الله عزّ وجلّ ؟ !
* ثانياً : حديث رواه أبو داود ، قال : « حدّثنا إبراهيم بن موسى ، حدّثنا عيسى ، حدّثنا أُسامة ( هو ابن زيد ) ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، قال : سمعت أُمّ سلمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : أنا أقضي بينكم برأيي في ما لم ينزل علَيَّ فيه » (1) .
وردّه ابن حزم بقوله : « أمّا حديث أُمّ سلمة فساقط لوجوه :
أوّلها : أنّه لا يصـحّ ; لأنّ راويه أُسامة بن زيد ضعيف ; أيَّ الأُسامتين كان : أُسامة بن زيد الليثي ، أو أُسامة بن زيد بن أسلم .
والثاني : إنّ رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ مقطوع به ; وليس رأي غيره كذلك ، قال الله عزّ وجلّ : ( إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله ) (2) ... فوضح أنّ معنى قوله : ( في ما لم ينزل عليه فيه ) إنّما هو ممّا لم ينزل عليه فيه قرآن ، فيحكم بما أراه الله تعالى من الوحي ، فبطل تعلّقهم بهذا الخبر لو صـحَّ ، وهو لا يصـحّ » (3) .
أقـول :
لو صـحَّ هـذا الحديـث لا يبطل تعلّقـهم بـه ; لأنّ ما لم ينزل عليه



(1) سُـنن أبي داود 3 / 302 كتاب الأقضـية ح 3585 .
(2) سورة النساء 4 : 105 .
(3) الصادع : 246 ـ 247 .



(64)
فـيه شـيء شامـل لكلّ من الكتاب والسُـنّة ، إذ كلّ منهما وحي نازل من الله عزّ وجلّ ، ولو كان يريد بالنازل خصوص القرآن ، لَما قال : ( أقضي بينكم برأيي ) الظاهر في إرادة الرأي الشخصي ، ولقال : أقضي بينكم بما أراني الله .
ولكنّ الرواية ليست صحيحة ، لا لِما ذكره من ضعف سندها فقط ، وإنّما لمنافاتها لآيات الكتاب الصريحة في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتقوّل على الله : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى ) .
ويلاحظ :
أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وقفوا موقفاً حاسماً من اتّجاه الرأي ، وشجبوه شجباً قاطعاً ، وأكّدوا في أحاديثهم ما نصّ عليه كتاب الله من كمال الدين ، وعدم جواز تدخّل الإنسان في الأحكام بالزيادة والنقصان ..
روى : « حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبـد الله (عليه السلام) ، قال : سأله سَوْرة ـ وأنا شاهد ـ فقال : جعلت فداك بمَ يفتي الإمام ؟ قال : بالكتاب . قال : فما لم يكن في الكتاب ؟ قال : بالسُـنّة . قال : فما لم يكن في الكتاب والسُـنّة ؟ فقال : ليس من شيء إلاّ في الكتاب والسُـنّة » (1) .
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : « لو حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ مَن قبلنا ، ولكنّنا حدّثنا ببيّنة من ربّنا ، بيّنها لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبيّنها لنا » (2) .
« وفي هذا الحديث الشريف عبرة لمَن اعتبر ; لأنّه إذا كان هذا حال المعصوم لو اعتمد في استنباط الأحكام على رأيه واجتهاده من غير نصّ ،



(1) بصائر الدرجات : 408 .
(2) بصائر الدرجات : 319 .



(65)
مع عصمته المانعة من الخطأ ، فكيف حال من يترك النصّ لاجتهاد ورأي ضعيف يعترف بأنّه يحتمل الخطأ والصواب ؟ ! » (1) .
وبينما يقول أصحاب الرأي : إنّ للمجتهد أجرين في حال الإصابة ، وأجراً واحداً في حال الخطأ ، نجد الإمام الصادق (عليه السلام) ـ وقد سأله أبو بصير : ترِد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُـنّة ، فننظر فيها ؟ ـ يقول : « لا ، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على الله عزّ وجلّ » (2) . وقد استحوذت فكرة قصور النصوص الشرعية عن الوفاء بأحكام جميع الوقائع على أذهان أصحاب هذا الاتّجاه ، فأصبحوا يناقشون أتباع خطّ الإمامة المتعبّدين بالنصوص ويحاولون إحراجهم بذِكر قضايا يتوهّمون أنّه لا نصَّ شرعياً فيها ، فكانوا يتلقّون منهم إجابات حاضرة ومحكمة تجعلهم لا يحيرون جواباً .
ومن شواهد ذلك : ما جاءَ في رجال الكشّي عن حريز ، « قال : دخلت على أبي حنيفة وعنده كتب كانت تحول في ما بيننا وبينه ، فقال : هذه الكتب كلّها في الطلاق .
قلت : نحن نجمع هذا كلّه في حرف .
قال : وما هو ؟
قلت : قوله تعالى : ( يا أيّها النبيّ إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ وأحصـوا العـدّة ) (3) .



(1) هداية الأبرار : 142 .
(2) الكافي 1 / 56 ح 11 ، وسائل الشيعة 27 / 40 ح 33156 .
(3) سورة الطلاق 65 : 1 .



(66)
فقال لي : وأنت لا تعلم شـيئاً إلاّ برواية ؟
قلت : أجـل .
قال : ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته ألف درهم فأدّى تسعمئة وتسـعة وتسـعين ، ثمّ أحدث ( يعني : الزنا ) كيف تحـدّه ؟
قلت : عندي حديث ; حدّثني محمّـد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) : أنّ عليّـاً (عليه السلام) كان يضـرب بالسوطِ وبثلثه وبنصـفه وببعضـه وبقدر أدائه .
فقال لي : فإنّي أسألك عن مسألة لا يكون فيها شيء ; فما تقول في جمل أُخـرج من البحر ؟
فقلت : إن شاء فليكن جملا ، وإن شاء فليكن بقرة ، إن كانت عليه فلوس أكلناه ، وإلاّ فلا » (1) .
ويلاحـظ :
أنّ مقتضى ما ثبت من حرمة التشريع ، هو ما أكّدته النصوص من كمال الدين واستيعاب الأحكام الشرعية لجميع الوقائع ، ذلك أنّ عدم وفاء الأدلّة الشرعية بجميع الأحكام ، مع عدم السماح للإنسان بتعيين أحكام ما ليس عليه دليل شرعي ، يوقع الإنسان في العسر والحرج ، وهو أمر مخالف للحكمة ، فلا يمكن صـدوره من الشارع المقدّس .
ومنه يتّضـح : أنّ افتراض عدم مصادمة التشريع العقلي للتشريع الإلهي ; وأنّ أحكام العقل تكون في طول التشريع الإلهي لا في قباله ، هو افتراض يقوم على دعوى نقص الشريعة وعدم وفائها ببيان جميع الأحكام ، وهي دعوىً ثبت بطلانها بالنصوص الدالّة على إكمال الدين وأنّه ما من



(1) اختيار معرفة الرجال ـ للشيخ الطوسي ـ : 448 ح 718 .


(67)
واقعة إلاّ ولله فيها حكم .
وإذاً ، فاتّخاذ العقل مصـدراً للتشـريع ، الذي اصطلحوا عليه باجتهاد الرأي لا يكون إلاّ في قبال النصّ ، وهو ما اتّفق المسلمون على حرمته ، وأنّ ادّعاء قصر اللجوء إلى العقل على حالات عدم بيان حكم الواقعة في الكتاب والسُـنّة ، هو ادّعاء لا يُراد به إلاّ التغطية على الهدف الحقيقي لأصحاب هذا الاتّجاه ، الّذين أرادوا التدخّل في التشريع والتصرّف في الأحكام عن طريق الإضافة تارة ، والتغيير والتبديل تارة أُخرى .
ولا أدلَّ على ذلك من أنّ الأحكام التي أصدرها أصحاب هذا الاتّجاه ، كانت كلّها من نوع الاجتهاد في مقابل النصّ ، واستعراض جميع هذه الأحكام يخرج بنا عن حدود هذا البحث ، فينبغي لنا تقديم نماذج يسيرة منها ، تاركين لمَن يرغب المزيد متابعة البحث في مظانّه (1) .
فمن نماذج ذلك :
1 ـ تشريع عمر الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة ، أو دفعات في مجلس واحد ، بأن يقول : أنتِ طالق ثلاثاً ، أو يكرّر لفظ الطلاق بقوله : أنتِ طالق ، أنتِ طالق ، أنتِ طالق ..
فقد حكم عمر بأنّها تحسب ثلاث تطليقات حقيقية ، فتحرم المرأة على زوجها حتّى تنكح زوجاً غيره ، على الرغم من أنّ الثابت شرعاً أنّ هذا الطلاق يحسب طلقة واحدة ، وأنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعدّ مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب ; فقد أخرج النسائي « عن محمود بن لبيد ، قال : أُخبر رسول الله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فقام غضبان ثمّ



(1) ومنها كتاب النصّ والاجتهاد للعلاّمة السـيّد عبـد الحسين شرف الدين (قدس سره) .


(68)
قال : أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ! » (1) .
« وعن ابن عبّـاس ، قال : طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد ، فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله : كيف طلّقتها ؟ قال : طلّقتها ثلاثاً في مجلس واحد ، قال : إنّما تلك طلقة واحدة ، فارتجعها » (2) .
ومع ذلك أعمل عمر رأيه في هذا الحكم المنصوص ، واحتسب مثل هذا الطلاق ثلاثاً .
« روى مسـلم عـن ابن عبّـاس ، قال : كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم » (3) .
« عن طاووس ، قال : قال عمر بن الخطّاب : قد كانت لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم ، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك » (4) .
2 ـ تشريع عمر صلاة ( التراويح ) في شهر رمضان ، وهي ( بدعة ) بنصّ كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وباعتراف عمر نفسه ; فقد جاء في مصادر العامّة الحديثية : أنّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته على الناس ، وهم يتنفّلون ليلا في المسجد النبوي في شهر رمضان ، فرأى أن يجمعهم على قارئ واحد ، ليصلّوا النافلة جماعة ، بدلا من أن يصلّوها فرادى ، فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ اطّلع عليهم ليلة أُخرى وهم يصلّون هذه النافلة في جماعة ،



(1) سُـنن النسائي 6 / 104 ـ 105 ح 3401 ، الدرّ المنثور 5 / 427 .
(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 / 61 ، الدرّ المنثور 1 / 668 .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 10 / 312 .
(4) كنز العمّال 9 / 676 ح 27943 .



(69)
فأعجبه ذلك وقال : نِعمَ البدعة هذه (1) .
وقد جاء بعد ذلك فقهاء التبرير ، فقاموا بتقسيم البدعة إلى : بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، والحقّ : إنّ هذا التقسيم إنّما يصحّ في المعنى اللغوي للبدعة ، وهو : الشيء الحادث المخترع ، تبعاً لكونه نافعاً للفرد والمجتمع أو ضارّاً بهما ، وأمّا البدعة بالمعنى الشرعي ، فإنّها لا تكون إلاّ مذمومـة وغير جائزة ; لأنّها تدخّل في التشريع ، وإدخال ما ليس من الدين فيه .
والذي تؤكّده المصادر : أنّ هناك محاولات جرت في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لإقامة صلاة التراويح ، وجوبهت برفض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) القاطع لها ، وتصريحه بأنّها بدعة وليست من الدين في شيء .
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « صوم شهر رمضان فريضـة ، والقيام في جماعة في ليله بدعـة ، وما صلاّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في لياليه بجماعة ، ولو كان خيراً ما تركه ، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده ، فقام قوم خلفه ، فلمّا أحسَّ بهم دخل بيته ، فعل ذلك ثلاث ليال ، فلمّا أصبح بعد ثلاث صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس ! لا تصلّوا النافلة ليلا في شهر رمضان ولا في غيره جماعةً ; فإنّها بدعـة ، ولا تصلّوا الضحى ; فإنّها بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار ، ثمّ نزل وهو يقول : قليل في سُـنّة خير من كثير في بدعـة » (2) .
3 ـ تحريم عمر لمتعة الحجّ ومتعة النساء ، مع اعترافه صراحة بثبوت



(1) صحيح البخاري 2 / 707 كتاب صلاة التراويح .
(2) دعائم الإسلام 1 / 213 .



(70)
تشريعهما ; إذ خطب الناس يوماً فقال : « متعتان حلالتان كانتا على عهد رسولِ الله ، وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحجّ ، ومتعة النسـاء » (1) .
وفي روايـة أُخـرى أنّه قال : « أيّها الناس ! ثلاث كنَّ على عهد رسـول الله ، وأنا أنهى عنهنَّ ، وأُحرّمهنَّ ، وأُعاقب عليهنَّ : متعة الحجّ ، ومتعة النساء ، وحيَّ على خير العمل » (2) .
وفي صحيح مسلم : « عن أبي نضرة ، قال : كان ابن عبّـاس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبـد الله ، فقال : على يدي دار الحديث ، تمتّعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا قام عمر ( أي : بأمر الخلافة ) قال :
إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما يشاء بما يشاء ، وإنّ القرآن قد نزل منازله ، فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله ، وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلن أُؤتى برجل نكح امرأةً إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة » (3) .
وقد علّق العلاّمة المرحوم شرف الدين على قول عمر : « فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله » بقوله : « ما أدري والله ما المراد بهذا الكلام ، فهل كان رسول الله يتمّ الحجّ والعمرة على خلاف ما أمر الله ؟ ! وهل كان هو [ عمر ] ومخاطبوه أعرف منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأوامر الله ونواهيه ؟ ! » (4) .
وأخـرج مسـلم في صحيحـه « عن سعيد بن المسيّب ، قال : اجتمع عليّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة ، فقال له عليّ :



(1) التفسير الكبير ، في تفسير قوله تعالى : ( فمَن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ ) ( سورة البقرة 2 : 196 ) ، وقوله تعالى : ( فما استمتعتم به منهنَّ ) ( سورة النساء 4 : 24 ) .
(2) شرح التجريد : 374 أواخر مبحث الإمامة .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 401 باب : في المتعة بالحجّ والعمرة .
(4) النصّ والاجتهاد : 186 الهامش .



(71)
ما تريد إلى أمر فعله رسول الله تنهى عنه ؟ ! فقال عثمان : دعنا منك ; فقال عليّ : إنّي لا أسـتطيع أن أدعك » (1) .
والذي تظهرنا عليه المصادر التاريخية والحديثية التي دُوّنت بأقلام العامّة ، أنّ أصحاب هذا الاتّجاه كانوا قد بدأوا بممارسـة نشاطهم من أجل التدخّل في التشريع مقابل ما هو ثابت بالنصّ ، في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن جملة الشواهد التي يمكن تقديمها لإثبات ذلك :
1 ـ اعتراض عمر بن الخطّاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إمضائه صلح الحديبية ; إذ قال له : ألسـتَ نبيَّ الله حقّـاً ؟
قال : بلى .
قال : ألسـنا على الحقّ ، وعدوّنا على الباطل ؟
قال : بلى .
قال : فلِم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟
فقال : إنّي رسول الله ، ولسـت أعصيه ، وهو ناصري .
قال : أَوَليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّـوّف به ؟
قال : بلى ، فأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ !
قال : قلت : لا .
قال : فإنّك آتيه ومطّـوّف به » (2) .
ومن هذا النصّ يتبيّن : أنّ عمر كان يعتدّ برأيه ، ولا يتعبّد بفعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يصدر إلاّ عن الوحي الإلهي ، ويحاول جاهداً أن يجد ثغرةً ينفذ منها لإثبات خطأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقفه .



(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 428 .
(2) صحيح البخاري 2 / 978 كتاب الشروط .



(72)
2 ـ اعتراض عمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما أمرَ أبا هريرة بقوله : اذهب ، فمَن لقيته يشهد أن لا إله إلاّ الله ، مستيقناً بها قلبه ، فبشّـرْه بالجنّة .
فكان أوّل من لقيه عمر ، فسأله عن شأنه ، فأخبره بما أمره به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال أبو هريرة : « فضرب عمر بيده بين ثدييّ ، فخررتُ لأستي ، فقال : ارجع يا أبا هريرة ! فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجهشت بكاءً ، وركبني عمر فإذا هو على أثري ... فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عمر ! ما حملك على ما فعلت ؟ !
قال : يا رسول الله ! أبعثت أبا هريرة بأنّ مَن لقي الله يشهد أن لا إله إلاّ الله ، مسـتيقناً بها قلبه ، فبشّـرْه بالجنّة ؟ !
قال : نعم .
قال : فلا تفعل ! فإنّي أخشى أن يتّكل الناس عليها ، فخلِّهم يعملون .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فخلِّهم » (1) .
والذي تفيده المصادر : أنّه « لم يكن لهذه المعارضـة عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) أيَّ أثر ، وقد بلَّغ تلك البشرى للأُمّة بنفسه ، فسمعها منه عمر نفسه ، وعثمان ابن عفّان ، ومُعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وعتبان بن مالك (2) ، وغيرهم ، حتّى تجاوزت حدّ التواتر ، فكانت من الضروريّات بين المسلمين ، على اختلافهم في المذاهب والمشارب » (3) .
ومنـه يتّضـح : أنّ عبارة : ( قال رسول الله : فخلِّهم ) الواردة في المصـدر ، مُقحمة في النصّ ، وموضوعة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويُراد بها



(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 182 ـ 184 .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 166 ـ 188 .
(3) النصّ والاجتهاد : 183 .



(73)
الإيهام بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صحَّـح رأي عمر ، ونسب نفسه إلى الخطأ ـ حاشاه ـ ولأجل ذلك ذهب بعض علماء العامّة ، كـ : النووي ، والقاضي عيّاض ، إلى القول : « إنّ الصواب في هذه الواقعة كان إلى جانب عمر ، وادّعوا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صوّبه حين عرض عليه رأيه » (1) .
والأدهى من ذلك أنّ بعضهم حاول أن يؤسّس على ذلك قاعدة مفادها : « إنّ الإمام والكبير مطلقاً ، إذا رأى شيئاً ورأى بعض أتباعه خلافه ، ينبغي للتابع أن يعرضـه على المتبوع ; لينظر فيه ، فإن ظهر له ما قاله التابع هو الصـواب ، رجع المتبوع إليه ، وإلاّ بيّن للتابع جواب الشبهة التي عرضت لـه .
قلتُ : إنّما يصغى لهذا الكلام إذا لم يكن المتبوع نبيّاً بحقّ ، أمّا إذا كان نبيّاً فليس لأحد من الأُمّة كافّة إلاّ السمع والطاعة والإيمان الخالص من كلِّ شـبهة » (2) .
3 ـ مـنع عمر من كتابة رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قُبيل وفاته كتاباً يعصـم الأُمّـة من الضلال ، واتّهامه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يهجر ، وهي الحادثة المـعـروفـة بـ : « رزيّـة يـوم الـخـمـيـس » ، وهـي جـرأة عـلى مـقـام رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واجتهاد صـريح في قبال النصّ ، وتحكيم للرأي الشخصي على ما يراه الله ورسـوله .
ومن بواعث العجب إصرار بعضهم على تصحيح موقف عمر بقولهم : « إنّ عمر كان موفّقاً للصـواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام مـن الله تعالى ! وهـذا ممّا لا يصـغى إليه في مقامـنا هذا ; لأنّه يرمي



(1) النصّ والاجتهاد : 184 ، صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 183 الهامش .
(2) النصّ والاجتهاد : 184 .



(74)
إلى أنّ الصـواب في هذه الواقـعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ ، وأنّ إلهامـه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطـق بـه الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) » (1) .
والملاحظ :
أنّهم يجهدون لحـدّ الآن لتصحيح رأي عمر بمثل هذا العذر ، مع أنّ عمر نفسه يصـرّح بأنّه إنّما منع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة الكتاب ; لعلمه بأنّه أراد أن يسجّل خطّـيّـاً ما كان يؤكّده بأقواله من إمامة عليّ (عليه السلام) ومرجعيّته السياسية والتشريعية للأُمّة من بعده ، وأنّ عمر أدرك أنّ الكتاب سيكون وثيقة خطّـيّة تقف عقبةً في وجه الاجتهاد وإعمال الرأي في أمر الإمامة ..
فقد نقل ابن أبي الحديد عن تاريخ بغداد أنّ عمر سأل ابن عبّـاس عن الإمام عليّ (عليه السلام) : « يا عبـد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتـنيها ، هل بقـي في نفسـه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضـه أن يصرّح باسمه ـ يعني عليّـاً ـ فمنعتُ من ذلك ; إشفاقاً وحيطة على الإسلام ... » (2) .
فهو يرى نفسه أشفق على الإسلام من الله ورسوله ! ولست أدري أيّة شفقة تتحقّق في منع رسول الله من كتابة ما يعصـم الأُمّة من الضلال ؟ !



(1) النصّ والاجتهاد : 162 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 12 / 20 ـ 21 .



(75)
والذي نخلص إليه من البحث في القول الأوّل :
أوّلا : إنّ اتّخاذ العقل مصدراً مستقلاًّ للتشريع محكوم بالحرمة شرعاً ، وإنّ الشارع المقدّس قد أكمل الدين وبيّن أحكام جميع الوقائع .
ثانياً : إنّ استعمال العقل والرأي في التشريع لا يكون إلاّ في قبال النصّ ، ما دامت الشريعة قد تكفّلت ببيان أحكام جميع الوقائع ، وإنّ دعوى اتّخاذ العقل مصدراً للتشريع في طول الكتاب والسُـنّة ، وفي خصوص الأحكام التي لم يبيّنها الشارع ، هي دعوىً باطلة يُراد بها التغطية على التدخّل في التشـريع ، وخلط الأحكام الإلهيّة بالقوانين الوضـعيّة ; لبطلان أرضـية تلك الدعـوى ، وهي : وجود أحكام لم يُبيّنها الشارع ، بل إنّ الشريعة لم تترك حكماً لم تسـتوعبه فبقي مهملا .
وأمّا القول الثاني :
فهو : ما يذهب أصحابه إلى جواز الرجوع إلى العقل بوصـفه كاشفاً مستقلاًّ عن الأحكام الشـرعية ، وهم طائفتان تختلف كلّ منهما عن الأُخرى ، أوّلا : في نوعية المسوّغ الذي يَفرِض في رأيها الرجوع إلى العقل لاكتشاف الحكم الشرعي ، وثانياً : في الطريقة التي تسلكها لاسـتكشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل .
أمّا الطائفة الأُولى :
فيمثّلها أصحاب القياس ، ويرون : أنّ مسوّغ الرجوع إلى العقل إمّا عدم توفّر النصّ الشـرعي على حكم الواقعة ، وإمّا عدم حصول العلم بصدور الدليل على الحكم من الشارع ; ذلك أنّ الروايات المنقولة لنا في


(76)
كتب الحديث ـ عدا ما ثبت بالتواتر وبالضرورة من الدين ـ لا طريق للعلم بصدورها واقعاً من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنّ منهج نقد السند في إثبات صحّة الحديث ، لا يثبت صحّة جميع الروايات ليسوغ العمل بها ونسبة مضامينها إلى الشارع المقدّس ، ومن هنا لا بُـدّ من الرجوع إلى العقل لاكتشاف أحكام الموضوعات التي لا دليل صحيحاً عليها .
وأمّا طريقة اكتشاف الحكم الشرعي عقلا لدى هذه الطائفة ، فهي التي اصطلح عليها بـ : « القياس الفقهي » ، وعُرّف بأنّه : « إثبات حكم في محلّ بعلّة ; لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة » (1) ; ذلك لأنّ الحكم يدور مدار علّته وملاكه .
وقال ابن حزم : « حَدَثَ القياس في القرن الثاني ، وقال به بعضهم ، وأنكره سائرهم وتبرّأُوا منه .
ومعنى لفظ ( القياس ) الذي اختلفنا فيه هو : أنّهم قالوا : يجب أن يحكم بما لا نصَّ فيه من الدين ، بمثلِ الحكم بما فيه نصّ وفي ما أُجمع عليه من حكم الدين ..
ثمّ اختلفوا ; فقال حذّاقهم : لاتّفاقهما في علّة الحكم . وقال بعضهم : لاتّفاقهما في وجه من الشـبه » (2) .
ومن روّاد هذه الطريقة في اكتشاف الحكم الشـرعي : أبو حنيفة ، الذي قيل عنه : إنّه « بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها » (3) .
ومّما استدلّوا به على صـحّة طريقية القياس : الرواية المرسلة عن



(1) أُصـول الفقه 3 / 183 .
(2) الصادع : 238 .
(3) مقدّمة ابن خلدون : 444 .



(77)
معاذ بن جبل التي قدّمنا ذِكرها ، وعلمت ما فيها ، وقالوا : « قد أقر النبيّ الاجتهاد بالرأي ، واجتهاد الرأي لا بُـدّ من ردّه إلى أصل ، وإلاّ كان رأياً مرسلا ، والرأي المرسل غير معتبر ، فانحصـر الأمر بالقياس » (1) .
ولا شكَّ في صحّة القياس ومشـروعيّته إذا كانت علّة الحكم منصوصاً عليها من قبل الشارع ، كما لو قال : ( حُرِّمت الخمر لإسكارها ) ; إذ العُرف يفهم من هذه العبارة : أنّ الحرمة منصبّة في الواقع على المسكر ، وأنّ الخمر فرد من أفراده ، فيقوم بتعدية الحكم الشرعي لكلّ سائل مسكر وإن لم يُسـمَّ خمراً .
« فإذا وردَ نصٌّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه ، فإنّه يصـحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيـس بشرطين :
الأوّل : أن نعلمَ بأنّ العلّة المنصوصـة تامّة ، يدور معها الحكم أينما دارت .
الثاني : أن نعلم بوجودها في المقيـس » (2) .
ولكنَّ نصَّ الشارع على علّة الحكم وملاكه حالة نادرة جدّاً ; ولأجل ذلك نجد العاملين بالقياس يلجأُون عادة إلى الظنون والاحتمالات العقلية لتشخيص علّة الحكم الثابت في الأصل واستنباطها ، ثمَّ يقومون بتسرية هذا الحكم إلى موضـوع آخـر يماثل موضوع الأصل في توفّره على تلك العلّة المسـتنبطة .
إلاّ أنّ هذه الطريقة لا تؤدّي إلى العلم بأنّ العلّة التي افترضوها هي العلّة الحقيقية للحكم ، كما أنّ وجود تشابه وتماثل بين موضـوعين في أمر



(1) أُصـول الفقه 3 / 193 .
(2) أُصـول الفقه 3 / 187 .



(78)
من الأُمور لا يلزم منه تماثلهما في جميع الخصوصيّات ، ومنها علّة الحكم الشرعي ; ذلك لأنّ العقل لا طريق له للعلم بعلل وملاكات الأحكام الشرعية ; لأنّـها أُمور توقيفية لا تُعلم إلاّ بالسماع من الشارع المقدّس ; وعليه : فغاية ما يؤدّي إليه جهد القائس هو الظنّ بعلّة الحكم الشرعي ، وهو لا يغني من الحـقّ شـيئاً .
ولأجل ذلك نجـد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قد وقفوا موقفَ الرافض المفنّد لهذه الطريقة في تشخيص الأحكام الشـرعيّة ; لِما تؤدّي إليه من تسرّب الأحكام العقلية الظنّية إلى منظومة الأحكام الشرعية ، وتقديمها إلى الأُمّة باعتبارها جزءاً من الأحكام الإلهية ، وقد دخل بعض الأئمّة (عليهم السلام) في مناظرات مباشـرة مع أصحاب هذه الطريقة ، أثبتوا لهم فيها بطلانها وعدم مشـروعيّتها بأدلّة قاطعة .
ومن شـواهد ذلك :
1 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس ، فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بُعداً ، وإنّ دين الله لا يصاب بالمقاييس » (1) .
2 ـ « عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال لبعض أصحابه : إيّاك وخصلتين مهلكتين : تفتي الناس برأيك ، وتدين بما لا تعلم ، إنّ أوّل من قاس إبليس ، وإنّ أوّل من سـنَّ لهذه الأُمّة القياس لمعروف » (2) .
3 ـ ما جاء في جواب الإمام الصادق (عليه السلام) حينما قال له ابن شُبرمة :



(1) المحاسـن 1 / 211 .
(2) دعائم الإسلام 2 / 536 .



(79)
« يا أبا عبـد الله ! إنّا قضاة العراق ، وإنّا نقضي بالكتاب والسُـنّة ، وإنّه ترد علينا أشياء نجتهد فيها بالرأي ... فأقبل أبو عبـد الله (عليه السلام) فقال : أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب ؟ ! فـقد كان عندكم بالعراق ، ولكم به خبر ; فأطراه ابن شبرمة ، وقال فيه قولا عظيماً ، فقال له أبو عبـد الله (عليه السلام) : فإنّ عليّـاً أبى أن يُدخل في دين الله الرأي ، وأن يقول في شيء من دين الله بالرأي والمقاييـس » (1) .
4 ـ « عن ابن جميع ، قال : دخلت على جعفر بن محمّـد ، أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ... فقال لابن أبي ليلى : مَن هذا معك ؟ قال : هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين . قال : لعلّه يقيس أمر الدين برأيه ... [ إلى أن قال ] : يا نعمان ! حدّثني أبي عن جدّي : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال الله تعالى له : اسجد لآدم ، فقال : أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين ; فمَن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس ; لأنّه اتّبعه بالقياس » (2) .
5 ـ « عن ابن شُبرمة ، قال : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّـد ، فقال لأبي حنيفة : اتقِ الله ولا تقس الدين برأيك ; فإنّ أوّل مَن قاس إبليس ...
ثمّ قال جعفر (عليه السلام) : ويحك ! أيّهما أعظم : قتل النفس أو الزنا ؟ ! قال : قتل النفس . قال : فإنّ الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ، ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة .
ثمّ قال : أيّهما أعظم : الصلاة أم الصوم ؟ ! قال : الصلاة . قال (عليه السلام) :



(1) المحاسـن 1 / 210 .
(2) حلية الأولياء : 3 / 196 ـ 197 .



(80)
فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ ! فكيف يقوم لك القياس ؟ ! فاتّقِ الله ولا تقِس » (1) .
6 ـ « عن عثمان بن عيسى ، قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن القياس ، فقال : ما لكم والقياس ؟ ! إنّ الله لا يُسأل كيف أحلَّ وكيف حـرّم » (2) .
7 ـ « عن محمّـد بن حكيم ، عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : إنّما هلك مَن كان قبلكم بالقياس ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه حتّى أكمل له جميع دينه ، في حلاله وحرامه ، فجاءَكم بما تحتاجون إليه في حياته ، وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته ، وإنّها لصحف عند أهل بيته ، حتّى أنّ فيها أرش خدش الكفّ » (3) .
وقد حاول القائلون بالقياس إثبات حجّـيّته وجوازه شرعاً ، وتشبّثوا لذلك بأدلّة من الكتاب والسُـنّة والإجماع والعقل ، ولكنّها جميعاً أدلّة موهونة مردودة عليهم (4) .
والعجيب من أمر أصحاب القياس أنّهم تمادوا فيه حتّى ذهبوا إلى القول بإمكان ممارسة رسول الله نفسه للاستدلال القياسي ! بحجّة أنّ القياس يقوم على معرفة علل الأحكام الشرعية ، ومَن أعلم من النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلل الأحكام وملاكاتها !
قال الشيرازي : « ولأنّ القياس استنباط معنى الأصل وردّ الفرع إليه ،



(1) علل الشرائع 1 / 108 ـ 109 .
(2) الكافي 1 / 57 .
(3) بصائر الدرجات : 167 .
(4) لاحظ ردودها في : كتاب الأُصـول العامّة للفقه المقارن ـ للعلاّمة محمّـد تقي الحكيم (قدس سره) ـ : 332 ـ 357 .



(81)
والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم بذلك من غيره ، فهو أَوْلى » (1) .
بل ذهب بعضهم إلى أنّ النبيّ مأمورٌ بممارسـة القياس ، وأنّ عدم ممارسته للقياس يقدح في عصمته ، واستدلّوا لذلك بقوله تعالى : ( فاعتبروا يا أُولي الأبصار ) (2) بدعوى أنّه « أعلى الناس بصيرةً وأكثرهم اطّلاعاً على شرائط القياس ، وما يجب ويجوز فيها ، وذلك إنْ لم يرجّح دخوله في هذا الأمر على دخول غيره ، فلا أقلّ من المساواة ، فيكون مندرجاً تحت الآية ، فكان مأموراً بالقياس ، فكان فاعلا له ، وإلاّ قدح في عصـمته » (3) .
ولا يخـفى ما في هذه الدعاوى من الهبوط بشخصـية النبـيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من مقام النبوّة الشامخ ، والاتّصال الدائم المباشر بالوحي ، ليكون بمنزلة أحد العلماء العاديّين ، فيضطرّ أحياناً لسلوك أساليبهم في معرفة الأحكام ، التي لا تؤدّي عادةً إلاّ إلى الظنّ بالحكم الشرعي .
وأمّا الطائفة الثانية :
من الذاهبين إلى جواز الرجوع إلى العقل بوصـفه كاشفاً مستقلاًّ عن الأحكام الشرعية ، فهي تتمثّل بما ذهب إليه معظم المتأخّرين من علمائنا ، وهم يرون : أنّ « الذي يصلح أن يكون مراداً من الدليل العقلي المقابل للكتاب والسُـنّة هو : كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي ..
وبعبارة ثانية : هو : كلّ قضيّة عقلية يتوصّل بها إلى العلم القطعي بالحكم الشرعي . وقد صرّح بهذا المعنى جماعة من المحقّقين المتأخّرين .



(1) التبصرة في أُصـول الفقه : 522 .
(2) سورة الحشر 59 : 2 .
(3) المحصول في علم الأُصـول 2 / 427 ـ 428 .



(82)
وهذا أمر طبيعي ; لأنّـه إذا كان الدليل العقلي مقابلا للكـتاب والسُـنّة ، فلا بُـدّ أن لا يكون معتبـراً إلاّ إذا كان موجبـاً للقطـع ، الذي هو حجّـة بذاتـه ، فلذلك لا يصـحّ أن يكون شاملا للظنون وما لا يصـلح للقطع بالحكم من المقدّمات العقلية » (1) .
ومسـوّغ الرجوع إلى العقل لاستكشاف الحكم الشرعي لدى هذه الطائفة هو فقدان الدليل على بعض الأحكام ـ بعد صدوره من الشارع ـ بسبب الحوادث الطبيعيّة أو الاجتماعية التي أدّت إلى تلف وضياع بعض المصادر الحديثيّة المبيّنة لأدلّة الأحكام الشرعية .
وأمّـا طريقـة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل بنحو العلم واليقين ، فقد تبلورت في تقسيم « مدركات العقل إلى مستقلّة وغير مستقلّة ، وأرادوا بالمستقلّة ما تفرّد العقل بها دون توسّط بيان شرعي ، ومثّلوا له بإدراك العقل الحسن والقبح ، المستلزم لإدراك حكم الشارع بهما ، وفي مقابلها غير المستقلّة ، وهي التي يعتمد الإدراك فيها على بيان من الشارع ، كإدراكه وجوب المقدّمة عند الشارع بعد اطّلاعه على وجوب ذيها لديه ، أو إدراكه نهي الشارع عن الضـدّ العام بعد اطّلاعه على وجوب ضـدّه ، إلى ما هنالك ممّا ذكروه من الأمثلة ، وأكثرها موضع نقـاش » (2) .
فطريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل تتحـدّد في قاعدتين :
أُولاهما : قاعدة الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء أو قبحه ،



(1) أُصـول الفقه 3 / 125 .
(2) الأُصـول العامّة للفقه المقارن : 381 .



(83)
وبين حكم الشارع بوجوبه أو حرمته ، « والأمثلة التي أوردوها ، كوجوب قضاء الدَين ، وردّ الوديعة ، والعدل ، والإنصاف ، وحسن الصدق النافع ، وقبح الظلم وحرمته ، إنّما هي من صغريات هذه القاعدة » (1) .
والثانية : قاعدة الملازمة بين إدراك العقل لحكم ثابت بدليل شرعي ، وبين حكم آخر للشارع مستكشَف بالملازمة المذكورة ، وقد تقدّم ذِكر بعض صغريات هذه القاعدة .
والتعقيب على رأي هذه الطائفة يقع في نقطتين :
* النقطة الأُولى :
تتعلّق بما ذهبوا إليه من أنّ الشارع المقدّس بيّن أدلّة أحكام جميع الوقائع وجعلها بين أيدي المكلّفين ، إلاّ أنّ حوادث الدهر الطبيعية والاجتماعية أتت على بعضها وضيّعته ، فلا بُـدّ لسدّ الفراغ الناجم عن ذلك من اللجوء إلى العقل .
ويرِد على هذه الدعوى :
أوّلا :
أنّها منافـية لقوله تعالى : ( إنّا نحـن نزّلـنا الذِكر وإنّا لـه لحافظون ) (2) ، التي أكدّ فيها الله عزّ وجلّ تعهّده بحفظ دينه ، ولا معنى لحفظ الدين إلاّ المحافظة على مصادره وعلى الأدلّة المبيّنة لأحكامه وتعاليمه ، وهي موزّعة على الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ..



(1) الأُصـول العامّة للفقه المقارن : 282 .
(2) سورة الحجر 15 : 9 .



(84)
ولا يصـحّ القول بأنّ المراد بالذِكر هو خصوص الكتاب ; لأنّ كلمة ( الذِكر ) تشمل بعمومها كلَّ ما أنزله الله تعالى وحياً على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، سواء أكان وحياً بلفظه ومعناه ومتعبّداً بتلاوته وهو القرآن الكريم ، أم وحياً بالمعنى فقط غير متعبّد بتلاوته ، وهو الحديث الشريف .
وقال ابن حزم : « القرآن والخبر الصحيح بعضهما مضافٌ إلى بعض ، وهما شيءٌ واحدٌ في أنّهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحدٌ في باب وجوب الطاعة لهما ... وقال تعالى : ( إنّا نحن نزلنا الذِكر وإنّا له لحافظون ) ، وقال تعالى : ( قل إنّما أُنذركم بالوحي ) (1) ، فأخبر تعالى ـ كما قدّمنا ـ أنّ كلام نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّه وحـي ، والوحي بلا خلاف ذِكرٌ ، والذِكر محفوظ بنصّ القرآن .
فصـحّ بذلك أنّ كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّه محفوظ بحفظ الله عزّ وجلّ ، مضمون لنا أنّه لا يضيع منه شيء ... فهو منقول إلينا كلّه » (2) .
واحتمال ضياع بعض أدلّة الأحكام لا منشأ له ـ بعد هذا ـ إلاّ أحد أمرين ، كلاهما غير معقول بالنسبة للشارع المقدّس :
الأوّل : أنّه تعالى لم يفِ بعهده ، وترك للحوادث أن تذهب ببعض النصـوص المبيّنة لتعاليمه ، وهو احتمال باطل بملاحظة قوله تعالى : ( إنّ الله لا يخلف الميعاد ) (3) ، وقوله تعالى : ( ولن يخلف الله وعده ) (4) ، وقوله تعالى : ( ومَن أوفى بعهده من الله ) (5) .



(1) سورة الأنبياء 21 : 45 .
(2) الإحكام في أُصـول الأحكام 1 / 96 ـ 97 .
(3) سورة الرعد 13 : 31 .
(4) سورة التوبة 9 : 111 .
(5) سورة الحجّ 22 : 47 .



(85)
الثاني : أنّ قدرة الشارع المقدّس قد ضاقت عن السيطرة على صـروف الدهر ، ممّا أدّى إلى فقد بعض أدلّة الأحكام ، وهذا معناه : نسبة العجز إلى ساحته عزّ وجلّ ، وأنّه مغلوب على أمره ، وهو مردود بنحو قوله تعالى : ( إِنّ الله غالب على أمره ) (1) ، وقوله سبحانه : ( وهو القاهر فوق عباده ) (2) ، وقوله : ( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ) (3) .
ثانيـاً :
إنّ ما ذكـروه من تلف كـتب ابن أبي عميـر نتيـجة دفنـه لها خوفـاً من السلطة ، وحرق مكتبة الشيخ الطوسي بسبب الفتنة الطائفية التي حصلت في بغـداد ، وقيـام المغـول بإتـلاف مكـتبات المسـلمين ، ومـا إلى ذلـك من الحوادث ، لا يتمّ الاسـتدلال به على ضياع أدلّـة الأحكام وحصول النقص في مصادر التشريع ، بل غاية ما يثبت به ضياع بعض تلك الكتب أو بعض نسخها فقـط ; ذلك أنّ مصنّفات المسلمين كانت واسعة الانتشار في أرجاء العالم الإسلامي ، وكانت حركة التأليف والاستنساخ قائمة على قدم وساق ، وكانت حوانيت الورّاقين التي تتولّى مهمّة المطابع في عصرنا الحاضـر ، ومهنة استنساخ الكتب من المهن الرائجة آنذاك ، فإذا تلفت نسـخة أو أُخـرى من أحد الكتب في جهة ما ، بقيت لذلك الكتاب أكثر من نسـخة في بقية الجهات .



(1) سورة يوسف 12 : 21 .
(2) سورة الأنعام 6 : 18 و 61 .
(3) سورة فاطر 35 : 44 .



(86)
وممّا يؤيّد ذلك أنّ المعاصـرين من الباحثين ومحقّقي التراث ، غالباً ما يجـدون أكثر من نسـخة مخطوطة للكتاب الذي يرومون تحقيقه . وتجـدر الإشارة إلى أنّ هناك مَن يشكّك في صحّـة دعوى إتلاف المغول لكتب التراث (1) .
ثالثـاً :
إنّ ممّا يبطل دعوى ضياع نصوص بعض الأحكام : ما نجده بين أيدينا فعلا من الموسوعات الحديثيّة التي تفي باستنباط أحكام جميع الوقائع ، ولا تترك حاجة أو ضرورة للاستعانة بالعقل ..
ولأجل ذلك نلاحظ : أنّه على الرغم من احتواء مصنّفات علمائنا على مباحث الأدلّة والأُصـول العقلية ، فإنّ معظمهم لا يجـدون أنفسهم مضطرّين إلى الاستفادة منها عمليّاً ، ويصرّحـون بوفاء الأدلّة الشرعية بالكشف عن أحكام جميع الوقائع .
يقول السـيّد الصـدر في مقدّمة رسالته العملية : إنّه اعتمد في استنباط فتاواها على « الكتاب والسُـنّة النبوية الشريفة ، بامتدادها المتمثّل في سُـنّة الأئمّة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام) باعتبارهم أحد الثقلين اللذين أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهما ، ولم نعتمد في شيء من هذه الفتاوى على غير هذين المصـدرين .
أمّا القياس والاستحسان ونحوهما ، فلا نرى مسوّغاً شرعيّاً للاعتماد عليها ; تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .



(1) الإسماعيليّون والمغول ونصـير الدين الطوسي : 47 ـ 51 .


(87)
وأمّا ما يسمّى بالدليل العقلي ، الذي اختلف المجتهدون والمحدّثون في أنّـه هل يسوغ العمل به أو لا ، فنحن وإن كنّا نؤمن بأنّه يسوغ العمل به ، ولكنّنا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى ، بل كلّ ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سُـنّة .
وأمّا ما يسمّى بالإجماع ، فهو ليس مصـدراً إلى جانب الكتاب والسُـنّة ، ولا يعتمد عليه إلاّ من أجلِ كونه وسيلة إثبات للسُـنّة في بعض الحالات » (1) .
* وأمّا النقطة الثانية :
فالكلام فيها على القاعدتين اللتين ذكروهما لاستكشاف الحكم الشرعي عقلا بنحو العلم واليقين ، لبيان وجود الأدلّة على ما ثبت بهما من أحكام .
القاعدة الأُولى :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك العقل العملي لحسن الأفعال أو قبحها من جهة ، وبين حكم الشارع بوجوب تلك الأفعال أو حرمتها من جهة أُخـرى ; فمن الواضح جـدّاً أنّ الأحكام التي اكتشفوها عن طريق الملازمة المذكورة ، كوجـوب العدل وحـرمة الظلم ، وغيرهما ممّا تقدّم ذِكره ، كلّها منصوص عليها في الآيات والروايات .



(1) الفتاوى الواضحـة : 15 .


(88)
وأمّا القاعدة الثانية :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك حكم ثابت بدليل شرعي ، وبين حكم شرعي آخر يستكشف عن طريق تلك الملازمة ; فسوف نستعرض باختصار أهمّ ما ذكروه من مصاديق هذه القاعدة ، وهي :
أوّلا : قاعدة الملازمة بين أمر الشارع بشيء ونهيه عن ضـدّه .
والمراد بالضـدّ في مصطلح الأُصوليّين : « مطلق المعاند والمنافي ، وجودياً كان أو عدمياً » (1) ، فيشمل كلاًّ من الضدّ والنقيض في مصطلح المناطقة .
والملاحظ :
أنّ هذه القاعدة غير ثابتة لديهم ; فإنّ عمدة ما استدلّ به على هذه الملازمة مسلكان :
أوّلهما : مسلك مقدّميّة ترك الضـدّ لفعلِ ضـدّه .
والثاني : مسلك التلازم ، وأنّ حرمة أحـد المتلازمين تستلزم حرمة ملازمه الآخـر ..
ومثاله : ترك الصلاة الملازم لفعل الأكل ; فحرمة ترك الصلاة تستدعي حرمة ضـدّه الخاصّ الذي هو : الأكل .
وقد أبطل العلماء كِلا هذين المسلكين ; قال الآخوند الخراساني : « إنّ توهّم توقّف الشيء على تركِ ضـدّه ، ليس إلاّ من جهة المضادّة والمعاندة



(1) كفاية الأُصـول : 129 .


(89)
بين الوجودين ، وقضيّتها الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات .
وهـو توهّـم فاسـد ; وذلك لأنّ المعانـدة والمنافـرة بين الشيئين لا تقتضـي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق ، وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله ، بل بينهما كمال الملاءمة ، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة ، من دون أن يكون في البين ما يقتضـي تقدّم أحدهما على الآخـر .
فكما أنّ قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخـر ، كذلك في المتضادَّين ، كيف ولو اقتضى التضادّ توقّف وجود الشيء على عدم ضـدّه ، توقّف الشيء على عدم مانعهِ ، لاقتضى توقّفَ عدمِ الضـدِّ على وجـود الشيء ، توقّف عدم الشيء على مانعهِ ، بداهـة ثبوت المانعـيّة في الطرفـين ، وكون المطاردة من الجانبـين ، وهو دور واضح ...
وأمّا من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم ، فغايته أن لا يكون أحدهما فعلا محكوماً بغير ما حكم به الآخر ، لا أن يكون محكوماً بحكمه .
وعدم خلـوّ الواقعة عن الحكم ، فهو إنّما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي ، فلا حرمة للضـدّ من هذه الجهة أيضاً ، بل على ما هو عليه ، لولا الابتلاء بالمضادّة للواجـب الفعلي من الحكم الواقعي » (1) .
وقال الشيخ المظفّر (رحمه الله) ـ بعد أن أثبت أنّ الأمر بالشـيء لا يقتـضي



(1) كفاية الأُصـول : 130 ـ 133 .


(90)
النهي عن ضـدّه العامّ ، أي : نقيضـه ـ : « إنّ القول باقتـضـاء الأمـر بالشـيء للنهي عن ضـدّه الخاصّ ، يبتـني ويتفرّع على القول باقتضائه للنهي عن ضـدّه العامّ ، ولمّا ثبت ـ حسب ما تقدّم ـ أنّه لا نهي مولوي عن الضدّ العامّ ، فبالطريق الأَوْلى نقول : أنّه لا نهي مولويّ عن الضـدّ الخاصّ ; لِما تقدّم من ابتنائه وتفرّعه عليه ، وعلى هذا فالحقّ : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضـدّه مطلقاً ، سواء أكان عامّاً أو خاصّـاً » (1) .
هذا بالنسبة لحكم العقل بالملازمة ، وأمّا ما يستفاد من الدليل الشرعي ، أي : دليل الأمر بالشيء ، فإنّه كذلك لا دلالة فيه على حرمة ضـدّه كما حقّقه العلماء ، من أنّه لا يدلّ عليه لا بالمطابـقة ولا بالتضـمّن ولا بالالتزام (2) .
قال صاحب الحدائـق (رحمه الله) : وأمّا « استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضـدّه الخاصّ ، فلم نقف له في الأخبار على أثر ، مع أنّ الحكم في ذلك ممّا تعمّ به البلوى ، وقد حقّقنا ... أنّ التمسّك بالبراءة الأصلية [ أي : العقلية ] في ما تعمّ به البلوى من الأحكام بعد تتبّع الأدلّة وعدم الوقوف على ذلك فيها ، حجّة واضحة ، ولو كان الأمر كما ذكروا ، لورد عنهم (عليهم السلام)النهي عن أضـداد الواجبات من حيث هي كذلك ... والتالي باطل ، على أنّه لا يخفى ما في القول بذلك من الحـرج المنفي بالآية والرواية ، كما صرّح به شيخنا الشهيد الثاني ، فيكون داخلا في باب : اسكتوا عمّا سكت الله عنه » (3) .



(1) أُصـول الفقه 2 / 297 ـ 299 .
(2) كفاية الأُصـول : 133 ، أُصـول الفقه 2 / 296 .
(3) الحدائق الناضـرة 1 / 59 ـ 60 .



(91)
وقال المحقّق الأصفهاني : إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضـدّه « يصعب الالتزام به ; إذ اللازم منه بطلان جميع العبادات الصادرة من المديون بفلس واحد لغريم مطالب ، فلا يصـحّ حجّه وصلاته واعتكافه ، وغير ذلك من العبادات التي تضادّ الأداء ، وقلَّ مَن يسلم منه أو من نظائره ، وهذا مخالف لضرورة الفقه ، بل الدين ، كما قال بعض الأساطين » (1) .
ونقل صاحب الحدائق عن الشهيد الثاني قوله بهذا الشأن : لو كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضـدّه ، « لم يتحقّق السفر إلاّ لأوحديّ الناس ; لمصادمته ـ غالباً ـ لتحصيل العلوم الواجبة ، وقلّما ينفكّ الإنسان عن شغل الذمّة بشيء من الواجـبات الفوريّة ، مع أنّه على ذلك التقدير موجـب لبطلان الصلاة الموسّـعة في غير آخـر وقتها ، ولبطلان النوافل اليومية وغيرها » (2) .
ثانياً : قاعدة الملازمة العقلية بين إيجاب شيء شرعاً وبين إيجاب مقدّمته شـرعاً .
ولا بُـدّ من الإشارة أوّلا إلى أنّ مقدّمة الواجب على نحوين :
أوّلهما : المقدّمة الشـرعية ، كمقدّمية الوضـوء للصلاة ; وهذا النحو من المقدّمة مرتبط بالشارع المقدّس ، فهو الذي يبيّنه من خلال إيجابه ، ولولا ذلك لا يتمكّن العقل من إدراكه ليحكم بوجوبه .
والنحو الثاني : المقدّمة العقلية ، وهي التي يتوقّف عليها تحقّق



(1) وقاية الأذهان : 297 ، وأشار في الهامش إلى أنّ بعض الأساطين هو : الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء .
(2) الحدائق الناضـرة 1 / 59 ـ 60 .



(92)
الواجـب تكويناً ، كالسفر بالنسبة لأداء مشاعر الحـجّ ، وهذه المقدّمة هي محـلّ البحـث .
وقد تعـدّدت الأقوال في هذه المسألة حتّى تجاوزت العشـرة ، وقد أورد العلاّمة المظفّر عناوين العشـرة المهمّة منها ، وانتهى إلى القول بأنّ الحـقّ هو عدم وجـوب مقدّمة الواجب العقلية ، « كما عليه جماعة من المحقّقين المتأخّرين ... وذلك لأنّه إذا كان الأمر بذي المقدّمة داعياً للمكلّف إلى الإتيان بالمأمور به ، فإنّ دعوته هذه ـ لا محالة بحكم العقل ـ تحمّله وتدعوه إلى الإتيان بكلِّ ما يتوقّف عليه المأمور به تحصيلا له .
ومع فرض وجـود هذا الداعي في نفس المكلّف لا تبقى حاجة إلى داع آخـر من قبل المولى ، مع علم المولى ـ حسب الفرض ـ بوجود هذا الداعي ; لأنّ الأمر المولويَّ ـ سواء كان نفسيّاً أم غيريّاً ـ إنّما يجعله المولى لغرضِ تحريكِ المكلّف نحو فعلِ المأمور به ; إذ يجعل الداعي في نفسه حـيث لا داعيَ ، بل يسـتحيل في هذا الفرض جـعل الداعي الثاني من المولى ; لأنّه يكون من باب تحصـيل الحاصل » (1) .
وأشار في حاشـية البحـث إلى أنّ أوّل من تنـبّه إلى ذلك وبرهـن عليه ، هو أُسـتاذه الأصـفهاني ، وعاضـده عليه كلّ من السـيّدين الخـوئي والحـكيم .
قال المحقّق الأصفهاني : « إنّ العقل يذعن بأنّ ذا المقدّمة ـ المفروض استحقاق العقاب على تركه لجعل الداعي نحوه ـ لا يوجد إلاّ بإيجاد مقدّمـته ، فلا محالة تنقدح الإرادة في نفس المنقاد للبعث النفسي ،



(1) أُصـول الفقه 2 / 292 ـ 293 .


(93)
ولا حاجة إلى جعل داع آخر إلى المقـدّمة بنفسها » (1) .
وقال المحقّق الخوئي : « لا دليل على وجوب المقدّمة وجوباً مولويّاً شرعياً ; حيث إنّ العقل بعد أن رأى توقّف الواجب على مقدّمته ، ورأى أنّ المكلّف لا يستطيع امتثال الواجب النفسي إلاّ بعد الإتيان بها ، فبطبيعة الحال يحكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمة توصّلا إلى الإتيان بالواجب ، ومع هذا لو أمر الشارع بها فلا محالة يكون إرشاداً إلى حكم العقل بذلك ; لاستحالة كونه مولويّاً » (2) .
وقال السـيّد الحكيم : « أمّا صحّة البعث مولويّاً إلى المقدّمة زائداً على البعث إلى ذيها ، فيدفعها أنّ البعث إلى ذيها كاف في البعث إليها في نظر العقل ، فيكون البعث إليها لغواً » (3) .
وقد أنهى الشيخ المظفّر (رحمه الله) بحثه عن مقدّمة الواجب بقوله : « إنّه لا وجوبَ غيريَّ [ مقدّمي ] أصلا ، وينحصـر الوجوب المولوي بالواجب النفسي فقط ، فلا موقع إذن لتقسيم الواجب إلى النفسي والغيري ، فليحذف ذلك من سجل الأبحاث الأُصـولية » (4) .
ثالثاً : مسألة اجتماع الأمر والنهي .
والمقصـود بالاجـتماع هنا : « الالتقاء الاتّفاقـي بين المأمور به والمنهـيّ عنه في شـيء واحـد ... كالمثال المعروف ( الصلاة في المكان



(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 171 .
(2) محاضـرات في أُصـول الفقه 2 / 438 .
(3) حقائق الأُصـول 1 / 296 .
(4) أُصـول الفقه 2 / 293 .



(94)
المغصـوب ) ... المفروض فيه : أنّه لا ربط لعنوان الصلاة المأمور به بعنوان الغصـب المنهيّ عنه ، لكن قد يتّفق للمكلّف صدفة أن يجمع بينهما ، بأن يصلّي في مكان مغصـوب ... فيكون هذا الفعل الواحد داخلا في ما هو مأمور به من جـهة ، فيقتضي أن يكون المكلّف مطيعاً للأمر ممتثلا ، وداخلا في ما هو منهيّ عنه من جـهة أُخـرى ، فيقتضـي أن يكون المكلّف عاصياً بـه مخالفاً » (1) .
وقد اضطرّ القائلون بالجواز إلى الخوض في بحوث لفظية دقيقة بعيدة عن الفهم العرفي ، كالقول بأنّ متعلّق الحكم هو العنوان لا المعنون ، أو أنّ تعـدّد العنوان يوجب تعـدّد المعنون ، كلّ ذلك من أجل أن ينتهوا إلى تصحيح صلاة المكلّف في المغصـوب ، وإن كانت له مندوحـة من إتيانها فيه ; لتمكّـنه من الصلاة في غير المغصـوب !
وكلّ هذا الجهد سببه توهّم وجود وقائع لا كاشف لها من الأدلّة الشـرعية ، وهو توهّم ليس له واقـع .
ويلاحظ :
أنّهم انطلقوا في المثال المذكور من افتراض أنّ الشارع قد أصدر حكمين ، أوّلهما : إيجاب الصلاة ، وثانيهما : تحريم الغصب ، فاجتمعا صدفة في الصلاة في المغصوب ، فأخـذوا يبحثون عن صحّة الصلاة في هذا الفرض أو عدم صحّـتها .
هذا مع وجود بعض الأدلّة الشرعيّة التي تبيّن حكم هذه المسألة ،



(1) أُصـول الفقه 2 / 314 ـ 315 .


(95)
وهي :
أوّلا : ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لكميل بن زياد النخعي من قوله : « وانظر في ما تصلّي ، وعلى ما تصلّي ، إن لم يكن من وجهه وحلّه ، فلا قبول » (1) .
ثانياً : ما جاء في المكاتبة عن صاحب الزمان ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ « قال : لا يحـلُّ لأحـد أن يتصرّف في مالِ غيره بغير إذنـه » (2) .
وهو دالٌّ على حرمة التصـرّف الغصـبي مطلقاً ، حتّى لو كان ذلك التصرّف بعنوانه الأوّلي عبادة واجبة ; ومع اتّصاف الصلاة في المغصـوب بعـدم الحلّـيّة ، وكونها مبغوضة للمولى ، كيف يمكن التقرّب بها إليه ، لتتّصـف بالقبول والصحّـة ؟ !
ثالثاً : ما جاء في عوالي اللآلي : « سأله بعض أصحابه ، فقال : يا بن رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ما حال شـيعتكم في ما خصّـكم الله به إذا غاب غائبكم واسـتتر قائمكم ؟
فقال (عليه السلام) : ما أنصفناهم إن واخذناهم ، ولا أحببناهم إذا عاقبناهم ، بل نبيح لهم المساكن لتصـحّ عباداتهم » (3) .
ودلالته واضحة على عدم صحّة العبادة مع عدم إباحة المكان .
وعليه : فتصحيح الصلاة في المغصـوب بناءً على إمكان اجتماع الأمر والنهي عقلا مناف للأدلّة المتقدّمة ، وأمّا القول بعدم صحّتها ، فإنّه ليس



(1) تحف العقول : 174 ، بشارة المصطفى : 28 ، وسائل الشيعة 5 / 119 ح 6088 .
(2) وسائل الشـيعة 25 / 386 ح 32190 .
(3) عوالي اللآلي 4 / 5 ح 2 ، مستدرك وسائل الشيعة 7 / 303 ح 3 .



(96)
متوقّفاً على الاستناد إلى قاعدة عدم إمكان الاجتماع عقلا ; ذلك أنّ مسوّغ اللجوء إلى هذه القاعدة هو عدم وجود الدليل الشرعي ، وهو موجود بالأدلّة المذكورة .
رابعاً : مسألة الملازمة بين النهي والفساد .
والبحث فيها عن أنّ العقل هل يدرك وجود ملازمة بين نهي الشارع عن شيء ، وبين حكم الشارع نفسه بفساد ذلك الشيء إذا ارتكبه المكلّف أم لا ؟
والشيء المنهيّ عنه ، قد يكون عبادة كالنهي عن صوم العيدين ، وقد يكون معاملة ، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، والنهي عن بيع الخمر والميتة والعبد الآبـق .
والمراد بالفساد : ما يقابل الصحّة ، « والصحّة في العبادة والمعاملة لا تختلف ، بل [ هي ] فيهما بمعنىً واحد ، وهو التماميّة » (1) ، أي : مطابقة كلّ منهما لِما هو معتبر فيها من الأجزاء والشرائط ، ومعنى فسادهما عدم المطابقة المذكورة .
ولازم فساد العبادة عدم سقوط الأمر بها وعدم سقوط الأداء والقضاء ، ولازم فساد المعاملة عدم ترتّب أثرها عليها ، كالنقل والانتقال في عقد البيـع (2) .
أمّا في ما يتعلّق بالنهي عن العبادة ، فقد ذهبوا إلى أنّ العقل يدرك ثبوت الملازمة المذكورة ، واتّخذوا من ذلك قاعدة للحكم بفساد العبادة



(1) كفاية الأُصـول : 182 .
(2) أُصـول الفقه 2 / 348 ـ 349 .



(97)
المنهيّ عنها إذا أتى بها المكلّف .
وأمّا في ما يتعلّق بالنهي عن المعاملة ، فقد أكّدوا « أنّ استناد الفساد إلى النهي إنمّا يصـحّ أن يفرض ويتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه موجـوداً ، حتّى شرائط المتعاقدين وشرائط العوضـين ، وأنّه ليس في البين إلاّ المبغوضـيّة الصرفة المستفادة من النهي ، وحينئذ يقع البحث في أنّ هذه المبغوضـيّة هل تنافي صحّة المعاملة أو لا تنافيها ؟
وأمّا إذا كان النهي دالاًّ على اعتبار شيء في المتعاقدين ، أو العوضـين ، أو العقد ، مثلُ النهي عن بيع السفيه والمجنون والصغير ، الدالّ على اعتبار العقل والبلوغ في البايع ، وكالنهي عن بيع الخمر والميتة والآبق ونحوها ، الدالّ على اعتبار إباحة المبيع والتمكّن من التصرّف به ، وكالنهي عن العقد بغير العربية ـ مثلا ـ الدالّ على اعتبارها في العقد ، فإنّ النهي في كلِّ ذلك لا شكَّ في كونه دالاًّ على فساد المعاملة ; لأنّ هذا النهي في الحقيقة يرجع إلى ... الإرشاد إلى اعتبار شيء في المعاملة ، وقد تقدّم أنّ هذا ليس موضـع الكلام من منافاة نفس النهي بداعي الردع والزجر لصحّة المعاملة » (1) .
وقد اختلفت الأقوال في هذه المسألة ، وفرّق المتأخّرون من العلماء بين النهي عن المعاملة بمعنى السبب ، أي : العقد الإنشائي ، كالنهي عن البيع وقت النداء بصلاة الجمعة ، وبين النهي بمعنى المسبّب ، كالنهي عن بيـع الخـمر والعـبد الآبـق ، وذهبوا إلى أنّ النهي عن المعاملة بمعنى السبب لا يلازم فسادها ، وأنّ النهي عن المسبّب يلازم الفساد .



(1) أُصـول الفقه 2 / 355 ـ 356 .


(98)
ويلاحظ :
أنّ الجواب عن هذه المسألة لا يتوقّف على القول بثبوت الملازمة العقلية بين النهي والفساد ، أو عدم ثبوتها ، بل يمكن معرفته اعتماداً على فهم مفاد الأدلّة الشرعـية ، ولأجل ذلك عدَّ بعض العلماء هذه المسألة من مباحـث الألفاظ .
قال الآخونذ الخراساني : « لا يخفى أنّ عدَّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ إنّما هو لأجل أنّه في الأقوال قولٌ بدلالته [ أي النهي ] على الفساد في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه وبين الحرمة » (1) .
وقال المحقّق الأصفهاني : « لا يبعد دلالة النهي عنه [ أي الفساد ]باللزوم بالمعنى الأخـصّ ; فتكون دلالته لفظيّة ، ويؤيّده فهم العرف ، ولذا ترى الفقهاء يستدلّون في أبواب الفقه على الفساد بالنهي ، ولعلّ القائل بدلالته عليه شرعاً ينظر بطرف خفيّ إلى هذه السـيرة » (2) .
وقال الشيخ المظفّر : « قد يدّعي بعضهم أنّ هذه الملازمة ـ على تقدير ثبوتهـا ـ من نوع الملازمـات البيّـنة بالمعنى الأخـصّ ، وحينـئذ يكون اللفظ الدالّ بالمطابقة على النهي ، دالاًّ بالدلالة الالتزامية على فساد المنهيّ عنه ، فيصـحّ أن يراد من الدلالة ما هو أعمّ من الدلالة اللفظية والعقليـة » (3) .
والذي يبدو لي : أنّه لا شكَّ في دلالة صيغة النهي على الحرمة



(1) كفاية الأُصـول : 180 .
(2) وقاية الأذهان : 404 .
(3) أُصـول الفقه 2 / 347 .



(99)
التكليفية ، واستحقاق المكلّف العقاب إذا ارتكب المنهيّ عنه ، وأمّا الدلالة على الفساد فليست مستفادة من صيغة النهي ، وإنّما تستفاد من أدلّة شرعية أُخـرى ، ولذا يختلف حكم هذه المسألة باختلاف الموارد .
فدلالة النهي عن العبادة على فسادها ، تستفاد من علمنا بأنّ الشارع قد اشترط في صحّة العبادة أن يؤتى بها بقصـد القربة ، وهو لا يتأتّى مع النهي عنها ، الكاشف عن حرمتها ومبغوضـيّتها للشارع ; إذ لا يُعقل التقرّب إلى المولى بما هو مبغوض له ، و« لا طاعة لمَن عصـى الله » (1) ، كما روي عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا النهي عن المعاملة ، فإنّه لا يدلّ على فسادها ، إلاّ إذا كان دالاًّ على اعتبار شيء في العقد أو المتعاقدين أو العوضـين ، كما تقدّم ذِكره ، ومرجـع ذلك إلى فقد العقد لبعض الشروط المعتبرة في صحّته شـرعاً .
وأمّا إذا كانت المعاملة مستوفية للشرائط وتعلَّق النهي بإيقاعها في حال معيّنة ، كالنهي عن البيع وقت النداء ، فإنّه لا دلالة لصيغة النهي على بطلان المعاملة وعدم نفوذها ; قال الآخوند : « إنّ النهي الدالّ على حرمتها لا يقتضـي الفساد ; لعـدم الملازمة فيها ـ لغة ولا عرفاً ـ بين حرمتها وفسادها أصـلا » (2) .
فصـيغة النهي عن إيقاع البيع وقت النداء ، لا تدلّ على أكثر من الحرمة التكليفية والمبغوضـيّة ، « ولم تثبت المنافاة لا عقلا ولا عرفاً بين مبغوضـيّة العقد والتسبّب به ، وبين إمضاء الشارع له ، بعد أن كان العقد مستوفياً لجميع الشروط المعتبرة فيه ، بل ثبت خلافها ، كحرمة الظهار ، التي



(1) كتاب سُليم : 408 .
(2) كفاية الأُصـول : 187 .



(100)
لم تنافِ ترتّب الأثر عليه من الفراق » (1) .
وقد جرى المحـدّث البحراني (قدس سره) على هذه الطريقة ، فعالج هذه المسألة في ضـوء ما تقتضـيه الأدلّة الشـرعية ، وممّا قال بهذا الشأن : « إنّ القاعدة التي بنوا عليها الكلام في المقام من أنّ النهي في غير العبادات لا يقتضـي الفساد وإن اشتهرت وتكـرّرت في كلامهم ...
إلاّ أنّنا نرى كثيراً من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها ، من حيث النهي الوارد عنها في الروايات ، ومَن تتبّع كتاب البيع وكتاب النكاح عثر على كثير منها ، كبيع الخمر والخنزير والعـذرة وبيع الغرر ونحو ذلك ...
وما ذكروه من القاعدة المشار اليها ، اصطلاح أُصولي لا تساعد عليه الأخبار بحيث يكون أصلا كلّـيّـاً وقاعدة مطّـردة ، بل المفهوم منها كون الأمـر كذلك في بعض ، وبخلافه في آخـر ...
ويخطر بالبال ، في الجمع بين الأخبار المتصادمة في هذا المجال ، أن يقال : إنّ النهي الواقع في الأخبار إن كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه للدخول تحت مقتضـى العقد ، فإنّه يبطل العقد رأساً ، كالأشياء التي ذكرناها ; فإنّ الظاهر أنّ النهي عنها إنّما وقع من حيث عدم قابليّتها للانتقال إلى ما أُريد نقلها إليه ..
وإن كان لا كذلك ، بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد خارج ، أو نحو ذلك ممّا لا مدخل له في أصل العوضين ، فالحكم فيه ما ذكروه من صحّة العقد ، وإن حصل الإثم باعتبار مخالفة النهي ، ومنه : البيع وقت النداء ; فإنّ النهي عنه وقع من حيث الزمان ، فيقال بصحّة البيع



(1) أُصـول الفقه 2 / 354 ـ 355 .


(101)
حينئذ لعـدم تعلّق النهي بذاتِ شيء من العوضـين باعتبار عدم قابليّته للعوضـيّة ، وإنّما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وإن أثم باعتبار إيقاعه في ذلك الزمان المنهيّ عن الإيقاع فيه » (1) .
خامساً : مسألة الإجزاء .
ويقع البحث في هذه المسألة عن أنّه هل توجد ملازمة عقلية بين إتيان المكلّف بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري ، وبين حكم الشارع بإجزاءِ ما أتى به عن المأمور به بالأمر الأوّلي الاختياري ، أو الواقعي ، أم لا ؟ وقد قسّـموا البحث في هذه المسألة على مقامين :
المقام الأوّل :
في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري ، ولم يتّفق العلماء هنا على القـولِ بالإجزاء عقـلا ، فما هو معـروف في فتـاواهم من القول بالإجـزاء ، لا بُـدّ أن يكون مردّه إلى ما استفادوه من الأدلّة الشرعـية في هذا المقام .
قال الشيخ المظفّر (رحمه الله) : « لا شكَّ في أنّ هذه الأوامر الاضطرارية أوامر واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالأوامر الأوّلية ... وإذا امتثلها المكلّف أدّى ما عليه في هذا الحال وسقط عنه التكليف بها .
ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية الثانوية ، ورجـع المكلّف إلى حالته الأُولى من التمكّن من أداءِ ما كان عليه واجباً في حالة الاختيار ، فهل يجزئه ما كان قد أتى به في حال الاضطرار ،



(1) الحدائق الناضـرة 10 / 176 ـ 177 .


(102)
أو لا يجزئـه ، بل لا بُـدّ له من إعادة الفعل في الوقت أداءً ... أو إعادته خارج الوقت قضاءً ؟
إنّ هذا أمر يصحّ فيه الشكّ والتساؤل ، وإن كان المعروف بين الفقهاء في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقاً أداءً وقضاءً .
غير أنّ إطباقهم على القول بالإجزاء ليس مستنداً إلى دعوى أنّ البديهيّة العقلية تقضي به ، لأنّه هنا يمكن تصـوّر عدم الإجزاء بلا محذور عقليّ ، أعني : يمكننا أن نتصوّر عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري » (1) .
وفصّل المحقّق الأصفهاني في هذا المقام في ما يخصّ حكم العقل بالملازمة ، فقسّم المكلّف به اضطراراً إلى ثلاثة أقسام :
أوّلها : أن يكون مشتملا على عين مصلحة الواجب الأوّلي .
والثاني : أن يكون مشتملا على مصلحة ملزمة لكنّها من غير نوع المصلحة الموجـودة في الفعل الاختياري .
والثالث : أن يكون مشتملا على مرتبة نازلة من المصلحة القائمة بالفعل الاختياري .
وذهب إلى أنّ لازم الإتيان بالأوّل الإجزاء ، ولازم الإتيان بالثاني عدم الإجزاء ، وفرّق في الثالث بين ما أمكن تدارك مصلحة الفعل الاختياري فذهب إلى عدم الإجزاء ، وما إذا لم يمكن ذلك فذهب إلى الإجزاء (2) .
ثمّ قال : « هذا ، وأمّا الحكم بحسب الأدلّة ، فهو يختلف باختلاف



(1) أُصـول الفقه 2 / 247 ـ 248 .
(2) وقاية الأذهان : 198 .



(103)
الموارد ... فإنّ إجزاء هذه الأحكام عن الواقعيّات الأوّلية تابع لما يستفاد من الأدلّة من أمر العذر الذي أخـذه الشارع في موضوعاتها ، فإن علم منها أنّه العذرُ وقت العمل ، فلا شكَّ في الإجزاء ; لأنّ المفروض أنّها بدل عن تلك الأحكام ، ولا معنى للجمع بين البدل والمبدل منه ... وإن علم منها أنّه العذر المسـتوعب ، فلا حكم حتّى يبحث عن إجزائه ، وعلى فرض عدم استفادة أحـد الأمرين من الأدلّة ، وانتهاء النوبة إلى الأصل العملي ، فلا شكَّ أنّ الأصل عدم تلك الأحكام ، فلا بُـدّ من إحراز تلك الأوامر أوّلا ، ثمّ البحث عن إجزائها » (1) .
وقال الشيخ المظفّر ـ بعد أن قرّر أنّ ذهابهم إلى القولِ بالإجزاء غير مستند إلى دعوى أنّ البديهيّة العقلية تقتضي الإجزاء ـ : « لا إشكال في أنّ المأتيَّ به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به في حال الاختيار ، والقول بالإجزاء فيه ، معناه : كفاية الناقص عن الكامل ، مع فرض التمكّن من أداءِ الكامل في الوقت أو خارجـه ، ولا شكَّ في أنّ العقل لا يرى بأساً بالأمر بالفعل ثانياً بعد زوال الضـرورة ; تحصيلا للكامل الذي قد فات منه ، بل قـد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصـلحة ملزمـة لا يفي بها الناقص ، ولا يسـدُّ مسـدَّ الكامل في تحصيلها .
والمقصـود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة : ( أنّ الإتيان بالناقص ، ليس بالنظرة الأُولى ممّا يقتضي عقلا الإجزاء عن الكامل ) ، فلا بُـدّ أن يكون ذهاب الفقهاء إلى الإجـزاء لسـرّ هناك » (2) .
ثمّ إنّه ذكر أربعة أُمـور تصلح كلّها أو بعضها لتوجيه القول بالإجزاء ،



(1) وقاية الأذهان : 200 ـ 201 .
(2) أُصـول الفقه 2 / 247 ـ 248 .



(104)
وليس منها حكم العقل بالملازمة ، بل كلّها مستفادة من فهم النصوص الشـرعية الواردة في التكاليف الاضطرارية .
والحاصـل : إنّ دلالة النصوص على إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الاختياري تُغني عن القول بالملازمة العقلية المفيدة للإجزاء ، وأمّا القول بأنّ العقل يحكم بعدم الملازمة وعدم الإجزاء ، فإنّه مناف لما هو مسـتفاد من الأدلّة الشـرعية .
المقام الثاني :
في إجزاء المأمور به بالأمـر الظاهري ، وهو : الأمـر الثابت بالحجج الظاهرية ، أي : الأمارات والأُصـول العملية ، فإذا أتى المكلّف بالوظيفة وفقاً للحجّة الظاهرية ، ثمّ انكشف الواقع بعد ذلك ، وتبيّن أنّه غير ما قامت عليه الأمارة أو الأصـل ، فهل يجب على المكلّف امتثال الأمـر الواقعي أداءً في الوقت وقضاءً خارجـه ، أم لا يجب عليه ذلك ، ويجزي ما أتى به على طبق الأمارة والأصـل ، وإن تبيّن خطَـأُهـما ؟
والرأي السائد لدى العلماء هو عدم الإجزاء ، سواء انكشف خطأ الأمارة أو الأصـل يقيناً أو بحجّة معتبرة ، ولا فرق في ذلك بين قيام الحجّة الظاهرية التي انكشف خطَـأُها على الأحكام أو الموضوعات .
نعم ، ذهبوا إلى الإجزاء في الأحكام ; للإجماع عليه ، لا لكونه مقتضى القاعدة العقلية .
هذا كلّه بناءً على ثبوت الحكم الظاهري ، وهو بحاجة إلى إعادة النظر ; لأنّه في مورد الأمارة يتوقّف على حجّـيّة الظنّ ، وفي مورد الأصل العملي يتوقّف على القول بعدم توفّر الأدلّة الشـرعيّة على بعض الأحكام ،


(105)
وكِلا الأمرين محلّ تأمّل ونظر يحتاج بيانه إلى بحث مسـتقلّ .
والحاصـل من بحث الملازمات العقلية بنوعيها : أنّ بعضها غير ثابت أصـلا ، والثابت منها لا يكشف عن أحكام ليس عليها دليل من الآيات والروايات ، بحيث يتوقّف اسـتنباطها على تلك الملازمات .
كما أنّ الحاصل من بحث الدليل العقلي عموماً :
أوّلا : إنّ تشـريع الأحكام عن طريق العقل مستقلاًّ عن الأدلّة النقلية من الكتاب والسُـنّة محـرّم شـرعاً .
ثانياً : إنّ اكتشاف الأحكام الشـرعية عن طريق القياس محرّم أيضاً ; لأنّه لا يؤدّي إلى العلم بالحكم الشـرعي ، ولا يفيد أكثر من الظنّ الذي لا يغني من الحـقّ شـيئاً .
ثالثاً : إنّ اكتشاف الحكم الشـرعي عن طريق ما هو ثابت من الملازمات العقلية وإن كان جائزاً ; لاشتراطه بأدائه إلى العلم بالحكم ، إلاّ أنّه ليس ضـرورياً ; إذ لا يتوقّف عليه الاستنباط بعد توفّر الأدلّة الشرعية الكاشفة عن أحكام جميع الوقائـع .
فينبغي صرف الجهد العقلي إلى اكتشاف الأحكام من أدلّتها الشرعية ، ولا حاجة لإنفاق الوقت والجهد في تأسـيـس قواعد لحلّ مشاكل افتراضية ليـس لها وجود في مجال اسـتنباط الأحكام .
بقيت هناك نقطتان تجـدر الإشارة إليهما في ختام البحث :
النقطة الأُولى :
تتعلّق بتقريب كيفية وفاء الشريعة بأحكام جميع القضايا ، بما فيها القضايا الحادثة بعد عصر التشريع ، فقد يقال بصعوبة تصوير ذلك ، بدعوى


(106)
« أنّ النصـوص التشريعية من قرآن أو سُـنّة هي نصـوصٌ متناهية ، بينما الحوادث الواقعة والمتوقّعة غير متناهية ، فلا سبيل إلى إعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلاّ عن طريق الرأي » (1) .
والجواب عن ذلك : إنّ الشارع المقدّس قد احتاط لهذا الأمر بأن شـرّع الأحكام على نحوين :
أوّلهما : الأحكام الشـرعية التي يتعلّق كلّ منها بموضـوع خاصّ أو عنوان جزئي ، فيختصّ به ولا يتعـدّاه إلى غيره ، كحرمة الخمر ، ووجـوب الصـلاة .
وثانيهما : الأحكام الشـرعية التي يتعلّق كلّ منها بعنوان عامّ أو موضـوع كلّي يصلح للانطباق على أفراد ومصـاديق متعـدّدة ، وهذا النوع من الأحكام هو المصطلح عليه لدى الفقهاء بـ : « القواعد الفقهية » التي تحـدّد في ضـوئها أحكام الوقائع المسـتجدّة التي ينطبق عليها العنوان الكلّي أو الموضوع العامّ الذي تعلّق به الحكم الشـرعي .
وبتشـريع هذا النحو من الأحكام تتمكّن الشريعة من الوفاء بأحكام القضايا المتجـدّدة عبر الزمن ، بنحو لا يبقي فراغاً في منطقة التشـريع ، ولا يترك مجالا لدعوى ضـرورة الاستعانة بالعقل في صياغة الأحكام أو اكتشافها عن طريق القياس ، وما ينجم عن ذلك من تسرّب القوانين الوضعـيّة إلى ساحة التشـريع الإلهي .



(1) موسوعة فقه السلف 1 / 82 ـ 83 ; وانظر : أعلام الموقّعين ـ لابن القيّم ـ 1 / 333 .


(107)
وإلى هذا النوع من الأحكام الكلّيّة أو القواعد الفقهيّة تشير الأحاديث الواردة عن الأئمّة المعصـومين (عليهم السلام) ، كـ : قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّما علينا أن نلقي إليكم الأُصـول ، وعليكم أن تفرّعوا » (1) ، وقول الإمام الرضا (عليه السلام) : « علينا إلقاء الأُصـول وعليكم التفريـع » (2) .
قال الحرّ العاملي (قدس سره) : « هذان الحديثان تضمّنا جواز التفريع على الأُصـول المسموعة منهم ، وهي : القواعد الكلّيّة المأخـوذة عنهم لا على غيرها ، فلا دلالة له [ على ] أكثر من العمل بالنصّ العامّ ، ولا خلاف فيه بين العقـلاء » (3) .
وفي بصائـر الدرجات : « عن موسـى بن بكر ، قال : قلت لأبي عبـد الله (عليه السلام) : الرجل يغمى عليه اليوم أو اليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك ، كم يقضـي ؟
فقال : ألا أُخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه ؟ فقال : كلّ ما غلب الله عليه من أمـر ، فالله أعذر لعبـده » (4) .
النقطة الثانية :
لو افترضـنا أنّنا لم نجـد في النصـوص الشـرعية دليلا يحـدّد حكم قضـيّة ما ، فلا يسـوغ لنا أن نعزو ذلك إلى تفريط الشارع المقدّس في بيان حكم هذه القضـيّة ، ولا إلى ضياع النصّ الخاصّ بحكمها ; فقد تقدّم أنّ



(1) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 61 ح 33201 .
(2) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 62 ح 33202 .
(3) الفصول المهمّة في أُصـول الأئمّة : 214 ـ 215 .
(4) بصائـر الدرجات : 326 ـ 327 .



(108)
الشارع قد أكمل الدين وتعهّد بحفظه ، والتفسير الصحيح لهذه الحالة هو ما ذكره الشارع نفسـه من أنّه وسّـع على المكلّف وتركه مطلق العنان ، ولم يلزمه بفعل أو ترك تجاه هذه القضـيّـة .
وقد ورد بهذا الشأن كثير من الأدلّة في مصادر الفريقين ، منها :
1 ـ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « الحلال ما أحلّه الله في كتابه ، والحرام ما حرّم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » (1) .
2 ـ قول الإمام عليّ (عليه السلام) : « إنّ الله افتـرض عليكم فرائض فلا تضـيّعوها ، وحـدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً ، فلا تتكلّفوها » (2) .
3 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « ما حجـب الله علمه عن العباد فهو موضـوع عنهم » (3) .
4 ـ « عن عبـد الأعلى بن أعين ، قال : سألت أبا عبـد الله (عليه السلام) : مَن لم يعرف شـيئاً ، عليه شـيء ؟ قال : لا » (4) .
5 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ الله عزّ وجلّ احتجّ على الناس بما آتاهم وما عرّفـهم « (5) .
فعـدم وجـود دليل خاصّ أو عامّ يبيّن حكم واقعة ما ، دليل على أنّ



(1) سُـنن الترمذي 4 / 220 ح 1726 ، سُـنن ابن ماجة 5 / 73 ح 3367 ، سُـنن البيهقي 14 / 297 ح 19935 ، المستدرك على الصحيحين 5 / 158 .
(2) وسائل الشيعة 15 / 260 ح 20452 ، نهج البلاغة : 487 الحكمة 105 .
(3) الكافي 1 / 164 ح 3 ، التوحيد : ص 413 ح 9 .
(4) الكافي 1 / 164 ح 2 ، التوحيد : 412 ح 8 .
(5) التوحيد : 410 ح 2 .



(109)
حكمها الإباحـة ، ولا يدلّ على نقص في التشـريع أو فقدان لبعض أدلّة الأحكام ، بنحو يضـطرّنا إلى الرجـوع إلى العقل واتّخاذه مقنّناً أو كاشفاً عن الأحكام ، وعليه ينبغي حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام بالرجوع إلى النصـوص الشـرعية من آيات الكتاب الكريم ، وأحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة المعصـومين صلوات الله عليهم أجمعين .
         والحمد لله ربّ العالمين .


(110)
مصادر البحـث
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ اجتهاد الرسـول ، لنادية شريف العمري ، مؤسّـسة الرسالة / بيروت ، 1401 هـ ـ 1981 م .
3 ـ الإحكام في أُصـول الأحكام ، لابن حزم علي بن أحمد الأندلسي ، تحقيق لجنة من العلماء ، ط 2 ، دار الجيل / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
4 ـ اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشّي ) ، لأبي جعفر محمّـد بن الحسـن الطوسي ، تحقيق محمّـد فاضل الميبدي والسـيّد أبو الفضل الموسويان ، نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / طهران ، 1424 هـ .
5 ـ الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي ، لحسن الأمين ، مركز دراسات الغدير / قم ، 1417 هـ ـ 1997 م .
6 ـ أُصـول الفقه ، للشيخ محمّـد رضا المظفّر ، مطبعة النعمان / النجف الأشـرف ، 1386 هـ ـ 1966 م .
7 ـ الأُصـول العامة للفقه المقارن ، للسـيّد محمّـد تقي الحكيم ، دار الأندلس / بيروت ، 1963 م .
8 ـ أعلام الموقّعين ، لابن قيّم الجوزية ، تحقيق طه عبـد الرؤوف ، دار الجيل / بيروت .
9 ـ بشارة المصطفى لشـيعة المرتضى ، لمحمّـد بن علي الطبري ، تحقيق جواد القيّومي الأصفهاني ، مؤسّـسة النشر الإسلامي / قم ، 1420 هـ .
10 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لمحمّـد بن أحمد ، ابن رشد القرطبي ، 1389 هـ ـ 1969 م .
11 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمّـد ، للشيخ محمّـد بن الحسن الصفّار ، تعليق وتصحيح الميرزا محسن كوچه باغي ، منشورات الأعلمي / طهران ، 1404 هـ .


(111)
12 ـ التبصرة في أُصـول الفقه ، لأبي إسحاق الشيرازي ، تحقيق محمّـد حسـن هيتو ، دار الفكر / دمشـق ، 1403 هـ ـ 1983 م .
13 ـ تحف العقول عن آل الرسول ، لعلي بن الحسين بن شعبة الحرّاني ، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاري ، مؤسّـسة النشر الإسلامي / قم ، 1404 هـ .
14 ـ التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) ، لفخر الدين محمّـد بن عمر الرازي .
15 ـ الحدائق الناضـرة في فقه العترة الطاهـرة ، للشيخ يوسف البحراني ، طبعة مؤسّـسة النشر الإسلامي / قم ، 1377 هـ .
16 ـ حقائق الأُصول ، للسيّد محسن الحكيم ، النجف الأشرف ، 1372 هـ .
17 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، لأبي نعيم أحمد بن عبـد الله الأصفهاني ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
18 ـ الدرّ المنـثور في التفسـير بالمأثـور ، لجلال الدين السيوطي ، دار الفكر / بيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
19 ـ دعائم الإسلام ، للقاضي أبو حنيفة النعمان ، تحقيق علي أصغر فيضي ، دار المعارف / مصـر ، 1383 هـ ـ 1963 م .
20 ـ روضـة الناظر وجنّة المناظر ، لابن قدامة ، عبـد الله بن أحمد ، تحقيق شـعبان محمّـد إسماعيل ، مؤسّـسة الريّان / بيروت ، 1419 هـ ـ 1998 م .
21 ـ السرائر ، لمحمّـد بن إدريس الحلّي ، مؤسّـسة النشر الإسلامي / قم ، 1414 هـ .
22 ـ سُـنن ابن ماجة ، لمحمّـد بن يزيد القزويني ، تحقيق بشّار عوّاد معروف ، دار الجيل / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
23 ـ سُـنن أبي داود ، لسـليمان بن الأشـعث ، ضبـط وتعليـق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد ، دار الفكر / بيروت .
24 ـ سُـنن البيهقي ، لأحمد بن الحسين ، دار الفكر / بيروت ، 1416 هـ ـ 1996 م .
25 ـ سُـنن الترمذي ، لمحمّـد بن عيسى ، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ،


(112)
دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1381 هـ ـ 1962 م .
26 ـ سُـنن النسائي ، لأحمد بن شُـعيب ، ضبط وتصحيح عبـد الوارث محمّـد علي ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1416 هـ ـ 1995 م .
27 ـ شـرح التجـريد ، لعلاء الدين علي بن محمّـد القوشـجي ، الطبعة الحجـرية .
28 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ، عزّ الدين عبد الحميد ابن هبة الله بن محمّـد المدائني ، تحقيق محمّـد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية / مصـر ، 1385 هـ ـ 1965 م .
29 ـ الصادع في الردّ على مَن قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، لابن حزم الأندلسي ، تحقيق محمّـد رضا الأنصاري ، مجلّة دراسات أُصـولية / قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) لسنة 1424 هـ .
30 ـ صحيح البخاري ، لمحمّـد بن إسماعيل ، تحقيق مصطفى ديب البُغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة / دمشق وبيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
31 ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، تحقيق خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة / بيروت ، 1422 هـ ـ 2001 م .
32 ـ علل الشرائع ، للشيخ الصدوق ، محمّـد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، مؤسّـسة الأعلمي / بيروت ، 1408 هـ ـ 1988 م .
33 ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، لابن الجوزي ، تحقيق خليل الميـس ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1424 هـ ـ 2003 م .
34 ـ عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق مجتبى العراقي ، مطبعة سـيّد الشهداء / قم ، 1403 هـ ـ 1983 م .
35 ـ الفتاوى الواضـحة ، للسـيّد محمّـد باقر الصـدر ، مطبعة الآداب / النجف الأشـرف ، 1396 هـ .
36 ـ فجر الإسلام ، لأحمد أمين ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1969 م .
37 ـ الفصول المهمّة في أُصـول الأئمّة ، للحرّ العاملي ، محمّـد بن الحسن ، منشورات بصيرتي / قم .


(113)
38 ـ الكافي ، للكليني محمّـد بن يعقوب الرازي ، تحقيق علي أكبر الغفّاري ، دار الكتب الإسلامية / طهران ، 1388 هـ .
39 ـ كتاب سُليم بن قيس الهلالي ، تحقيق محمّد باقر الأنصاري ، الناشر : « دليل ما » / قم ، 1424 هـ .
40 ـ كفاية الأُصول ، للآخوند الخراساني ، تحقـيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام)لإحياء التراث / قم ، 1409 هـ .
41 ـ كنز العمّال ، للمتّقي الهندي ، مؤسّـسة الرسالة / بيروت ، 1405 هـ .
42 ـ المحاسـن ، لأحمد بن محمّـد البرقي ، تحقيق المحدّث الأُرموي ، دار الكتب الإسلامية / قم .
43 ـ المحصول في علم الأُصـول ، لفخر الدين محمّـد بن عمر الرازي ، تحقيق محمّـد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1420 هـ ـ 1999 م .
44 ـ محاضـرات في أُصـول الفقه ، لمحمّـد إسحاق الفيّاض ، تقريراً لبحث السـيّد الخوئي ، مطبعة النجف ، 1382 هـ ـ 1962 م .
45 ـ المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري محمّـد بن عبـد الله ، صنعة عبـد السلام علّوش ، دار المعرفة / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
46 ـ مسـتدرك وسائل الشـيعة ، لميرزا حسين النوري الطبرسي ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / قم ، 1407 هـ .
47 ـ مسند أحمد بن حنبل ، شرحه ووضـع فهارسـه حمزة أحمد الزين ، دار الحديث / القاهرة ، 1416 هـ ـ 1995 م .
48 ـ معاني الأخبار ، للشيخ الصـدوق ، تصحيح علي أكبر الغفّاري ، نشـر جماعة المدرّسـين / قم ، 1361 هـ . ش .
49 ـ مقدّمة ابن خلدون ، مراجـعة لجنة من العلماء ، ط المكتبة التجارية / مصـر .
50 ـ موسـوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي ، محمّـد روّاس قلعه چي ، دار النفائس / بيروت ، 1406 هـ ـ 1986 م .
51 ـ النصّ والاجتهاد ، للسـيّد عبـد الحسين شرف الدين الموسوي ،


(114)
مؤسّـسة الأعلمي / بيروت ، 1386 هـ ـ 1966 م .
52 ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية ، للشيخ محمّـد حسين الأصفهاني ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / قم ، 1418 هـ ـ 1998 م .
53 ـ نهج البلاغة ، جـمع الشريف الرضـي ، تحقيق صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني / بيروت ، 1980 م .
54 ـ هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار ، للشيخ حسين الكركي ، تصحيح رؤوف جمال الدين ، النجف ، 1396 هـ .
55 ـ وسائل الشيعة ، للحرّ العاملي الشيخ محمّـد بن الحسن ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / قم ، 1416 هـ .
56 ـ وقايـة الأذهـان ، للشـيخ محمّـد رضا الأصـفهاني ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / قم ، 1413 هـ .


(115)
الأوّل : جواز رجوع الفقيه إلى العقل بوصفه مصدراً مستقلاًّ للتشريع في طولِ الكتاب والسُـنّة ، لمعرفة أحكام الموضوعات التي لم يرد نصّ من الشارع لبيان حكمها الشرعي .
العقل في التشريع ، بذريعة عدم بيان الشريعة لأحكام جميع الموضوعات ، اصطلح عليها بـ : « القياس الفقهي » ، وعُرّف بأنّه : « إثبات حكم في محلّ وهي : الملازمة العقلية بين إدراك العقل العملي لحسن الأفعال أو قبحها من جهة ، وبين حكم الشارع بوجوب تلك الأفعال أو حرمتها من جهة أُخـرى ; فمن الواضح جـدّاً أنّ الأحكام التي اكتشفوها عن طريق الملازمة المذكورة ، كوجـوب العدل وحـرمة الظلم ، وغيرهما ممّا تقدّم ذِكره ، كلّها منصوص عليها في الآيات والروايات .
والثاني : مسلك التلازم ، وأنّ حرمة أحـد المتلازمين تستلزم حرمة ملازمه الآخـر ..
نشر وزارة
(1) موسوعة فقه السلف 1 / 82 ـ 83 ; وانظر : أعلام الموقّعين ـ لابن القيّم ـ 1 / 333 .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007