السُنّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
(5)
السـيّد عليّ الشهرستاني
ج ـ الإحراق :
ذكرنا سابقاً خبر عائشة وأنّها قالت بأنّ أباها قال لها: «أي بنيّة هلمّي الاَحاديث التي عندك؛ فجئته بها، فدعا بنار فحرقها»(1) وأوضحنا هناك أنّ أبا بكر وبفِعله «الاِحراق» أراد نفي الوثائق الدالّة على خطئه، لوجود أحاديث في الصحيفة تخالف اجتهاداته، فأمر بإبادتها!!
وهكذا كان فعل عمر بن الخطّاب مع الاَحاديث، إذ أمر الصحابة أنْ يأتوه بصحفهم «فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار»(2).
فنحن نتساءل: كيف اتّفق الشيخان على سياسة محدّدة تجاه الاَحاديث النبوية؟!
ولِمَ الاِحراق بالنار دون الاِماثة بالماء أو الدفن في التراب؟!
وماذا يعني تهديد عمر لفاطمة الزهراء عليها السلام والمتخلّفين عن البيعة
(1) تذكرة الحفّاظ 1|5، الاعتصام بحبل الله المتين 1|30.
(2) تقييد العلم: 53، حجّيّة السُـنّة: 395.
(105)
بالاِحراق؟! وقد قالت فاطمة: يا بن الخطّاب! أجئت لتحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الاَُمّة(1).
وفي خبر آخر قيل له: إنّ في البيت فاطمة! قال: وإنْ(2)!!
ونُفّـذ هذا التهديد أو جزء منه، حين أقبل عمر وبيده فتيل من نار، فما بايع عليٌّ حتّى رأى الدخان قد دخل بيته.
ولم يكن هؤلاء الممتنعون مخصوصين بهذا اللون من الاعتداء، بل تعدّاهم إلى غيرهم؛ فعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في بني سُليم ردّة، فبعث أبو بكر إليهم خالد بن الوليد، فجمع رجالاً منهم في الحضائر ثمّ أحرقهم بالنار، فجاء عمر إلى أبي بكر فقال: انزع رجلاً عذّب بعذاب الله!! فقال أبو بكر: لا والله لا أَشِيمُ سيفاً سلّه الله على الكفّار حتّى يكون هو الذي يشيمه؛ ثمّ أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة(3).
لا أدري لِمَ يعذّب خالد بعذاب لم يأمر الله به في جزاء المحاربين والساعين في الاَرض فساداً؟!!
وكيف به مع قوله تعالى: (إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الاَرض فساداً أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الاَرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (3)
وأنت ترى عدم وجود الحرق بالنار في جزائهم، بل وجود نصوص
(1) العقد الفريد 4|259، تاريخ أبي الفداء 1|56 و 164.
(2) الاِمامة والسياسة 1|12، أعلام النساء 4|114.
(3) الطبقات الكبرى 7|278، سير أعلام النبلاء 1|372.
(4) سورة المائدة 5: 33.
(106)
في السُـنّة النبوية تنهى عن العذاب بالنار، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلاّ ربّ النار(1).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ النار لا يعذّب بها إلاّ الله(2).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يعذِّب بالنار إلاّ ربّها(3).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يحلّ دم امرىَ مسلم يشهد أن «لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّـداً رسول الله» إلاّ بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنّه يرجم؛ ورجل يخرج محارباً لله ورسوله، فإنّه يقتل أو يصلب أو ينفى من الاَرض؛ أو يقتل نفساً، فيُقتل بها(4).
وليس في هذه الفقرات ـ كذلك ـ الحرق بالنار، بل ترى الابتعاد عن الاِحراق واضحاً وظاهراً فيها.
إنّ أبا بكر عذر خالداً بالتأويل! لاحتياجه إلى سيفه لاِخماد ثورات المتمرّدين والمخالفين، وهو يعلم بأنّه ليس بأهل للصلاح والاِصلاح، بل همّه نكاح النساء وسفك الدماء، إذ جاءت رسالة أبي بكر إليه:
«لعمري يا بن أُمّ خالد! إنّك لفارغ، تنكح النساء، وبفناء بيتـك دمُ ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد».
كتب ذلك إليه لمّا قال خالد لمجّاعة: زوّجني ابنـتك! فقال له مجّاعة: مهلاً! إنّك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك.
فقال: أيّها الرجل! زوِّجني!! فزوّجه، فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه
(1) فتح الباري 6|185.
(2) مسند أحمد 2|307، فتح الباري 6|184 ح 3016.
(3) مصنّف ابن أبي شيبة 7|658 ح 3.
(4) سنن أبي داود 4|124 ح 4353.
(107)
الكتاب، فلمّا نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الاَُعَيسر؛ يعني عمر بن الخطّاب(1).
والغريب أنّ أبا بكر نفسه قد أمر طريفة بن حاجز أن يحرق الفجاءة بالنار، فخرج به طريفة إلى المصلّى فأوقد ناراً فقذفه فيها!!
وفي لفظ الطبري: فأوقد له ناراً في مصلّى المدينة على حطب كثير، ثمّ رُمي فيها مقموطاً(2).
وفي لفظ ابن كثير: فجُمعت يداه إلى قفاه وأُلقي في النار، فحرقه وهو مقموط(3)0.
إنّ القوم ـ ومن أجل تصحيح هذه المواقف ـ راحوا يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه أمر بحرق من كذب عليه(4)، مع أنّ المحروقين ليسوا من الكذبة! فحرقهم حرام حتّى مع فرض صدور هذا الاَمر عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم !!!
مع أنّه لا مناص من الاِشارة إلى أنّ الحرق أُسلوب انتقامي قاسٍ كان يستعمله بعض زعماء الجاهلية للتنكيل بخصومهم، ولذلك أكّد الاِسلام على منع هذا الاَُسلوب إلاّ في موارد خاصة معدودة، لم يكن الفجاءة السلمي صاحب إحداها!
بل كان إحراق أبي بكر للفجاءة، ووضع خالد رأس مالك أثفية للقدور(5)، نوعاً من التمثيل الذي ورثوه من الجاهلية.. فقد كان عمرو بن
(1) تاريخ الطبري 3|254، تاريخ الخميس 3|343، وانظر: الغدير 7|168.
(2) تاريخ الطبري 3|234، الاِصابة 2|322.
(3) تاريخ ابن كثير 6|319، الكامل في التاريخ 2|146.
(4) انظر: أضواء على السُـنّة المحمّـدية: 65.
(5) تاريخ الطبري 6|241 حوادث سنة 11 هجرية.
(108)
هند يلقّب بالمُحرِّق، لاَنّه حرّق مائة من بني تميم: تسعة وتسعين من بني دارم، وواحداً من البَراجم، وشأنه مشهور(1).
ومُحَرِّق أيضاً لقب الحرث بن عمرو، ملك الشام من آل جَفنة، وإنّما سـمّي بذلك لاَنّه أوّل من حرّق العرب في ديارهم، فهم يُدعون آل محرِّق(2).
وأمّا قول أسود بن يعفُر:
|
ماذا أُؤَمِّلُ بعدَ آلِ مُحَرِّقٍ
| |
تركوا منازِلَهم، وبعد إيادِ؟!
|
فإنّما عنى به امرأَ القيس بن عمرو بن عديّ اللخمي؛ لاَنّه أيضاً يُدعى محرّقاً(3).
فوضعُ الاَحاديث في جواز الاِحراق جاء لتبرير فعل أبي بكر وخالد فيـه.
وتقنين سياسة الحرق جاءت للاِبادة والاِفناء، وعلى ضوء ما رأَوْه من مصلحة!
وبناء على ذلك، فهذه المصالح أصبحت أُصولاً في سياسة الخلفاء لاحقـاً.
د ـ سياسة التطميع والرشوة :
إنّ رجال النهج الحاكم ـ وكما قلنا ـ تعاملوا مع الخلافة على أنّها مصدر حكم ومُلك مادّي حسب النظرة الجاهلية، فكانوا لا يستقبحون
(1 ـ 3) لسان العرب 10|42 ـ 43 مادّة «حرق»، وانظر كتب الاَمثال في قولهم: «إنّ الشقي وافد البراجم».
(109)
اتّباع سياسة التطميع في بعض الاَحيان للوصول إلى الهدف..
ومـن ذلك مـا فعلـوه مـع العبّـاس بن عبـد المطّـلب، إذ إنّهـم أرادوا ـ باقتراح من المغيرة بن شعبة ـ أن يحدثوا شقّـاً في الصفّ الهاشمي، كالذي سعى إليه أبو سفيان من قبل في إحداث الشقاق في الصفّ الاِسلامي ـ لمّا حاول مخادعة الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فزجره الاِمام عليه السلام ـ.. وذلك بإشراك العبّـاس في الاَمر، إذ جاء أبو بكر وعمر بن الخطّاب وأبو عبيـدة بن الجرّاح والمغيرة بن شعبة إلى العبّـاس ليلاً، فقال له أبو بكر في ما قال:
ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الاَمر نصيباً يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك...
فقال له العبّـاس: إنّ الله بعث محمّـداً كما وصفت نبيّاً، وللمؤمنين وليّاً، فمنّ الله به على أُمّته حتّى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين أُمورهم ليختاروا لاَنفسهم مصيبين الحقّ، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله أخذتَ فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم... وإن كان هذا الاَمر إنّما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنّا كارهين... وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله، من قولك: «خلّى على الناس أُمورهم ليختاروا» فاختاروك!!
فأمّا ما قلتَ إنّك تجعله لي، فإن كان حقّاً للمؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك، فإنّ رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها(1).
(1) السقيفة وفدك ـ للجوهري ـ: 47، تاريخ اليعقوبي 2|1225 طبعة لندن.
(110)
ولمّا فشلوا في استمالة العبّـاس إلى جانبهم وإحداث الشقاق في الصفّ الهاشمي، صرّحوا بعدم إمكان اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم؛ لاَنّ العرب لا ترضى ذلك، ثمّ صرّحوا في تقسيم الخلافة بين القبائل (تيم، عديّ، فهر، أُميّة، و...).
والطريف هو أنّهم اقترحوا على العبّـاس ذلك، في حين أنّ عمر كان قد اقترح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما أُسر العبّـاس في معركة بدر أن يقتله مع باقي الاَسرى، فأعرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن رأيه، وكان قد تقدّم إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعدم قتل الاَسرى، ومنهم العبّـاس الذي كان قد أُخرج إلى معركة بدر مكرهاً، كغيره من بني هاشم كطالبٍ وعقيل وبني عبد المطالب(1).
إنّ الحاكمين بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يريدون ـ إنْ أمكنهم ذلك ـ استمالة الهاشميّين والاَنصار خلافاً لسياستهم العامة معهم، ومن ذلك ما جاء في شرح نهج البلاغة أنّ أبا بكر كان قد قسّم قَسْماً بين نساء المهاجرين والاَنصار، فبعث إلى امرأة من بني عديّ بن النجّار قَسْمَها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟!
قال: قَسْمٌ قَسَمَه أبو بكر للنساء.
وقالت: أتراشونني عن ديني؟! والله لا أقبل منه شيئاً؛ فردّته عليـه(2)ِ.
وإذا كان العبّـاس بـن عبـد المطلب والمرأة الاَنصارية لم يقبلا رُشا أبي بكر، فإنّ هناك من كان يقبل الرُشا المالية والسلطوية.
فقد جاء أبو سفيان ـ وفي يده بعض أموال السعاية ـ إلى المدينة، وسمع
(1) انظر: شرح نهج البلاغة 12|60 و ج 14|173 ـ 174 و 182 ـ 184.
(2) شرح نهج البلاغة 2|53.
(111)
نبأ تولّي أبي بكر للخلافة، فرفع عقيرته قائلاً: إنّي لاَرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم؛ فكلّم عُمَـرُ أبا بكر، فقال: إنّ أبا سفيان قد قدم وإنّا لا نأمن شرّه، فدفع له ما في يده، فتركه ورضي(1).
ولم يقف الاَمر على الرشوة المالية حتّى تعدّاه إلى الرشوة السلطوية، إذ يظهر أنّ أبا سفيان لم يقنعه المال وحده، بل طمح إلى أبعد من ذلك، فقال أبو سفيان: ما لنا ولاَبي فصيل؟! إنّما هي بنو عبد مناف!! فقيل له: إنّه قد ولّي ابنك، قال: وصَلَتهُ رحمٌ(2).
هكذا ظهرت الرشا صريحة ماثلة للعيان ـ دون رادع ولا وازع ـ وقرّرت من قِبل أبي بكر!! مع أنّه في المقابل كان قد منع سهم المؤلّفة قلوبهم ـ الذي نصّ عليه الكتاب وعمل به رسول الله ـ معتلاًّ بأنّ ذلك رشوة على الاِسلام!!
قال الشـعبي: ليسـت اليوم مؤلّفة قلوبهم، إنّما كان رجال يتألّفهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الاِسلام، فلمّا أن كان أبو بكر قطع الرشا في الاِسلام(3)، وكان ذلك بموافقة عمر ومشورته، معلّلاً المنع بما يشبه تعليل أبي بكر(4).
وهذا الموقف من الشيخين يبيّن مدى التناقض والتباين بين ما قرّروه في منع سهم المؤلّفة قلوبهم وبين إعطائهم الرشوة لاَبي سفيان مقابل السكوت على خلافتهم، وذلك هو الذي أثّر على السُـنّة النبويّة من بعد، فادّعى بعضهم أنّ سهم المؤلّفة قد انتهى بانتهاء عمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (5)،
(1) السقيفة وفدك: 37، شرح نهج البلاغة 2|44.
(2) تاريخ الطبري 3|202.
(3 و 4) الدرّ المنثور 3|252.
(3) انظر: تفسير الطبري 6|399 ـ 400 ذ ح 16868 ـ 16872، تفسير الحسن
(112)
وصحَّح ولاية يزيد بن أبي سفيان وأخيه معاوية عند كثير من المسلمين(1) رغم بُعد ولايتهما عن الشرعية بُعد السماء عن الاَرض.
7 ـ الضرورات تبيح المحظورات:
كانت هذه الفذلكة المزدوجة بين السُـنّة والحكم من جملة سياسات الخلافة الجديدة، والتي يمكن بلورتها عبر نقاط:
أ ـ توقيف أحكام الله مصلحة:
المتتبّع لسيرة أبي بكر أيّام خلافته يقف على حقائق كثيرة ومواقف وأُصول كانت لها أدوار في تثبيت خلافته:
منها: عدم إجراء الحدّ على خالد بن الوليد برغم إجماع المسلمين على لزوم قتله؛ إذ رجع عبـدالله بن عمرو وأبو قتادة الاَنصاري من السريّة التي كان فيها خالد كي يكلّما أبا بكر بما فعله خالد مع المسلمين من بني يربوع، وتزوّجه بزوجة مالك وهي في العدّة.
فالاعتراض على فعلة خالد لم يأت من هذين الصحابيّين فقط، بل السريّة كلّها كانت مخالفة لفعله، وحتّى عمر بن الخطّاب كان موقفه من خالد نفس موقف أُولئك، فإنّه ـ لمّا دخل خالد المسجد بعد رجوعه من الواقعة ـ قام إليه فانتزع الاَسهم من عمامته فحطّمها، ثمّ قال: أرئاءً؟! قتلت امرأً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته، والله لاَرجمنّك بأحجارك!
البصري 1|418، تفسير الدرّ المنثور 4|223 ـ 224، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 3|182.
(1) انظر: سير أعلام النبلاء 3|132 و 159.
(113)
وخالد لا يكلّمه، ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر، حتّى دخل عليه، فقال عمر لاَبي بكر: إنّ في سيف خالد رهقاً؛ وأكثر عليه في ذلك.
فقال: يا عمر! تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين(1)، ولمّا أصرّ أبو قتادة على موقفه دعاه أبو بكر ونهاه عن ذلك(2).
بهذا المنطق (التأويل) وكون أعدائه (المسلمين) من الكافرين! عذر أبو بكر خالداً؛ لاحتياجه إليه في مواقفه الاَُخرى في تثبيت الحكم، وبنفس المنطق سوّغ لنفسه نهي أبي قتادة عن التعرّض لخالد، مع أنّ اعتراض أبي قتادة كان في محلّه، ويكتسب الشرعية من القرآن والسُـنّة النبويّة.
ب ـ استغلال الرئاسة القبلية:
لم يختصّ عمل أبي بكر بعدم تطبيقه لاَوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبتعطيله لاَحكام الله بعدم إجرائه الحدّ على خالد بن الوليد، أو بتجاوزه الحدود واختراع حدود مرتجلة، مثل حرقه الفجاءة بالنار!! بل تعدّى إلى مفردات كثيرة أُخرى.
منها: عفوه عن الاَشعث بن قيس حين ارتدّ، لكونه زعيم كندة وممّن يحتاج إليه في مواقف ومشاهد أُخرى، وقد تأسّف أبو بكر ـ عند موته ـ من فعلته بقوله «ثلاث.. وثلاث.. وثلاث» وعدّ من اللاتي ودّ فعلها ولم يفعلها: ضرب عنق الاَشعث حين جيء به أسيراً، فقال: «وأمّا
(1) تاريخ الطبري 3|241، البداية والنهاية 6|241، أُسد الغابة 1|588، وغيرها.
(2) الكامل في التاريخ 2|358.
(114)
اللاتي تركتهن: فوددت أنّي يوم أُتيتُ بالاَشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنّه يُخيّلُ إليَّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه...»(1).
نعم، زوّج أبو بكر الاَشعثَ أُختَه وأشركه في المهامّ، وراح يقرّب بني أُميّة الطلقاء، ويولّي أولاد أبي سفيان الطليق الولايات، وقد أبقى الاَموال بيد أبي سفيان يصرفها كيفما يريد، كلّ ذلك حفاظاً على النظام القبلي والزعامات القرشية وغيرها التي تخدم الحكومة في تثبيت قواعدها.
إنّ سياسة الشيخين كانت تبتني على عدم الاستفادة من المال لاَنفسهما ولاَولادهما، وقد صرّح الاِمام عليّ عليه السلام بذلك ـ وهو يبيّن الفرق بين عثمان والشيخين ـ حين قال لعثمان: «أمّا التسوية بينك وبينهما، فلستَ كأحدهما، إنّهما وليا هذا الاَمر فظلفا(2) أنفسهما وأهلهما عنه، وعُمْتَ فيه وقومُك عَوْم السابح في اللُجّة...»(3).
هذا، وإنّ عثمان كان قد اعترف بهذه الحقيقة بقوله: «إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي»(4) وكذلك الاَمر في الولايات..
لكن ما اشترك فيه الجميع هو تقريب الذوات وأصحاب الرئاسات، بل استغلال حتّى بعض أُمّهات المؤمنين وذوي النفوذ من الصحابة في هذا الشأن، كلّ ذلك من أجل الوصول إلى الهدف، معرضين عن وجود عيون الصحابة وكبار الاَتقياء الصالحين للقيادات، ليس ذلك إلاّ لعدم تمتّعهم
(1) تاريخ الطبري 4|52.
(2) أي: كفّا.
(3) شرح نهج البلاغة 9|15.
(4) أنساب الاَشراف 6|137، وانظر مؤدّى ذلك في: الطبقات الكبرى 3|47، تاريخ الطبري 2|650، شرح نهج البلاغة 2|138، تاريخ ابن خلدون 2|567.
(115)
بالقوّة القبلية والمركز العشائري، والحشم والاَتباع.
ج ـ تعطيل أحكام الله اجتهاداً:
تناقلت كتب التاريخ خبر المؤلّفة قلوبهم الّذين جاؤوا أبا بكر ـ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ يطلبون حقوقهم، فكتب إلى عمر كتاباً بذلك، فلمّا أتوه مزّق الكتاب، وقال: «إنّا لا نعطي على الاِسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولا حاجة لنا بكم»؛ فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: هل أنت الخليفة أم عمر؟!
قال: هو إنّ شاء الله»(1).
فعطّل أبو بكر فرض الصدقة المصرّح به في القرآن اجتهاداً منه! وبذلك شرّع الاجتهاد قبال النصّ.
ومثله منعه الزهراء عليها السلام فدكاً حين احتجّت عليها السلام بالقرآن على مشروعية تمليكها، بعمومات آيات الوصيّة والاِرث وتوريث الاَنبياء أبناءهم!
وهل يُعدّ تضييع قتل الاَشعث ـ بعد أن أطلقه وزوّجه وقرّبه ـ إلاّ تعطيلاً لحكم من أحكام الله في قتل المرتدّ، وعدم جواز محاباته وتقريبه على أقلّ التقادير؟!
والاَوضح من كلّ ذلك هو منعه أهل البيت عليهم السلام حقّهم في الخمس الذي جعله الله لهم في كتاب الله، حتّى قالت الزهراء عليها السلام له: «لقد علمتَ
(1) انظر في منع عمر لسهم المؤلّفة قلوبهم: تفسير الدرّ المنثور 4|224 في تفسير الآية 60 من سورة التوبة، تفسير المنار 10|496، النصّ والاجتهاد: 44.
(116)
الّذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذي القربى...»(1).
فهذا تعطيل صريح لاَحكام الله بحجّة أنّه لم يسمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنّ كلّ ذلك لهم، أو لاحتياج جيوش المسلمين إلى ذلك المال، أو لغيرها من المعاذير، فيها وفي غيرها من الاجتهادات، ولنا وقفة قريبة مع أبي بكر تحت عنوان «اختلال قوانين الاِرث» فانتظر.
د ـ منع السؤال:
كان من المفروض على أبي بكر ـ ونظراً لموقعه ـ أن يجيب عن الاَسئلة التي ترد عليه؛ لكونه قد جلس مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخَلَفَه في الحكم بالاَحكام الشرعية في مختلف القضايا!! لاَنّ القرآن يقول: (فاسألوا أهل الذِكر إن كنتم لا تعلمون)، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «اطلبـوا العلم من المهـد إلى اللحـد» ويحـثّ على المسـاءلة والتعلّـم، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يجيب السائلين عن كلّ مسائلهم الدينية والدنيوية، وذلك ما صرّح به الكتاب العزيز بقوله: (يعلّمهم الكتاب والحكمة).
والمفروض ـ في ضوء ذلك ـ أنّ الخليفة هو القائم مقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه الجهات، فكان لا بُـدّ له من أن يُحِطْ علماً بالفقه والشرع المقدّس وعلم التفسير والتأويل، ليكون مفزع المسلمين في تبيين الاَحكام عند الحاجة لذلك..
ولمّا لم يكن لاَبي بكر الاِلمام الكامل بجميع أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،
(1) شرح نهج البلاغة 4|86.
(117)
ولم تكن عنده صحف مكتوبة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، تراه يواجه مشكلة كبرى، فتراه ينهى عن السؤال ويسعى إلى ضرب السائل، مع أنّنا نجد أنّ هناك رجالاً كالاِمام عليّ عليه السلام وابن عبّـاس يسعون للاِجابة عن أسئلة السائلين، موضّحين آفاق الفكر الاِسلامي لهم، وإليك مفردتين في ذلك:
الاَُولـى: أخرج اللالكائـي فـي السُـنّة عن عبـدالله بن عمر، قال: جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم؛ قال: فإنّ الله قدره علَيَّ ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم، يا بن اللخناء! أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك(1).
الثانية: عن أنس بن مالك، قال: أقبل يهودي بعد وفاة رسول الله، فأشـار القوم إلى أبي بكر، فوقـف عليه، فقال: أُريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيُّ نبيّ.
فقال أبو بكر: سل عمّا بدا لك.
فقال اليهودي: أخبرني عمّـا ليـس لله، وعمّـا ليـس عنـد الله، وعمّا لا يعلمه الله.
فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي! وهَمّ أبو بكر والمسلمون باليهودي.
فقال ابن عبّـاس رضي الله عنه : ما أنصفتم الرجل.
فقال أبو بكر: أما سمعت ما تكلّم به؟!
فقال ابن عبّـاس: إنْ كان عندكم جوابه وإلاّ فاذهبوا به إلى عليّ رضي الله عنه يجيبه، فإنّي سمعت رسول الله يقول لعليّ بن أبي طالب: اللّهمّ اهدِ قلبه ،
(1) انظر: الغدير 7|153 عن اللالكائي في «السُـنّة».
(118)
وثبّت لسانه؛ قال: فقام أبو بكر ومن حضره حتّى أتوا... الخبر(1).
وحسبك أنّ الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، هو صاحب القول الذي طار صيته في الآفاق: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي أعلم بطرق السماء من طرق الاَرضين(2).
هـ ـ تقديم المفضول على الفاضل:
نظراً لضرورة تحكيم أُصول الحكم والزعامة فقد شُرّعت ولاية المفضول مع وجود الفاضل..
قـال الباقلاّنـي في التمهـيد ـ عند الجواب عن قول أبي بكر: «وليتكم ولست بخيركم» ـ: يمكن أن يكون قد اعتقد أنّ في الاَُمّة أفضل منه، إلاّ أنّ الكلمة عليه أجمعُ، والاَُمّة بنظره أصلح، لكي يدلّهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل!
ولهذا قال للاَنصار وغيرهم: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعـوا أحدهمـا: عمر بن الخطّاب وأبا عبـيدة بن الجرّاح؛ وهو يعلم أنّ أبا عبيـدة دونه ودون عثمان وعليّ في الفضل، غير أنّه قد رأى أنّ الكلمة تجتمع عليه وتنحسم الفتنة بنظره، وهذا أيضاً ممّا لا جواب لهم عنه(3).
وقال القاضـي فـي المواقـف: جوّز الاَكثـرون إمامـة المفضـول مع وجود الفاضل، إذ لعلّه أصلح للاِمامة من الفاضل، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر معرفة مصالحه ومفاسده، وقوّة القيام بلوازمه، وربّ مفضول في علمه
(1) المجتنى ـ لابن دريد ـ: 45 ـ 46، وانظر: الغدير 7|178 ـ 179.
(2) نهج البلاغة 2|152 الخطبة 184.
(3) التمهيد ـ تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ـ: 494، وانظر: الغدير 7|131.
(119)
وعمله هو بالزعامة أعرف، وشرائطها أقوم؛ وفصّل قوم، فقالوا: نصب الاَفضل إن أثار فتنة لم يجب، وإلاّ وجب.
وقـال الشـريف الجـرجـاني: كـمـا إذا فـرض أنّ العسـكر والـرعيـة لا ينقادون للفاضل بل للمفضول(1).
نعم، إنّ الحاجة والسياسة أوصلتهم للاعتقاد بفكرة تقديم المفضول على الفاضل، ثمّ انجرّت إلى القول بأنّ المقدّم في الخلافة هو المقدّم في الفضل!!
حتّى قـال أحمـد بـن محمّـد الوتـري البغـدادي في روضـة النـاظرين:
اعلم أنّ جماهير أهل السُـنّة والجماعة يعتقدون أنّ أفضل الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ، رضي الله تعالى عنهم، وأنّ المتقدّم في الخلافة هو المقدّم في الفضيلة، لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل، لاَنّهم كانوا يراعون الاَفضـل فالاَفضـل، والدليـل عليـه: إنّ أبا بكر رضي الله عنه لمّا نصّ على عمر رضي الله عنه قام طلحة رضي الله عنه فقال: ما تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّـاً غليظاً؟!
فقال أبو بكر رضي الله عنه : فركت لي عينيك، ودلكت لي عقبيك، وجئتني تكفّني عن رأيي، وتصدّني عن ديني، أقول له إذا سألني: خلَّفت عليهم خير أهلك؛ فدلّ على أنّهم كانوا يراعون الاَفضل فالاَفضل(2).
فها هم ينتقلون من فكرة تقديم المفضول على الفاضل إلى فكرة أنّ
(1) شرح المواقف 3|279، وانظر: الغدير 7|149.
(2) روضة الناظرين: 2، كما في الغدير 7|152.
(120)
المقدّم في الحكم والخلافة هو الاَفضل، مستدلّين على ذلك بأدلّة واهية كما رأيت، وقد أوضحنا ذلك في كتابنا منع تدوين الحديث لمن شاءالمزيد.
8 ـ إبعاد المنافسين ضرورة سياسية:
أ ـ بنو هاشم.
ب ـ الاَنصار.
* بنو هاشـم:
لا ينكر أحدٌ عداء قريش لعليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي قتل صناديدهم وفرسانهم، وأنّ قريشاً ـ نظراً لمكانتها ومطامعها ومطامحها ـ سعت لتنحية الاِمام عليّ عليه السلام عن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ ما لها من قوّة وعزم.
ولو تأمّلت سيرة الشيخين لرأيتهما يجدّان في تثبيت حكمهما وإبعاد منافسـيهما من المناصب والولايات، فقد جاء عن عمر قوله حينما نصّب أبو بكر خالد بن سعيد الاَُموي أميراً على حملة الروم: أتولّي خالداً وقد حبس عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال؟!... ما أرى أن تولّيه؛ وما آمن خلافه؛ فانصرف عنه أبو بكر، وولّى أبا عبيـدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان وشُرَحْبيل بن حسنة(1).
فالشيخان والقرشيّون معهم كانوا يخافون بني هاشم، فلم يولّوهم الولايات والاَمصار، بل اتّخذوا سياسة تضعيفهم، وذلك بتقريب مناوئيهم
(1) شرح نهج البلاغة 2|58 ـ 59.
(121)
من الاَُمويّين كأبي سفيان، ومعاوية، ويزيد، وعتبة، ومروان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وغيرهم، عبر إعطائهم السلطة، أي أنّهم قد فسحوا للطلقاء المجال للمشاركة في الحكم خوفاً من بني هاشم.
والاَنكى من ذلك، نرى تسلّل اليهود والنصاري إلى مراقي الحكم واختصاصهم بأسرار الدولة، ككعب الاَحبار ووهب بن منبّه وتميم الداري وغيرهم، في حين كانوا يبعدون كبار الصحابة من الولايات والمراكز المهمّـة.
* الاَنصـار:
الثابت عن الاَنصار أنّهم كانوا أحد أركان النزاع يوم السقيفة ـ نظراً لمكانتهم وموقعهم في الاِسلام ـ، إذ لا يمكن لاَحد أن ينسى دورهم في المعارك الاِسلامية في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قدّم الخزرج من الاَنصار ثمانية شهداء من مجموع أربعة عشر شهيداً في بدر(1)، وقدّموا في معركة أُحـد سبعين شهيداً وأربعين جريحاً، في حين استشهد أربعة من المهاجرين فقط(2).
وكان في غزوة بني المصطلق ثلاثون فارساً من المسلمين، عشرون منهم من الاَنصار(3)، وحين انهزم المسلمون في بداية وقعة حنين كان
(1) الاَنصار والرسول ـ لبيضون ـ: 26، عن تاريخ خليفة بن خيّاط 1|20.
(2) الاَنصار والرسول ـ لبيضون ـ: 32، عن المغازي ـ للواقدي ـ 1|300، وابن سعد، غزوات: 43.
(3) الاَنصار والرسول ـ لبيضون ـ: 34، عن المغازي ـ للواقدي ـ 1|405، وابن سعد، غزوات: 63.
(122)
النداء موجّهاً إلى الاَنصار، ثمّ قُصر النداء فوُجّه إلى بني الحارث بن الخزرج الّذين كانوا صُبّراً عند اللقاء(1)، وكانت الاَنصار في كلّ ذلك إلى جانب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ قريش وعتاتها..
وقد تجلّى ذلك واضحاً في وقعة الخندق (الاَحزاب)، فقد دافعوا عن مدينتهم بحفر الخندق، وأكبروا موقف عليٍّ عليه السلام في قتله عمرو بن عبـد ودّ ومن عبروا معه الخندق، كما تجلّى الصراع وبغض الحزب القرشي للاَنصار في فتح مكّة، فقد عدّت قريش هزيمتها أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّما كان نصراً للاَنصار.
وقد ذكر الزبير بن بكّار مقولةً لعمرو بن العاص ـ لمّا رجع من سفر كان فيه بعد أحداث السقيفة ـ فيها تعريض بالاَنصار، ولمّا قدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن وسمع بمقالة عمرو بن العاص غضب للاَنصار، وشتم عمرو بن العاص، وقال: «يا معشر قريش! إنّ عَمْراً دخل في الاِسلام حين لم يجد بُـدّاً من الدخول فيه، فلمّا لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه، وإنّ من كيده الاِسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والاَنصار، والله ما حاربناهم للدين ولا للدنيا، لقد بذلوا دماءهم لله فينا...»(2).
وجاء عن الفضل بن العبّـاس أنّه اعترض على عمرو بن العاص في موقف آخر له ضدّ الاَنصار، وقد كان الفضل أخبر عليّـاً بذلك فغضب الاِمام وشتم عمراً، وقال: «آذى الله ورسوله»، ثمّ اجتمع في المسجد بنفر كثير من قريش وقال مغضباً: «يا معشر قريش! إنّ حبّ الاَنصار إيمان وبغضهم
(1) المغازي النبوية ـ للزهري ـ: 92، المغازي ـ للواقدي ـ 3|899.
(2) الاَخبار الموفّـقيّات: 472 ـ 474 ح 384، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2|281.
(123)
نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم، واذكروا أنّ الله رغب لنبيّكم عن مكّة فنقله إلى المدينة، وكره له قريشاً فنقله إلى الاَنصار...»(1).
هذا، ولمّا تسلّم أبو بكر زمام الاَُمور لم يفِ للاَنصار بمقولته: «نحن الاَُمراء وأنتم الوزراء»(2).. فأبعدهم عن مراكز السلطة، حتّى صرّح شاعر الاَنصار بذلك قائلاً(3):
|
يا للرجـال لخلْفَةِ الاَطْوارِ
لم يُدخِلوا منّا رئيساً واحداً
| |
ولِما أرادَ الـقـومُ بالاَنصارِ
يا صاحِ في نقضٍ ولا إمْرارِ
|
وقطع أبو بكر البعوث وعقد الاَلوية، فعقد أحد عشر لواءً: لخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، والمهاجر بن أُميّة، وخالد بن سعيد ـ وعزله قبل أن يسر(4) ـ، وعمرو بن العاص، وحذيفة بن محصن الغلفاني ـ أو: الغفاري ـ، وعرفجة بن هرثمة، وشرحبيل بن حسنة، ومعن بن حاجز، وسويد بن مقرّن، والعلاء بن الحضرمي(5).
وجعل يزيد بن أبي سفيان أميراً على الشام، وأمّر الوليد بن عقبة على الاَُردن..
ومن أراد المزيد فليراجع الكامل لابن الاَثير، كي يرى التركيبة الاِدارية والسياسية والعسكرية لاَبي بكر، إذ ليس فيها أثر واضح للاَنصار، بل غالبيّتهم الساحقة من قريش ومن القبائل الاَُخرى، بل الكثير منهم كانوا من أعداء الاِمام عليّ عليه السلام والاَنصار، أو قل من أصحاب الرأي والاجتهاد
(1) الاَخبار الموفّـقيّات: 475 ح 386، شرح نهج البلاغة 2|283.
(2) أنساب الاَشراف 1|584.
(3) تاريخ اليعقوبي 2|129.
(4) الكامل في التاريخ ـ لابن الاَثير ـ 2|402.
(5) الكامل في التاريخ ـ لابن الاَثير ـ 2|346.
(124)
المناقضين لنهج التعبّد المحض بالنصّ.
ولو تصفّحت كتب التاريخ والحديث والفقه لرأيت أحاديث لا حصر لها في مدح أبي بكر، وعمر، وعثمان، و... ولا تجد بقدرها في العبّـاس وحمزة وأبو طالب ـ أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعبـدالله بن مسعود، وبلال، وعمّار، وسلمان، وعثمان بن مظعون، وأبو ذرّ، والمقداد.. ومن هنا اختصّ حديث العشرة المبشّرة بالقرشـيّين فقط!! فليس فيهم أنصاريّ واحـد.
وأسألُ القارئ العزيز: هل فكّر في سبب التعتيم على الاَنصار، مع أنّ جيوش الاِسلام كانت مؤلّفة ـ في عمدتها ـ منهم، ومع أنّهم السواد الاَعظم في المدينة؟!
نعم، إنّ رجال الخطّ القرشي فتحوا الفجوة التي رأب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم صدعها في صدر الاِسلام بين المهاجرين والاَنصار، حتّى صارت قضية المهاجرين والاَنصار من القضايا المهمّة في السياسة الاِسلامية لاحقاً؛ فقد نقّص عمر بن الخطّاب عطاء الاَنصار، وتهجّم عليهم معاوية، وأخيراً جاءت واقعة الحرّة في عهد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان طامّة كبرى في الانتقام القرشي من الاَنصار!
9 ـ المعايير الغيبية في الحياة الاِسلامية وانعدامها في الجاهلية:
إنّ الحياة الجاهلية كانت مبتنية على عبادة الاَصنام وتعدّد الآلهة، وكانت نظرتهم إلى الاَُمور نظرة ماديّة، وحينما جاء الاِسلام، جاء ليغيّر تلك الاَفكار، ويدعوهم إلى الله الواحد القهّار، ببيانه أُموراً غيبية لا يدركون عمقها وحقيقتها، كدعوته إيّاهم إلى الله الواحد، وإخبارهم بالبعث والنشور،
(125)
وإحياء الموتى، وغيرها.
فكان المشركون يخالفون هذه الاَفكار ويعترضون على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لعدم دركهم كنهها، بل إنّ مطالبهم كانت تتمثّل بأنّه: لِمَ لا يكون للنبيّ ملَكٌ عظيم، أو ذهب، وكيف يحيي الموتى؟! وكيف يُبعثون بعد الموت؟! فكلّها تدور حول المطالبة بأشياء مادّية، محسوسة ملموسة، وعدم الاِيمان بالاَُمور الغيبية.
وقد تناقلت المصادر عن أبي بكر أنّه تعامل مع بعض مفردات الغيب تعامل مادّة، فقال في حنين: «لن نغلب من قلّة»، فلم يرض الله ورسوله بهذه الفكرة، لوجوب الاِيمان بكنه المسائل ومدد الغيب، ولذلك نزل قوله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم)(1).
وقد آمن بهذه الظاهرة طائفة من المسلمين، فأخذوا يشكّكون بمقامات الصالحين وأدوارهم الغيبية، وعدم إمكان اتّصالهم بعالم الدنيا لفناء أجسادهم، لعدم تطابق هذا الفهم مع الظواهر الطبيعية والثوابت المادّية!
فلو كانت هذه الطائفة قد عرفت مقامات أُولئك وما منحهم ربّ العالمين من مكانة، لَما شكّكوا ولَما قالوا جزافاً.
وعليـه: فالوقوف على أسرار عالم الغيب يجعلنا نفهم وندرك الاَُمور بعمق أكثر ممّا نحن فيه؛ لكونه سبحانه (شهيد بيني وبينكم)(2)، وهو القائل: (ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّـئكم بما كنتم
(1) سورة التوبة 9: 25.
(2) سورة الاَنعام 6: 19.
(126)
تعلمون)(1)، ولقوله تعالى:(يؤمنون بالغيب) (2).
وعلى ضوء ما قلناه يجب فهم ومعرفة هذه المفاهيم الغيبية والحقائق الاِلهية، وأن لا نتعامل مع الذوات العالية كذوات دانية، ونحن ـ والحـقّ يقال ـ لا ندرك كنه مقام النبيّ والاِمام؛ لاَنّ عالمهم الغيبي أسمى من عالمنا بكثير..
وإنّ أبعاد ذلك العالم وصلاحيّاته مجهولة لكثير منّا، فلا يمكنهم أن يعرفوا كيف يكون الرسول شهيداً علينا وبعد أربعة عشر قرناً؟! لقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)(3) فنتساءل: هل هذه الاَُمّة مختصّة بعصر الصحابة، أم لها الشمولية للاَزمان كلّها؟! وما معنى شهادة الرسول فيها؟! وكيف يمكن تصوّر شهادته صلى الله عليه وآله وسلم طبق الضوابط المادّية التي نعرفها؟!
إنّ ذلك كلّه من الغيب الاِلهي الذي لا بُـدّ من الالتزام به وإن لم نعرف حقيقته وكيفيّته، فهناك مفاهيم معنوية غيبية كثيرة في حياتنا الاِسلامية يجب معرفتها والوقوف على كنهها.
وباعتقادي: إنّ تسليط الضوء على هذه الزاوية سيحلّ الكثير من المسائل العقائدية التي لا يدرك عمقها الآخرون!!
وإنّ تلك الاَُمور تشابه تسبيح الموجودات لربّ العالمين التي لا نفقه تسبيحها، وهي كضيافة الله لعباده في شهر رمضان والتي لا تشابه ضيافة الناس بعضهم لبعض، إذ إنّ مفهوم الاَكل عند الباري يختلف عن مفهوم
(1) سورة التوبة 9: 94.
(2) سورة البقرة 2: 3.
(3) سورة البقرة 2: 143.
(127)
الاَكل عندنا، وهكذا مفهوم الشهادة والشهود وغيرها من الجهات المعنوية الملحوظة في الفكر الاِسلامي.
ومـن هذا المنطلق يجـب علينا العودة إلى الاَُمّة في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لنقول ـ ووا أسفاً على ذلك ـ: إنّها كانت لا تدرك مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم السامي الربّاني، فتتعامل معه كأنّه بشر عادي يصيب ويخطئ، ويقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا... وإلى غير ذلك.
فالموت بالمنظور الاِلهي هو الحياة وليس الفناء، فلو كان الموت هو الحياة، فما هي أوجه الشبه بينه وبين الحياة الدنيويّة؟!
وهل يعقل أن يحيا شخص دون أن يتكلّم أو يأكل أو يشرب و... ولو كان يحتاج إلى كلّ هذه في حياته، فكيف يتكلّم ويأكل ويشرب؟!
وعليـه: فالتركيز على الجانب المعنوي وتبيّـن المفاهيم الربّانية للحياة المعنوية يفتح لنا آفاقاً كثيرة، وعلى ضوئها يمكننا معرفة معنى الاِسراء والمعراج.. تكلّم الله مع موسى عليه السلام .. إجابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لمن سلّم عليه.. إجابة الاَئمّة عليهم السلام لنا حين نخاطبهم.. كيفية وصول ثواب هدايانا إلى الموتى.. وما شابه ذلك.
بعد هذه المقدّمة نعرّج إلى بيان حقيقة معنوية كان أبو بكر لا يدرك عمقـها، فقد جـاء ضمـن احتجـاج الاِمـام عليّ عليه السلام على أبي بكر قولـه: يـا أبا بكر! لِمَ منـعتَ فاطمة ميراثها من رسول الله وقد ملكَتْه في حياة رسول الله؟!
فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله جعله لها، وإلاّ فلا حقّ لها فيه.
قال أمير المؤمنين: يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف حكم الله في
(128)
المسلمين؟!
قال: لا.
قال: فإن كان في يـد المسلمين شيءٌ يملكونه، ثمّ ادّعيتُ أنا فيه، مَن تسأل البيّنة؟!
قال: إيّاك أسأل البيّنة.
قال: فما بال فاطمة سألتَها البيّنة على ما في يديها، وقد ملكَتْه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده(1)، ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادّعوهُ شهوداً، كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟!
فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا عليّ! دعنا من كلامك، فإنّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهودٍ عدول، وإلاّ فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه.
فقال أمير المؤمنين: يا أبا بكر! تقرأ كتاب الله؟!
قال: نعم.
قال: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) في من نزلت؟! فينا أم في غيرنا؟!
قال: بل فيكم.
قال: فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة، ما
(1) انظر في ذلك: معجم البلدان 4|238، لسان العرب 10|203 يلاحظ
وفي كتاب المأمون إلى عامله على المدينة: وقد كان رسول الله أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله.
انظر: فتوح البلدان: 42 طبعة مكتبة الهلال.
(129)
كنت صانعاً بها؟!
قال: كنت أُقيم عليها الحدّ، كما أقمته على نساء المسلمين.
قال: إذاً كنت عند الله من الكافرين.
قال: ولِمَ؟!
قال: لاَنّك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها.
كما رددت حكم الله وحكم رسوله، أن جعل لها فدكاً قد قَبَضَتْهُ في حياته، ثمّ قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكاً، وزعمت أنّه فيء للمسلمين، وقد قال رسول الله: «البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه» فرددت قول رسول الله: «البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادُّعي عليه»(1).
ومن هذا وأمثاله تعرف سقم الخبر المفتعل على الزهراء عليها السلام من أنّها أخذت قلادة من بيت مال المسلمين لتلبسها، فلمّا سمع رسول الله بذلك قال: لو سرقت فاطمة لقطعت يدها!!!
ونحن لو تأمّلنا كلمات الاِمام عليّ عليه السلام وما دار بين ابن عبّـاس وبين عمر ـ التي ذكرناها سابقاً ـ لعرفنا أنّهم كانوا يؤكّدون على الدور المعنوي لاَهل البيت عليهم السلام ، وأنّ من الاَُمّة من لا يدرك عمق ذلك، فيتعامل معهم كأُناس ليسـت لهم ملكات معنوية إلهية عالية، وخصوصاً أبو بكر؛ إذ تراه لا يعرف كنه آية التطهير، فيتعامل مع الزهراء عليها السلام كما يتعامل مع أدنى امرأة من المسلمين تماماً، وعمله هذا مخالف لصريح القرآن وما جاء في
(1) الاحتجاج 1|119، وعنه في بحار الاَنوار 29|127 ح 27، وكذا في علل الشرائع: 190 ـ 192 ح 1.
(130)
أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
فنحن لو أردنا أن نجمل بعض خصائص هذه الذرّية الطاهرة لكانت:
1 ـ إنّهم المطهّرون؛ بنصّ الآية.
2 ـ وهم الّذين حرّمت عليهم الصدقة.
3 ـ واختصاصهم بأنّ حسبهم لا ينقطع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «كلّ حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي».
4 ـ وهم ذوو القربى الّذين أكّد الباري على حقّهم ووجوب مودّتهم في كتابه.
5 ـ وهم الّذين تجب الصلاة عليهم في الصلاة.
6 ـ وهم أحد الثقلين اللذين أمرنا الله بالتمسّك بهم.
7 ـ وهم الصادقون، والمؤمنون، وأهل الذِكر، وأُولي الاَمر؛ بصريح القـرآن.
8 ـ ومنهم خلفاء الرسول الاثنا عشر..
وإلى غير ذلك من المميّزات الربّانية التي خصّـهم الباري بها.
لكنّ عمر بن الخطّاب صرّح بأنّ القرابة من رسول الله لا تفيد شيئاً، إلاّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالف هذا الفهم وانزعج منه، ففي مجمع الزوائد للهيثمي: إنّ ابناً لصفيّة ـ عمّة رسول الله ـ مات، فبكت صفية، فقال لها رسول الله: يا عمّة! من توفّي له ولد في الاِسلام فصبر، بنى الله له بيتاً في الجنّة؛ فسكتت..
ثمّ خرجت من عند رسـول الله فاسـتقبلها عمر بن الخطّاب، فقال: يا صفيّة! قد سمعت صراخك، إنّ قرابتك من رسول الله لا تغني عنك من الله شيئاً؛ فبكت..
(131)
فسمعها النبيّ وكان يكرمها ويحبّها، فقال: يا عمّة! أتبكين وقد قلت لك ما قلت؟!
قالت: ليس ذلك أبكاني يا رسول الله، استقبلني عمر بن الخطّاب، وقال: إنّ قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئاً.
قال: فغضب النبيّ، وقال: يا بلال! هجّـر بالصلاة؛ فهجّر بالصلاة، فصعد المنبر النبيّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ما بال قوم يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع؟! كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي، فإنّها موصولة في الدنيا والآخرة(1).
فإذا كانت مطلق قرابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لها هذه السـمة المعنوية والميزة الشرعية في الدنيا والآخرة، فكيف بابنته التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها؟!!
إنّ عدم تفهّمهم، أو عدم ترتيبهم الآثار على تلك الخصائص الاِلهية، إنّما يكمن وراءه موروث قديم، هو الذي لا يحترم الرئيس إلاّ ما دام حيّـاً، ولا يعير للبنت أهمّية إلاّ بمقدار أنّها «امرأة» لا توازي الرجل ولا تساويه، بل ليس لها أن تطالب بشيء من حقوقها الشرعية والاجتماعية!
10 ـ اختلال قوانين الاِرث وتقعيد قواعد الجاهلية فيه:
قبل توضيح اختلال ميزان قوانين الاِرث في هذا العهد، لا بُـدّ من إلقاء نظرة عابرة على مكانة المرأة في الجاهلية وصدر الاِسلام؛ إذ إنّ البنت كانت توأد في التراب في الجاهلية، وذلك ما أخبر به الله في قوله: (وإذا
(1) مجمع الزوائد 8|216.
(132)
الموؤدة سئلت * بأيّ ذنب قتلت)(1) وقد حكى عمر وغيره قصّة وأده بنته في الجاهلية(2).
ونقل لنا عمر حالة النساء في المدينة عمّـا كنّ عليه مع القرشيّين، فقال: كنّا معشر قريش قوماً نَغْلِبُ النساء، فلمّا قدمنا المدينة، وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم(3).
وقد خاطب عمر امرأة، فوصفها بقوله: إنّما أنتِ لُعبة يُلعَبُ بك ثمّ تُتركين(4).
وقد هدّد الزهراء عليها السلام بحرق بيتها، وضرب رقيّة لبكائها على حمزة عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهجم على بيت عائشة بعد وفاة أبي بكر وضرب أُمّ فروة بنفسه(5)، وكذا هجم على بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية ـ خالة خالد بن الوليد ـ يوم وفاة خالد!!
بعد هذه المقدّمة المختصرة نأتي بمقطع من خطبة الزهراء عليها السلام كي نعلّق عليه، وهو:
«... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرْثَ لنا (أفحكم الجاهلية يبغون ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)(6) أفلا تعلمون؟! بلى، قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته..
(1) سورة التكوير 81: 8 و 9.
(2) انظر: عبقرية عمر ـ للعقّاد ـ: 214.
(3) السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 7|37.
(4) تاريخ عمر ـ لابن الجوزي ـ: 114، شرح نهج البلاغة 3|766.
(5) تاريخ الطبري: حوادث سنة 13 هـ، الكامل في التاريخ 2|204، كنز العمّال 8|118 كتاب الموت.
(6) سورة المائدة 5: 50.
(133)
أيُّها المسلمون! أَأُغْلَبُ على إرثيه؟!
يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرثُ أبي؟! لقد جئت شيئاً فريّاً..
أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: (وورث سليمانُ داودَ)(1)؟! وقال في ما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا إذ قال:(فهب لي من لدنك وليّـاً * يرثني ويرث من آل يعقوب) (2)، وقال:(وأُولو الاَرحام بعضهم أَوْلى ببعضٍ في كتاب الله) (3)، وقال: (يوصيكم اللهُ في أولادكم للذكر مثل حظّ الاَُنثيين)(4)، وقال: (إن ترك خيراً الوصيّةُ للوالدين والاَقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين)(5).
وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا!! أفخصّكم الله بآية أخرج أبي صلى الله عليه وآله وسلم منها؟!
أم هل تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثان؟!
أَوَلستُ أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟!
أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟!
فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنِعم الحكَمُ الله، والزعيم محمّـد، والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون ـ وفي نسخة:
(1) سورة النمل 27: 16.
(2) سورة مريم 19: 6.
(3) سورة الاَنفال 8: 75.
(4) سورة النساء 4: 11.
(5) سورة البقرة 2: 180.
(134)
يخسـر المـبطلـون ـ، ولا ينـفعـكم إذ تـندمـون (لكـلّ نبـأ مسـتقـرّ)(1) و
(سوف تعلمونَ مَن يأتيه عذابٌ يخزيه ويحِلّ عليه عذابٌ مقيـمٌ)(2)...»(3).
وهذا المقطع يوقفنا على عدّة أُمور:
الاَوّل: اتّهام الزهراء عليها السلام أبا بكر وأنصاره بنفيهم الاِرث عنها.
الثاني: اتّهامها أبا بكر بالكذب.
الثالث: تقريرها تركهم كتاب الله.
الرابع: نفيها كونهـم أعلم من رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ بن أبي طالـب عليه السلام .
أمّا الاَمر الاَوّل منها:
فـإنّ كـلام الزهـراء عليها السلام صريـح في أنّ أبا بكر وأنصـاره زعمـوا أن لا حظوة ولا إرث لها من أبيها، وهذا يخالف عمومات القرآن في الوصية والاِرث، فكيف بأبي بكر يرث أباه والزهراء عليها السلام لا ترث أباها؟!
فأبو بكر خالف بفعله قولَه في عدم توريث الاَنبياء؛ لاَنّ المطالبة بالميراث لا تحتاج إلى إشهاد وشهود، وأنّ طلب الشهود ينبئ عن كونها نِحلة وهدية ـ قدّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فاطمة عليها السلام ، وقد نصّت كتب
(1) سورة الاَنعام 6: 67.
(2) سورة هود 11: 39.
(3) الاحتجاج 1|267 ـ 268، وانظر: شرح نهج البلاغة 16|209 ـ 253.
(135)
الحديث والتاريخ على شهادة أُمّ أيمن وعليٍّ عليه السلام لها(1) ـ إلاّ أن يقولوا: إنّهم يشكّون في كونها ابنته ـ والعياذ بالله ـ!!
فلو ثبـت كونها نِحلـة وهديّـة، فتكون خارجة عن مدّعى أبي بكر ولا ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «نحن معاشر الاَنبياء لا نورّث»؛ لاَنّها خارجة عن مُلكه صلى الله عليه وآله وسلم وداخلة في ملك الزهراء عليها السلام !
ولو صحّ نقله ذاك، فلِمَ أبقى البيوت لنساء النبيّ يتصرّفن فيها كما يتصرّف المالك في ملكه؟! حتّى وصل الاَمر به أن يستأذن عائشة في الدفن في حجرتها!! في حين نراه قد انتزع فدك من الزهراء عليها السلام بدعوى عدم ملكيّتها!!
ولا أدري كيـف اخـتلف الحكـم بيـن الحالتيـن؟!
فلو كان الاَنبياء لا يورّثون، فكيف ورثت نساء النبيّ ولم تورّث ابنـته؟!
وإن كانتا ـ دار الرسول وفدك ـ نِحلة وهدية، فكيف يُقبل من عائشة وأضرابها ادّعاؤها دون شاهد ولا يقبل من الزهراء عليها السلام ـ وهي المطهّرة ـ مع إتيانها بالشهود؟!
وهل هناك فتنة أكبر من هذه؟!
وهل هناك تغيير لتعاليم السماء أجرأ من هذا؟!
فحقّ للزهراء عليها السلام أن تقول: (ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين)(2).
(1) انظر هامش بحار الانوار 29 \ 347.
(2) سورة التوبة 9 : 49 .
|