|
|
 |
| العدد 61 >
عدالة الصحابة > |
عدالة الصحابة
(4)
الشيخ محمّد السند
حال المسلمين في أُحـد
قال تعالى في سورة آل عمران : (ولقد صدقكم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الاَمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أُخراكم فأثابكم غمّاً بغمّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثمّ أنزل عليكم من بعد الغمّ أَمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمّتهم أنفسُهم يظنّون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية يقولون هل لنا من الاَمر من شيء قل إنّ الاَمر كلّه لله يخفون في أنفسهم ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الاَمر شيء ما قُتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الّذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتليَ الله ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم والله عليم بذات
(55)
الصدور * إنّ الّذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسَبوا ولقد عفا الله عنهم إنّ الله غفور حليم) (1) .
وقال تعالى : (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطيّب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء فآمِنوا بالله ورسله وإنْ تؤمنوا وتتّقوا فلكم أجر عظيم) (2) .
وقال تعالى : (وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) (3) .
فهذه الآيات ترسم لنا وتقسّم من كان في ركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، بأنّ بعضهم كان يريد الدنيا وبعضهم الآخر يريد الآخرة ، وأنّه وقع من كثير من المسلمين فرار بعدما شاهدوا النصر باستزلال الشيطان لهم بسبب بعض الاَعمال السيّئة السابقة ، وأنّ طائفة منهم يظنّون بالله ظنّ الجاهلية ويخفون ذلك في قلوبهم ، وأنّ من صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في القتال منهم الطيّب ومنهم الخبيث ، وأنّ وقعة أُحد كانت للتمييز بينهما .
وهذا خلاف رأي من يدّعي التعميم والمساواة في مَن صحب ولازم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أنّ التمييز وقع في مَن كان من المسلمين أُحُديّ!
ومن ذلك يتبيّن أنّ التوصيف بكون الشخص بدرياً أو أُحدياً إنّما يكون منقبة إذا كان من الفئة المؤمنة ، لا ما إذا كان من الفئات الاَُخرى ،
(1) سورة آل عمران 3 : 152 ـ 155 .
(2) سورة آل عمران 3 : 179 .
(3) سورة آل عمران 3 : 144 .
(56)
فليس كلّ بدري أو أُحدي هو من الفئة المؤمنة الممدوحة ، بل بعضهم من الفئات المذمومة في سورتَي الاَنفال وآل عمران .
ثمّ إنّ السورة تحذّر ـ أيضاً ـ من وقوع انقلابٍ من المسلمين على الاَعقاب برحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي كتب السير أنّ جماعة من المسلمين لمّا شاهدوا الهزيمة وظنّوا أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل ، لاذوا بالفرار وصعدوا الجبل ، واجتمعوا حول صخرة ـ عرفوا بعد ذلك بجماعة الصخرة ـ وقالوا : إنّا على دين الآباء (1) ؛ كي يكون ذلك شافعاً لهم عند قريش ، وفي ما سُطر في السير ما يلوح أنّهم ممّن يُعدّون من أعيان القوم ووجوههم .
والمتأمّل للسور الحاكية للغزوات ـ كما تقدّم في سورة الاَحزاب عن غزوة الخندق ، وسورة التوبة عن غزوة تبوك وحنين وغيرهما ـ يجدها ناطقة بلسان التمييز والتقسيم والتصنيف لمن صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشارك في القتال ، وأنّ هناك الفئة الصالحة الثابتة المؤمنة ، وهناك الطالحة وأصناف أهل النفاق ومحترفيه الّذين في قلوبهم مرض .
* أمّا الآية السابعة :
فهي قوله تعالى : (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) (2) . .
وقوله تعالى : (كنتم خير أُمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (3) . .
(1) انظر مثلاً : السيرة الحلبية 2 | 504 ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ 3 | 44 .
(2) سورة البقرة 2 : 143 .
(3) سورة آل عمران 3 : 110 .
(57)
وقوله تعالى :(ومن يشاقق الرسول من بعدما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونُصْلِه جهنّم وساءت مصيراً) (1) .
وهذه الآيات ـ وما هو من قبيلها ـ يُستدلّ بها عندهم على حجّيّة إجماع الاَُمّة ، أو حجّيّة إجماع الصحابة ، بتقريب أنّهم أوّل المصاديق لهذا العنوان ، ونحو ذلك ، وللوصول إلى المعنى ومفاده في حدود ظهور ألفاظ الآيات لا بُـدّ من الالتفات إلى النقاط التالية :
الاَُولى : إنّ الآية الثانية المذكورة آنفاً قد ورد عن أهل البيـت عليهم السلام أنّ أحد وجوه قراءتها أنّها بلفظ (أئمّة) (2) ـ جمع إمام ـ لا (أُمّة) ؛ ويعضد هذه القراءة النقاط اللاحقة .
الثانية : إنّ لفظة (أُمّة) هي من الاَلفاظ التي تستعمل في الجماعة كما تستعمل في المجموع ، بل تستعمل في الفرد ، كقوله تعالى : (إنّ إبراهيم كان أُمّة قانتاً لله حنيفاً) (3) . .
وكقوله تعالى : (ربّنا واجعلنا مسلمَين لك ومن ذرّيّتنا أُمّة مسلمة لـك) (4) . .
و كقوله تعالى : (منهم أُمّة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) (5) . .
(1) سورة النساء 4 : 115 .
(2) انظر : تفسير القمّي 1 | 118 ، تفسير العيّاشي 1 | 219 ح 129 ، تفسير الصافي 1 | 370 ـ 371 ح 110 .
(3) سورة النحل 16 : 120 .
(4) سورة البقرة 2 : 128 .
(5) سورة المائدة 5 : 66 .
(58)
وكقوله تعالى : (ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلـون) (1) . .
وكقوله تعالى :(وإذ قالت أُمّة منهم لِمَ تعظون . . .) (2) . .
وكقوله تعالى : (وممّن خلقنا أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعـدلون) (3) . .
وكقوله تعالى : (ولمّا ورد ماء مَدين وجد عليه أُمّة من الناس يسـقون) (4) . .
والذي يظهر أنّ المعنى المستعمل فيه للّفظة ها هنا هو بمعنى الجماعة لا المجموع ، وهو أنّ هذه الاَُمّة الوسط تكون شاهدة على جميع الناس ، والرسول شاهد عليها .
ومن البيّن أنّ هذا المقام لا يتشرّف به مجموع الاَُمّة أو جميع أهل القِبلة من الموحّدين ، فهل يجوز أن تقبل شهادة من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر أو على صرّة من بقل ، فيطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الاَُمم الماضية ؟ ! ! كما أشار إلى ذلك الاِمامان الباقر والصادق عليهما السلام (5) . .
لا ريب أنّ الله لم يعنِ مثل هذا ، بل المراد جماعة خاصة لهم هذا المقام والشأن ، وهم الّذين قال تعالى عنهم : (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولُه والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّئكم
(1) سورة الاَعراف 7 : 159 .
(2) سورة الاَعراف 7 : 164 .
(3) سورة الاَعراف 7 : 181 .
(4) سورة القصص 28 : 23 .
(5) انظر الهامش رقم 2 من الصفحة السابقة .
(59)
بما كنتم تعملون) (1) ، فإنّ سنخ اطّلاع هؤلاء على الاَعمال وشهادتهم لها لدُنّيّة من الله تعالى ، كما إنّ مقتضى ما يعطيه لفظ « الوسط » بقولٍ مطلق هو الوسطية في الصفات والفضائل لا الاِفراط ولا التفريط ، فهم النقباء . .
كما إنّ الآية السابقة ـ للآية الثانية المذكورة من سورة آل عمران ـ وهي قوله تعالى :(ولتكن منكم أُمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون) (2) ، فهذه الاَُمّة الداعية إلى الخير ، والآمرة بالمعروف ، والناهية عن المنكر ، على صعيد الحكم والاِمامة هي جزء من مجموع المسلمين ، لا كلّ المجموع . .
كما إنّ لفظة (أُخرجتْ للناس) تعطي مفهوم خروجها من الاَصلاب ، وفيه إشارة إلى دعوة إبراهيم عليه السلام حين قال :(ربّنا واجعلنا مسلمَين لك ومن ذرّيّتنا أُمّة مسلمة لك) (3) وذلك بعدما حكى الله عنه ما قاله في قوله تعالى : (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمّهنّ قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (4) .
وكما قال تعالى : (وإذ قال إبراهيم لاَبيه وقومه إنّني بَراء ممّا تعبدون * إلاّ الذي فطرني فإنّه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون) (5) أي جعل التوحيد والعصمة من الشرك كلمة باقية في عقب إبراهيم من نسل إسماعيل ، فكان تقلّب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الاَصلاب
(1) سورة التوبة 9 : 105 .
(2) سورة آل عمران 3 : 104 .
(3) سورة البقرة 2 : 128 .
(4) سورة البقرة 2 : 124 .
(5) سورة الزخرف 43 : 26 ـ 28 .
(60)
والاَجداد الطاهرين من الشرك والوثنية ، قال تعالى : (الذي يراك حين تقوم * وتقلّبك في الساجدين) (1) .
فمن ذلك كلّه يتبيّن أنّ الاَُمّة المقصودة من الآيتين هي ثلّة من مجموع المسلمين لهم تلك المواصفات الخاصة التي تؤهّلهم إلى ذلك المقام .
وكيف يتوهّم أنّ مجموع من أسلم بالشهادتين هو المراد ؟ ! والحال أنّ سورة آل عمران ـ كما قدّمنا ـ تصنّف من شهد معركة أُحد ـ فضلاً عن غيرهم ـ إلى فئات صالحة وطالحة ، وكذا ما في بقية السور التي استعرضناها ، وغيرها ، إذ إنّ فيها الذمّ والوعيد الشديد لاَلوان من الفئات الطالحة ممّن أظهرت الاِسلام على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وأمّا الآية الثالثة المذكورة ، فهي تجعل الميزان طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعـدم مشـاقـقـته ، وعـدم الـردّ عليه ، كما في قوله تعـالى : (فلا وربّـك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً) (2) . .
والحال أنّ بعض وجوه من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ردّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمره ، بأنّه غلبه الوجع ، أو : إنّه ـ والعياذ بالله ـ يهجر؛ وذلك عندما طلب الدواة والكتف من أجل كتابة كتاب لئلاّ تضلّ أُمّته من بعده لو تمسّكت به ، والله تعالى يقول : (ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى* إن هو إلاّ وحي يوحى * علّمه شديد القوى) (3) ،
(1) سورة الشعراء 26 : 218 و 219 .
(2) سورة النساء 4 : 65 .
(3) سورة النجم 53 : 2 ـ 5 .
(61)
وقال تعالى : (إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس) (1) !!
وذلك على عكس ما حدث عند موت أبي بكر ، فإنّ أبا بكر أراد عند موته أن يوصي ، فذكر بعض الكلمات فأُغمي عليه ، فأضاف عثمان اسم عمر كخليفة لاَبي بكر ، ولمّا أفاق أبو بكر أمضى ما كتبه عثمان! فتثبيت اسم عمر لم يعدّوه هجراً من مثل أبي بكر!!
كما إنّهم أخذوا بكلام عمر ـ وهو في مرض موته ـ في تسمية أعضاء الشورى!!
أليس ذلك ردّاً ومعصية وشقاقاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى :(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (2) ، وقال :(ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّـقه فأُولـئك هم الفائزون) (3) .
وكذا تخلّفهم عن جيش أُسامة ، وكذا في صلح الحديبية ، وغيرها من الموارد .
ثمّ إنّ الآية تقيّد بقيد آخر وهو اتّباع سبيل المؤمنين ، وقد بيّنت سورة الاَنفال أنّ في البدريّين ومن شهد مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الغزوة الاَُولى فئات ثلاث ، هي : فئة مؤمنة ، وفئة منافقة ، وفئة الّذين في قلوبهم مرض ، وهم محترفو النفاق! فلاحظ ما تقدّم .
وكذا بيّنت سورة آل عمران أنّ من شهد معركة أُحد لم يكونوا
(1) سورة النساء 4 : 105 .
(2) سورة الاَحزاب 33 : 36 .
(3) سورة النور 24 : 52 .
(62)
متساوين في الصلاح ، بل إنّ بعضهم طالح يريد الدنيا ، ويظنّ بالله ظنّ الجاهلية ، لا يثبت بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل ينقلب على عقبيه .
كما بيّنت ذلك غيرهما من السور المتعرّضة لبقية الحروب والغزوات كما قـدّمنا الاِشارة إلى ذلك .
فالفئـة المؤمنـة المخاطبـة في الموارد العـديدة ـ بوصـف « الهجـرة » و « النصرة » كمنقبتين ، وبوصف « الهداية » ، وغيرها من الفضائل ـ ، هذه الفئة هي فئة معيّنة خاصة ، لا عامة لكلّ من أسلم في الظاهر وكان في ركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب أو السلم . .
ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة التحريم : (وإذ أسرّ النبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً فلمّا نبّأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيّبات وأبكاراً) (1) . .
ثمّ قال تعالى في ذيل السورة : (يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّم وبئس المصير * ضرب الله مثلاً للّذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين * وضرب الله مثلاً للّذين آمنوا امرأة فرعون . . . القوم
(1) سورة التحريم 66 : 3 ـ 5 .
(63)
الظالمين) (1) . .
فالمقارنة التي تذكرها هذه السورة بين اثنتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّهما كانتا في معرض التظاهر على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وظاهر لحن السورة أنّ الاَمر خطير استدعى هذا التهديد بالقوّة الاِلهية وخصوص صالح المؤمنيـن لا كلّ المؤمنين ، فضلاً عن كلّ المسلمين ، وعن كلّ من أسلم في الظاهر . .
فما هو سبب تخصيص صالح المؤمنين بمناصرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه المواجهة ، وكأنّها كالحرب المعلنة التي نزل ـ في هذه السورة ـ الاَمر الاِلهي بها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمجاهدة المنافقين كما يجاهد الكفّار سواء ، وكذا الاَمر بالغلظة عليهم ؟ !
وما هو سبب ذِكر صفات مَن سيبدله الله بهما وتحلاّن محلّهما ، وأنّهنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات؛ والتبديل تعويض عن مفقود ؟ !
وعلى كلّ تقدير ، فإنّ هذا التهديد بالاستنفار في الآية ، الذي هو كاستنفار الحرب والقتال ، لا ينسجم مع تفسير مورد نزول الآية بأنّه بسبب إفشاء لخبر عادي ، بل مقتضى هذه الشدّة في الوعيد أنّ الخبر بمنزلةٍ من الخطورة إلى درجة أنّه يهدّد وجودَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم !
ثمّ إنّ ذيل السورة قد أفصح فيه أنّ الزوجية للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ومقام الاَُمومة للمؤمنين ، لا يغني عنهما من الله شيئاً إذا لزمتا معصية وخيانة الرسـول صلى الله عليه وآله وسلم والائـتمار عليه ، كما هو الحال في امرأتَي النبيّـين نوح ولوط عليهما السلام ، وأنّ المدار في الفضيلة هو على التصديق والاِيمان والعمل
(1) سورة التحريم 66 : 9 ـ 11 .
(64)
الصـالح .
ويتطابق هذا المفاد مع ما في سورة الاَحزاب من مضاعفة العذاب ضعفين على المعصية ، وإنْ أطعن الله ورسوله فلهنّ الاَجر مرّتين ، وقد نزل القرآن بالاَمر بالقرار في البيوت ، وعدم التبرّج ، وبإطاعة الله ورسوله .
علماً أنّ الزوجية هي شدّة من الصحبة ، ومع ذلك فالمدار عند الله تعالى بحسب هذه السورة وبقية السور هو على الاِيمان والعمل الصالح وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ هذه الصحبة لا تغني عنهما من الله شيئاً!
فمن كلّ ذلك يتبيّن أنّ سبيل المؤمنين وصالحهم ليس هو مجموع الاَُمّة ، بل هو الفئة المؤمنة حقّـاً وواقعاً .
وهؤلاء القائلون بعدالة الصحابة ـ بالمعنى الذي تقدّم شرحه ، فإنّه يضاهي الاِمامة في الدين ، والعصمة والحجّيّة بذلك المعنى ، في الدائرة الضيّقة من جماعة السقيفة ، وبالخصوص في الاَوّل والثاني ـ هم في الوقت نفسه يلتزمون بعدم عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة ، فيجوّزون وقوع الخطأ منه ـ والعياذ بالله ـ!
ففي الوقت الذي يرفعون من مقام الاَوّلَين ، فهم يحطّون من مقام النبوّة ، فتراهم يقولون باجتهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أي قوله بالظنّ ، وأنّه قد يصيب وقد يخطئ !
كما إنّهم يلتزمون بمسألة أُخرى ، وهي جواز اجتهاد الصحابة في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، في الحضور أو الغياب!
نعم ، قد رفض هذا القول بعض منهم ، كأبي علي الجبّائي وابنه
(65)
هاشم لقوله تعالى : (وما ينطق عن الهوى) (1) (2) .
وعن ابن حزم الاَندلسي في كتاب الفصل في الملل والاَهواء والنحل ، أنّ الاَنبياء عليهم السلام غير معصومين من الخطأ ، قال تعالى : (وعصى آدمُ ربَّه فغوى) (3) وقوله : (فتاب عليه وهدى) (4) وأنّ التوبة لا تكون إلاّ من ذنب ، وهـذا وقع منـه عن قـصد إلى خـلاف ما أُمر به ، متـأوّلاً في ذلك ولا يدري أنّه عاصٍ ، بل كان ظانّاً أنّ الاَمر للندب مثلاً أو النهي لكراهة .
وقال الله لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم : (فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنُبذ بالعراء وهو مذموم) (5) أنّه غاضَبَ قومه ولم يوافق ذلك مراد الله ، فعوقب بذلك ، وإنْ كان ظانّاً أنّ هذا ليس عليه فيه شيء ، وهذا هو ما أراده الله من نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم حين نُهي عن مغاضبة قومه ، وأُمر بالصبر على أذاهم ، وأمّا إخبار الله بأنّه استحقّ الذمّ والملامة لولا النعمة التي تداركه بها للبث معاقَباً في بطن الحوت (6) .
وذهب القاضي عياض في الشفا إلى جواز اجتهاد الاَنبياء في الاَُمور الدنيويّة فقط ، مستدلاًّ بحديث تأبير النخل (7) .
وقال كمال الدين ابن همام الدين الحنفي ، المتوفّى سنة 861 هـ ، في
(1) سورة النجم 53 : 3 .
(2) فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت ـ المطبوع بذيل المستصفى 2 | 375 .
(3) سورة طه 20 : 121 .
(4) سورة طه 20 : 122 .
(5) سورة القلم 68 : 48 و 49 .
(6) انظر : الفصل 2|284 ـ 287 و 303 ـ 304 .
(7) الشفا 2 | 136 ـ 137 .
(66)
كتاب التحرير : إنّ الرسول مأمور (بالاجتهاد مطلقاً) في الاَحكام الشرعية والحروب والاَُمور الدينيّة من غير تقييد بشيء منها (1) .
وقال ابن تيميّة في غير ما يتعلّق بالتبليغ : إنّ الاَنبياء كانوا دائماً يبادرون بالتوبة والاستغفار عند الهفوة ، والقرآن شاهد عدل ، فهو لم يذكر شيئاً من ذلك عن نبيّ من الاَنبياء إلاّ مقروناً بالتوبة والاستغفار (2) .
وقال الغزّالي في المستصفى : « المختار جواز تعبّده بذلك ، لاَنّه ليس بمحالٍ في ذاته ، ولا يفضي إلى محال ومفسدة .
فإنْ قيل : المانع منه أنّه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح ، فكيف يرجم بالظنّ ؟ !
قلنا : فإذا استكشف فقيل له : حكمنا عليك أن تجتهد وأنت متعبّد به ، فهل له أن ينازع الله فيه ، أو يلزمه أن يعتقد أنّ صلاحه في ما تعبّد بـه ؟ !
فإنْ قيل : قوله نصّ قاطع يضادّ الظنّ ، والظنّ يتطرّق إليه احتمال الخطأ ، فهما متضادّان .
قلنا : إذا قيل له : ظنّك علامة الحكم ، فهو يستيقن الظنّ والحكم جميعاً فلا يحتمل الخطأ ، وكذلك اجتهاد غيره عندنا ، ويكون كظنّه صدق الشهود ، فإنّه يكون مصيباً وإنْ كان الشاهد مزوّراً في الباطن .
فإنْ قيل : فإنْ ساواه غيره في كونه مصيباً بكلّ حال فليجز لغيره أن يخالف قياسه باجتهاد نفسه!
قلنا : لو تعبّد بذلك لجاز ، ولكن دلّ الدليل من الاِجماع على تحريم
(1) راجع تيسير التحرير ـ شرح محمّـد أمين الحنفي على كتاب التحرير ـ 4 | 185 .
(2) انظر : منهاج السُـنّة 2 | 396 ـ 403 .
(67)
مخالفة اجتهاده ، كما دلّ على تحريم مخالفة الاَُمّة كافّة ، وكما دلّ على تحريم مخالفة اجتهاد الاِمام الاَعظم والحاكم؛ لاَنّ صلاح الخلق في اتّباع رأي الاِمام والحاكم وكافّة الاَُمّة ، فكذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن ذهب إلى أنّ المصيب واحد يرجح اجتهاده لكونه معصوماً عن الخطأ دون غيره .
ومنهم من جوّز عليه الخطأ ولكن لا يقرّ عليه . .
فإنّ قيل : كيف يجوز ورود التعبّد بمخالفة اجتهاده ، وذلك يناقض الاتّباع ، وينفّر عن الانقياد ؟ !
قلنا : إذا عرّفهم على لسانه بأنّ حكمهم اتّباع ظنّهم وإن خالف ظنّ النبيّ ، كان اتّباعه في امتثال ما رسمه لهم كما في القضاء بالشهود ، فإنّه لو قضى النبيّ بشهادة شخصين لم يعرف فسقهما ، فشهدا عند حاكم عرف فسقهما لم يقبلهما .
وأمّا التنفير ، فلا يحصل ، بل تكون مخالفته فيه كمخالفته في الشفاعة وفي تأبير النخل ومصالح الدنيا .
فإنّ قيل : لو قاس فرعاً على أصل أفيجوز إيراد القياس على فرعه أم لا؟ إنْ قلتم : لا؛ فمحال؛ لاَنّه صار منصوصاً عليه من جهته . . وإن قلتم : نعم؛ فكيف يجوز القياس على الفرع ؟ !
قلنا : يجوز القياس عليه وعلى كلّ فرع أجمعت الاَُمّة على إلحاقه بأصل؛ لاَنّه صار أصلاً بالاِجماع والنصّ » (1) .
نقلنا كلامه بطوله لاَنّه تلخيص لاَقوالهم في المسألتين ، ويتلخّص من كلامهم أُمور :
(1) المستصفى 2 | 355 ـ 356 القطب الرابع ، الفن الاَوّل في الاجتهاد .
(68)
الاَوّل : مساواة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لغيره من رعيّته في تجويز الاجتهاد ، وتجويز مخالفة غيره له في الاجتهاد .
الثاني : إنّ الاِجماع وإطباق كافّة الاَُمّة هو الحجّة الاَصل عندهم لاَقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، مع إنّ حجّيّة الاِجماع لديهم مستقاة من الحديث النبوي .
الثالث : تسويتهم بين الموضوعات والاَحكام الكلّـيّة ، وبين الموضوع في الاَُمور العامّة والموضوع في الاَمر الخاصّ بأحد المكلّفين ، مع إنّ الموازين المتّبعة في كلّ شقّ مختلفة عنها في الشقّ الآخر كما هو محرّر في أُصول الفقه .
وقال الغزّالي في مسألة جواز الاجتهاد في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « المختار أنّ ذلك جائز في حضرته وغيبته ، وأن يدلّ عليه بالاِذن أو السكوت؛ لاَنّه ليس في التعبّد به استحالة في ذاته ، ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة ، وإنْ أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفاً يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبّدهم بالاجتهاد؛ لعلمه بأنّه لو نصّ لهم على قاطع لبغوا وعصـوا .
فإنْ قيل : الاجتهاد مع النصّ محال ، وتعرّف الحكم بالنصّ بالوحي الصريح ممكن ، فكيف يردّهم إلى ورطة الظنّ ؟ !
قلنا : فإذا قال لهم : أُوحي إليّ أنّ حكم الله تعالى عليكم ما أدّى إليه اجتهادكم وقد تعبّدكم بالاجتهاد ، فهذا نصّ ، وقولهم : (الاجتهاد مع النصّ محال) مسلّم ، ولكن لم ينزل نصّ في الواقعة ، وإمكان النصّ لا يضادّ الاجتهاد ، وإنّما يضادّه نفس النصّ .
كيف ؟ ! وقد تعبّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالقضاء بقول الشهود حتّى قال : إنّكم
(69)
لتختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض؛ وكان يمكن نزول الوحي بالحقّ الصريح في كلّ واقعة حتّى لا يحتاج إلى رجم بالظنّ وخوف الخطأ » (1) .
ويتلخّص من كلامه :
الاَوّل : جواز التقدّم بين يدي الله ورسوله في الحكم .
الثاني : أنّ بغي الناس وطغيانهم على حكم الله تعالى يسوّغ الاجتهاد من أنفسهم دون الرجوع إلى الله ورسوله ، وهو نمط من تفويض التشريع للاَهواء (ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السموات والاَرض ومن فيهنّ) (2)(وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم) (3) (ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذاً لمن الظالمين) (4) (أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن زيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم) (5) (وإنّ كثيراً ليضلّون بأهوائهم بغير علم) (6) .
الثالث : خلطه بين الموضوعات والاَحكام الكلّـيّة وبين الموضوع في الاَُمور العامّة والموضوع في الاَمر الخاصّ بأحد المكلّفين ـ كما تقدّم ـ .
ونجم عن هذا الالتزام عندهم ما ذكره صاحب المنار ـ في معرض كلام له عن العمل بالحديث ـ : « . . . حكم عمر بن الخطّاب على أعيان الصحابة بما يخالف بعض تلك الاَحاديث ، ثمّ ما جرى عليه علماء الاَمصار
(1) المستصفى 2 | 354 ـ 355 .
(2) سورة المؤمنون 23 : 71 .
(3) سورة المائدة 5 : 49 .
(4) سورة البقرة 2 : 145 .
(5) سورة محمّـد 47 : 14 .
(6) سورة الاَنعام 6 : 119 .
(70)
في القرن الاَوّل والثاني من اكتفاء الواحد منهم ـ كأبي حنيفة ـ بما بلغه ووثق من الحديث وإنْ قلّ ، وعدم تعنّيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبيّن أحكامه ، قوى عندك ذلك الترجيح ، بل تجد الفقهاء لم يجتمعوا على تحرير الصحيح والاتّفاق على العمل به ، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتّبعة ، ولا سيّما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ، فيها المئات من المسائل المخالفة للاَحاديث المتّفق على صحّتها .
وقد أورد ابن القيّم في أعلام الموقّعين شواهد كثيرة جدّاً من ردّ الفقهاء للاَحاديث الصحيحة عملاً بالقياس أو لغير ذلك ، ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه ، وقد أورد لهذا أكثر من ستّين شاهداً » (1)حاً .
ومع ذلك كلّه فمن الغريب جمع الغزّالي بين ذلك وبين رأيه في الصحابة ، قال في المستصفى : « الاَصل الثاني من الاَُصول الموهومة : قول الصحابي ، وقد ذهب قوم إلى أنّ مذهب الصحابي حجّة مطلقاً ، وقوم إلى أنّه حجّة إنْ خالف القياس ، وقوم إلى أنّ الحجّة في قول أبي بكر وعمر خاصّة ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (اقتدوا باللذين من بعدي) ، وقوم إلى أنّ الحجّة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتّفقوا . .
والكلّ باطل عندنا؛ فإنّ من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه ، فلا حجّة في قوله ، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ ؟ ! وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة ؟ ! وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ ! وكيف يختلف المعصومان ؟ !
(1) انظر : أعلام الموقّعين 2 | 294 ـ 424 .
(71)
كيف ؟ ! وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد ، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتّبع اجتهاد نفسه ، فانتفاء الدليل على العصمة ، ووقوع الاختلاف بينهم ، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ، ثلاثة أدلّة قاطعة » (1) . .
ثمّ ذكر أدلّة بقية الاَقوال وأخذ في ردّها ، وتتلخّص ردوده عليها في النقاط التالية :
الاَُولى : إنّ ما يروى عندهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » ، هو خطاب مع عوامّ ذلك العصر ، لتعريف درجة الفتوى للصحابة ، إذ الصحابي خارج عن الخطاب فله أن يخالف الآخر .
الثانية : إنّ اتّباع كلّ واحد من الخلفاء الراشدين محال مع اختلافهم في المسائل .
الثالثة : إنّ الاقتداء بأبي بكر وعمر واتّباعهما هو إيجاب للتقليد في الفتوى ، مع إنّه معارض بتجويزهما مخالفة الآخرين لهما ، ولو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيّهما يتّبع ؟ !
الرابعة : إنّ مذهب عبـد الرحمن بن عوف معارَض بمذهب الاِمام عليّ عليه السلام ، حين أبى اشتراط عبـد الرحمن الخلافة بشرط الاقتداء بالشـيخين
الخامسة : إنّ قول الصحابي ليس بحجّة ، وإنّما الحجّة الخبر إلاّ أنّ إثبات الخبر بقول الصحابي من دون تصريح منه أنّه خبر إثبات موهوم ، وخبر الواحد الحجّة هو الخبر المصرّح لا الموهوم المقدّر الذي لا يعرف
(1) المستصفى 1 | 260 ـ 262 .
(72)
لفظه ومورده ، فقوله ليس بنصّ صريح في سماع خبر ، بل ربّما قاله من دليل ضعيف ظنّه دليلاً وأخطأ فيه ، والخطأ جائز عليه ، وربّما يتمسّك الصحابي بدليل ضعيف وظاهر موهوم ولو قاله عن نصّ قاطع لصرّح به .
السـادسة : إنّ جميـع ما يذكر لحجّـيّة قول الصحـابي أخبـار آحـاد لا تقاوم الحجج القطعية الاَُخرى .
السابعة : إنّ (جعل) قول الصحابي حجّة كقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخبره (إثبات) أصل من أُصول الاَحكام ومداركه ، فلا يثبت إلاّ بقاطع كسائر الاَُصول .
الثامنة : حكى عن الشافعي في الجديد : أنّه لا يقلّد العالم صحابياً كما لا يقلّد عالماً آخر . . ونقل المزني عنه ذلك ، وأنّ العمل هو على الاَدلّة التي بها يجوز للصحابة الفتوى؛ ثمّ قال : « وهو الصحيح المختار عندنا ، إذ كلّ ما دلّ على تحريم تقليد العالم للعالم كما سيأتي في كتاب الاجتهاد لا يفرّق فيه بين الصحابي وغيره » (1) ، وذكر أنّ ما ورد من الثناء عليهم لا يوجب تقليدهم ، لا جوازاً ولا وجوباً ، وإنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد أثنى أيضاً على آحاد الصحابة كأبي بكر وعمر وعليّ وزيد ومعاذ بن جبل وابن أُمّ عبـد ، مع إنّهم لا يتميّزون عن بقية الصحابة بجواز التقليد أو وجوبه .
التاسعة : حكى عن القاضي أنّه لا يرجّح أحد الدليلين المتعارضين بقول الصحابي؛ لاَنّه لا ترجيح إلاّ بقوّة الدليل ، ولا يقوى الدليل بمصير مجتهد إليه (2) ، واستقرب احتمال مصير الصحابي إلى أحد القولين أو أحد الدليلين لمجرّد الظنّ ، لا لاختصاصه بمشاهدة .
(1) المستصفى 2 | 458 ـ 459 .
(2) المستصفى 2 | 465 .
(73)
هذا ، فإذا كان مدار الحجّيّة المطلقة ـ عند الغزّالي وجماعة منهم معروفين ـ في قول شخصٍ ما ، هو عصمته عن الغلط والسهو وعدم الخطأ ، وعدم جواز مخالفته ، فكيف يصوّرون حجّيّة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة ولزوم طاعته ، ويجوّزون عليه الخطأ والاجتهاد الظنّي ، بل ومخالفة غيره له في الاجتهاد ؟ ! . .
في حين ينكر الغزّالي على القائلين بحجّيّة قول عمر وأبي بكر وبقية الصحـابة بتمسّـكهم بأخبار آحـاد لا تـثبت أصلاً من أُصـول الاَحكام التي لا بُـدّ فيها من القطع ، تراه يرفع يده عن قطعيات الآيات في لزوم متابعة النبيّ وعدم الخلاف عليه وعصمته ، بأخبار آحاد في تأبير النخل والمخالفة في الشفاعة ونحوها ، مع إنّ لها وجه من التأويل يتلاءم مع العصمة من الخطأ ، فما هذا إلاّ تدافع ، وأقوال ينقض أوّلها آخرها!
ثمّ أليس كما قال الاِمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام في صحيفته في وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « . . . فرضت علينا تعزيره وتوقيره ومهابته ، وأمرتنا أن لا نرفع الاَصوات على صوته ، وأن تكون كلّها مخفوضة دون هيبته ، فلا يجهر بها عليه عند مناجاته ، ونلقاه عند محاورته ، ونكفّ من غرب الاَلسن لدى مسألته ، إعظاماً منك لحرمة نبوّته ، وإجلالاً لقدر رسالته ، وتمكيناً في أثناء الصدور لمحبّته ، وتوكيداً بين حواشي القلوب لمودّته » (1) . .
وهو يشير إلى المناصب الاِلهية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي جعلها الله تعالى له ، فقد قال تعالى : (ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن
(1) الصحيفة السـجّادية : الدعاء العاشر ـ ط . مؤسسة الاِمام المهدي عليه السلام .
(74)
الهوى * إنْ هو إلاّ وحي يوحى) (1) ، وقال تعالى :(يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله سميع عليم) (2) .
والغريب ولا تنقضي غرابته أنّهم يجعلون فضيلة لبعض الصحابة بالتقدّم على الله ورسوله في الحكم في موارد ، ويدّعون حالات لنزول آيات أُخرى في تلك الموارد موافـقة من الوحـي لرأي ذلك الصحابي ، وكأنّهم لا يصغون إلى هذه الآية الصريحة ، ويتأوّلون تلك الآيات بما يدافع ظهورها .
وقال تعالى :(يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أُولئك الّذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) (3) .
وقال تعالى : (قل أتعلّمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الاَرض والله بكلّ شيء عليم) (4) .
وقال تعالى : (يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أنّ فيكم رسولَ الله لو يطيعكم في كثير من الاَمر لعنتّم ولكنّ الله حبّب إليكم الاِيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أُولئك هم الراشدون * فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم) (5) .
(1) سورة النجم 53 : 2 ـ 4 .
(2) سورة الحجرات 49 : 1 .
(3) سورة الحجرات 49 : 2 و 3 .
(4) سورة الحجرات 49 : 16 .
(5) سورة الحجرات 49 : 6 ـ 8 .
(75)
أليست هذه الآية في الموضوعات الخارجيّة والاَُمور العامّة في تدبير الحكم ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لو يتابع من أسلم معه لوقعوا في المشقّة والحرج العظيم ، ولكنّ الله حبّب إليهم طاعة الرسول ومتابعته وهو الاِيمان ، وكرّه إليهم مخالفة الرسول التي هي كفر وفسوق وعصيان ، والرشاد إنّما يصيبه المؤمنون بمتابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا هو الفضل والنعمة من الله ، وكلّ هذا عن علم وحكمة منه تعالى .
فمع كلّ ذلك كيف يكون الرشاد في مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً * ألم تر إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثمّ جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقاً * أُولئك الّذين يعلمُ الله ما في قلوبهم فأعرِض عنهم وعِظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً * وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً * فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً) (1) ؟ !
وفي هذه الآيات عدّة أحكام :
(1) سورة النساء 4 : 59 ـ 65 .
(76)
الاَوّل : لزوم ردّ كلّ شيء يختلف فيه إلى الله وإلى الرسول ، وأنّ ذلك مقتضى الاِيمان بالله وبالمعاد ، فكيف يرجع إلى الظنون مقدَّمة على الرجوع والردّ إلى الله وإلى رسوله ؟ !
الثاني : إنّ الاحتكام في الاَُمور إلى غير ما أنزل الله على رسوله تحاكم إلى الطاغوت وضلال ونفاق وظلم للنفس .
الثالث : إنّ غاية رسالة الرسول هو طاعة أُمّته له بإذن الله ، لا خلافهم عليه .
الرابع : إنّ الاِيمان مشروط بتحكيم الرسول في ما يُختلف فيه ، وطاعة الرسول في ما يحكم به ، مع عدم التحرّج ممّا حكم به الرسول ، ومع التسليم القلبي التامّ لذلك .
وقال تعالى : (ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أُذُن قل أُذُن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للّذين آمنوا منكم والّذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (1) . .
وقال تعالى : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (2) . .
وقال تعالى : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب) (3) . .
وقال تعالى : (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله) (4) . .
(1) سورة التوبة 9 : 61 .
(2) سورة التوبة 9 : 128 .
(3) سورة الحشر 59 : 7 .
(4) سورة آل عمران 3 : 31 .
(77)
إلى غير ذلك من آيات الله العزيز ، فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموا النبيّ في ما اختلفوا فيه ، ولا يجـدوا تحرّجاً في نفوسهم من حكمه وقضائه صلى الله عليه وآله وسلم ويسلّموا تسليماً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم يتذرّعون بموارد من الآيات التي ظاهرها العتاب في الخطاب الاِلهي للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم يقضي بالبيّنات والاَيمان ، وهي قد تخطئ الواقع ، أو بأخبار آحاد في تأبير النخل ونحوه في قبال الدليل القطعي .
مع إنّ لتلك الآيات الظاهرة في العتاب ، في المنسبق من دلالتها بدواً ، وجوهاً من المعنى ، ذهلوا عنه!
الاَوّل : إن مقتضى قوله تعالى :(فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنّه بما تعملون بصير) (1) أنّه صلى الله عليه وآله وسلم مخاطب بفعل أُمّته كما يخاطب الوليّ بفعل المولى عليه ، وكما يخاطب المربّي بفعل من هو تحت قيمومته وتربيته ، والرئيس يخاطب بفعل مرؤوسه ، والاِمام بفعل مأمومه ، إذ إنّ صلاح الرعية من مسؤولية الراعي ، ومن ثمّ يسند فعلهم إلى فعله وإنْ كان الفعل صادر حقيقة منهم لا منه .
ومن هذا القبيل إسناد فعل الحكومة وجهاز الحكم والدولة إلى الرئيس ويخاطب به ، ومن هذا الباب قد يسند المعصوم الخطأ لنفسه كما في قول عليّ عليه السلام في خطبة له بعد تسلّمه مقاليد الاَُمور والخلافة بصفّين : « فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي ، إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي » (2) .
(1) سورة هود 11 : 112 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 214 .
(78)
ومن هذا الباب أكثر ما يخاطَب به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويعاتَب في لحن الخطاب ، فإنّه بالتتبّع في تلك الموارد والتدبّر مليّاً يظهر أنّ الفعل الذي كان مورد الخطاب هو من فعل المسلمين خوطب به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلى هذا يشير قول الاِمام الصادق عليه السلام : « إنّ القرآن نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة » (1) . .
كما هو الحال في أُسارى بدر ، فإنّ اللازم كان على المسلمين هو الاِثخان في القتل ما دامت المعركة محتدمة ، وعدم استبقاء المشركين أحياء ما دامت الحرب لم تضع أوزارها ، فكان في أخذهم الاَُسارى أثناء المعركة خلاف الحكم والاِرادة الاِلهيّة . .
وكما هو الحال في مساءلة الله تعالى النبيّ عيسى عليه السلام : (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأُمّي إلهَين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول . . . وكنتُ عليهِم شهيداً ما دمتُ فيهم) (2) . t
الثاني : إنّ حسنات الاَبرار سيّئات المقرّبين ، أي إنّه كلّما قرب الشخص من القدس الاِلهي كلّما كان الحساب معه والتوقّع منه أكثر في مجال كمال الاَفعال ، كما هو الحال في الموالي في العرف البشري ، فإنّ الملك يتوقّع من الوزير مستوىً من الاحترام والاَدب والكون رهن الاِشارة ما لا يتوقّعه من سائر الرعية ، بل إنّ في طبقات الوزراء اختلاف في المكانة والحظوة لدى الملك ، وبالتالي اختلاف في ما يتوقّعه وينتظره الملك منهم في مجال التقيّد بأقصى مكارم الآداب معه .
(1) الكافي 2 | 461 ح 14 باب النوادر .
(2) سورة المائدة 5 : 116 ـ 117 .
(79)
ومن هذا الباب ما يشاهد من خطابِ عتابٍ مع الاَنبياء في القرآن ، فإنّها ليست أخطاء ومعاصٍ في الشرع وحكم العقل ، وإنّما هي من باب ترك الاََوْلى في منطق القرب والزلفى ومقام المحبّين .
الثالث : إنّ خطأ الميزان الظاهر المجعول في باب القضاء ، أو في باب الاِمارة وتدبير الحكم ، ونحوهما ممّا يكون في الموضوعات الخارجيّة ، ليس من خطأ المعصوم ، كالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّه موظّف في مصالح التشريع بالعمل بهذا الميزان في تلك الموضوعات الجزئية ، ممّا يتدارك خطأ الميزان الشرعي الظاهري بالمصالح الاَُخرى ؛ وأين هذا من الاَحكام الكلّـيّة ومعرفة الشريعة ؟ !
وإذا فُرض جهل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بها ـ والعياذ بالله تعالى ـ ، وتحرّيه لها بالاجتهاد الظنّي ، فأين الطريق إليها المأمون عن الخطأ ؟ ! وما هو ميزان الصحّة من الخطأ إذا كان الطريق مسدوداً إلى الاَبد ، إذ لا فاتح لِما انسدّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أبواب العلم ؟ !
وهذا بخلاف باب الموضوعات الجزئية ، فإنّ طريق العلم بها مفتوح وراء ميزان القضاء والحكم .
الرابع : إنّهم خلطوا بين السؤال الممدوح عن الاَحكام ومعارف الدين كما في قوله تعالى : (فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين) (1) وقال : (فاسألوا أهل الذِكر إنْ كنتم لا تعلمون) (2) ، وبين السؤال المذموم عن الاَحكام والشريعة ، قال الله تعالى :(يا أيّها
(1) سورة التوبة 9 : 122 .
(2) سورة النحل 16 : 43 ، وسورة الاَنبياء 21 : 7 .
(80)
الّذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تُبد لكم تسؤكم وإنْ تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا الله عنها) (1) وقال : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئل موسى من قبل) (2) . .
فإنّ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاجتهادين اللذين عند الشيعة وعند أهل السُـنّة ، فإنّ الاَوّل مخصوص باستكشاف الحكم الشرعي الثابت واقعاً ، وتطبيقه على الموارد والدرجات المختلفة ، بموازين منضبطة دقيقة ، والثاني يشمل ذلك ويعمّ إنشاء أحكام جديدة تتميماً لِما يدّعى من نقص الشريعة! نظير تتميم القوانين الدستورية بالتبصرة القانونية في القوانين الوضعية .
فالاجتهاد الاَوّل هو تمسّك بالعموم المشرّع الوارد ، والسؤال الممدوح هذا مورده ، وهو فهم ما ورد ، ومعرفة العمومات والاَدلّة المشرّعة .
والاجتهاد الثاني هو الاجتهاد الابتداعي ، والسؤال المذموم منطقته هو إنشاء الاَحكام الجديدة وضمّها إلى أحكام الشريعة ، أو السؤال والمطالبة بإنشائها .
والمنطقة الاَُولى هي كانت سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتسليم والاتّباع لربّه ، والمنطقة الثانية لم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتكلّفها كما في قوله تعالى : (وما أنا من المتكلّفين) (3) ، فالمنطقة الثانية والنمط الثاني كان ديدن اليهود ، والنمط الاَوّل هـو ديدن الاَنبياء بالوحي القطعي والرسالة والملّة الحنيفية
(1) سورة المائدة 5 : 101 .
(2) سورة البقرة 2 : 108 .
(3) سورة ص 38 : 86 .
(81)
الاِبراهيمية .
فتلخّص أنّهم فرّطوا في عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وغالوا في عدالة الصحابة إلى العصمة والتفويض في التشريع .
للبحث صلة . . .
|
|
|