العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 62  > تشـييد المـراجَعـات وتفنيد المكابَـرات  >

تشـييد المـراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات
(17)

السيّد عليّ الحسيني الميلاني


قوله تعالى : (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة
المسـجد . . .)
(1) .


قال السـيّد :
«وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى : (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين)» .


قال في الهامش :
«نزلت هذه الآية في عليٍّ وعمّه العبّـاس وطلحة بن شيبة؛ وذلك أنّهم افتخروا فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، بيدي مفاتيحه وإليَّ ثيابه .



(1) سورة التوبة 9 : 19 .


(8)
وقال العبّـاس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . وقال عليٌّ : ما أدري ما تقولان! لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد . فأنزل الله تعالى هذه الآية .
هذا ما نقله الاِمام الواحدي في معنى الآية في كتاب أسباب النزول ، عن كلٍّ من الحسن البصري والشعبي والقرطبي(1) .
ونقل عن ابن سيرين ومرّة الهمداني أنّ عليّـاً قال للعبّـاس : ألا تهاجر؟! ألا تلحق بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟! فقال : ألستُ في أفضل من الهجرة ؟! ألستُ أسقي حاجّ بيت الله وأعمر المسجد الحرام ؟! فنزلت الآية .



قيـل :
«إنّ أمر هذا المؤلّف من أعجب العجب ، كانت الاَمانة العلميّة تقتضيه أن يشير ـ مجرّد إشارة ـ إلى الرواية الاَُولى عند الواحدي في سبب نزول هذه الآية ، لكنّه لم يفعل! إذ وجدها تنقض استشهاده .
فقد روى مسلم في صحيحه 13|26 من حديث النعمان بن بشير ، قال : كنت عند منبر رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم فقال رجل : ما أُبالي أنْ لا أعمل عملاً بعد الاِسلام إلاّ أنْ أسقي الحاجّ .
وقال الآخر : ما أُبالي أنْ لا أعمل عملاً بعد الاِسلام إلاّ أنْ أعمر المسجد الحرام .
وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل ممّا قلتم .



(1) هذا خطأ مطبعي ، والصحيح هو : القرظي ، وهو محمّـد بن كعب .


(9)
فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وهو يوم الجمعة ، ولكنّي إذا صلّيت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول الله في ما اختلفتم فيه؛ فنزلت هذه الآية .
الطبري 14|169 ومسلم 13|26 ، وأورده السيوطي في الدرّ 3|218 وزاد نسبته لاَبي داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه .
وهكذا ، ترك المؤلّف الرواية الصحيحة المسندة ، وعمد إلى الروايات الاَُخرى التي لا سند لها وبعضها مرسل ، وكلّها تسقط أمام الرواية الاَُولى الصحيحة ، واستشهد بها ، على أنّ في متن بعضها ما يشهد بعدم صحّتها ، فطلحة الذي يشير إليه المؤلّف لم يسلم وإنّما الذي أسلم هو عثمان بن طلحة» .


أقـول :
أوّلاً : إنّ مقصود السـيّد ـ رحمه الله ـ في هذه المراجعة المطوّلة التي تصلح لاَنْ تكون كتاباً مستقّلاً ـ هو إثبات إمامة أميـر المؤمنيـن عليه السـلام بعد رسـول الله صـلّى الله عليـه وآلـه وسـلّم بلا فصل ، من القرآن الكريم ، على ضوء روايات الفريقين وأقوال العلماء من الطرفين؛ لاَنّ المتّفق عليه أَوْلى بالقبول في مقام البحث ، والحديث الذي استـشهد به من هذا القبيل ، ورواته من أعلام القوم كثيرون كما سـيأتي .
وأمّا الحديث الذي ذكره هذا المفتري فهو ممّا تفرّدوا به ، ولا يجوز لهم الاحتجاج به علينا بحسب قواعد المناظرة ، كما صرّح به غير واحدٍ من


(10)
أعلامهم كالحافظ ابن حزم الاَندلسي(1) .
     وثانياً : إنّ الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره ، ليس فيه ذِكر لاسم أحدٍ ، فهو «قال رجل» و «قال آخر» و «قال آخر» ، أمّا الحديث الذي استدلّ به السـيّد ففيه أسماء القائلين بصراحةٍ ، فنقول :
1 ـ أيّ فائدةٍ في هذا الحديث في مقام المفاضلة بين الاَشخاص؟!
2 ـ وأيّ مناقضة بين هذا الحديث وبين الحديث الذي استشهد به السـيّد؟!
3 ـ بل إنّ الحديث الذي استند إليه السـيّد يصلح لاَنْ يكون مفسّراً لحديث مسلم ، الذي أبهم فيه أسماء القائلين!
وثالثاً : إنّ الحديث الذي رواه الواحدي قد أورده السيوطي في الدرّ المنثور كذلك(2) ونَسَبَه إلى :
1 ـ عبـد الرزّاق بن همّام الصنعاني ، وهو شيخ البخاري .
2 ـ أبي بكر ابن أبي شيبة ، وهو شيخ البخاري .
3 ـ محمّـد بن جرير الطبري .
4 ـ ابن أبي حاتم .
5 ـ ابن المنذر .
6 ـ ابن عساكر الدمشقي .
7 ـ أبي نعيم الاَصبهاني .
8 ـ أبي الشيخ الاَصبهاني .



(1) الفصل في الاَهواء والنحل 4|159 .
(2) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 3|218 .



(11)
9 ـ ابن مردويه .
فهؤلاء الاَئمّة الاَعلام من المحدّثين . . . يروون هذه الرواية ، وبهم الكفايـة!
     ورابعاً : لقد ذكر المفسّرون الكبار من أهل السُـنّة هذا الحديث بذيل الآية المباركة ، بل إنّ بعضهم قدّمه في الذِكر على غيره من الاَخبـار والاَقوال : * قال الحافظ ابن كثير ـ وهو الذي يعتمد عليه أتباع ابن تيميّة ـ : «قال عبـد الرزّاق : أخبرنا ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن الشعبي ، قال : نزلت في عليٍّ والعبّـاس رضي الله عنهما بما تكلّما في ذلك .
وقال ابن جرير : حدّثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي صخر ، قال : سمعت محمّـد بن كعب القرظي يقول : افتخر طلحـة بن شـيبة مـن بنـي عبـد الدار وعبّـاس بن عبـد المطّلب وعليّ بن أبي طالب . . .
وهكذا قال السدّي إلاّ أنّه قال : افتخر عليّ والعبّـاس وشيبة بن عثمان؛ وذكر نحوه .
وقال عبـد الرزّاق : أخبرنا معمر ، عن عمرو ، عن الحسن ، قال : نزلت في عليٍّ وعبّـاس وشيبة ، تكلّموا في ذلك . . .
ورواه محمّـد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن؛ فذكر نحوه» .
وهنا أورد ابن كثير الحديث الآخر ووصفه بـ «المرفوع» فقال : «وقد ورد في تفسير هذه الآيـة حـديث مرفـوع ، فلا بُـدّ من ذِكـره هنا ، قـال عبـد الرزّاق : أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن النعمان بن


(12)
بشـير . . . »(1) .


أقـول :
فأمر هؤلاء المفترين من أعجب العجب! كيف يُعرضون عن الحديث المعتبر ، المروي من طرقهم بالاَسانيد الكثيرة ، المتّفق عليه بين المسلمين ، الواضح في دلالته ، الصريح في معناه ، ويذكرون في مقابله حديثاً مبهماً في معناه ، تفرّد به بعضهم ، ولم يعبأ به جُلّهم ، ثمّ يتّهمون علماء الطائفة المحقّة بعدم الاَمانة العلمية؟!
إنّهم طالما يستندون إلى روايات ابن كثيرٍ وأمثاله ، أمّا في مثل هذا المقام فلا يعبأون بذلك ولا يرجعون إليه!!
إنّهم ينقلون ذلك الحديث عن الدرّ المنثور ويذكرون نسبته إلى من رواه من المحدّثين ، ولا يشيرون ـ ولا مجرّد إشارة ـ إلى وجود الحديث الذي رواه السـيّد عن الواحدي في الدرّ المنثور عن عدّةٍ كبيرة من أئمّتهم!!
* وقال القرطبي : «وظاهر هذه الآية أنّها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ، كما ذكره السدّي ، قال : افتخر عبّـاس بالسقاية ، وشيبة بالعمارة ، وعليٌّ بالاِسلام والجهاد ، فصدّق الله عليّـاً وكذّبهما . . وهذا بيّن لا غبار عليه» .
ثمّ إنّه تعرض لحديث مسلم ، وذكر فيه إشكالاً ، وحاول دفعه بناءً على وقوع التسامح في لفظ الحديث من بعض الرواة ، فراجعه(2) .



(1) تفسير القرآن العظيم 2|296 .
(2) تفسير القرطبي 8|92 .



(13)



أقـول :
وبذلك يظهر أنّ في حديث مسلم إشكالاً في المعنى والدلالة أيضاً!
* وقال الآلوسي بتفسير الآية والمقصود بالخطاب في (أجعلتم) : «الخطاب إمّا للمشركين على طريقة الالتفات ، واختاره أكثر المحقّقين . . . وإمّا لبعض المؤمنين المؤثِرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد ، واستُدِلّ له بما أخرجه مسلم . . . وبما روي من طرق أنّ الآية نزلت في عليٍّ كرّم الله وجهه والعبّـاس . . . وأيّد هذا القول بأنّه المناسب للاكتفاء في الردّ عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله تعالى للفريق الثاني . . . »(1) .

أقـول :
ومن هذا الكلام يُفهم :
1 ـ أنْ لا تعارض بين حديث مسلم وحديثنا ، كما أشرنا من قبل .
2 ـ إنّ لحديثنا طُرُقاً لا طريق واحد ، واعترف به الشوكاني أيضاً(2) .
3 ـ إنّه كان بعض المؤمنين يؤثِر السقاية والعمارة على الهجرة والجهاد! فجاءت الآية لتردّ عليهم قولهم ، بأنّ الفضل للهجرة والجهاد دون غيرهما .


وتلخّـص :
إنّ حديثنا معتبر سنداً ، وهو عندهم بطرقٍ ، في أوثق مصادرهم في



(1) روح المعاني 10|67 .
(2) فتح القدير 2|346 .



(14)
الحديث والتفسير ، ودلالته على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام من سائر الصحابة واضحة؛ لاَنّ الاِمام قد استدلّ لاَفضليّته بما يقتضي الفضل على جميع الاَُمّة ، وقد صدّق الله سبحانه عليّـاً عليه السلام في ما قاله ، وإذا كان هو الاَفضل فهو الاََوْلى بالاِمامة والولاية العامّة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وأمّا الحديث الوارد في كتاب مسلم فلا يعارض الحديث المذكور ، على إنّه متفرَّد به ، ومخدوش سنداً ودلالةً باعتراف أئمّتهم!


(15)
قوله تعالى : (ومن الناس من يشري نفسه . . .)(1) .

قال السـيّد :
«وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى : (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) وقال : (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّـاً في التوراة والاِنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين)» .


قال في الهامش :
«أخرج الحاكم في الصفحة 4 من الجزء 3 من المستدرك عن ابن عبّـاس ، قال : شرى عليٌّ نفسه ولبس ثوب النبيّ . . الحديث؛ وقد صرّح الحاكم بصحّته على شرط الشيخين وإنْ لم يخرجاه ، واعترف بذلك الذهبي في تلخيص المستدرك .
وأخرج الحاكم في الصفحة المذكورة أيضاً عن عليّ بن الحسين ، قال : إنّ أوّل من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب ، إذ بات



(1) سورة البقرة 2 : 207 .


(16)
على فراش رسول الله . ثمّ نقل أبياتاً لعليٍّ أوّلها :
وقيتُ بنفسي خيرَ من وطئ الحصا ومن طافَ بالبيت العتيق وبالحجر»


فقيـل :
«هذه الآية من سورة البقرة ، وهي مدنيّة بالاتّفاق . وقيل : نزلت لمّا هاجر صهيب وطلبه المشركون ، فأعطاهم ماله وأتى المدينة ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : ربح البيع أبا يحيى .
على إنّ عليّـاً رضي الله عنه ممّن شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ، ليس في ذلك شكّ» .


أقـول :
إنّه لا مناص للمتعصّبين من القوم من الالتزام بصحّة ما وافق الذهبيُّ الحاكمَ النيسابوري في تصحيحه؛ لاَنّ ما يصحّحه الذهبي ـ على شدّة تعصّبه ـ لا يمكنهم التكلّم فيه أبداً!
فإلى هذه الآية ونزولها في هذه القضيّة أشار ابن عبّـاس في قوله في حديث المناقب العشر ، التي اختصّ بها أمير المؤمنين عليه السلام : «وشرى عليٌّ نفسه ، لبس ثوب النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ونام مكانه . . . »(1) .



(1) هـذا الحـديث من أصـحّ الاَحاديث وأثبتـها كما نـصّ عليه كبار الحفّاظ ، كابن عبـد البرّ في الاستيعاب ، والمزّي في تهذيب الكمال ، وأخرجه أبو داود الطيالسي والنسائي وأحمد وكبار الاَئمّة الاَعلام . . ولنا فيه رسالة مستقلّة مطبوعة في ملحقات كتابنا الكبير نفحات الاَزهار في خلاصـة عبقات الاَنوار .


(17)
هـذا ، ولا ينافي ذلك كون سورة البقرة مدنيّة .
ودلالة الآية المباركة بضميمة الحديث الصحيح على أفضلية الاِمام عليه السلام واضحة ، والاَفضل هو الاِمام بالاتّفاق .


(18)

قوله تعالى : (الّذين ينفقون أموالهم بالليل
والنهار . . .)(1)
.


قال السـيّد :
«(الّذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)» .


قال في الهامش :
«أخرج المحدّثون والمفسّرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول بأسانيدهم إلى ابن عبّـاس في قوله تعالى : (الّذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً) قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب ، كان عنده أربعة دراهم ، فأنفق بالليل واحداً وبالنهار واحداً وفي السرّ واحداً وفي العلانية واحداً . . فنزلت الآية .
أخرجه الاِمام الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى ابن عبّـاس . وأخرجه أيضاً عن مجاهد ، ثمّ نقله عن الكلبي مع زيادة فيه» .


فقيـل :
«هذه الرواية كذب على ابن عبّـاس ، وهي من رواية عبـد الوهّاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس .



(1) سورة البقرة 2 : 274 .


(19)
وعبـد الوهّاب بن مجاهد ، كذّبه سفيان الثوري ، وقال أحمد : ليس بشيء ضعيف الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ولا يُكتب حديثه ، وقال وكيع : كانوا يقولون إنّه لم يسمع من أبيه ، وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يُرغب عن الرواية عنهم ، وقال الحاكم : روى أحاديث موضوعة ، وقال ابن الجوزي : أجمعوا على ترك حديثه .
وكذلك هي رواية عن الكلبي .
راجع الحاشية رقم 13 .
ومع إنّ الواحدي سبق وذكر في هذه الآية أربع روايات تخالف ما ذهب إليه المؤلّف ، إلاّ أنّه اختار ما لم يصحّ لاَنّه يؤيّد مذهبه؛ فتأمّل سلامة منهجـه . وقـد علّـق شيـخ الاِسلام ابن تيميّة في ردّه على ابن المطـهّر في هـذه الآية بقوله : «لكن هذه التفاسير الباطلة يقول مثلها كثير من الجهّـال . . . » .


أقـول :
قال الحافظ السيوطي في الدرّ المنثور بتفسير هذه الآية :
«وأخرج عبـد الرزّاق ، وعبـد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن عساكر ، من طريق عبـد الوهّاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس ، في قوله : (الّذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً) قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب ، كانت له أربعة دراهم ، فأنفق بالليل درهماً وبالنهار درهماً وسرّاً درهماً وعلانيةً


(20)
درهماً»(1) .
فمن رواة هذا الخبر :
1 ـ عبـد الرزّاق بن همّام الصنعاني ، وهو شيخ البخاري .
2 ـ عبـد بن حميد ، وهو صاحب المسند المعروف .
3 ـ ابن المنذر ، وهو المفسّر الكبير .
4 ـ ابن أبي حاتم ، صاحب التفسـير وغيره من الكتب المعتمدة .
5 ـ الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة .
6 ـ ابن عساكر ، حافظ الشام .
فقد أورد السيوطي هذا الحديث بذيل الآية المذكورة ، ونسبه إلى هؤلاء الاَعلام ، وهم يروونه عن عبـد الوهّاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس . ورواه الحافظ ابن الاَثير بإسناده عن «عبـد الرزّاق ، حدّثنا عبد الوهّاب ابن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس . . . (ثم قال) :
ورواه عفّان بن مسلم ، عن وهيب ، عن أيّوب ، عن مجاهد ، عن ابن عبّـاس؛ مثله»(2) .
* ووردت الرواية في :
     1 ـ تفسير القرطبي : «عن عبـد الرزّاق : أخبرنا عبـد الوهّاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس ، أنّه قال : نزلت في عليّ . . . »(3) .
     2 ـ تفسير البغوي : «روي عن مجاهد ، عن ابن عبّـاس رضي الله



(1) الدرّ المنثور 1|363 .
(2) أُسد الغابة 4|99 .
(3) تفسير القرطبي 3|347 .



(21)
عنهما . . . »(1) .
3 ـ تفسير ابن كثير : «قال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو سعيد الاَشجّ ، أخبرنا يحيى بن يمانة ، عن عبـد الوهّاب بن مجاهد بن جبر ، عن أبيه ، قال : كان لعليٍّ أربعة دراهم . . .
وكذا رواه ابن جرير ، من طريق عبـد الوهّاب بن مجاهد ، وهو ضعيف .
لكن رواه ابن مردويه من وجهٍ آخر عن ابن عبّـاس أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب»(2) .
4 ـ تفسير الشوكاني : «وأخرج عبـد الرزّاق وعبـد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطـبراني وابن عسـاكر ، من طريـق عبـد الوهّاب بن مجـاهد ، عن أبيه ، عن ابن عبّـاس ، في هذه الآية . . . وعبـد الوهّاب ضعيف ، ولكنْ قد رواه ابن مردويه من وجهٍ آخر عن ابن عبّـاس»(3) .
5 ـ تفسير الآلوسي : «واختُلف في من نزلت ، فأخرج عبـد الرزّاق وابن المنذر ، عن ابن عبّـاس رضي الله تعالى عنهما أنّها نزلت في عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه . . .
وفي رواية الكلبي : فقال له رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : ما حملك على هذا؟ قال : حملني أنْ أستوجب على الله تعالى الذي وعدني؛ فقال له رسول الله صلّى الله تعالى عليه [وآله] وسلّم : ألا إنّ ذلك



(1) تفسير البغوي 1|396 .
(2) تفسير القرآن العظيم 1|281 .
(3) فتح القدير 1|294 .



(22)
لـك»(1) .


وتلخّـص :
1 ـ إنّ الحقّ مع السـيّد في قوله : «أخرج المحدّثون والمفسّرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول»؛ فإنْ كان هؤلاء الاَئمّة الاَعلام ، والحفّاظ الثقات ، كاذبين على ابن عبّـاس ، فما ذنبنا؟!
وإنْ كانت تفاسيرهم باطلةً ، وهم جهّال ، فما ذنبنا؟!
2 ـ لكنّ الحديث بالسند المذكور ليس بكذبٍ ، وإلاّ لم يورده ابن أبي حاتم في تفسيره الذي نصَّ ابن تيميّة على خلوّه من الاَكاذيب(2) .
وهذا أحد مواضع تناقضات ابن تيميّة في منهاجه ، وما أكثرها!!
3 ـ على إنّه لو كان الاِسناد المذكور ضعيفاً ، فقد روي عن ابن عبّـاس بغير هذا الاِسناد ، وقد تقدّم عن أُسد الغابة ، كما تقدّم التصريح بذلك من ابن كثير والشوكاني؛ فهل جهل به ابن تيميّة ومقلّدوه ، أو تجاهلوه عناداً وكتموه؟!!


تـنبـيـه :
قال بعض الكذّابين : «إنّ الآية نزلت في أبي بكر «حين تصدّق بأربعين ألف دينار! عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة في السرّ وعشرة في العلانية!» .



(1) روح المعاني 3|48 .
(2) منهاج السُـنّة 7|13 .



(23)
أورده النسفي(1) ، والخطيب الشربيني(2) .
وتعرّض له الآلوسي فقال : «وقال بعضهم : إنّها نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه ، تصدّق بأربعين ألف . . . وتعقّبه الاِمام السيوطي بأنّ حديث تصدّقه بأربعين ألف دينار رواه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وخبر أنّ الآية نزلت فيه لم أقف عليـه . . . »(3) .


أقـول :
وياليته وضع لا على لسان ابنته عائشة!!
ولرّبما كان واضعه جاهلاً بمقدار الاَربعين ألف دينار!!
ولعلّه كان يرى أنّ هذه إحدى تصدّقات أبي بكر!!
ثمّ جاء أئمّة القوم يذكرون في البحوث الكلاميّة أنّ أبا بكر كان «ضعيف الحال ، عديم المال»(4)!!



(1) تفسير النسفي ـ على هامش الخازن ـ 1 | 201 .
(2) تفسير السراج المنير 1 | 183 .
(3) روح المعاني 3 | 48 .
(4) شرح المقاصد 5 | 260 .




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007