|
|
 |
| العدد 73 و 74 > عدالة الصحابة (11) > |
عـدالة الصـحابة
(11)
الشـيخ محمّـد السـند
محطّة الفتوحات الاِسلامية
لتي وقعت على يد الخلفاء الثلاثة
وهو الأمر الثاني ممّا يتّصل بالخلاف في عدالة الصحابة..
إنّ من الأُمور التي تسترعي اهتمام كلّ مؤمن ومسلم هو حال الدين الاِسلامي من حيث الانتشار في بلاد الأرض من جهة ، وحاله من حيث إقامة أحكامه ومعالمه في البلدان الاِسلامية نفسها من جهة أُخرى..
فلماذا لم ينتشر في كلّ أو سائر أرجاء الكرة الأرضية ؟! ولماذا لايقام الحكم العادل القويم للدين الاِسلامي بتمام أركانه وأُصوله وسائر جوانبه ؟! إذ لم يقم حكم العدل منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وآله إلى الآن ، سوى خمس سنين ، هي مدّة حكومة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، مع مواجهته للعديد من الموانع التي خلّفتها السنن الجائرة التي شـيّدها مَن سبقه في الخلافة.
فهذان السؤالان يتحرّى كلّ طالب للحقيقة ، وكلّ ذي وجدان وضمير
(39)
ديني الجواب عنهما ، فلماذا لا تنعم البشرية جمعاً بربيع الاِسلام ؟! ولماذا لا ينعم المسلمون بجميع ثمار الدين ؟!
وتقف بنت المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما ـ مجيبة الأجيال عن السبب في ذلك ، وترسم لنا موطن العجز الذي أصاب المسلمين وبسببه لم يتمكّنوا من نيل هذه المنى..
هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الدين قد بدأ وتولّد في المشيئة الاِلهية برعاية سـيّد النبيّين صلى الله عليه
وآله وجهود عليّ عليه السلام ، وببركتهما ترعرع وبني صرح نظام المسلمين ، ملّةً ومجتمعاً ودولةً ، كما قال صلّى الله عليه وآله وسلم لعليّ : « إنّي وأنت أبوا هذه الأُمّة ، فمن عقّنا فلعنه الله عليه ، ألا وإنّي وأنت موليا هذه الأُمّة ، فعلى من أبق عنّا لعنة الله ، ألا وإنّي وأنت أجيرا هذه الأُمّة ، فمن ظلمنا أُجرتنا فلعنة الله عليه » (1) .
وقال صلى الله عليه وآله : « أنا وعليّ أبوا هذه الأُمّة ، ولَحقّنا عليهم أعظم من حقّ أبوي ولادتهم؛ فإنّا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار ، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار » (2) .
وقالت فاطمة عليها السلام : « أبوا هذه الأُمّة : محمّـد وعليّ ، يقيمان أودهم وينقذانهم من العذاب الدائم إن اطاعوهما ، ويبيعانهم النعيم الدائم إن وافقوهما » (3) ..
كما يؤخذ بعين الاعتبار أيضاً الوعد الاِلهي : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليُظْهِرَه على الدين كلّه ولو كرِه
(1) بحار الأنوار 40 | 45 ، عن روضة الكافي والفضائل ـ لابن شاذان ـ.
(2) بحار الأنوار 23 | 259 ح 23.
(3) بحار الأنوار 23 | 259 ح 23.
(40)
المشركون) (1) .
وقوله تعالى : (أمّن يُجيبُ المضْطَرَّ إذا دعاهُ ويكشفُ السوءَ ويجعَلُكم خلفاءَ الأرض) (2) .
وقوله : (ونُريدُ أن نَمُنّ على الّذين استُضْعِفوا في الأرض ونجعَلَهم أئمّةً ونجعَلَهم الوارثينَ * ونُمكّنَ لهم في الأرض) (3) .
هذا الوعد الاِلهي الذي روى الفريقان متواتراً أنّه سينجزه الباري تعالى على يد المهدي من ولد فاطمة عليها السلام ، وهو من أهل البيت عليهم السلام ، فالدين قد بدأ بهم ، وآخره مآلاً يطبق على الأرجاء بهم أيضاً ، إلاّ أنّ السؤالين المتقدّمين يطرحان بشأن الحقب المتوسطة بين البداية والنهاية.
ونكاد نلمس الاِجابة في قول فاطمة عليها السلام في خطبتها على رؤوس المسلمين أيام السقيفة :
« وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب... فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمّـد ، بعد اللتيا واللتي ، وبعد أن مُني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، (كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ) (4) ، أو نجم قرن للشيطان ، أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفىَ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سـيّداً في أولياء الله ، مشمّراً ، ناصحاً ، مجدّاً ، كادحاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ،
(1) سورة الصفّ 61 : 9.
(2) سورة النمل 27 : 62.
(3) سورة القصص 28 : 6.
(4) سورة المائدة 5 : 64.
(41)
وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربّصون بنا الدوائر ، وتتوكّفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرّون من القتال..
فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة النفاق ، وسمُل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر...
هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبر ، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ؟! (ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين) (1) ...
حتّى إذا دارت بنا رحى الاِسلام ، ودرّ حلب الأيام ، وخضعت نعرة الشرك ، وسكنت فورة الاِفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم بعد البيان ؟! وأسررتم بعد الاِعلان ؟! وأشركتم بعد الاِيمان ؟! بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم...
ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض... ألا وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم... » (2) .
وقالت في خطبتها الأُخرى :
« ويحهم! أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوّة والدلالة ، ومهبط الروح الأمين ، والطبين بأُمور الدنيا والدين ؟! (ألا ذلك هو الخسران المبين) (3) ..
(1) سورة التوبة 9 : 49.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 4 | 78 ـ 94.
(3) سورة الزمر 39 : 15.
(42)
وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟! نقموا منه والله نكير سيفه ، وقلّة مبالاته بحتفه ، وشـدّة وطأته ونكال وقعته ، وتنّمره في ذات الله ، وتالله لومالوا عن المحجّة اللائحة ، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة ، لردّهم إليها ، ولحملهم عليها ، ولسار بهم سيراً سجحاً ، لا يُكلم خشاشه ، ولا يكلّ سائره ، ولا يملّ راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً رويّاً فضفاضاً ، تطفح ضفتاه ولا يترنّق جانباه ، ولأصدرهم بطاناً ، ونصح لهم سرّاً وإعلاناً ، ولم يكن يحكي من الغنى بطائل ـ أي : لا يجمع لنفسه الثروة ـ ولا يحظى من الدنيا بنائل ، غير ريّ الناهل ، وشبعة الكافل ، ولبان لهم ـ أي : لظهر لهم ـ الزاهد من الراغب ، والصادق من الكاذب ، (ولو أنّ أهلَ القرى آمنوا واتّقوْا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)(1) ...
استبدلوا والله الذنابى بالقوادم ، والعجز بالكاهل... ويحهم! (أفمن يهدي إلى الحقّ أحقُّ أن يُتّبعَ أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون) (2) ... ».
وبعد أن أوضحت تصوير حال الفتنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله أخذت سلام الله عليها في تصوير المستقبل المتوقّع للأُمّة الاِسلامية بسبب هذا الانحراف الذي قامت به بعض رجالاتها ، فقالت :
« أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ، ثمّ احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً ، وذعافاً مبيداً ، هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبّ ماأسّس الأوّلون ، ثمّ طيبوا عن دنياكم نفساً ، واطمئنوا للفتنة جأشاً ،
(1) سورة الأعراف 7 : 96.
(2) سورة يونس 10 : 35.
(43)
وأبشروا بسيف صارم ، وسطوة معتلّ غاشم ، وبهرج شامل دائم ، واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرة لكم وأنّى بكم وقد عُمّيت عليكم (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) (1) » (2) ..
أي : لقد بدء تولّد انحراف الدين والنظام الاِسلامي عن مسيره ، وسينتج ذلك تفشّي الظلم والفساد في الأُمّة وهرج في مسيرها.
وهو ما حصل؛ فإنّ الخليفة الأوّل عيّن يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام ، كما جعل الولاة وأُمراء الجيش غالبهم من الحزب القرشي من مسلمة الفتح والطلقاء ، الّذين لم يفتؤوا يكيدوا للاِسلام عداءً ، وبالتالي فهو أوّل مَن وطّأ وأعدّ لمجيء بني أُمية إلى رأس السلطة ، والتسلّط على رقاب المسلمين والتحكّم بمصير الأُمّة.
وكذلك فعل الخليفة الثاني؛ إذ عيّن معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام ، وعثمان ـ من البطن الأُموي ـ خليفة له من بعده؛ بتوسّط معادلة شورى السـتّة الّذين عيّنهم ، والتي كانت واضحة الرجحان لصالح عثمان.
هذا مضافاً إلى ما قام به كلّ من الأوّل والثاني من السُنن الجائرة الحائدة عن سُـنن الله ورسوله ، فلم يبقيا من الاِسلام إلاّ اسمه ومن القرآن إلاّ رسمه ، كما ستأتي الاِشارة إلى جملة منها..
وقد طفقت ثروات الحزب القرشي ـ حزب السقيفة ـ في عهد الأوّلين ، فضلاً عن الثالث ، تزيد من غنائم الفتوحات حتّى بلغت أرقاماً خيالية ، كما سنوافيك بقائمة ببعضها ، وساد التمييز الطبقي والعرقي مجتمع المسلمين؛ فقُتل الخليفة الثاني بيد أحد الموالي ، بعد أن مات الأوّل في
(1) سورة هود 11 : 28.
(2) راجع : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 16 | 223.
(44)
ظروف مريبة ، بسبب الاختلاف الذي جرى بين عصابة أصحاب السقيفة ، حتّى قام أهل بلاد الفتوح ـ وهم أهل مصر والعراق ـ إضافةً إلى أهل المدينة بقتل الثالث ، بسبب وصول فساد وضع المسلمين الداخلي إلى درجة المناداة بتقويم أو خلع الخليفة..
روى الطبري من طريق عبـد الرحمن بن يسار أنّه قال : لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله إلى مَن بالآفاق ، وكانوا قد تفرّقوا في الثغور : « إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمّـد صلى الله عليه وآله ، فإنّ دين محمّـد قد أفسده من خلفكم وتُرك ، فهلمّوا فأقيموا دين محمّـد صلى الله عليه وآله » (1) ..
ورواه ابن الأثير أيضاً ، إلاّ أنّه بهذا اللفظ : « فإنّ دين محمّـد قد أفسده خليفتكم فأقيموه » (2) ..
ورواه ابن أبي الحديد بلفظ : « فاخلعوه » (3) .
وهذه الصحوة التي حصلت للمسلمين في قتل عثمان لم تكن نافعة تماماً لتستأصل الداء؛ وذلك لأنّ أُسس الانحراف في الأُمّة وبنيان الفساد قد تمّ على طول عهد الثلاثة ، ولم تكن تلك البنى لتزول بسهولة ، كما سنشير إليها ، كما لم يكن الحال الموصوف في كلام الناس مختصّاً بعهد عثمان من أنّ دين محمّـد صلى الله عليه وآله قد أفسده الخليفة..
فإلى مَ يدعو المسلمون الآخرين في الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ ؟!
وهل هو جهاد في سبيل الله أم في سبيل الخلافة الفاسدة ؟!
(1) تاريخ الطبري 5|115.
(2) الكامل في التاريخ 5|70.
(3) شرح نهج البلاغة 1 | 165 وج 4 | 307 ـ 308.
(45)
وإلى ماذا يُدعى الآخرين ؟ إلى الدين الذي قد أفسده الخلفاء ؟!
ويشير الاِمام الصادق عليه السلام إلى هذه الحالة التي نخرت في داخل المسلمين والنظام الديني في صحيح أبي بكر الحضرمي : قال : قلت لأبي عبـد الله عليه السلام : أهل الشام شرّ أم أهل الروم ؟
فقال : « إنّ الروم كفروا ولم يعادونا وإنّ أهل الشام كفروا وعادونا » (1) .
يشير عليه السلام إلى كفر إبليس لعنه الله؛ فكفره كان جحود خليفة الله آدم عليه السلام ، ولم يكن كفره بجحود الذات الاِلهية ، ولا بجحود المعاد ، ولابجحود شريعة الله تعالى ، فقد كان يتعبّد..
وكذلك في موثّق سليمان بن خالد ، عن أبي عبـد الله عليه السلام : قال : « أهل الشام شرّ من أهل الروم ، وأهل المدينة شرّ من أهل مكّة ، وأهل مكّة يكفرون بالله جهرة » (2) ..
قال في مرآة العقول : « ويحتمل أن يكون هذا الكلام في زمن بني أُميّة ، وأهل الشام ، من بني أُميّة وأتباعهم ، كانوا منافقين يظهرون الاِسلام ويبطنون الكفر ، والمنافقون شرّ من الكفّار وهم في الدرك الأسفل من النار ، وهم كانوا يسبّون أمير المؤمنين عليه السلام وهو الكفر بالله العظيم ، والنصارى لم يكونوا يفعلون ذلك.
ويحتمل أن يكون هذا مبنياً على أنّ المخالفين غير المستضعفين مطلقاً شرّ من سائر الكفّار ، كما يظهر من كثير الأخبار ، والتفاوت بين أهل تلك البلدان باعتبار اختلاف رسوخهم في مذهبهم الباطل ، أو على أنّ أكثر المخالفين في تلك الأزمنة كانوا نواصب منحرفين عن أهل البيت عليهم السلام ،
(1) الكافي 2 | كتاب : الاِيمان والكفر ـ باب : صنوف أهل الخلاف ح 5.
(2) الكافي 2 | كتاب : الاِيمان والكفر ـ باب : صنوف أهل الخلاف ح 3.
(46)
لاسيّما أهل البلدان الثلاثة ، واختلافهم في الشقاوة باعتبار اختلافهم في شـدّة النصب وضعفه.
ولا ريب في أنّ النواصب أخبث الكفّار ، وكفر أهل مكّة جهرة هو إظهارهم عداوة أهل البيت عليهم السلام ، وقد بقي بينهم إلى الآن ، ويعدّون يوم عاشوراء عيداً لهم ، بل من أعظم أعيادهم » (1) .
أقـول :
وهذه السُـنن التي يجازون بها نبيّ الرحمة صلى الله عليه وآله لا زالت منتشرة في بلدان الشام ويسمّونه : « عيد الظفر » ، وكذلك في بعض بلدان المغرب العربي.
ومن ثمّ كان النظام الديني القائم في البلاد الاِسلامية عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفقه الاِمامية ليس يشكّل دار الاِيمان وإنّما هو دار الاِسلام صورة ، ويفرّق في الأحكام الاجتماعية والسياسية والمالية والحقوقية وغيرها بين الدارين..
ففي رواية محمّـد بن سابق بن طلحة الأنصاري قال : « كان ممّا قال هارون ـ العبّاسي ـ لأبي الحسن حين أُدخل عليه : ما هذه الدار ؟ فقال : هذه دار الفاسقين ، قال : (سأصرف عن آياتيَ الّذين يتكبّرون في الأرض بغير الحقّ وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لايتّخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغيّ يتّخذوه سبيلاً) (2) .
فقال له هارون : فدار مَن هي ؟
(1) مرآة العقول 11 | 219.
(2) سورة الأعراف 7 : 146.
(47)
قال : هي لشيعتنا فترة ، ولغيرهم فتنة.
قال : فما بال صاحب الدار لا يأخذها ؟
فقال : أُخذت منه عامرة ولا يأخذها إلاّ معمورة.
قال : فأين شيعتك ؟
فقرأ أبو الحسن عليه السلام : (لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّينَ حتّى تأتِيَهم البيّنة) (1) .
قال : فقال له : فنحن الكفّار ؟!
قال : لا ، ولكن كما قال الله : (الّذين بدّلوا نعمتَ الله كفراً وأحلّوا قومَهم دارَ البَوار) (2) .
فغضب عند ذلك وغلط عليه » (3) .
وروى ابن أبي يعفور عن أبي عبـد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال : « أما تسمع لقول الله : (اللهُ وليُّ الّذين آمنوا يُخرِجُهم من الظلمات إلى النور) (4) ؟! يخرجهم من ظلمات الذنوب الى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من الله. قال الله : (والّذين كفروا أولياؤهم الطاغوتُ يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (5) .
قال : قلت : أليس الله عنى بها الكفّار حين قال : (والّذين كفروا ) ؟!
قال : فقال : وأيّ نور للكافر وهو كافر فأُخرج منه إلى الظلمات ؟!
(1) سورة البينة 98 : 1.
(2) سورة إبراهيم 14 : 28.
(3) الاختصاص ـ للشيخ المفيد ـ : 262 ، تفسير العيّاشي : 2 | 29 ، بحار الأنوار 72 | 136.
(4) سورة البقرة 2 : 257.
(5) سورة البقرة 2 : 257.
(48)
إنّما عنى الله بهذا أنّهم كانوا على نور الاِسلام فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إيّاهم من نور الاِسلام إلى ظلمات الكفر ، فأوجب لهم النار مع الكفّار فقال : (أُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (1) » (2) .
وروي في طرقهم عنه صلى الله عليه وآله : « إنّما أخاف على أُمّتي الأئمّة المضلّين ، فاذا وضع السيف في أُمّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة... ولاتزال طائفة من أُمّتي على الحقّ ظاهرين ، لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك » (3) ..
وروي أيضاً في مشكاة المصابيح (4) .
وقد أدرك المسلمون الحال المتردّي الذي وصلوا إليه ، وإنّ إقامة دين محمّـد صلى الله عليه وآله وإبعاد الزيغ والانحراف عنه في داخل البلاد الاِسلامية أوّلاً مقدّم على فتح البلدان غير الاِسلامية ، وإنّ خلع الخليفة الفاسد ونصب الخليفة العادل هو قطب الرحى الذي يدور عليه نظام الدين ونظام المسلمين ، كما قالت بنت المصطفى صلى الله عليه وآله : « وطاعتنا نظاماً للملّة »..
هذه الحقيقة التي أدركها المسلمون في قتل عثمان هي التي أوجبت اشتعال حـروب عليّ عليه السلام الداخلية ـ حـرب الجمل وصفّين والنهروان ـ بدل من فتح البلدان ، وكذلك سـيرة الحسنين عليهما السلام ؛ فإنّ إصلاح أُمّة محمّـد صلى الله عليه وآله مقدّم على دعوة الكفّار إلى الاِسلام.
(1) سورة البقرة 2 : 257.
(2) تفسير العيّاشي 1 | 138 ، بحار الأنوار 72 | 135.
(3) جامع الأُصول 12 | 162 و10 | 410.
(4) مشكاة المصابيح : 465.
(49)
وأي إسلام يُدعى الكفّار إليه ؟!
أهو الاِسلام الذي لبني أُميّة فيه النصيب الأوفر ؟!
أم الاِسلام الذي ينصّب معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان ولاةً على الشام ؟!
أم الاِسلام الذي يفرّق بين القرشي وغير القرشي ، والعربي وغير العربي ؟!
أم الاِسلام الطبقي البرجوازي ، وإسلام الاِقطاع وتكدّس الثروات ؟!
أم الاِسلام الذي يحرّم الخروج على الخليفة الجائر ؟!
أم الاِسلام الذي يرى مشروعية الخليفة المتغلّب بالقوّة على رقاب المسلمين ؟!
أم الاِسلام الذي يسوّغ كلّ مخالفة للأحكام والأُصول تحت ذريعة : « اجتهد فأخطأ » ، و : « تأوّل فيُعذر » ؟!
أم الاِسلام الذي يمنع تدوين وحفظ أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله لطمس معالم الدين ؟!
فالحقيقة التي يصل إليها الباحث في التاريخ والعلوم الاِسلامية هي : إنّ قريش وجملة من قبائل العرب لمّا شاهدوا بزوغ الدين الجديد وأنّه ستكون له القدرة والسلطة على كلّ الجزيرة العربية وغيرها من البلدان ، أخذوا بتنظيم عملية اختراق لصفوف المسلمين منذ السنوات الأُولى لبعثة النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ ففي الوقت الذي كان رؤساء قريش وغيرها قد اعتمدوا المواجهة المعلنة والمصادمة الشديدة لهذا الدين ، لأنّ مصالحهم ومواقعهم القبلية مهدّدة بالخطر ، اعتمدوا ـ في الوقت نفسه ـ سياسة الاختراق هذه ، التي هي طريق طبيعي مألوف ، في كلّ عصور البشر ، بين أيّ قوّتين
(50)
متدافعتين..
فأبو سفيان ـ وغيره من الحزب القرشي في مكّة ـ كان يقيم علاقة في أوائل الهجرة مع عبـد الله بن أبي سلول في المدينة ، الذي أسلم في الظاهر وكان من رؤوس النفاق ، ولم يقم مثل هذه العلاقة مع مَن أسلم في مكّة في الأيام الأُولى؛ لاختراق صفوف ونظام الاِسلام والمسلمين ، واعتماداً على هذه السياسة ، تحسّباً لنتائج المستقبل من أنّ القوّة والسلطة في الجزيرة قد تقع في يد صاحب هذا الدين الجديد.
لقد كانت القبائل النائية عن مكّة تتطلّع إلى ذلك ، فكيف لا تتطلّع قريش إليه؛ يقول الطبري : « وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرض نفسه في الموسم إذا كان على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ، ويخبرهم أنّه نبيّ مرسل ، ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتّى يبيّن عن الله ما بعثه به...
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمّـد بن إسحاق : وحدّثني محمّـد بن مسلم بن شهاب الزهري :
أنّه أتى بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم يقال له : بيحرة بن فراس : والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثمّ قال له : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثمّ أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟!
قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء.
قال : فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا ؟! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه » (1) .
(1) تاريخ الطبري 2 | 83 ـ 84.
(51)
فإذا كانت القبائل المتوسّطة والصغيرة تتطلّع إلى تولّي الحكم بعد رسـول الله صلى الله عليه وآله ، فكيف لا تعتمـد قريش سياسـة وتدبـير من أوائل أيامالبعثة كي تكون هي الظافرة بملك محمّـد صلى الله عليه وآله ، لا سيّما وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد كان ينبىَ ويخبر بما سيكون عليه مستقبل دين الاِسلام وأنّه سيسـود البلدان ؟!
فقد روى الطبري وغيره : « أنّ ناساً من قريش اجتمعوا ، فيهم أبوجهل بن هشام ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطّلب ، والأسود بن عبـد يغوث ، في نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلّمه فيه فلينصفنا منه ، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا... ».
إلى أن قال : « قال صلى الله عليه وآله : أي عمّ ! أوَ لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها ؟!
قال : وإلى ما تدعوهم ؟
قال : ادعوهم إلى أن يتكلّموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم » (1).
والمتتبّع في كتب التاريخ والسير يجد الكثير من هذه النماذج التي تشير إلى تحسّب القبائل وطمعها في الدعوة الجديدة ومستقبلها ، والسلطة الجديدة الآخذة في الانتشار.
ونظيره ما كانت تتنبّأ به الكهنة والمنجّمين ، وكانت قريش تعتمد عليهم كثيراً ، وقد ذكر إخبارهم بمستقبل النبيّ صلى الله عليه وآله في كتب السير والتاريخ ، بل كانت اليهود والنصارى كثيراً ما تتوعّد المشركين بالظفر عليهم
(1) تاريخ الطبري 2 | 65.
(52)
عند بعثة خاتم النبيّـين من مكّة ، ولذلك هاجروا من بلاد الشام واستوطنوا الحجاز انتظاراً لبعثة النبيّ صلى الله عليه وآله..
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك : (ولمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدّقٌ لِما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) (1) ، بل قد ذكرت كتب السير والتاريخ أنّ اليهود ـ مع ذلك ـ كانت تترصّد اغتيال أجداد وآباء النبيّ صلى الله عليه وآله .
فمن كلّ ذلك يتبيّن أنّ خبر المستقبل كان متفشيّاً منتشراً في أرجاء مكّة والحجاز ، فكيف لا تطمع قريش في نصيب المستقبل لو قُدّر وقوعه ؟!
فكانت سياستها على نمطين : المواجهة المعلنة ، والاختراق لصفوف المسلمين؛ لكي يعضد كلّ نمط النمط الآخر.
والقرآن الكريم يشير إلى حصول الاختراق في صفوف المسلمين منذ أوائل البعثة النبوية ، نجد ذلك في رابع سورة نزلت على الرسول صلى الله عليه وآله ، وهي سورة المدّثر : (وما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكةً وما جعلنا عدّتَهم إلاّ فتنةً للّذين كفروا ليستَيْقن الّذين أُوتوا الكتابَ ويزداد الّذين آمنوا إيماناً ولا يرتابَ الّذين أُوتوا الكتابَ والمؤمنون وليقولَ الّذين في قلوبهم مرضٌ والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يُضلّ الله مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاء) (2) .
فهذا التقسيم القرآني فاضح لوجود فئة : (الّذين في قلوبهم
(1) سورة البقرة 2 : 89.
(2) سورة المدَّثِر 74 : 31.
(53)
مرض) في أوساط المسلمين المؤمنين ، وهم ليسوا من الكفّار في العلن بل في باطنهم مرض ، وقد لاحق القرآن الكريم هذه الفئة وميّزها عن فئة المنافقين؛ إذ أنّ أهل النفاق لم يكونوا قد احترفوا الخفاء والسرية التامّة والدهاء الذي كانت تعتمده فئة (الّذين في قلوبهم مرض ) في اختراق صفوف المسلمين ونظام الدين الجديد.
لاحق القرآن هذه الفئة إلى آخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وأشار إلى شبكة اتّصالاتهم مع الأطراف الأُخرى من الحزب القرشي والقبائل الأُخرى واليهود والنصارى : (يا أيُّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهودَ والنصارى أولياءَ... فترى الّذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تُصيبَنا دائرة) (1) .
وفي بدر : (إذ يقولُ المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ غَرّ هؤلاءِ دينُهم) (2) .
وفي الخندق والأحزاب : (وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلاّ غرُوراً) (3) .
وأنّهم كانوا على خلطة قريبة من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله : (يا نساءَ النبيّ لستُنّ كأحدٍ من النساء إن اتّقيْتُنّ فلا تخْضَعْنَ بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض) (4) .
وأنّهم كانوا أهل جبن في الحروب : (فإذا أُنزلت سورة مُحكمة
(1) سورة المائدة 5 : 51 ـ 52.
(2) سورة الأنفال 8 : 49.
(3) سورة الأحزاب 33 : 12.
(4) سورة الأحزاب 33 : 32.
(54)
وذكر فيها القتالُ رأيتَ الّذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه من الموت فأوْلى لهم) (1) .
وقد فسّـر القرآن المرض الذي في قلوب هذه الفئة بأنّه : الضغينة وعداوة الحسد؛ ففي تتمّة الآية السابقة :
(طاعةٌ وقولٌ معروف فإذا عزم الأمر فلو صَدَقوا اللهَ لكان خيراً لهم * فهل عسيْتُم إن تولّيْتُم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا أرحامكم * أُولئك الّذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم * أفلا يتدّبرون القرآن أمْ على قلوبٍ أقفالُها* إنّ الّذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطانُ سوّلَ لهم وأملى لهم * ذلك بأنّهم قالوا للّذين كرهوا ما نزّلَ الله سنُطيعُكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفّتْهم الملائكة يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم * ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط اللهَ وكرِهوا رِضْوانَه فأحْبَطَ أعمالهم * أمْ حَسِبَ الّذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرِج اللهُ أضغانَهم * ولو نشاءُ لأرَيْناكَهم فلعرفْتَهم بسيماهُم ولتعرِفَنّهم في لحن القول) (2) .
فهذه الآيات تفصح عن علاقة هذه الفئة بالكفّار ، وأنّها سوف تتقلّد الأُمور وتتسلّط على رؤوس المسلمين ، وأنّ سيرتها الاِفساد في الأرض..
نظير ما تنبّأت به الآيات في سورة البقرة : (ومن الناس مَن يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهِدُ الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام * وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسِدَ فيها ويُهلِك الحرْثَ والنسلَ والله لايُحبّ الفساد * وإذا قيل له اتّقِ الله أخذتْهُ العزّةُ بالاِثم فحسْبُهُ جهنّمُ
(1) سورة محمّـد صلى الله عليه وآله 47 : 20.
(2) سورة محمّـد صلى الله عليه وآله 47 : 21 ـ 30.
(55)
ولبئس المِهاد) (1) .
وتجد في سورة البقرة 2 : 10 ، والتوبة 9 : 125 ، والحجّ 22 : 53 ، والنور 24 : 50 بقية الأدوار التي قاموا بها ، وفي : ( لئن لم ينْتهِ المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ والمُرْجِفون في المدينة لنُغْرينّك بهم) (2) دورهم في إعاقة سياسات الرسول صلى الله عليه وآله ومسيرته.
ويشير إلى ذلك ما روي في شرح نهج البلاغة : « قال له قائل : يا أمير المؤمنين! أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟
قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ..
إنّ العرب كرهت أمر محمّـد صلى الله عليه وآله ، وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيّامه حتّى قذفت زوجـته ، ونفّرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حيّاً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته ، ولولا أنّ قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرئاسة ، وسلّماً إلى العزّ والاِمرة ، لَما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدّت في حافرتها وعاد تارحها جذعاً ، وبازلها بكراً.
ثمّ فتح الله عليها الفتوح فأثْرَت بعد الفاقة ، وتموّلت بعد الجهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الاِسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنّه حقّ لَما كان كذا.
ثمّ نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأَُمراء القائمين بها ، فتأكّد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنّا نحن ممّن خمل
(1) سورة البقرة 2 : 204 ـ 206.
(2) سورة الأحزاب 33 : 60.
|
|
|