|
|
 |
| العدد 71 و 72 > تشـييد المراجَعات وتفنيد المكابَرات (23) > |
تشـييد المـراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات
(23)
السيّد عليّ الحسـيني الميلاني
حديث الغدير
المراجعة (54) ـ (60)
قال السيّد ـ رحمه الله ـ :
أخرج الطبراني وغيره بسند مجمع على صحّته (1)، عن زيد بن أرقم ، قال : خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بغدير خمّ ، تحت شجرات ، فقال : أيّها الناس ! يوشك أن أُدعى فأُجيب (2) ، وإنّي مسؤول (3) ،
(1) صرّح بصحّته غير واحد من الأعلام ، حتّى اعترف بذلك ابن حجر ؛ إذ أورده نقلاً عن الطبراني وغيره في أثناء الشبهة الحادية عشر من الشبه التي ذكرها في الفصل الخامس من الباب الأوّل من الصواعق ص 25 .
(2) إنّما نعى إليهم نفسه الزكية تنبيهاً إلى أن الوقت قد استوجب تبليغ عهده ، واقتضى الأذان بتعيين الخليفة من بعده ، وأنّه لا يسعه تأخير ذلك مخافة أن يدعى فيجيب قبل إحكام هذه المهمّة التي لا بُدّ له من إحكامها ، ولا غنىً لأُمّته عن إتمامها .
(3) لمّا كان عهده إلى أخيه ثقيلاً على أهل التنافس والحسد والشحناء والنفاق أراد صلّى الله عليه وآله ـ قبل أن ينادي بذلك ـ أن يتقدّم في الاعتذار إليهم تأليفاً لقلوبهم وإشفاقاً من معرّة أقوالهم وأفعالهم ، فقال : وإنّي مسؤول ؛ ليعلموا أنّه مأمور بذلك
(8)
وإنّكم مسؤولون (1) ، فماذا أنتم قائلون ؟ !
قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وجاهدت ونصحت ، فجزاك الله خيراً .
فقال : أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ ، وأنّ ناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ البعث حقّ بعد الموت ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث مَن في القبور ؟ !
قالوا : بلى نشهد بذلك (2) .
قال : اللّهمّ اشهد .
ثمّ قال : يا أيّها الناس ! إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أوْلى بهم من أنفسهم (3) ، فمَن كنت مولاه ، فهذا مولاه ـ يعني عليّاً ـ اللّهمّ والِ
ومسؤول عنه ، فلا سبيل له إلى تركه ..
وقد أخرج الإمام الواحدي في كتابه أسباب النزول ، بالإسناد إلى أبي سعيد الخدري ، قال : نزلت هذه الآية : (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب .
(1) لعلّه أشار بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : وإنّكم مسؤولون ، إلى ما أخرجه الديلمي وغيره ـ كما في الصواعق وغيرها ـ عن أبي سعيد إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : (وقفوهم إنّهم مسؤولون) عن ولاية عليّ ، وقال الإمام الواحدي : (إنّهم مسؤولون) عن ولاية عليّ وأهل البيت ، فيكون الغرض من قوله : وإنّكم مسؤولون ، تهديد أهل الخلاف لوليّه ووصيّه .
(2) تدبّر هذه الخطبة ، من تدبّرها وأعطى التأمّل فيها حقّه ، فعلم أنّها ترمي إلى أنّ ولاية عليّ من أُصول الدين ، كما عليه الإمامية ؛ حيث سألهم أوّلاً ، فقال : أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله ؟ ! إلى أن قال : وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ، ثمّ عقّب ذلك بذكر الولاية ليعلم أنّها على حدّ تلك الأُمور التي سألهم عنها فأقرّوا بها ، وهذا ظاهر لكلّ من عرف أساليب الكلام ومغازيه من أُولي الأفهام .
(3) قوله : وأنا أوْلى ، قرينة لفظية ، على أنّ المراد من المولى إنّما هو الأوْلى ، فيكون
(9)
مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه .
ثمّ قال : يا أيّها الناس ! إنّي فرطكم ، وإنّكم واردون علَيّ الحوض ، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء ، فيه عدد النجوم قدحان من فضّة ، وإنّي سائلكم حين تردون علَيّ عن الثقلين ، كيف تخلفوني فيهما ؟ الثقل الأكبر : كتاب الله عزّ وجلّ ، سبب طرفه بيد الله تعالى ، وطرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا ، وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا علَيّ الحوض (1) .
وأخرج الحاكم في مناقب عليّ من مستدركه (2) ، عن زيد بن أرقم من طريقين صحّحهما على شرط الشيخين ، قال : لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات فقممن ، فقال : كأنّي دعيت فأجبت ، وإنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله تعالى وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض .
ثمّ قال : إنّ الله عزّ وجلّ مولاي ، وأنا مولى كلّ مؤمن ، ثم أخذ بيد عليّ ، فقال : مَن كنت مولاه فهذا وليّه ، اللّهمّ وال مَن والاه ، وعاد مَن عاداه ، وذكر الحديث بطوله ، ولم يتعقّبه الذهبي في التلخيص ..
المعنى : إنّ الله أوْلى بي من نفسي وأنا أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ، ومَن كنت أوْلى به من نفسه فعليّ أوْلى به من نفسه .
(1) هذا لفظ الحديث عند الطبراني وابن جرير والحكيم والترمذي ، عن زيد بن أرقم ، وقد نقله ابن حجر عن الطبراني وغيره باللفظ الذي سمعته ، وأرسل صحّته إرسال المسلّمات ، فراجع ص 25 من الصواعق .
(2) المستدرك على الصحيحين 3|109 .
(10)
وقد أخرجه الحاكم أيضاً في باب ذكر زيد بن أرقم من المستدرك (1) مصرّحاً بصحّته ، والذهبي ـ على تشدّده ـ صرّح بهذا أيضاً في ذلك الباب من تلخيصه ، فراجع .
وأخرج الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم (2) ، قال : نزلنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بواد ، يقال له : وادي خمّ ، فأمر بالصلاة فصلاّها بهجير ، قال : فخطبنا ، وظلّل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، فقال : ألستم تعلمون ، أولستم تشهدون أنّي أوْلى بكلّ مؤمن من نفسه ؟ ! قالوا : بلى . قال : فمَن كنت مولاه ، فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .
وأخرج النسائي عن زيد بن أرقم (3) ، قال : لمّا دفع النبيّ من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات فقممن ، ثمّ قال : كأنّي دعيت فأجبت ، وإنّي تارك فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ..
ثمّ قال : إنّ الله مولاي ، وأنا وليّ كلّ مؤمن ، ثمّ إنّه أخذ بيد عليّ ، فقال : مَن كنت وليّه فهذا وليّه ، اللّهم وال مَن والاه ، وعاد مَن عاداه .
قال أبو الطفيل : فقلت لزيد : سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (4) ؟ !
(1) المستدرك على الصحيحين 3|533 .
(2) في ص 372 ج 4 من مسنده .
(3) ص 21 من الخصائص العلوية عند ذكر قول النبيّ : من كنت وليّه فهذا وليّه .
(4) سؤال أبي الطفيل ظاهر في تعجّبه من هذه الأُمّة إذ صرفت هذا الأمر عن عليّ مع
(11)
فقال : وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في باب فضائل عليّ من صحيحه (1) من عدّة طرق عن زيد بن أرقم ، لكنّه اختصره فبتره ـ وكذلك يفعلون ـ .
وأخرج الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب (2) من طريقين ، قال : كنّا مع رسول الله ، فنزلنا بغدير خمّ ، فنودي فينا : الصلاة جامعة ، وكُسح لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تحت شجرتين ، فصلّى الظهر وأخذ بيد عليّ ، فقال : ألستم تعلمون أنّي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ! قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أنّي أوْلى بكلّ مؤمن من نفسه ؟ ! قالوا : بلى . قال : فأخذ بيد عليّ ، فقال : مَن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ وال مَن والاه ، وعاد مَن عاداه ..
قال : فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال له : هنيئاً يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة .
وأخرج النسائي عن عائشة بنت سعد (3) ، قالت : سمعت أبي يقول :
ما ترويه عن نبيّها في حقّه يوم الغدير ، وكأنّه شكّ في صحّة ما ترويه في ذلك ، فقال لزيد حين سمع روايته منه :
أسمعته من رسول الله ؟ ! كالمستغرب المتعجّب الحائر المرتاب ، فأجابه زيد بأنّه لم يكن في الدوحات أحد على كثرة مَن كان يومئذ من الخلائق هناك ، إلاّ مَن رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه ، فعلم أبو الطفيل حينئذ أنّ الأمر كما قال الكميت :
ويوم الدوح دوح غدير خمّ * أبان له الخلافة لو أُطيعا
ولــكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطراً مبيعا
ولم أر مثل ذاك اليوم يوماً * ولم أر مثله حقاً أُضيـعا
(1) ص 325 من جزئه الثاني .
(2) في ص 281 من الجزء الرابع من مسنده .
(3) في ص 4 من خصائصه العلوية ، في باب : ذكر منزلة عليّ من الله عزّ وجلّ ، وفي ص 25 في باب : الترغيب في موالاته والترهيب من معاداته .
(12)
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يوم الجحفة ، فأخذ بيد عليّ وخطب ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس ! إنّي وليّكم ، قالوا : صدقت يا رسول الله . ثمّ رفع يد عليّ ، فقال : هذا وليّي ، ويؤدّي عنّي دَيني ، وأنا موالٍ من والاه ، ومعادٍ من عاداه ..
وعن سعد أيضاً (1) ، قال : كنّا مع رسول الله ، فلمّا بلغ غدير خمّ ، وقف للناس ثمّ ردّ من تبعه ، ولحق من تخلّف ، فلمّا اجتمع الناس إليه ، قال : أيّها الناس ! مَن وليّكم ؟ قالوا : الله ورسوله . ثمّ أخذ بيد عليّ فأقامه ، ثمّ قال مَن كان الله ورسوله وليّه ، فهذا وليّه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه .
والسُـنن في هذه كثيرة لا تحاط ولا تضبط ، وهي نصوص صريحة بأنّه وليّ عهده وصاحب الأمر من بعده ، كما قال الفضل بن العبّاس بن أبي لهب (2) .
|
وكان وليّ العهد بعد محمّدّ
| |
عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه
|
ما الوجه في الاحتجاج به مع عدم تواتره ؟
[حديث الغدير متواتر عندنا وعند الجمهور ؛ فلذا يتمّ الاحتجاج به على الإمامة على أُصول الفريقين ، وممّا يدلّ على ذلك :]
1 ـ النواميس الطبيعية تقضي بتواتر نصّ الغدير .
2 ـ عناية الله عزّ وجلّ به .
(1) في ما أخرجه النسائي صفحة 25 من خصائصه .
(2) من أبيات له أجاب فيها الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، في ما ذكره محمّد محمود الرافعي في مقدّمة شرح الهاشميات صفحة 8 .
(13)
3 ـ عناية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
4 ـ عناية أمير المؤمنين .
5 ـ عناية الحسين .
6 ـ عناية الأئمّة التسعة .
7 ـ عناية الشيعة .
8 ـ تواتره من طريق الجمهور .
حسبك من وجوه الاحتجاج هنا ما قلناه لك آنفاً ـ في المراجعة 24 ـ .
1 ـ على أنّ تواتر حديث الغدير ممّا تقضي به النواميس التي فطر الله الطبيعة عليها ، شأن كلّ واقعة تاريخية عظيمة يقوم بها عظيم الأُمّة ، فيوقعها بمنظر وبمسمع من الأُلوف المجتمعة من أُمّته من أماكن شتّى ، ليحملوا نبأها عنه إلى مَن وراءهم من الناس ، ولا سيّما إذا كانت من بعده محلّ العناية من أُسرته وأوليائهم في كلّ خلف ، حتّى بلغوا بنشرها وإذاعتها كلّ مبلغ ، فهل يمكن أن يكون نبؤها ـ والحال هذه ـ من أخبار الآحاد ؟ ! كلاّ بل لا بُدّ أن ينتشر انتشار الصبح ، فينظم حاشيتي البرّ والبحر (ولن تجد لسنّّتِ الله تحويلاً) (1) .
2 ـ إنّ حديث الغدير كان محلّ العناية من الله عزّ وجلّ ؛ إذ أوحاه تبارك وتعالى إلى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأنزل فيه قرآناً يرتّله المسلمون آناء الليل وأطراف النهار ، يتلونه في خلواتهم وجلواتهم ، وفي أورادهم وصلواتهم ، وعلى أعواد منابرهم ، وعوالي منائرهم : (يا أيّها
(1) سورة فاطر 35 : 43 .
(14)
الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس) (1) ، فلّما بلّغ الرسالة يومئذ بنصّه على عليّ بالإمامة ، وعهده إليه بالخلافة ، أنزل الله عزّ وجلّ عليه : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (2) ، بخ بخ (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ؛ إنّ من نظر إلى هذه الآيات ، بخع لهذه العنايات .
3 ـ وإذا كانت العناية من الله عزّ وجلّ على هذا الشكل ، فلا غرو أن يكون من عناية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما كان ، فإنّه لمّا دنا أجله ، ونعيت إليه نفسه ، أجمع ـ بأمر الله تعالى ـ على أن ينادي بولاية
(1) لا كلام عندنا في نزولها بولاية عليّ يوم غدير خمّ ، وأخبارنا في ذلك متواترة عن أئمّة العترة الطاهرة ، وحسبك ممّا جاء في ذلك من طريق غيرهم ، ما أخرجه الإمام الواحدي في تفسير الآية من سورة المائدة ص 150 من كتابه أسباب النزول ، من طريقين معتبرين عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : نزلت هذه الآية : (ياأيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) يوم غدير خمّ في عليّ بن أبيطالب .
قلت : وهو الذي أخرجه الحافظ أبو نعيم في تفسيرها من كتابه نزول القرآن بسندين ، (أحدهما) عن أبي سعيد (والآخر) عن أبي رافع ، ورواه الإمام إبراهيم بن محمّد الحمويني الشافعي في كتابه الفرائد بطرق متعدّدة عن أبي هريرة ، وأخرجه الإمام أبو إسحاق الثعلبي في معنى الآية من تفسـيره الكبير ، بسندين معتبرين .
وممّا يشهد له أنّ الصلاة كانت قبل نزولها قائمة ، والزكاة مفروضة ، والصوم كان مشروعاً ، والبيت محجوجاً ، والحلال بيّناً ، والحرام بيّناً ، والشريعة متّسقة ، وأحكامها مستتبّة ، فأي شيء غير ولاية العهد يستوجب من الله هذا التأكيد ، ويقتضي الحثّ على بلاغه بما يشبه الوعيد ؟ ! وأي أمر غير الخلافة يخشى النبيّ الفتنة بتبليغه ، ويحتاج إلى العصمة من أذى الناس بأدائه ؟ !
(2) صحاحنا في نزول هذه الآية بما قلناه متواترة من طريق العترة الطاهرة ، فلا ريب فيه ، وإن روى البخاري أنّها نزلت يوم عرفة ـ وأهل البيت أدرى ـ .
(15)
عليّ في الحجّ الأكبر على رؤوس الأشهاد ، ولم يكتف بنصّ الدار يوم الإنذار بمكّة ، ولا بغيره من النصوص المتوالية ، وقد سمعت بعضها ، فأذّن في الناس قبل الموسم أنّه حاجّ في هذا العام حجّة الوداع ، فوافاه الناس من كلّ فجّ عميق ، وخرج من المدينة بنحو مئة ألف أو يزيدون (1) ..
فلمّا كان يوم الموقف بعرفات نادى في الناس : عليّ منّي ، وأنا من عليّ ، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ (2) .
ولمّا قفل بمن معه من تلك الألوف وبلغوا وادي خمّ ، وهبط عليه الروح الأمين بآية التبليغ عن ربّ العالمين ، حطّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هناك رحله ، حتّى لحقه من تأخّر عنه من الناس ورجع إليه من تقدّمه منهم ، فلمّا اجتمعوا صلّى بهم الفريضة ، ثمّ خطبهم عن الله عزّ وجلّ ، فصدع بالنصّ في ولاية عليّ ، وقد سمعت شذرة من شذوره ، وما لم تسمعه أصحّ وأصرح ، على أنّ في ما سمعته كفاية ..
وقد حمله عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كلّ مَن كان معه يومئذ من تلك الجماهير ، وكانت تربو على مئة ألف نسمة من بلاد شتّى .
فسُنّة الله عزّ وجلّ التي لا تبديل لها في خلقه تقتضي تواتره ، مهما كانت هناك موانع تمنع من نقله ، على أنّ لأئمّة أهل البيت طرقاً تمثّل
(1) قال السيّد أحمد زيني دحلان في باب حجّة الوداع من كتابه السيرة النبوية : وخرج معه صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من المدينة ـ تسعون ألفاً ، ويقال مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، ويقال أكثر من ذلك . (قال :) وهذه عدّة من خرج معه ، وأمّا الّذين حجّوا معه فأكثر من ذلك ، إلى آخر كلامه ؛ ومنه يعلم أنّ الّذين قفلوا معه كانوا أكثر من مئة ألف ، وكلّهم شهدوا حديث الغدير .
(2) أوردنا هذا الحديث في المراجعة 48 ، فراجعه تجده الحديث 15 ولنا هناك في أصل الكتاب وفي التعليقة عليه كلام يجدر بالباحثين أن يقفوا عليه .
(16)
الحكمة في بثّه وإشاعته .
4 ـ وحسبك منها ما قام به أمير المؤمنين أيّام خلافته ؛ إذ جمع الناس في الرحبة فقال : أُنشد الله كلّ امرىَ مسلم سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول يوم غدير خمّ ما قال ، إلاّ قام فشهد بما سمع ، ولايقم إلاّ من رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه .
فقام ثلاثون صحابياً فيهم اثنا عشر بدرياً ، فشهدوا أنّه أخذه بيده ، فقال للناس : أتعلمون أنّي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ! قالوا : نعم ، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : مَن كنت مولاه فهذا مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه .. الحديث .
وأنت تعلم أنّ تواطؤ الثلاثين صحابياً على الكذب ممّا يمنعه العقل ، فحصول التواتر بمجرّد شهادتهم ـ إذن ـ قطعي لا ريب فيه ، وقد حمل هذا الحديث عنهم كلّ مَن كان في الرحبة من تلك الجموع ، فبثّوه بعد تفرّقهم في البلاد ، فطار كلّ مطير .
ولا يخفى أنّ يوم الرحبة إنّما كان في خلافة أمير المؤمنين ، وقد بويع سنة خمس وثلاثين ، ويوم الغدير إنّما كان في حجّة الوداع سنة عشر ، فبين اليومين ـ في أقلّ الصور ـ خمس وعشرون سنة ، كان في خلالها طاعون عمواس ، وحروب الفتوحات والغزوات على عهد الخلفاء الثلاثة ..
وهذه المدّة ـ وهي ربع قرن ـ بمجرّد طولها وبحروبها وغاراتها ، وبطاعون عمواسها الجارف ، قد أفنت جلّ من شهد يوم الغدير من شيوخ الصحابة وكهولهم ، ومن فتيانهم المتسرعين ـ في الجهاد ـ إلى لقاء الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، حتّى لم يبق منهم حيّاً بالنسبة إلى مَن مات إلاّ قليل ..
(17)
والأحياء منهم كانوا منتشرين في الأرض ، إذ لم يشهد منهم الرحبة إلاّ من كان مع أمير المؤمنين في العراق من الرجال دون النساء .
ومع هذا كلّه فقد قام ثلاثون صحابياً ، فيهم اثنا عشر بدرياً ، فشهدوا بحديث الغدير سماعاً من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ..
وربّ قوم أقعدهم البغض عن القيام بواجب الشهادة ، كأنس (1) بن مالك وغيره ، فأصابتهم دعوة أمير المؤمنين عليه السلام .
ولو تسنّى له أن يجمع كلّ مَن كان حيّاً يومئذ من الصحابة رجالاً ونساء ، ثمّ يناشدهم مناشدة الرحبة لشهد له أضعاف الثلاثين ، فما ظنّك لو تسنّت له المناشدة في الحجاز قبل أن يمضي على عهد الغدير ما مضى من الزمن ؟ !
فتدبّر هذه الحقيقة الراهنة تجدها أقوى دليل على تواتر حديث الغدير .
وحسبك ممّا جاء في يوم الرحبة من السُـنن ما أخرجه الإمام أحمد ـ من حديث زيد بن أرقم في ص 370 من الجزء الرابع من مسنده ـ عن أبي الطفيل ، قال : جمع عليّ الناس في الرحبة ثمّ قال لهم : أُنشد الله كلّ
(1) حيث قال له عليّ عليه السلام : ما لك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذ منه ؟ ! فقال : يا أمير المؤمنين ! كبرت سنّي ونسيت . فقال عليّ : إن كنت كاذباً فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة ، فما قام حتّى ابيضّ وجهه برصاً ، فكان بعد ذلك يقول : أصابتني دعوة العبد الصالح . انتهى .
قلت : هذه منقبة مشهورة ذكرها الإمام ابن قتيبة الدينوري ، حيث ذكر أنساً في أهل العاهات من كتابه (المعارف) آخر صفحة 194 ، ويشهد لها ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في آخر صفحة 119 من الجزء الأوّل من مسنده ؛ حيث قال : فقاموا إلاّ ثلاثة لم يقوموا ، فأصابتهم دعوته .
(18)
امرئ مسلم سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول يوم غدير خمّ ما سمع لما قام . فقام ثلاثون من الناس ..
(قال :) وقال أبو نعيم : فقام ناس كثير ، فشهدوا حين أخذه بيده ، فقال للناس : أتعلمون أنّي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ !
قالوا : نعم يا رسول الله .
قال : مَن كنت مولاه فهذا مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه .
قال أبو الطفيل : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً ـ أي من عدم عمل جمهور الأُمّة بهذا الحديث ـ فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليّاً يقول : كذا وكذا .
قال زيد : فما تنكر ؟ ! قد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول ذلك له . انتهى .
قلت : فإذا ضممت شهادة زيد هذه ، وكلام عليّ يومئذ في هذا الموضوع ، إلى شهادة الثلاثين ، كان مجموع الناقلين للحديث يومئذ اثنين وثلاثين صحابياً .
وأخرج الإمام أحمد من حديث عليّ ص 119 من الجزء الأوّل من مسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : شهدت عليّاً في الرحبة ينشد الناس ، فيقول : أُنشد الله مَن سمع رسول الله يقول يوم غدير خم : مَن كنت مولاه فعليّ مولاه لما قام فشهد ، ولا يقم إلاّ مَن قد رآه .
قال عبد الرحمن : فقام اثنا عشر بدرياً كأنّي أنظر إلى أحدهم ، فقالوا : نشهد أنّا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول يوم غدير خمّ : ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجي أُمّهاتهم ؟ !
فقلنا : بلى يا رسول الله .
(19)
قال : فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه . انتهى .
ومن طريق آخر ، أخرجه الإمام أحمد في آخر الصفحة المذكورة ، قال : اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر مَن نصره ، واخذل مَن خذله ، قال : فقاموا إلاّ ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم عليّ فأصابتهم دعوته . انتهى .
وأنت إذا ضممت عليّاً وزيد بن أرقم إلى الاثني عشر المذكورين في الحديث ، كان البدريون يومئذ 14 رجلاً ، كما لا يخفى .
ومن تتبّع السُـنن الواردة في مناشدة الرحبة ، عرف حكمة أمير المؤمنين في نشر حديث الغدير وإذاعته .
5 ـ ولسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام موقف ـ على عهد معاوية ـ حصحص فيه الحقّ ، كموقف أمير المؤمنين في الرحبة ؛ إذ جمع الناس ـ أيام الموسم بعرفات ـ فأشاد بذكر جدّه وأبيه وأُمّه وأخيه ، فلم يسمع سامع بمثله بليغاً حكيماً يستعبد الأسماع ويملك الأبصار والأفئدة ، جمع في خطابه فأوْعى ، وتتبّع فاستقصى ، وأدّى يوم الغدير حقّه ، ووفّاه حسابه ، فكان لهذا الموقف العظيم أثره في اشتهار حديث الغدير وانتشاره .
6 ـ وإنّ للأئمّة التسعة من أبنائه الميامين طرقاً ـ في نشر هذا الحديث وإذاعته ـ تريك الحكمة محسوسة بجميع الحواس ..
كانوا يتّخذون اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة عيداً في كلّ عام ، يجلسون فيه للتهنئة والسرور ، بكلّ بهجة وحبور ، ويتقرّبون فيه إلى الله عزّ وجلّ بالصوم والصلاة ، والابتهال ـ بالأدعية ـ إلى الله ، ويبالغون فيه
(20)
بالبرّ والإحسان ، شكراً لما أنعم الله به عليهم في مثل ذلك اليوم من النصّ على أمير المؤمنين بالخلافة والعهد إليه بالإمامة ، وكانوا يصلون فيه أرحامهم ، ويوسّعون على عيالهم ، ويزورون إخوانهم ، ويحفظون جيرانهم ، ويأمرون أولياءهم بهذا كلّه .
7 ـ وبهذا كان يوم 18 من ذي الحجّة في كلّ عام عيداً عند الشيعة (1) في جميع الأعصار والأمصار ، يفزعون فيه إلى مساجدهم ، للصلاة فريضة ونافلة ، وتلاوة القرآن العظيم ، والدعاء بالمأثور ، شكراً لله تعالى على إكمال الدين وإتمام النعمة ، بإمامة أمير المؤمنين ، ثمّ يتزاورون ويتواصلون فرحين مبتهجين ، متقرّبين إلى الله بالبرّ والإحسان ، وإدخال السرور على الأرحام والجيران .
ولهم في ذلك اليوم من كلّ سنة زيارة لمشهد أمير المؤمنين ، لا يقلّ المجتمعون فيها عند ضراحه عن مئة ألف ، يأتون من كلّ فجّ عميق ليعبدوا الله بما كان يعبده في مثل ذلك اليوم أئمّتهم الميامين ، من الصوم والصلاة والإنابة إلى الله ، والتقرّب إليه بالمبرّات والصدقات ، ولا ينفضّون حتّى يحدقوا بالضراح الأقدس فيلقوا ـ في زيارته ـ خطاباً مأثوراً عن بعض أئمّتهم ، يشتمل على الشهادة لأمير المؤمنين بمواقفه الكريمة ، وسوابقه العظيمة ، وعنائه في تأسيس قواعد الدين ، وخدمة سيّد النبيّين والمرسلين ، إلى ما له من الخصائص والفضائل التي منها عهد النبيّ إليه ، ونصّه يوم
(1) قال ابن الأثير في عدّه حوادث سنة 352 من كامله : وفيها في ثامن عشر ذي الحجّة ، أمر معزّ الدولة بإظهار الزينة في البلد ـ بغداد ـ وأُشعلت النيران بمجلس الشرطة ، وأظهر الفرح ، وفتحت الأسواق بالليل كما يُفعل ليالي الأعياد ، فعل ذلك فرحاً بعيد الغدير ـ يعني غدير خمّ ـ وضربت الدبادب والبوقات ، وكان يوماً مشهوداً . انتهى بلفظه في ص 181 ج 8 من تاريخه .
(21)
الغدير عليه ..
هذا دأب الشيعة في كلّ عام ، وقد استمرّ خطباؤهم على الإشادة في كلّ عصر ومصر بحديث الغدير مسنداً ومرسلاً ، وجرت عادة شعرائهم على نظمه في مدائحهم قديماً (1) وحديثاً ..
فلا سبيل إلى التشكيك في تواتره من طريق أهل البيت وشيعتهم ؛ فإنّ دواعيهم لحفظه بعين لفظه ، وعنايتهم بضبطه وحراسته ونشره وإذاعته ، بلغت أقصى الغايات ، وحسبك ما تراه في مظّانه من الكتب الأربعة وغيرها من مسانيد الشيعة المشتملة على أسانيده الجمّة المرفوعة ، وطرقه المعنعنة المتّصلة ، ومن ألمّ بها تجلّى له تواتر هذا الحديث من طرقهم القيّمة .
8 ـ بل لا ريب في تواتره من طريق أهل السُنّة بحكم النواميس الطبيعية ، كما سمعت ، (لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون) (2) ..
وصاحب الفتاوى الحامدية ـ على تعنّته ـ يصرّح بتواتر الحديث في رسالته المختصرة الموسومة بـ : الصلوات الفاخرة في الأحاديث المتواترة .
(1) قال الكميت بن زيد :
ويــوم الدوح دوح غدير خمّ * أبان له الولاية لو أطيعا .. الخ
وقال أبو تمام من عبقريته الرائية ، وهي في ديوانه :
ويوم الغدير استوضح الحقّ أهله * بفيحـاء ما فيها حجاب ولا سترُ
أقــام رسول الله يدعوهم بهـا * ليقربهـم عرف وينآهم نكـــرُ
يـــمـد بضبعيه ويعلم أنّـه * ولـيّ ومولاكم فهـل لكم خبرُ ؟
يـروح ويغدو بالبيان لمعشــر * يروح بهـم غمر ويغدو بهم غمرُ
فكــــان له جهر بإثبات حقّه * وكــان لـهم في بزّهم حقّه جهرُ
أثمّ جعــلتم حظّــه حدّ مرهف * من البيض يوماً حظّ صاحبه القبرُ
(2) سورة الروم 30 : 30 .
(22)
والسيوطي وأمثاله من الحفّاظ ينصّون على ذلك .
ودونك محمّد بن جرير الطبري ، صاحب التفسير والتاريخ المشهورين ، وأحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقدة ، ومحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، فإنّهم تصدّوا لطرقه ، فأفرد له كلّ منهم كتاباً على حدة ، وقد أخرجه ابن جرير في كتابه من خمسة وسبعين طريقاً ، وأخرجه ابن عقدة في كتابه من مائة وخمسة طرق (1) ، والذهبي ـ على تشدّده ـ صحّح كثيراً من طرقه (2) ..
وفي الباب السادس عشر من غاية المرام تسعة وثمانون حديثاً من طريق أهل السُنّة في نصّ الغدير ، على أنّه لم ينقل عن الترمذي ، ولا عن النسائي ، ولا عن الطبراني ، ولا عن البزّار ، ولا عن أبي يعلى ، ولا عن كثير ممّن أخرج هذا الحديث ..
والسـيوطي نقل الحـديث في أحـوال عليّ من كتابه تاريخ الخلفاء عن الترمذي ، ثمّ قال : وأخرجه أحمد عن عليّ ، وأبي أيوب الأنصاري ، وزيد بن أرقم ، وعمرو ذي مر (3) ، قال : وأبو يعلى عن أبي هريرة ،
(1) نصّ صاحـب غايـة المـرام في أواخـر الباب 16 ص 89 من كتابه المذكور : أنّ ابن جرير أخرج حديث الغدير من خمسة وتسعين طريقاً في كتاب أفرده له سمّاه كتاب : الولاية ، وأنّ ابن عقدة أخرجه من مائة وخمسة طرق في كتاب أفرده له أيضاً .
ونصّ الإمام أحـمد بن محمّد بن الصدّيق المغربي على أنّ كلاًّ من الذهبي وابن عقـدة أفردا لهذا الحديث كتاباً خاصّاً بـه ، فراجع خطبة كتابه القيّم الموسوم بـ : فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ .
(2) نصّ على ذلك ابن حجر في الفصل 5 من الباب الأوّل من صواعقه .
(3) أقول : وأخرجه أيضاً من حديث ابن عبّـاس ص 131 من الجزء الأوّل من مسنده ، ومن حديث البراء في ص 281 ج 4 من مسنده .
(23)
والطبراني عن ابن عمر ، ومالك بن الحويرث ، وحبشي بن جنادة ، وجرير ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأبي سعيد الخدري ، وأنس ، (قال :) والبزّار ، عن ابن عبّـاس وعمارة وبريدة . انتهى .
وممّا يدلّ على شيوع هذا الحديث وإذاعته ، ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1) ، عن رباح بن الحارث ، من طريقين إليه ، قال : جاء رهط إلى عليّ فقالوا : السلام عليك يا مولانا .
قال : مَن القوم ؟
قالوا : مواليك يا أمير المؤمنين .
قال : كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب ؟ !
&nbs
قالوا : سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم غدير خمّ يقول : مَن كنت مولاه ، فإنّ هذا مولاه ..
قال رباح : فلمّا مضوا تبعتهم ، فسألت : مَن هؤلاء ؟ قالوا : نفر من الأنصار فيهم أبو أيّوب الأنصاري . انتهى .
وممّا يدلّ على تواتره ما أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير سورة المعارج من تفسيره الكبير ، بسندين معتبرين ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا كان يوم غدير خمّ نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد عليّ فقال : مَن كنت مولاه ، فعليّ مولاه ، فشاع ذلك فطار في البلاد ..
وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على ناقة له ، فأناخها ونزل عنها ، وقال : يا محمّد ! أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله ، فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصلّي
(1) راجع ص 419 ج 5 .
(24)
خمساً فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلنا ، وأمرتنا بالحجّ فقبلنا ، ثمّ لمّ ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك تفضّـله علينا ، فقلت : مَـن كنت مـولاه فعليّ مولاه ، فهذا شيء منك أم من الله ؟ !
فقال صـلّى الله عليه وآله وسلّم : فوالله الذي لا إله إلاّ هو ، إنّ هذا لمن الله عزّ وجلّ .
فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللّهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّاً ، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فما وصل إلى راحلته حتّى رماه الله سبحانه بحجر سقط على هامته ، فخرج من دُبره فقتله ، وأنزل الله تعالى : (سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي المعارج) (1) . انتهى الحديث بعين لفظه (2) ..
وقد أرسله جماعة من أعلام أهل السُنّة إرسال المسلّمات (3) .
حديث الغدير لا يمكن تأويله :
1 ـ أنا أعلم بأنّ قلوبكم لا تطمئنّ بما ذكرتموه ، ونفوسكم لا تركن ، وأنّكم تقدّرون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حكمته البالغة ، وعصمته الواجبة ، ونبوّته الخاتمة ، وأنّه سيّد الحكماء ، وخاتم الأنبياء
(1) سورة المعارج 70 : 1 ـ 3 .
(2) وقد نقله عن الثعلبي جماعة من أعلام السُنّة ، كالعلاّمة الشبلنجي المصري في أحوال عليّ من كتابه (نور الأبصار) فراجع منه ص 11 إن شئت .
(3) فراجع ما نقله الحلبي من أخبار حجّة الوداع في سيرته المعروفة بـ :س السيرة الحلبية ، تجد هذا الحديث في آخر ص 214 من جزئها الثالث .
|
|
|