العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 59 - 60  >  مصطلحات نحوية  >

مصطلحات نحوية
(14)

السيد علي حسن مطر


سادس وعشرون ـ مصطلح الظرف (المفعول فيه)


* الظرف لغةً:
أبرز معاني الظرف لغة معنيان، أوّلهما: الوعاء؛ وهو الاَوفق بمعناه الاصطلاحي النحوي، وثانيهما: البراعة وذكاء القلب.
قال ابن فارس: «يقولون: هذا وعاءُ الشيء وظرفه، ثمّ يسمّون البراعة ظَرفاً، وذكاءَ القلبِ كذلك»(1).
وقال ابن منظور: «الظرفُ: البراعة وذكاء القلب... وظرفُ الشيءِ: وعاؤه، والجمعُ ظروف»(2).


* الظرف اصطلاحاً:
عبّر نحاة البصرة عن المعنى الاصطلاحي للظرف بخمسة عناوين،



(1) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبـد السلام هارون، مادّة «ظرف».
(2) لسان العرب، ابن منظور، مادّة «ظرف».



(285)

     وهي: الظرف، الغاية، الموقوع فيه، المكون فيه، والمفعول فيه.
وقد أكثر سيبويه (ت 180 هـ) من استعمال عنوان (الظرف) ونسبه إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ)، قال: «وسألته عن قوله: زيدٌ أسفلَ منكَ، فقال: هذا ظرف»(1).
كما إنّه اسـتعمل أحياناً العناوين الثـلاثة التالية للـظرف، قال: «فأمّـا ما كان غايةً نحو: قبلُ وبعدُ وحيثُ»(2)..
وقال أيضاً: «هذا باب ما ينتصب من الاَماكن والوقت، وذلك لاَنّها ظروف تقع فيها الاَشياء وتكون فيها، فانتصب لاَنّه موقوع فيه ومكون فيـه»(3).
ومن ورود كلمة (الغاية) في الكتاب عنواناً للمعنى الاصطلاحي، يتّضح وجه النظر في ما ذكره بعضهم من أنّ (الغاية) من اصطلاحات الكوفيّـين(4).
وأمّا عنوان: (المفعول فيه)، فقد استعمله المبرّد (ت 285 هـ) إلى جانب استعماله عنوان الظرف(5).
وأمّا الكوفيّون فقد عبّروا عن المعنى الاصطلاحي للظرف بثلاثة عناوين، هي: الصفة، المحلّ، والموضع.
والاَوّل من هذه العناوين للكسائي (ت 189 هـ)، والاَخيران للفرّاء (ت 207 هـ)(6).



(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبـد السلام هارون 3|289.
(2) الكتاب 3|286.
(3) الكتاب 1|403 ـ 404.
(4) مفاتيح العلوم، محمّـد بن أحمد الخوارزمي، تحقيق إبراهيم الاَبياري: 78.
(5) المقتضب، المبرّد، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة 4|328 و 330 ـ 332.
(6) أ ـ الاِنصاف في مسائل الخلاف، أبو البركات الاَنباري، تحقيق محمّـد



(286)
وقد ذكر بعـض الباحثين أنّ بعض النحاة يسمّي الظرف: (مسـتقَرّاً)(1)، ولا بُـدّ من الاِشارة إلى أنّ هذه التسمية وردت أوّلاً في مواضع متفرّقة من كتاب سيبويه، إلاّ أنّ مقصوده بالمستقرّ لم يكن هو الظرف بمعنى التابع الخاصّ الذي هو محلّ الكلام، بل أراد به شـبه الجملة من الجار والمجرور والظرف إذا وقعت خبراً، قال: «وتقول: ما كان فيها أحدٌ خيرٌ منكَ... إذا جعلتَ (فيها) مستَقَرّاً»(2)، وقال: «وأمّا (بكَ مأخوذٌ زيدٌ) فإنّه لا يكون إلاّ رفعاً؛ مِن قِبَلِ أنّ (بكَ) لا تكون مستَقَرّاً لرجل»(3)، وقال: «وتصديق هذا قول العرب: (علَيَّ عهدُ الله لاَفعلنَّ)، فـ (عهدُ) مرتفعة، و (علَيَّ) مستَقَرّ لها»(4).
وإلى ما ذكرته أشار ابن يعيش بقوله: «سيبويه يسمّي الظرف الواقع خبراً مستقرّاً؛ لاَنّه يقدّر بـ: استقرّ، وإن لم يكن خبراً سمّاه لغواً»(5).
وإليه أشار السيوطي أيضاً ضمن عنوان: الفرق بين الظرف المستقرّ والظرف اللغو(6).



محيي الدين عبـد الحميد 1|51.
ب ـ المذكّر والمؤنّث، الفرّاء، تحقيق رمضان عبـد التوّاب: 109.
ج ـ الاَُصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|245 ـ 246.
د ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|337.
هـ ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، ضبط وتصحيح يوسف البقاعي 1|395.
(1) المصطلح النحوي، عوض حمد القوزي: 142.
(2) الكتاب، سيبويه 1|55.
(3) الكتاب، سيبويه 2|124.
(4) الكتاب 3|503.
(5) الكتاب 1|55، حاشية الصفحة نقلاً عن «خزانة الاَدب».
(6) الاَشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي، تحقيق طه عبـد الرؤوف سعد 1|234.



(287)
والذي قُدّر له البقاء من العناوين السبعة المتقدّمة للمعنى الاصطلاحي هو: الظرف، والمفعول فيه؛ إذ ما زالا يستعملان معاً إلى اليوم عنواناً للمعنى الاصطلاحي.
وفي بيان المعنى الاصطلاحي للظرف قال الزجّاجي (ت 340 هـ): إنّ الظروف «مفعول فيها؛ لاَنّ الفعل لا يصل إليها ولا يقع بها، وإنّما هي محتوية على الفاعل والمفعولِ والفعلِ معاً، فشُبّهت بالظروف المحتوية للاَشياء المشتملة عليها، كقولك: خرجتُ يومَ الجمعةِ، وجلستُ مكانَك، إنّما معناه: أنّكَ فعلتَ فعلاً في يومِ الجمعةِ وفي المكان، لا أوصلتَ إليهما فعلاً في ذاتهما»(1).
ولعلّ أوّل من طرح الحدّ الاصطلاحي للظرف ابن جنّي (ت 393 هـ) قال: «الظرف كلّ اسم من أسماءِ الزمانِ أو المكان يراد به معنى (في) وليست في لفظه، كقولِكَ: قمتُ اليومَ، وجلستُ مكانَكَ؛ لاَنّ معناهُ: قمتُ في اليومِ، وجلستُ في مكانِك»(2).
وحدّه ابن بابَشاذ (ت 469 هـ) بأنّه: «ما يذكر للبيان عن أيّ زمانٍ وأيّ مكانٍ وقع فيهما الفعل... وشرطه أن يكون مضـمّناً معنى (في)»(3)، ومراده بـ (ما) المنصوب؛ لذِكره إيّاه ضمن جملة المنصوبات. وحدّه عبـد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بأنّه: «ما كان منصوباً على معنى حرف الجرّ الذي هو (في)، كقولك: خرجتُ يومَ الجمعةِ، وجلستُ خَلْفَكَ... إلاّ أنّ حرفَ الجرّ إذا ظهر وعمل الجرّ لم يسمّوه ظرفاً، وكان



(1) الجمل في النحو، الزجّاجي، تحقيق علي توفيق الحمد: 316 ـ 317.
(2) اللمع في العربية، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس: 55.
(3) شرح المقدّمة المحسبة ، ابن بابشاد، تحقيق خالد عبـد الكريم 2|306.



(288)
اسماً بمنزلة سائر الاَسماء المجرورة، فقولك: خرجتُ في يومِ الجمعةِ، بمنزلة قولك: ذهبتُ إلى زيدٍ»(1).
وحدّه ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بأنّه: «كلّ اسم من أسماءِ الزمانِ أو المكان يراد به معنى (في)»(2).
وهو حدّ ابن جنّي نفسـه، إلاّ أنّه حذف منه قوله: (وليست في لفظه)؛ إذ لا حاجة إليه بعد كونه مفهوماً من قوله: (يراد به معنى في) . وقال ابن يعيش (ت 643 هـ) في حدّ الظرف: «اعلم أنّ الظرفَ في عُرفِ أهلِ هذه الصناعة ليس كلّ اسم من أسماءِ الزمان والمكان على الاِطلاق، بل الظرف منها: ما كان منتصباً على تقدير (في)، واعتباره بجواز ظهورها معه، فتقول: قمتُ اليومَ، وقمتُ في اليومِ، فـ (في) مرادة وإن لم تذكرها»(3).
وسيأتي رأي ابن مالك في قولِ ابن يعيش: (على تقدير في).
أمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد حدّ الظرف بقوله: «ما فُعل فيه فعل مذكور من زمانٍ أو مكانٍ»(4).
وقال الرضيّ (ت 686 هـ) في شرح هذا الحدّ: «يعني بقوله: (فعل مذكور) الحدث الذي تضمّنه الفعل المذكور... واحترز بقوله: (مذكور) عن نحو قولك: يومُ الجمعةِ يوم مبارك، فإنّه لا بُـدّ أن يُفعلَ في يومِ الجمعة فعل، لكنّك لم تذكر ذلك الفعل في لفظك، فلم يكن في



(1) المقتصد في شرح الاِيضاح، الجرجاني، تحقيق كاظم بحر المرجان 1|632.
(2) أسرار العربية، أبو البركات الاَنباري، تحقيق فخر صالح قدارة: 166.
(3) شرح المفصّل، ابن يعيش 2|41.
(4) أ ـ شرح الرضيّ على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|487.
ب ـ الفوائد الضيائيّة، عبـد الرحمن الجامي، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|368.



(289)
اصطلاحهم مفعولاً فيه، ونحو: يوم الجمعةِ في قولك: خرجتُ في يومِ الجمعةِ، داخل في هذا الحدّ، ولهذا قال بعدُ: وشرطُ نصبه تقديره بـ (في)، وأمّا إذا ظهر فلا بُـدّ من جرّه، وهذا خلاف اصطلاح القوم؛ فإنّهم لا يطلقون المفعول فيه إلاّ على المنصوب بتقدير (في)، فالاََوْلى أن يقال: هو المقدّر بـ (في) من زمانٍ أو مكانٍ فعل فيه فعل مذكور»(1).
وعقّب عليه الجامي (ت 898 هـ) بقوله: «لكن بقي مثل: (شهدتُ يومَ الجمعةِ) داخلاً فيه؛ فإنّ (يومَ الجمعة) يصدق عليه أنّه فعل فيه فعل مذكور؛ فإنّ شهود يومِ الجمعةِ لا يكون إلاّ في يوم الجمعة، فلو اعتبر في التعريف قيد الحيثيّة، أي [يقال]: المفعول فيه ما فعلَ فيه فعلٌ مذكور من حيثُ إنّه فعلَ فيه فِعل مذكور، ليخرج مثلُ هذا المثال عنه؛ فإنّ ذِكر يوم الجمعة فيه ليس من حيث إنّه فُعِلَ فيه فِعْل مذكور، بل من حيث إنّه وقع عليـه فِعـل مذكور، ولا يخـفى عليك أنّـه على تـقدير اعتبار قيـد الحيثـيّة لا حاجة إلى قوله: (مذكور) إلاّ لزيادة تصوير المعرّف»(2).
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد طرح حدّين للظرف:
     أوّلهما: «هو: ما نُصبَ من اسم زمانٍ أو مكانٍ مقارنٍ لمعنى (في) دون لفظها»(3).
وقال في شرحه: «وذِكر مقارنة المعنى أفضل من ذِكر (تقدير في)(4)؛ لاَنّ تقدير (في) يوهم جواز استعمال لفظ في مع كل ظرف



(1) شرح الرضيّ على الكافية 1|387.
(2) الفوائد الضيائية 1|368.
(3) شرح الكافية الشافية، ابن مالك، تحقيق عبـد المنعم هريدي 2|675.
(4) إشارة إلى ما ورد في حدّ ابن يعيش المتقدّم.



(290)
وليـس الاَمر كذلك؛ لاَنّ من الـظروف ما لا يدخـل عليـه (في) كـ (عنـدَ) و (مع)، وكلّها مقارن لمعناها ما دام ظرفاً»(1).
     وثانيهما: «ما ضُمّنَ ـ من اسم وقتٍ أو مكانٍ ـ معنى (في) باطّراد»(2)، وهو الذي عبّر عنه في خلاصته الاَلفيّـة بقوله:
     الظـرفُ وقـت أو زمـانٌ ضُـمّـنا   *   (في) باطّراد كـ: هنا أمكث أزمُنا
وقد تابعه عليه أبو حيّـان (ت 745 هـ)(3) وجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ)(4).
وواضح أنّ هذا الحدّ تطوير للحدّ الذي طرحه ابن جنّي بإضافة قيد (الاطّراد) إليه، وقد ذهب ابن الناظم وابن عقيل من شرّاح الاَلفيّة إلى عدم الحاجة إلى هذا القيد.
قال ابن الناظم (ت 686 هـ): «وقوله: (باطّراد) احترز به من نحوِ البيتِ والدارِ في قولهم: دخلتُ البيتَ، وسكنتُ الدارَ، ممّا انتصبَ بالواقع فيه وهو اسم مكان مختصّ؛ فإنّه ينتصبُ نصبَ المفعولِ به على السَـعةِ في الكلامِ لا نصبَ الظرف... وإذا كان الاَمر كذلك فلا حاجة إلى الاحتراز عنه بقيد (الاطّراد)؛ لاَنّه يخرج بقولنا: (متضمّن معنى في)؛ لاَنّ المنصوب على سَعَةِ الكلام منصوب بوقوعِ الفعل عليه، لا بوقوعه فيه، فليس متضمّناً معنى (في) فيحتاج إلى إخراجه من حدّ الظرفِ بقيد الاطّراد»(5).
وقال ابن عقيل (ت 769 هـ): «واحترز بقوله: (باطّراد) من نحو:



(1) شرح الكافية الشافية 2|675.
(2) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّـد كامل بركات: 91.
(3) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 2|126.
(4) همع الهوامع، السيوطي، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 3|136.
(5) شرح ابن الناظم على الاَلفية: 107.



(291)
(دخلتُ البيتَ، وسكنتُ الدارَ، وذهبتُ الشامَ)؛ فإنّ كلّ واحدٍ منَ (البيت، والدار، والشام) متضمّن معنى (في)، ولكنّ تضمّنه معنى (في) ليس مطّرِداً؛ لاَنّ أسماءَ الزمان المختصّـة لا يجوز حذف (في) معها، فليس (البيت، والدار، والشام) في المُثُل منصوبةً على الظرفيّة، وإنّما هي منصوبة على التشـبيه بالمفعول به؛ لاَنّ الظرف هو ما تضمّن معنى (في) باطّراد، وهذه متضـمّنة معنى (في) لا باطّراد.
هذا تقرير كلام المصنّف، وفيه نظر؛ لاَنّه إذا جعلت هذه الثلاثة ونحوها منصوبة على التشبيه بالمفعول به، لم تكن متضمّنة معنى (في)؛ لاَنّ المفعول به غير متضمّنٍ معنى (في)، فكذلك ما شبّه به، فلا يحتاج إلى قوله (باطّراد) ليخرجها؛ فإنّها خرجت بقوله: (ما ضمّن معنى في)»(1).
إِلاّ أنّ الاَشموني (ت 900 هـ) يرى أنّ الحاجة لقيد الاطّراد ثابتة على مذهب بعض النحاة، قال: الاحتراز «باطّراد، من نحو: دخلتُ البيتَ وسكنتُ الدارَ... فانتصابه على المفعول به بعد التوسّع بإسقاطِ الخافض، هذا مذهب الفارسي والناظم ونسبه لسيبويه، وقيل: منصوب على المفعول به حقيقةً، وأنّ نحو (دخلَ) متعدٍّ بنفسـه، وهو مذهب الاَخفش، وقيلَ: على الظرفية تشبيهاً له بالمبهم، ونسبه الشلوبين إلى الجمهور، وعلى هذين لا يحتاج إلى قيد (باطّراد)، وعلى الاَوّل يحتاج إليه»(2).



(1) شرح ابن عقيل على الاَلفية، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|579 ـ 580.
(2) شرح الاَشموني على الاَلفيّة، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|217 ـ 218.



(292)
وأمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فإنّه طرح للظرف حدّين أيضاً:
     أوّلهما: «كلّ اسم زمان أو مكان مسلّط عليه عامل على معنى (في)، كقولك: صمتُ يومَ الخميسِ، وجلستُ أمامَك، وعلم ممّا ذكرتُ أنّه ليس من الظروف (يوماً) و (حيثُ) من قوله تعالى: (إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً)(1)، وقوله تعالى: (الله أعلمُ حيثُ يجعل رسالته)(2)، فإنّهما وإن كانا زماناً ومكاناً، لكنّهما ليسا على معنى (في)، وإنّما المراد أنّهم يخافون نفسَ اليوم، وأنّ الله تعالى يعلم نفسَ المكانِ المستحقّ لوضع الرسالة فيه، فلهذا أُعربَ كلّ منهما مفعولاً به... وأنّه ليس منهما أيضاً نحو: (أن تنكحوهنَّ) من قوله تعالى:(وترغبون أن تـنـكحـوهنَّ) (3)؛ لاَنّـه وإن كـان عـلى معنـى (فـي) لكـنّه ليـس زمانـاً ولا مكاناً»(4).
وثانيهما: «ما ذكر فضلةً لاَجلِ أمرٍ وقع فيه من زمانٍ مطلقاً، أو مكانٍ مبهم»(5)، وتابعه عليه الفاكهي (ت 279 هـ)(6).



(1) سورة الاِنسان 76: 10.
(2) سورة الاَنعام 6: 124.
(3) سورة النساء 4: 127.
(4) شرح قطر الندى، ابن هشام، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد: 229 ـ 230.
(5) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد: 230.
(6) شرح الحدود النحوية، جمال الدين الفاكهي، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم: 162.



(293)
وممّا ذكره ابن هشام في شرح هذا الحدّ: «أنّ الاسمَ قد لا يكون ذِكر لاَجلِ أمرٍ وقع فيه، ولا هو زمان ولا مكان، وذلك كـ (زيداً) في (ضربتُ زيـداً)، وقد يكـون إنّمـا ذكر لاَجلِ أمـرٍ وقـع فيـه، ولكـنّه ليـس بزمـان ولا مكان، نحو: رغبَ المتّقونَ أن يفعلوا خيراً)؛ فإنّ المعنى: في أنْ يفعلوا... فهذه الاَنواع لا تسمّى ظرفاً في الاصطلاح، بل كلّ منها مفعول به، وقع الفعل عليه لا فيه... وقد يكون مذكوراً لاَجلِ أمرٍ وقع فيه وهو زمان أو مكان، فهو حينئذٍ منصوب على معنى (في)، وهذا النوع خاصّةً هو المسمّى في الاصطلاح ظرفاً، وذلك كقولك: صمتُ يوماً، أو يومَ الخميس، وجلستُ أَمامَكَ»(1).



(1) شرح شذور الذهب: 231.


(294)

سابع وعشرون ـ مصطلح المفعول معـه
المفعول معه من مصطلحات البصريّـين، قال سيبويه (ت 180 هـ): «هذا باب ما يظهر فيه الفعل وينتصب فيه الاسم لاَنّه مفعول معه... وذلك قولكَ: ما صنعتَ وأباكَ، و: لو تركتَ الناقةَ وفصيلَها لرَضِعَها، إِنّما أَردتَ: ما صنعتَ مع أبيكَ، و: لو تركتَ الناقةَ مع فصيلِها، فالفصيلُ مفعولٌ معهُ، والاَب كذلك»(1).
واستعمل الكوفيّون لفظ (المشبّه بالمفعول) عنواناً للمفعول معه ولبقيّة المفاعيل باستثناء (المفعول به) الذي هو المفعول الوحيد عندهم(2).
وقد قال أبو عليّ الفارسي (ت 377 هـ) بشأن التعريف بالمفعول معه: «الاسم الذي ينتصبُ بأنّه مفعول معه [هو ما] يعملُ فيه الفعلُ الذي قبله بتوسّط الحرف، وذلك قولهم: استوى الماءُ والخشبةَ... فالمعنى: استوى الماءُ مع الخشبةِ»(3).
وحدّه ابن جنّي (ت 392 هـ) بأنّه: «ما فعلتَ معه فعلاً، وذلكَ قولك: قمتُ وزيداً، أي: مع زيدٍ»(4).
وحدّه ابن بابَشاذ (ت 469 هـ) بأنّه: ما «يذكر للبيان عن مصاحبة



(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبـد السلام هارون 1|297.
(2) أ ـ همع الهوامع شرح جمع الجوامع، السيوطي، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 3|8.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|323.
(3) الاِيضاح العضدي، الفارسي، تحقيق حسن الشاذلي فرهود 1|193.
(4) اللمع في العربية، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس: 60.



(295)
الفعل ومقارنته، مثل: استوى الماءُ والخشبةَ»(1).
ويلاحظ على هذين الحدّين الاَخيرين عدم كونهما مانعين من دخولِ الاَغيار ممّا لا يعربُ مفعولاً معه، كـ (خالدٍ) في نحو: اشتركَ زيدٌ وخالدٌ، وكالجملة في نحو: جاءَ زيدٌ والشمسُ طالعةٌ.
ويستفاد من كلام الحريري (ت 516 هـ) تعريفه للمفعول معه بأنّه: المفعول الفضلة المنصوب بالفعل الذي قبله بواسطة الواو التي هي بمعنى (مـع)(2).
وقد أخرج بقيد (الفضلة) نحو (خالد) في قولنا: اشترك زيدٌ وخالدٌ، فإنّه لا يدخل في المفعول معه اصطلاحاً، وإن كان منصوباً بالفعل الذي قبله بواسطة الواو؛ لاَنّه عمـدةٌ.
وحدّه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: «هو المنصوب بعد الواو الكائـنة بمعنى (مـعَ)، وإنّـما يُـنصبُ إذا تضمّـنَ الكـلامُ فعـلاً، كقولكَ: مـا صنعتَ وأباكَ»(3).
«وإنّما قال: (هو المنصوب)؛ لاَنّ ثَمّ أشياءَ كثيرة الواو فيها بمعنى (مع) ومع ذلكَ ليس مفعولاً معه، كقولِكَ: كلُّ رجلٍ وضيعتُهُ، و: ما شأنُ زيدٍ وعمرٍو، فقال: (هو المنصوب) ليتميّزَ به عن هذا»(4).
وسوف يأتي إشكال ابن هشام الاَنصاري على أخذ (المنصوب) في حدّ المفعول معه عند تعقيبه على حدّ أبي حيّـان الاَندلسي.



(1) شرح المقدّمة المحسبة، ابن بابشاذ، تحقيق خالد عبـد الكريم 2|309.
(2) شرح ملحة الاِعراب، الحريري، تحقيق بركات يوسف هبود: 172.
(3) المفصّل في علم العربية، جار الله الزمخشري: 56.
(4) الاِيضاح في شرح المفصّل، ابن الحاجب، تحقيق موسى العليلي 1|323.



(296)
وحدّه ابن معطي (ت 628 هـ) بقوله: «هو اسم يصل الفعلُ إليه بواسطة واوٍ تنوب عن (مع) في المعنى لا في العمل»(1)؛ لاَنّ (مع) تجرّ بالاِضافة، وهذه الواو لا تجرّ(2).
ويلاحظ عليه شـموله لنحو (خالدٍ) من قولنا: اشتركَ زيدٌ وخالدٌ، ممّا لا يُعربُ مفعولاً معه اصطلاحاً.
وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «المفعول معه هو المذكور بعد الواو لمصاحبة معمول فعلٍ»(3).
وقال الرضيّ في شرحه: «قوله: (لمصاحبة معمول فعل) احتراز عن نحو (ضيعته) في: كلُّ رجلٍ وضيعتُه؛ فإنّها مصاحبة لكلّ رجل [وهو ليس معمولاً لفعل؛ لاَنّه مبتدأ]... ويعني بالمصاحبة كونه مشاركاً لذلكَ المعمول في ذلكَ الفعل في وقت واحد، فزيدٌ في: سرتُ وزيداً، مشارك للمتكلّم في السير في وقت واحد، أي: وقع سيرهما معاً، وفي قولكَ: سرتُ أنا وزيدٌ، بالعطف، يشاركه في السير، ولكن لا يلزم كون السيرَين في وقت واحد»(4).
ويلاحظ عليه:
     أوّلاً: إنّه شامل لنحو (خالدٍ) في قولنا: اشتركَ زيدٌ وخالدٌ.
     ثانياً: إنّ ما ذكره الرضيّ في تفسير قوله: (لمصاحبة معمول فعل)



(1) الفصول الخمسون، ابن معطي، تحقيق محمود الطناحي: 193.
(2) قاله ابن إياز في المحصول (نقلاً عن حاشية الفصول الخمسون: 193) .
(3) أ ـ شرح الرضيّ على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|515.
ب ـ الفوائد الضيائية، عبـد الرحمن الجامي، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|378.
(4) شرح الرضيّ على الكافية 1|515.



(297)
وكـرّره الجامـي في شـرحه للكافـية(1)، منقوض بنحـو: سـرتُ والنيلَ، وما صنعتَ وأخاكَ، ممّا لا يكون المفعول فيه مشاركاً للمعمول في الفعل، ولعلّه لاَجل ذلكَ عمد ابن الناظم إلى جعل القيد (عدم المشاركة في الحكم) كما سيأتي في بيان حدّه.
وحدّه ابن عصفور (ت 669 هـ) بقوله: «المفعول معه: هو الاسم المنتصبُ بعد الواو الكائنة بمعنى (مع) المضمّنُ معنى المفعول به، وذلك نحو قولك: ما صنعتَ وأباكَ»(2).
وهو مماثل لحدّ الزمخشري المتقدّم، مضافاً إليه قيد (المضمّنُ معنى المفعول به)، وتابعه عليه أبو حيّـان الاَندلسي (ت 745 هـ)(3).
وقد بيّن وجه الحاجة إلى القيد المذكور بقوله: «ألا ترى أنّ الواوَ بمعنى (مع)، والاَب في المعنى مفعول به، كأنّك قلتَ: ما صنعتَ بأبيك، ولو لم تُرِد ذلكَ، لكان الاسم الذي بعد الواو معطوفاً على الاسم الذي قبلـه»(4).
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد حدّ المفعول معه بقوله: «هو الاسمُ التالي واواً تجعله بنفسها في المعنى كمجرورِ (مع) وفي اللفظ كمنصوبِ معدّىً بالهمزة»(5).
«قوله: (التالي واواً) يشمل العطفَ نحو: مزجتُ عسلاً وماءً، وخرج ما لم يتلُ واواً، نحو: خرجَ زيدٌ بثيابه، وقوله: (كمنصوب معدّىً بالهمزة)



(1) الفوائد الضيائية 1|378.
(2) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق عادل عبـد الموجود وعلي معوّض: 225.
(3) غاية الاِحسان في علم اللسان، أبو حيّـان، مخطوط 6|أ.
(4) المقرّب: 225.
(5) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّـد كامل بركات: 99.



(298)
أخرجَ به المعطوفَ المفهم المصاحبة، نحو: أشركتُ زيداً وعَمْراً ومزجتُ عسلاً وماءً. بخلاف: سرتُ والنيلَ؛ فإنّ المصاحبة لم تفهم فيه إلاّ من الواو، وأشار بقوله: (وفي اللفظ إلى قوله: بالهمزة) إلى أنّ الواو معدّية ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها، فتنتصبُ به بواسطة الواو»(1).
وحدّه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنّه: «الاسم المذكور بعد واو بمعنى (مع)، أي: دالّة على المصاحبة بلا تشريك في الحكم، فاحترزت بقولي: (المذكور بعد واو) من نحو: خرجتُ مع زيدٍ، وبقولي: (بمعنى مع) ممّا بعد واو غيرها كواو العطف وواوِ الحال... وقد شمل هذا التعريف ما كان من المفعول معه غير مشاركٍ لِما قبله في حكمه، نحو: سيري والطريقَ مسرعة، ولِما كان منه مشاركاً لِما قبله في حكمه، ولكنّه أعرض عن الدلالة على المشاركة وقصد إلى مجرّد الدلالة على المصاحبة، نحو: جئتُ وزيـداً»(2)‌.
وتابعه على هذا الحدّ عبـد الرحمن المكودي (ت 807 هـ)(3).
وحدّه أبو حيّـان الاَندلسي (ت 745 هـ) بقوله: «المفعول معه منتصبٌ بعد واو (مع)»(4).
وعقّب عليه ابن هشام قائلاً: «فيه أمران، أحدهما: [أنّه] غير مانع؛ لاَنّه يشمل نحو: (لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبن) إذا نصبتَ الفعلَ؛ فإنّه يصدق على هذا الفعل أنّه منتصبٌ وأنّه بعد واو مع... فكان ينبغي أن



(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبـدالله البركاتي 1|489.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفية: 110.
(3) شرح المكودي على الاَلفية، ضبط وتصحيح إبراهيم شمس الدين: 113.
(4) شرح اللمحة البدريّة: ابن هشام، تحقيق هادي نهر 2|154.



(299)
يقول: اسمٌ منتصبٌ.
الثاني: أنّ قوله: (منتصبٌ) تعريف للشيء بما [هو] الغرض منه معرفته لينصب، فإذا حدّ بأنّه المنتصبُ جاء الدور»(1).
وحدّه ابن هشام (ت 761 هـ) بأنّه: «اسم فضلة بعد واو أُريد بها التنصيص على المعيّة، مسبوقةٍ بفعل أو ما فيه حروفه ومعناه، كـ: سرتُ والنيلَ، و: أنا سائرٌ والنيلَ»(2).
وقد تابعه على هذا الحدّ كلّ من الاَشموني (ت 900 هـ)(3)، والاَزهري (ت 907 هـ)(4)، وجمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)(5)، والخـضري(6).
وممّا ذكره ابن هشام في شرحه لهذا الحدّ: «خرج بذِكر (الاسم) الفعلُ المنصوبُ بعد الواو في قولك: (لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبن)؛ فإنّه على معنى الجمع... ولا يسمّى مفعولاً معه؛ لكونه ليس اسماً، والجملةُ الحاليّةُ في نحو: (جاءَ زيدٌ والشمسُ طالعةٌ)... وبذِكر (الفضلة) مـا بعـد الواو في نحـو: (اشـتركَ زيـدٌ وعمـرٌو)؛ فإنّـه عمـدةٌ؛ لاَنّ الفعل لا يستغني عنه... لاَنّ الاشتراكَ لا يتأتّى إلاّ بين اثنين... وبذِكر إرادة



(1) شرح اللمحة البدرية 2|155.
(2) أ ـ شرح قطر الندى، ابن هشام، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد: 231.
ب ـ شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد: 237.
(3) شرح الاَشموني على الاَلفيّة، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|222.
(4) أ ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|342.
ب ـ شرح الاَزهرية، خالد الاَزهري: 112 ـ 113.
(5) شرح الحدود النحوية، الفاكهي، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم: 163 ـ 164.
(6) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، ضبط وتصحيح يوسف البقاعي 1|404.



(300)
التنصيص على المعيّة، نحو: جاءَ زيدٌ وعمرٌو، إذا أُريد مجرّد العطف..
وقولي: (مسبوقة... إلى آخره) بيان لشرط المفعول معه، وهو أنّه لا بُـدّ أن يكون مسبوقاً بفعلٍ أو بما فيه معنى الفعل وحروفه... [وعليه] لا يجوز النصـب في نحو قولهم: (كلُّ رجلٍ وضـيعتُه)... لاَنّكَ لم تذكر فعلاً ولا ما فيه معنى الفعل، وكذلك لا يجوز (هذا لكَ وأباكَ) بالنصـب؛ لاَنّ اسم الاِشارة وإن كان فيه معنى الفعل وهو (أُشيرُ)، لكن ليس فيه حـروفه»(1).
وحدّ ابن عقيل (ت 769 هـ) المفعول معه بأنّه: «الاسم المنتصب بعد واوٍ بمعنى (مَعَ)»(2).
وقد استغنى بقوله: (المنتصب) عن ذِكر قيد (الفضلة) لاِخراج ما بعد الواو في نحو: (مشترك زيدٌ وعمرو)، وإن كان يرد عليه إشكال ابن هشام المتقدّم من أنّ ذِكر (المنتصب) تعريف للشيء بما هو الغرض من معرفته لينصب، فيحصل الدور.
وحدّه السيوطي (ت 911 هـ) بأنّه: «التالي واو المصاحبة»(3).
ويردُ عليه: إنّه غير مانع من دخول ما أخرج بقيد (الاسم الفضلة) مع إنّه لا يصدق عليه المفعول معه اصطلاحاً.



(1) شرح قطر الندى: 231 ـ 232.
(2) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|590.
(3) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، السيوطي، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 3|235.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007