الحاوي
في رجال الشيعة الإماميٌة
لابن أبي طي الحلبي
الشيخ رسول جعفريان
مقدّمة في
أحوال ومؤلّفات ابن أبي طي
وتشيّع مدينة حلب
يحيى بن حميد بن ظافر الطائي الحلبي (575 ـ 630 هـ)(1) :
أحد كبار المؤرّخين الشيعة البارزين من أهل مدينة حلب ، كتب وصنّف ـ إضافة إلى التاريخ ـ في مجالات العلم والمعرفة الأُخرى.
لكن آثار هذه الشخصية الشيعية الكبيرة قد اندثرت ؛ بسبب سيطرة الحكّام النوريّين والأيوبيّين والمماليك على بلاد الشام ، وحصارهم للشيعة والتشيّع.
والقائمة الطويلة لمصنّفاته تشير إلى اشتمال كلّ واحد منها على عدّة مجلّدات ، كما نقل عنه من أتى بعده من المؤرّخين الشاميّـين في كتبهم ؛ وهذا دليل على مرتبته العلمية الرفيعة.
(1) ذكر الدكتور مصطفى جواد بأنّ وفاته سنة 627 هـ ، راجع : أعيان الشيعة 10|286.
(107)
والواقع إنّ هذا العالِم كان استمراراً لحركة القافلة الكبيرة لعلماء الشيعة الّذين تعهّدوا قيادة الطائفة ـ التي كانت تشكّل غالبية سكّان مدينة حلب ـ منذ أواخر القرن الثالث وحتّى القرنين السادس والسابع الهجري في هذه المدينة الكبيرة.
ولعلّ النقطة البديعة التي يمكن أن تبيّـن مكانته كعالم شيعي كبير وشعبي في هذه المدينة ، هي ما ذكره ابن شـدّاد ـ المتوفّى سنة 684 هـ ـ : من بين مساجد حلب ، يوجد مسجد باسم مسجد منتجب الدين يحيى بن أبي طيّ ، الشهير بابن النجّـار(1).
إنّ انتماء هذا العالِم إلى التشـيّع والإمامية ظاهر للعيان بكلّ وضوح ؛ فقد نشأ وتربّى على يد عالم شيعي بارز ، هو ابن شهرآشوب المازندراني ، الذي كان زوجاً لابنة عمّـته ، كما أنّ بعض مصنّفاته ترتبط ـ بشكل ما ـ بالثقافة الشيعيّة ، مثل :
المجالس الأربعين في مناقب الأئمة الطاهرين عليهم السلام.
شرح نهج البلاغة « في سـتّة مجلّدات ».
أخبار شعراء الشيعة.
تضوّع اللطائم في شرح خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام .
ذخر البشر في معرفة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام .
ولعلّ أبرز من كتب عن أحوال ابن أبي طيّ في المصادر الحديثة هو كلود كاهن ؛ إذ كتب المدخل إلى حياة ابن أبي طيّ في دائرة المعارف الإسلامية « النسخة المصحّحة الثانية » التي هي مختصرة جدّاً(2)..
(1) الأعلاق الخطيرة في ذكر أُمراء الشام والجزيرة 1 ـ ق 1 ـ|64.
(2) Encyclopaedia of Islam, Vol. 3. P 693.
(108)
وكتب السـيّد فكرت ـ بالفارسية ـ تاريخ حياته المفصّلة في دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى (2|7 ـ 676).
ولعل أنسب وأشمل تعريف بحياة وشخصيّة ابن أبي طيّ ، هو عرض ما ورد عنه في النصوص القديمة..
كتابات القدماء عن ابن أبي طيّ وكتبه.
أقدم من كتب عن حياة ابن أبي طيّ ، ياقوت الحموي ، المتوفّى سنة 626 هـ في حلب ، وأوردها عنه في معجم الأُدباء ، إلاّ أنّها ساقطة من طبعات الكتاب الموجودة ؛ إذ كان قد التقاه في حلب سنة 619 هـ ، وأخذ تاريخ حياته منه مباشرة ، وقد حكم الحموي ـ المتّهم بأنّه ناصبي(1) ـ بقسوة على ابن أبي طيّ.
هذا ، وقد نقل ابن حجر في لسان الميزان(2) ترجمة ابن أبي طيّ عن ياقوت الحموي ، والكتبي نقل ـ بدقّة عن ياقوت أيضاً ـ في فوات الوفيات(3) القسم الثاني من ترجمة ابن أبي طيّ ، الخاصّ بمصنّفاته ، أمّا القسم الأوّل الذي يشمل شؤون حياته الشخصية فقد فات الكتبي أن ينقله ، ورغم ذلك ـ لحسن الحظ ـ حُفظ هذا القسم في مكان آخـر..
وهو ما نقله الشهيد الأوّل في بعض فوائـده ؛ إذ نقل عين ما أورده الحموي ، عن ابن أبي طيّ ، ما أخبره به عن طفولته وشؤونه الشخصية(4).
(1) وفيات الأعيان 6|126 ، لسان الميزان 7|362.
(2) لسان الميزان 7|409.
(3) فوات الوفيات1فوات الوفيات ، 3 4|072 ـ 172.
(4) وذلك في المجموعة المعروفة باسم « مجموعة الجباعي » ؛ وقد نقل العلاّمة السيّد محسن الأمين نصّ هذه الترجمة عن تلك المجموعة في أعيان الشيعة 10|286.
(109)
ووقع هذا النصّ بيد عبـدالله أفندي ، فنقله في رياض العلماء ، مشتبهاً بأنّ الشهيد الأوّل قد نقله عن معجم البلدان ، بينما هو منقولاً عن معجم الأُدباء..
فما ذكره الحموي ـ بموجب نقل الشهيد الأوّل ـ هو التالي :
يحيى بن أبي طيّ أحمد ابن طائي الحلبي : أحد من يتأدّب ويتفقّه(1) على مذهب الإماميّة وأُصولهم ، وله تصانيف في أنواع العلوم..
قال : حدّثني والدي رحمه الله : كان لا يعيش لي ولد ، وكنت أُربّيهم إلى سبع أو خمس ثمّ يموتون ، ولقد بُشّرت بخمسة وعشرين ولداً فخفت(2)بهم ، وكنت أُكثر الابتهال إلى الله تعالى في أن يرزقني ولداً ويمنّ علَيّ بحياته.
ثمّ ماتت الزوجة فرأيت في النوم كأنّني قد دخلت إلى مسجد عظيم ، فيه جماعة أعرفهم من الحلبيّـين ، فسلّمت عليهم ، فقام إليّ رجل منهم ، فأخذ بيدي ، ثمّ أجلسني في زاوية من زوايا المسجد وناولني ريحانة لم أرَ أذكى ريحاً منها ، فلمّا حصلت الريحانة في يدي إذا هي قد أظهرت ورداً ، فجعلت أتعجّب من حسنه وذكاء رائحته ، فذبلت منه وردة وسقطت فحزنت لها ، فقال لي الرجل : ليهنئك أن لن تفقد غيرها.
فقلت للرجل : من أنت أسعدك الله ؟!
فقال : سالم.
فاستيقظت وأنا فرح ، فعبّرت المنام ، فقلت : الريحانة : زوجة صالحة ، والورد الذي لها : أولاد ، والوردة التي ذهبت : ابني وأفقد أحدهم ،
(1) في الأعيان : تأدّب وتفقّه.
(2) في الأعيان : فجعت. والظاهر أنّها أصحّ.
(110)
واسم الرجل سالم : بشارة بسلامة الأولاد الذي يأتوني في ما بعد.
وفي تلك الأيّام تزوّجت ابنة الفقيد المغربي أبي منصور محمّـد بن أبي عبـدالله البختري الطائي ، ورُزِقْتُ منها ولداً سمّيته عليّاً ، فعمّر سنة وأيّاماً ثمّ مات ، فعظم به مصابي ويئست من الولد ، ثمّ لم يبعد الزمان حتّى تبيّن لي حمل الزوجة ، فأشفقت من ذلك واهتممت(1) ، ولازمت الدعاء في كلّ صلاة ، وكان قد بلغني أنّه إذا أراد الإنسان طلب الولد ، قال في جوف الليل في دعاء الوتر قبل الركوع :
« ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ، ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّـبة ، إنّك سميع الدعاء..
اللّهمّ لا تذرني فرداً وحيداً مستوحشاً فيقصر شكري عند تفكّري ، بل هب لي من لدنك ديناً(2) ، وعقباً ذكوراً وإناثاً ، أسكن إليهم في الوحشة ، وآنس بهم في الوحدة ، وأشكرك عند تمام النعمة..
يا وهاب! يا عزيز! يا عظيم! اعطني في كلّ عافية منّاً منك ، وارزقني خيراً حتّى أنال منهم(3) رضاك عنّي في صدق الحديث ، وشكر النعمة ، والوفاء بالعهد ، إنّك على كلّ شيء قدير ».
وكنت أُلازم ذلك ، فلمّا كان أوائل شوّال ، رأيت بعد أن صلّيت وِرْدي ـ وكنت يومـئذٍ أنام تحت السماء مـن القيـظ(4) ـ كأنّ إنساناً خرج مـن الحائط ، حتّـى وقف من خلفي من جهة الشمال ، ثمّ استفتح فقرأ :
(1) في الأعيان : فاغتممت.
(2) في الأعيان : أنيساً. والظاهر أنّها أصحّ.
(3) في الأعيان : منتهى. والظاهر أنّها أصحّ.
(4) في الأعيان : السماء لزمن القيظ.
|