العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 59 - 60  >  عدالة الصحابة  >

عدالة الصحابة
(3)

الشيخ محمد السند



مفـاد الآيات القـرآنية:
هذا، وأمّا الآيات فمفادها بعيد تمام البعد عن تقديس جميع الصحابة أو ثلّة جماعة بيعة السقيفة، بل إنّ كلّ منها بنفسه دليل على عدم التـعميـم فـي عدالـة الصحـابة، سـواء فسّـرت الصحـبة بمـعنى كـلّ مـن رآه صلى الله عليه وآله وسلم ، أو نقل الحديث عنه، أو لازمه مدّة مديدة.


* أمّا الآية الاَُولى:
فهي قوله تعالى: (السابقون الاَوّلون من المهاجرين والاَنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّـات تجري تحتها الاَنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)(1).
فنرى أنّ الآية قد قيّدت المرضيّ عنهم من المهاجرين والاَنصار بقيدين، الاَوّل: السبق؛ الثاني: كونه أوّل السابقين، أي الاَوّلية في السبق،



(1) سورة التوبة 9: 100.


(65)
ومن المقرّر في موضعه تاريخياً ـ برغم الدعاوي الاَُخرى ـ أنّ أوّل السابقين إلى الاِسلام هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ومن ثمّ حاولت الدعاوي الاَُخرى الاستعاضة لتطبيق الآية بأنّ عليّـاً أوّل من أسلم من الاَحداث، وأنّ خديجة أوّل من أسلم من النساء، وأنّ...
ولكنّ السبق والاَوّلية في الآية غير مقيّدتين بحيثية السنّ أو الجنس، هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى أنّ استعمال القرآن الكريم للسبق هو بمعنىً خاصّ كما تطالعنا به سورة الواقعة، وهذا كديدَن الاستعمال القرآني في العديد من عناوين الاَلفاظ كالصدّيقين والاصطفاء والتطهير..
فالمعنى الذي في سورة الواقعة (السابقون السابقون * أُولئك المقرّبون) (1)هو خصوص «المقرّب»، وقد أكّدت الآية على عنوان «السبق» بالتكرار للاِشادة به، و «المقرّب» قد أُريد به معنىً خاصّ في سورة المطفّفين: (كلاّ إنّ كتاب الاَبرار لفي علّيّـين * وما أدراك ما علّيّـون * كتابٌ مرقومٌ * يشـهده المقرّبون)(2)، فعرّف المقرّب بأنّه الذي يشهد كتاب الاَبرار، وشهادة الاَعمال من خصائص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرت ذلك الآيات كما في سورة التوبة..
وهذا يعطينا مؤدّى أنّ «المقرَّب» ليس من درجة الاَبرار من أنماط المؤمنين، بل فوقهم شاهد لِما يعملونه، وشهادة الاَعمال لا ريب أنّها نحو من الغيب الذي لا يطلعه الله إلاّ لمن ارتضى من رسول، فهي نحو من العلم اللدُنّي الاِلهي المخصّص بالمقرّبين، فهم نحو من الّذين أُوتوا مناصب إلهية غيبية جعلها لهم.



(1) سورة الواقعة 56: 10 و 11.
(2) سورة المطفّفـين 83: 18 ـ 21.



(66)
ويعطي ذلك التقسيم في سورة الواقعة لمن يحشر من البشر إلى ثلاثة أقسام: السابقون، وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة؛ ولا ريب في دخول الاَنبياء والرسل والاَوصياء في القسم الاَوّل، وهو يقتضي عدم مشـاركة غيرهم لهم في الدرجـة، فالباقـون هـم في القسـمين الاَخيـرين، فـ «السبق» في الاستعمال القرآني هو في من حاز العصمة والطهارة الذاتية من الذنوب، فالسبق ها هنا هو في الدرجات لا السبق الزمني، مع أنّ أوّل السابقين زمناً من المهاجرين هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام ..
ومن ذلك يظهر المراد من أوّل السابقِين من الاَنصار، فإنّ المطهّر من الذنب من الاَنصار ـ أي الذي لم يهاجر ـ هما الحسـنان، فإنّهما اللذان نزلت فيهما وفي أبويهما آية التطهير كما هو مقرّر في موضعه من سبب نزول الآية في أخبار الفريقين.
وكذلك يظهر المراد من الّذين اتّبعوهم بإحسان، أنّهم المطهَّرون من الذنب من الذرّية النبوية، ويطالعك بهذا المعنى ـ مضافاً إلى أنّه مقتضى معنى «السبق» في الاستعمال القرآني ـ أنّ مقام الاِحسان في القرآن لا ينطبق على غير المعصوم من الزلل والخطأ، إذ لم يُسند الاِحسان إلى فعل مخصوص، بل جُعل وصفاً لكلّ معصوم من الذنب، لاحظ قوله تعالى: (ومن ذرّيّته داود وسليمان وأيّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين)(1)..
وقوله تعالى: (ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين)(2)..



(1) سورة الاَنعام 6: 84.
(2) سورة يوسف 12: 22.



(67)
وقوله تعالى: (ولمّا بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين)(1)..
وقوله تعالى: (سلام على قوم نوحٍ في العالمين * إنّا كذلك نجزي المحسنين)(2)..
وقوله تعـالى: (قد صـدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجـزي المحسـنين)(3)..
وقوله تعالى: (سـلام على إبراهيـم * كذلك نجـزي المحسـنين)(4)..
وقوله تعالى: (سلام على موسى وهارون * إنّا كذلك نجزي المحسـنين)(5)..
وقوله تعالى: (سلام على إل ياسين * إنّا كذلك نجزي المحسـنين)(6)..
فترى أنّ الذي يوصف بالاِحسان ـ من غير تقييد في فعل خاصّ كأداء دية أو مهر أو تسريح بإحسان للمطلّقة، بل بالاِحسان في كلّ أفعاله ـ قد ادّخر الله تعالى له جزاءً دنيوياً وأُخروياً من سنخ الذي ذكرته الآيات السابقة، من جعل النبوّة في الذرّيّة، وإتيان الحكم والعلم اللدُنّي الاِلهي، وتقدير السلامة والاَمن في النشآت المختلفة.



(1) سورة القصص 28: 14.
(2) سورة الصافّات 37: 79 و 80.
(3) سورة الصافّات 37: 105.
(4) سورة الصافّات 37: 109 و 110.
(5) سورة الصافّات 37: 120 و 121.
(6) سورة الصافّات 37: 130 و 131.



(68)
وقد وُصف المحسنُ والمحسنون بأنّ رحمة الله قريب منهم، وأنّ الله يحبّهم، وأنّ الله لَمَعَهم معيّة خاصّة غير معيّته القيومية على كلّ مخلوق(1)، فالآية لم تكتفِ بوصف القسم الثالث بأنّهم تابعون للاَوّلين السابقين، بل ضيّقت الدائرة إلى كون تبعيّتهم بإحسان، والاِحسان والمحسن مقام فوق مقام العدل والعدالة.
وكذلك الحال في القسمين الاَوّل والثاني، فإنّه لم يَبقَ على دائرته الوسيعة، فضُيّق بحدود «السابقين»، وهذه الدائرة لم تبقَ على حالها، بل ضُيّقت إلى دائرة «أوّل السابقين»، فلا بُـدّ ـ والحال هذه ـ من تمحيص وفهم دلالة الكلام، ألا ترى أنّ سورة المدّثّر ـ وهي رابع سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة ـ أنّها تقسّم الموجودين حينذاك إلى أربعة أقسام، هي: المؤمنون، وأهل الكتاب، والمشركون، والّذين في قلوبهم مرض ؛ فلو كان المرادُ هو مَن سبق بإظهار الاِسلام من المهاجرين، فأين هم الّذين في قلوبهم مرض، ويسـتترون بالاِسلام عن إظهاره؟!
فبكلّ ذلك، مع ما ذكرنا من النقاط العامة، يقع القارئ على المراد في الآية الكريمة.
ثمّ إنّه لا يخفى على القارئ أنّ الآية هي من سورة التوبة، وقد استعرضت السورة نماذج عديدة سيّئة ممّن عايش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولقيه، فمثلاً فيها: (ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا)(2) فإنّها نزلت في غزوة تبوك، وبعد



(1) انظر: سورة النحل 16: 128، سورة آل عمران 3: 134، سورة المائدة 5: 13، سورة الاَعراف 7: 56.
(2) سورة التوبة 9: 74.



(69)
الغزوة وفي طريق العودة دُبّرت مؤامرة لاغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على العقبة، وقد تقدّم نقل حديث حذيفة ـ الذي رواه مسلم في صفات المنافقين ـ في منافقي أهل العقبة وأنّهم من الصحابة الخاصة!
ونموذج ثانٍ تفصح عنه سورة التوبة، قال تعالى: (ومِن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثمّ يُردّون إلى عذاب عظيم)(1)..
ومن البيّن أنّ السورة تشير إلى نمط من المنافقين لم يظهر نفاقهم إلى العيان، أي كانوا في غاية التستّر، ولا ريب أنّ الاَباعد الّذين يلقون النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتاجون إلى هذه الشدّة من التستّر، كما أنّ هؤلاء كانوا من الخطورة بمكان حتّى إنّهم احتاجوا إلى هذه الشدّة من التستّر، كما إنّهم مردوا واحترفوا النفاق بحيث لا يمكن اصطياد حركاتهم الظاهرة!
هذا، فضلاً عن النماذج الاَُخرى التي تستعرضها سورة التوبة، مِن الاَعراب وممّن حول المدينة وغيرهم(2)، فإذا كانت السورة تقسّم مَن



(1) سورة التوبة 9: 101.
(2) مثل قوله تعالى: (إنّما يستأذنك الّذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون) سورة التوبة 9: 45.
وقوله تعالى: (يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبّئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إنّ الله مخرجٌ ما تحذرون) سورة التوبة 9: 64.
وقوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر) سورة التوبة 9: 67.
وقوله تعالى:(وآخرون مرجون لاَمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم...) سورة التوبة 9: 106.
وقوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا...) سورة التوبة 9: 49.



(70)
صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّن كان يتعامل معه يومياً أو لازموه إلى فئات عديدة صالحة وطالحة، فكيف يعمّم الصلاح إلى الكلّ؟! فلا يكون التعميم إلاّ بأن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، أو يتعامى عن النظر إلى جميع آيات السورة الواحدة، أو تصمّ الآذان عن سماعها جميعاً!
وهذا التقسيم ـ كما نبّهنا سابقاً ـ دليل على عدم إطلاق «المهاجر» على كلّ مكّيٍّ أسلم وانتقل إلى المدينة، وعلى عدم إطلاق «الاَنصاري» على كلّ مدنيٍّ أسلم، بل يطلق كلٌّ منهما مع توافر قيود عديدة أُخرى.
ولاحظ أُسلوب هذه الآيات التي تستعرض النماذج الاَُخرى، فإنّه أُسلوب لا يُرى فيه الهوادة والمهادنة، كقوله تعالى: (يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّم وبئس المصير)(1).
وقوله تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا قاتلوا الّذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أنّ الله مع المتّقين * وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون * أَوَ لا يرون أنّهم يفتنون في كلّ عام مرّة



وقوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين...) سورة التوبة 9: 75.
وقوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات...) سورة التوبة 9: 58.
وقوله تعالى: (الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات...) سورة التوبة 9: 79.
وقوله تعالى: (ومنهم الّذين يؤذون النبيّ...) سورة التوبة 9: 61.
وقوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً...) سورة التوبة 9: 102.
(1) سورة التوبة 9: 73.



(71)
أو مرّتين ثمّ لا يتوبون ولا هم يذّكّرون * وإذا ما أُنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنّهم قوم لا يفقهون)(1)..
فترى أنّ في سورة التوبة قد نزل الاَمر بجهاد المنافقين على حدّ جهاد الكفّار سواء، وأفرد بالخطاب به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ونزل الاَمر بمجاهدة الكفّار الّذين يلون المؤمنين ـ أي القريبين منهم ـ وجعلت الآياتُ الّذين في قلوبهم مرض من الكفّار، وقد عرفتَ أنّ الّذين في قلوبهم مرض هم من الخاصة التي أظهرت الاِسلام في أوائل البعثة كما صرّحت بذلك سورة المدّثّر، أمّا سورة التوبة فقد نزلت في غزوة تبوك، أي في أُخريات حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ..
وقد نزل قبل ذلك في سورة الاَحزاب التهديدُ بمجاهدة المنافقين والّذين في قلوبهم مرض من دون الاَمر به، قال تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والّذين في قلوبهم مرض والمرجِفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً * ملعونين أينما ثقفوا أُخذوا وقُتّلوا تقتيلاً * سُـنّة الله في الّذين خلوا من قبل ولن تجد لسُـنّة الله تبديلاً)(2)..
فسورة التوبة متميّزة من بين السور الاَُخرى في ملاحقة فلول أقسام المنافقين والّذين في قلوبهم مرض، إلى درجة نزول الاَمر بجهاد المنافقين على حدّ جهاد الكفر سواء، ومن ذلك يظهر ملاحقة القرآنِ الّذين في قلوبهم مرض، وهم ممّن احترف النفاق ومرد عليه، من أوائل البعثة حتّى



(1) سورة التوبة 9: 123 ـ 127.
(2) سورة الاَحزاب 33: 60 ـ 62.



(72)
آخر نزولِ القرآن في المدينة.
وقد تقدّمت رواية البخاري في صحيحه في الباب الواحد والعشرين من كتاب الفتن، عن حذيفة بن اليمان، قال: إنّ المنافقين اليوم شرٌّ منهم على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كانوا يومئذ يسرّون واليوم يجهرون!(1) فعلى من ينطبق ما يصفه حذيفة؟! ولماذا كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متستّرين وبعده خرجوا من تستّرهم وأصبحوا هم الظاهرين وصار الجوّ العامّ على مشرعتهم؟! ولذلك سمّيت سورة التوبة بالفاضحة كما عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّـاس: سورة التوبة؟ فقال: التوبة؟! بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل «ومنهم..» حتّى ظننّا أن لن يبقى منّا أحد إلاّ ذُكر فيها!(2).
وسمّيت بذلك لاَنّها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم(3)، ومنهم أهل العقبة الّذين همّوا بما لم ينالوا وقالوا كلمة الكفر، وعرفهم حذيفة وعمّار في الواقعة المعروفة في كتب السير والتفاسير.
وتسمّى بالمبعثرة، وذلك عن ابن عبّـاس، لاَنّها تبعثر عن أسرار المنافقين، أي تبحث عنها(4).
وتسمّى البحوث، فعن أبي أيّوب الاَنصاري أنّه سمّاها بذلك، لاَنّها تتضمّن ذِكر المنافقين والبحث عن سرائرهم(5).
وتسمّى بالحافرة، فعن الحسن، لاَنّها حفرت عن قلوب المنافقين ما



(1) صحيح البخاري 9|104 ح 57.
(2) الدرّ المنثور 4|120.
(3) مجمع البيان 5|5.
(4) مجمع البيان 5|5.
(5) مجمع البيان 5|6.



(73)
كانوا يسترونه(1).
ومن الواضح أنّه لم تكن هذه الفئة وغيرها من المنافقين من قبيل عبـدالله بن أبي سلول وجماعته، ممّن كان ظاهر النفاق والشقاق وشاهر بهما، وإنّما فضحت سورة التوبة المتسـتّرين الّذين كانوا في شدّة خفاءٍ، ولا ريب أنّهم كانوا ذوي خطب ووقع في مجريات الاَُمور، ويرون أنّ حجر العثرة الاَساس أمام مخطّطاتهم هو وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك شدّد القرآن على أهمّيّة ملاحقتهم.
وتسمّى المثيرة؛ لاَنّها أثارت مخازيهم ومقابحهم(2).
فلها عشرة أسماء كما ذكر المفسّرون(3).
ومع كلّ ما تضمّنته سورة التوبة، وما كان سبب النزول الرئيسي لها، ومع ما تبيّن من دلالة «الاَوّلين، السابقين، والاتّباع بالاِحسان» بتحديدها لدائرة خاصّة جدّاً، كيف يُتجرّأ على نسبة التعميم في مفاد الآية المتقدّمة؟!
وممّا ذكرنا يظهر الحال في مفاد الآية الخامسة من تعداد الآيات التي يستدلّ بها، وهي قوله تعالى في سورة التوبة نفسها: (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والاَنصار الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثمّ تاب عليهم إنّه بهم رؤوف رحيم)(4)فإنّ «المهاجر» ـ كما تقدّم ـ لا يطلق على كلّ مـكّيٍّ أسلم وانتقل إلى المدينة وكان في ركاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما دلّت على ذلك سورة التوبة



(1) مجمع البيان 5|6.
(2) مجمع البيان 5|6.
(3) انظر: مجمع البيان 5|5 ـ 6.
(4) سورة التوبة 9: 117.



(74)
بتقسيمها مَن كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى فئات عديدة صالحة وطالحة.
وكذا الحال في عنوان «الاَنصاري»، فهو ليس كلّ مدنيٍّ أسلم وكان في ركاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أنّ الآية المذكورة في تفسيرها الوارد عن أهل البيت عليهم السلام ، دالّة على تكفير ذنب وخطيئة صدرت منهم، وأنّ التوبة على الله تعالى بلحاظ ذلك(1)ص.


وأمّا الآية الثانية:
فهي قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الّذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أُولئك هم الصادقون * والّذين تبوّؤا الدار والاِيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أُوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقَ شحّ نفسه فأُولئك هم المفلحون * والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا الّذين سبقونا بالاِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم(2)
فقد روى السيوطي وغيره عن جمع أنّهم يحتجّون بهذه الآيات على عدم جواز تناول الصحابة بقصّ ما وقع منهم، وأنّ من يتناولهم بسوءِ ما صـدر من أفعـال بعضهـم فـفي قلبه غـلّ، وأنّ من يقـصّ ما جرى بـينهم لا يدخل في مدلول (والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا الّذين سبقونا بالاِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين



(1) مجمع البيان 5|126 ـ 127.
(2) سورة الحشر 59: 8 ـ 10.



(75)
آمنـوا)(1).
ولاَجل تحصيل المفاد الصحيح للآيات ينبغي ذِكر الآيتين اللاحقتين، وهما: (ألم تر إلى الّذين نافقوا يقولون لاِخوانهم الّذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإنْ قوتلتم لننصرنّـكم والله يشهد إنّهم لكاذبون * لئن أُخرجوا لا يخرُجُون معهم ولئن قُوتلـوا لا ينصرونهـم ولئـن نصـروهم ليُولّـنّ الاَدبـار ثـمّ لا يُنصَرون)(2)..
فترى أنّ سورة الحشر هنا كسورة التوبة المتقدّمة، فهي لا تقتصر في تقسيم من كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الفئة الصالحة فحسب، بل تنبّه على ذِكر الجماعة الطالحة، وهم المنافقون، وهو إبطال لدعوى التعميم في كلّ مَن صحب ولقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
كما أنّ السورة في الآيات المذكورة تحدّد وتفسّر «المهاجر» بأنّه من توافر على قيود أربعة، وهي:
     الاَوّل: الذي أُخرج من دياره وأمواله.
     الثاني: كون خروجه ابتغاء فضل الله ورضوانه، كما قدّمناه مراراً من أنّ الهجرة في الاستعمال القرآني هي في المعنى الخاصّ من الفعل العبادي في سبيل الله، لا قصد الحطام الدنيوي.
     الثالث: نصرة الله ورسوله، وقدّمنا أنّ كتب السير ملاَى بمن كان يجبن في الحروب ومنازلة الاَبطال في ساعة العسرة والشدائد ممّن يقال



(1) الدرّ المنثور 8|105 ـ 106 و 113 ـ 114، تفسير الطبري 12|43 ح 33888، تفسير الفخر الرازي 29|289، تفسير البغوي 4|292.
(2) سورة الحشر 59: 11 و 12.



(76)
عنهم إنّهم من الخاصّة الّذين صحبوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع: الصدق، وهو ـ كما تقدّمت الاِشارة المختصرة إليه ـ قد شُرح في آيات عديدة، كقوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إنّ الله كان غفوراً رحيماً)(1)..
فالاستقامة حتّى آخر العمر، وعدم التبديل، مِن مقدّمات الصدق، ولذلك اشتهر بين الصحابة في طعنهم على بعضهم بأنّه بدّل وأحدث، كما درج هذا الاستعمال بكثرة عندهم في فتنة قتل عثمان وبقية الفتن التي دارت بينهم، فدلّت الآية على اشتراط الوفاء بالعهد وعدم التبديل في وصف المؤمنين بالصدق.
وكقوله تعالى في سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم : (ويقولُ الّذين آمنوا لولا نزّلت سورة فإذا أُنزلت سورة محكمة وذُكر فيها القتال رأيتَ الّذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه من الموت فأَوْلى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الاَمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم * فهل عسيتم إنْ تولّيتم أن تفسدوا في الاَرض وتقطّعوا أرحامكم * أُولئك الّذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم * أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها * إنّ الّذين ارتدّوا على أدبارهم من بعدما تبيّن لهم الهدى الشيطانُ سوّل لهم وأملى لهم * ذلك بأنّهم قالوا للّذين كرِهوا ما نزّل الله سنطيعكم في بعض الاَمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا



(1) سورة الاَحزاب 33: 23 و 24.


(77)
توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم * أم حسب الّذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لاَريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)(1).
فنرى في سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم أنّها تشترط في عنوان الصدق الثباتَ عند الزحف وعدمَ الفرار والجبن، بينما المنافق الخفيّ جبان في الحروب والنزال كأنّه يغشى عليه من الموت لشدّة خوفه وجبنه، فإذا قاد جيشاً ليفتح حصناً عاد يجبّن الناس والناس يجبّنونه، بخلاف الصادق، فإنّه كرّار غير فرّار، يفتح الله على يديه..
والمنافق الخفيّ المحترف للنفاق يحزن من هول القتال والكفّار، ويقول ـ مثلاً ـ: يا رسول الله! إنّها قريش وخيلاؤها، ما هزمت قطّ. فليس ذلك علامة الصدق في ما يدّعيه من الاِيمان، فهذا الصحابي الذي أشارت إلى فئته سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو المنافق المحترف، وصفتهم عكس ما أُشير إليه في سورة الفتح بقوله تعالى: (أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم)(2)، وإنّ صحابيّ هذه الفئة غظّ فظّ مع المؤمنين في السلم، هجين ذعر جبان في الحرب مع الكفّار.
ثمّ إنّ السورة تلاحق وجود فئة محترفة للنفاق وهي: (الّذين في قلوبهم مرض)(3) وهي الفئة التي أشارت إليها سورة المدّثّر المكّية(4)،



(1) سورة محمّـد 47: 20 ـ 30.
(2) سورة الفتح 48: 29.
(3) سورة محمّـد 47: 20 و 29.
(4) سورة المدّثّر 74: 31.



(78)
رابع سورة أُنزلت في بداية البعثة، وكشفت عن وجود هذه الفئة في صفوف المسلمين الاَوائل، وهذه السورة تنبئ عن غرض هذه الفئة من إسلامها منذ البدء، وهو تولّي الاَُمور؛ وعرّضت بتولّيهم للاَُمور ومقدّرات الحكم، وإفسادهم في الاَرض، وسيرتهم على غير سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسُـننه، وتقطيعهم للرحم التي أُمروا بوصلها، وأنّ إسلامهم في بدء الدعوة ـ كما في سورة المدّثّر ـ هو لذلك الغرض؛ لِما اشتهر من الاَنباء من الكهنة واليهود عن ظفر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالعرب والبلدان، كما أشارت إليه الآية عن اليهود قبل الاِسلام بقوله تعالى: (ولمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لِما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)(1).
كما إنّ سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم تكشف عن وجود ارتباط بين هذه الفئة (الّذين في قلوبهم مرض) وبين الكفّار الّذين كرهوا ما نزّل الله، وإنّهم يعِدُونهم بطاعتهم في بعض الاَمر والشؤون الخطيرة، ويحسبون أنّ الله ليس بكاشفهم، فالسورة تكشف عن فئة منافقة أخفَتْ نفاقها فغدت محترفة في الاختفاء.. (لو نشاء لاَريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول)(2)، في مقابل الفئة المؤمنة أهل الصدق.. كما تكشف عن فئة مرتدّة في الباطن عن الاِسلام..
والحاصـل: إنّ سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم عندما تشير إلى شرائط عنوان الصدق، فإنّها تشير ـ كذلك ـ إلى تقسيم مَن كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّن صحبه، لا التسوية بينهم وجعلهم في كفّة واحدة، فهل إنّ مَن يقسّم



(1) سورة البقرة 2: 89.
(2) سورة محمّـد 47: 30.



(79)
الصحابة إلى فئات ـ تبعاً للقرآن الكريم في تقسيمه لهم ـ يؤمن بالكتاب كلّه؟! أم من يبعّض الاِيمان، فهو يؤمن ببعض آيات السورة دون بعضها الآخر، مع إنّه لم يصب ذلك البعض أيضاً؟!
وكذا يشير إلى معنى الصدق قوله تعالى في سورة الاَحزاب: (يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً * إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الاَبصار وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنّون بالله الظنونا * هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا ويستأذنُ فريق منهم النبيَّ يقولون إنّ بيوتنا عورة وما هي بعورة إنْ يريدون إلاّ فراراً * ولو دُخِلَتْ عليهم من أقطارها ثمّ سُئلوا الفتنة لاَََتـوها وما تلـبّثـوا بهـا إلاّ يسـيراً * ولقد كانوا عاهـدوا الله من قبـل لا يولّونَ الاَدبار وكان عهد الله مسؤولاً * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتّعون إلاّ قليلاً * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً * قد يعلم الله المعوِّقين منكم والقائلين لاِخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً * أشحّةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حدادٍ أشحّة على الخير * أُولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً * يحسَبون الاَحزاب لم يذهبوا وإن يأتِ الاَحزابُ يودّوا لو أنّهم بادُون


(80)
في الاَعراب يَسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلاّ قليلاً * لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً * ولمّا رأى المؤمنون الاَحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين إنْ شاء أو يتوب عليهم إنّ الله كان غفوراً رحيماً)(1).
نقلنا الآيات بطولها من سورة الاَحزاب لِيَبين الجوّ الذي تصوّره الآيات لنا في واقعة الخندق، كما أنّ هذه السورة تبـيّن أيضاً أنّ من شرائط الصدق: الثبات عند الزحف، والشجاعة في الحروب، وعدم الفرار؛ إلاّ أنّ المنافقين والّذين في قلوبهم مرض إذا ذهب الخوف سلقوا المؤمنين بألسنة حداد، فالحدّة ليست في شجاعتهم وبطولتهم في النزال والشدائد، بل في لسانهم في وقت السلم، يبتذلون الفظاظة والغظاظة حتّى مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتقدّمون بما يرتأونه على الله ورسوله: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله سميع عليم * يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)(2)..
فمن الغريب بعد ذلك أن يرووا في فضائل بعض الصحابة اعتراضه على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أربع موارد لفّقوها، وأنّ القرآن نزل بخلاف قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاقاً لرأي ذلك الصحابي؛ وفي بعض الروايـات أنّه أمسك



(1) سورة الاَحزاب 33: 9 ـ 24.
(2) سورة الحجرات 49: 1 و 2.



(81)
بثوب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجذبه! وكأنّهم لم يقرؤوا سورة الحجرات ولم يقرؤوا قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلّفين)(1)ولم يقرؤوا قوله تعالى: (إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أُولئك الّذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجرٌ عظيم * إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفورٌ رحيم * يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أنّ فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الاَمر لعنتّم ولكنّ الله حبّب إليكم الاِيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أُولئك هم الراشدون)(2)..
فالقرآن يجعل هذه الهالة المقدّسة لشخصية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويجعل أحكاماً عديدة لكيفية الارتباط بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التوقير له، وخفض الصوت، وعدم التقدّم على أمره وحكمه، وعدم مخالفته وعصيانه بالتسليم له، وإنّ ذلك هو الاِيمان، وهو امتحان القلب بالتقوى.. فكيف يكون ما يذكرونه من مجابهة ذلك الصحابي لنبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم منقبة وفضيلة؟!
وكيف يُعتقد بتكلّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ما شرّع وحدّد له من الله تعالى، ويجعلون ذلك الصحابي يسـتنكر فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويردعه عنه ـ والعياذ بالله تعالى ـ ثمّ ينزل القرآن بتقرير رأي الصحابي على قول نبيّ الله



(1) سورة صَ 38: 86.
(2) سورة الحجرات 49: 3 ـ 7.



(82)
تعالى، الذي قال الله فيه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(1)؟!
نعوذ ونستجير بالله من هذه الاَقاويل!
أليس هذا تبجيلاً للصحابي وغلوّاً فيه إلى حدٍّ جعلوه فوق مقام النبوّة والرسالة، وردّاً على قول الله تعالى في شأن رسوله في سورة الحجرات وغيرها من السور؟!
وممّا يستغرب منه أنّ العديد من السور تجعل هذه الصفة ـ وهي عدم الاِقدام في الحروب والشدائد، والاِقدام بحدّة اللسان والفظاظة في السلم مع المؤمنين أو مع الرسول ـ من علامات المنافقين، أو الذين في قلوبهم مرض ـ كما في سورة الفتح وسورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم وسورة الحجرات وسورة الاَحزاب وغيرها ـ، فكيف تصاغ هذه الصفة كفضيلة من الفضائل، وتسمّى بالشدّة والغيرة فى ذات الله وكراهة الباطل؟!!
ونعود ثانية إلى سورة الاَحزاب، فنقول: إنّها تشترط في الصدقِ، الصدقَ عند النزال في الحروب والشدائد، والرحمة ولين العريكة مع المؤمنين، بل الآية تنفي الاِيمان وتُحبط عمل من اتّصف بالجبن في الحروب ـ كحرب الاَحزاب (الخندق) ـ وبحدّة اللسان في السلم مع المؤمنين..
كما إنّ هذه السورة تقسّم مَن صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى فئات صالحة وطالحة، وتنفي صلاح المجموع، بل تميّزهم إلى فئة مؤمنة ثابتة في الزلازل، وفئة المنافقين، والّذين في قلوبهم مرض ـ وهم أكثر احترافاً



(1) سورة النجم 53: 3 و 4.


(83)
للنفاق من الفئة الاَُولى، وأشدّ خطراً، كما تبيّن في سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم وسورة المدّثّر ـ، وفئة المعوّقين..
كما تدعو السـورة إلى التأسّـي بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاقـتداء به ومتابعتـه، لا الردّ والاعتراض عليه كما هو دأب المنافقين ودأب الفئة الثانية (الّذين في قلوبهم مرض)(1) ودأب بعض القالين، يجعل ذلك منقبة لبعض الصحابة.. (قلْ أتعلّمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الاَرض والله بكلّ شيء عليم)(2).
فأين هي السـورة القرآنيـة التي لا تقسّـم مَن صحـب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا تميزهم إلى فئات عديدة مختلفة؟!
وكذا يشير إلى معنى «الصدق» قوله تعالى في سورة الحجرات: (قالت الاَعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الاِيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم * إنّما المؤمنون الّذين آمنوا بالله ورسوله ثمّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أُولئك هم الصادقون * قل أتعلّمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الاَرض والله بكلّ شيء عليم * يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا علَيَّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للاِيمان إن كنتم صادقين * إنّ الله يعلم غيب السموات والاَرض والله بصير بما تعملون)(3)..



(1) سورة المائدة 5: 52، سورة الاَنفال 8: 49، سورة التوبة 9: 125، سورة الاَحزاب 33: 12 و 60، سورة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم 47: 20 و 29، سورة المدّثّر 74: 31.
(2) سورة الحجرات 49: 16.
(3) سورة الحجرات 49: 14 ـ 18.



(84)
فهذه السورة بآياتها هذه هي أيضاً تشترط في معنى الصدق: الاِيمان، مع الاستقامة عليه بعدم الارتياب، والمجاهدة في سبيل الله؛ مع أنّه قد روى أكثر المفسّرين والمؤرّخين أنّ بعض من يُعَدّ ويُحسب من خاصة الصحابة قد ارتاب في نبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحقّانية الدين في صلح الحديبية واعتراضه على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم !
وبعدما تحصّل لدينا معنى الصدق والصادقين من العديد من السور، يتبيّن بوضوح لا ريب فيه أنّ المقصود من قوله تعالى في الآية الاَُولى من الآيات الثلاث المتقدّمة من سورة الحشر، وهي: (للفقراء المهاجرين الّذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أُولئك هم الصادقون)(1) ليس هو كلّ مكّيٍّ أسلم وانتقل إلى المدينة وصحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، بل خصوص من توافرت فيه القيود العديدة المذكورة في الآية، والتي منها الصدق، والذي بيّنت السور العديـدة الاَُخرى عدم توافره في جميع الصحابة، بل توافر في فئة منهم دون غيرها من الفئات، وأنّهم ضرب من الجماعات.
وكيف يحتمل وصف الآية كلَّ مكّيٍّ ونحوه أسلم وانتقل إلى المدينة أنّه صادق، وقد صدر من العديد منهم مخالفات، كالفرار من الزحف الذي هو من الكبائر؟!
هذا، وقد فرّ كلّ الصحابة يوم حنين إلاّ ثلّة من بني هاشم كما في قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الاَرض بما رحبت ثمّ



(1) سورة الحشر 59: 8.


(85)
ولّيتم مدبرين * ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذّب الّذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)(1)، ووقعة حنين كانت بعد عام الفتح!
وكذا ما أتاه الصحابة في صلح الحديبية، وفي مقدّمتهم بعضهم من الاعتراض على صلح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) كما سيأتي تفصيله!
وكذا ما أتاه عدّة من الصحابة من التخلّف عن جيش أُسامة، الذي جهّزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتال الروم، وقد لعن صلى الله عليه وآله وسلم من تخلّف عن جيش أُسامة وقال: «نفّذوا جيش أُسامة»!(3).
وقد اقتتل الاَوس والخزرج بالاَيدي والنعال والعصيّ(4) فنزلت الآية: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاَُخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله)(5)!
ألم يمنع بعض الصحابة من كتابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً ـ في مرضه الاَخير ـ لا يضلّ المسلمون بعده ما إنْ تمسّكوا به، وقولة ذلك الصحابي: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع ـ أو: المرض ـ، أو: إنّ الرجل ليهجر؟!(6)وقد قال تعالى: (ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى *



(1) سورة التوبة 9: 25 ـ 26.
(2) انظر: تاريخ الطبري 2|122 حوادث سنة 6 هـ، البداية والنهاية 4|136 حوادث سنة 6 هـ.
(3) انظر: الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1|12، شرح نهج البلاغة 6|52، شرح المواقف 8|376.
(4) انظر: تفسير الدرّ المنثور 7|560.
(5) سورة الحجرات 49: 9.
(6) انظر: صحيح البخاري 4|211 ح 10 و ج 6|29 ح 422، صحيح مسلم 5|75 ـ 76، مسند أحمد 1|325، الكامل في التاريخ 2|185 حوادث سنة 11 هـ.



(86)
إن هو إلاّ وحي يوحى)(1) وقال تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّـقوا الله إنّ الله سـميع عليم * يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)(2) وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(3) وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة)(4) وقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا)(5)!
وكم من واقعة قد أبرم وقطع فيها غير واحد من العشرة المبشّرة قبل أن يحكم الله ورسوله فيها؟!
بل تقدّموا في أشياء قد تقدّم الله ورسوله فيها بحكم خلافاً وردّاً لذلك الحكم، كما في الاَمثلة المتقدّمة وغيرها!
ثمّ إنّه بقرينة الآية الثالثة من آيات سورة الحشر المزبورة، وهي: (والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا الّذين سبقونا بالاِيمان)(6) يتبيّن أنّ المراد من «الفقراء المهاجرين» هم «السابقون»، وقد تقدّم في سورة التوبة المراد من «السابقين» فلا تغفل، ويعضد ذلك أيضاً التوصيف بـ «الصدق» كما تقدّم.
أمّا الآية الثانية من الآيات الثلاث من هذه السورة: (والّذين تبوّؤا



(1) سورة النجم 53: 2 ـ 4.
(2) سورة الحجرات 49: 1 و 2.
(3) سورة الحشر 59: 7.
(4) سورة الاَحزاب 33: 21.
(5) سورة المائدة 5: 92.
(6) سورة الحشر 59: 10.



(87)
الدار والاِيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أُوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقَ شحّ نفسه فأُولئك هم المفلحون)(1).
فقد قيّدت الآية المديح بعدّة قيود، فلم تكتفِ بتبوّؤ الدار، بل قيّدته بالاِيمان، والمحبّة لمن هاجر إليهم، والاِيثار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وعدم الشحّ..
ومن البيّن ضِـيق الدائرة بلحاظ هذه القيود؛ لاَنّه يُخرج المتبوّئ للدار المنافق، أو من انضمّ إلى فئة الّذين في قلوبهم مرض، أو من كان من أهل المدينة من الّذين مردوا على النفاق ـ كما في سورة التوبة ـ (لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثمّ يردّون إلى عذاب عظيم)(2)، أو غيرها من النماذج التي استعرضتها سور التوبة والاَحزاب ومحمّـد صلى الله عليه وآله وسلم والبقرة والاَنفال والمائدة، وغيرها من السور المتعرّضة للفئات الطالحة التي صحبت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من ألوان المنافقين المختلفة.
فـلا الآية الثانية هـذه من سـورة الحشـر مطلقة لكلّ مـدنيّ أسـلم، ولا الآيات الاَُخرى الناصّة على أنّ بعض الفئات الطالحة السيّئة هي من أهل المدينة تبقي الاِطلاق المتوهَّم.
هذا، مع أنّه قد ورد في كتب أصحابنا عن أهل البيت عليهم السلام أنّ ذيل الآية (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقَ شحّ نفسه فأُولئك هم المفلحون) قد نزلت في عليٍّ وفاطمـة عليهما السلام ، بل رووا



(1) سورة الحشر 59: 9.
(2) سورة التوبة 9: 101.



(88)
ذلك أيضاً عن رواة العامّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (1)، نعم، في بعض الروايات أنّ سيّد هذه الآية وأميرها عليٌّ عليه السلام ، ممّا يدلّ على عموم المعنى، ولا غرابة في ذلك بعد كون الآيات مختلفة نزولاً، فلعلّ صدرها في مورد وذيلها في آخر، وكم له من نظير في الآيات.
وعلى كلّ حال، فالآية تقيّد بعدّة قيود، فلا مسرح لتوهُّم الاِطلاق.


الموالاة والبراءة:
وأمّا قوله تعالى: (والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا الّذين سبقونا بالاِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين آمنوا إنّك رؤوف رحيم)(2) فالآية تقيّد الاستغفار لمن سبق بالاِيمان، لا لمن سبق بظاهر الاِسلام، وتنفي الغلّ عن الّذين آمنوا.
أمّا قوله تعالى: (ما كان للنبيّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أُولي قربى من بعدما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم * وما كان استغفار إبراهيم لاَبيه إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه فلمّا تبيّن له أنّه عدوٌّ لله تبرّأ منه إنّ إبراهيم لاََوّاه حليم)(3)، فقد عُلّل النهي عن الاستغفار لمن يكون من أصحاب الجحيم عدوّاً لله العزيز..
وقد بيّنت سور القرآن العديدة المتقدّمة أنّ العديد ممّن صحب النبيّ الصادق الاَمين صلى الله عليه وآله وسلم ولقيه كان من فئات المنافقين، أو الّذين في قلوبهم



(1) الاَمالي ـ للطوسي ـ: 185 ح 309 المجلس 7، مجمع البيان 9|386، تفسير الصافي 5|157، وانظر: شواهد التنزيل 2|246 ـ 247 ح 970 و 971.
(2) سورة الحشر 59: 10.
(3) سورة التوبة 9: 113 و 114.



(89)
مرض، أو الماردين على النفاق، أو الّذين يلمزون المؤمنين، أو الّذين يؤذون النبيّ، أو المعوِّقين عن القتال، أو المتخلّفين، أو غيرهم من النماذج السيّئة، وتوعّدهم الله تعالى بالعذاب واللعن، وأنّ الكافرين سواء في العاقبـة.
فمع كون الاستغفار من المؤمنين محرّم لهذه الفئات التي صحبت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يتوهّم شمول الاستغفار والحبّ لكلّ مكّي ونحوه أسلم في الظاهر وانتقل إلى المدينة ولكلّ مدنيّ أسلم في الظاهر؟! وقد عرفت أنّ سورة المدّثّر ـ رابع سورة نزلت ـ وسورتَي العنكبوت والنحل المكّيّات، قد تتبّعت وجود فئة محترفة للنفاق منذ أوائل البعثة، وأطلقت عليها عنوان: (الّذين في قلوبهم مرض)، ولاحق القرآن الكريم خطواتهم في العديد من السور تحت هذا العنوان وبيّن أهدافهم من إظهار الاِسلام والالتحاق بركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد ورد النهي في العديد من الآيات عن موادّة من حادّ الله ورسوله، قال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أُولئك كتب في قلوبهم الاِيمانَ وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنّات تجري من تحتها الاَنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أُولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون)(1).
وقد وصف القرآن العديد من الفئات التي كانت تصحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالمحادّة لله ولرسوله، قال تعالى: (إنّ الّذين يحادّون الله ورسوله كُبِتوا



(1) سورة المجادلة 58: 22.


(90)
كما كُبِت الّذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بيّنات وللكافرين عذاب مهين... ألم تر إلى الّذين نُهوا عن النجوى ثمّ يعودون لِما نُهوا عنه ويتناجون بالاِثم والعدوان ومعصية الرسول... ألم تر إلى الّذين تولّوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعدّ الله لهم عذاباً شديداً إنّهم ساء ما كانوا يعملون * اتّخذوا أيمانهم جُنّة فصدّوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين * لن تغنيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسَبون أنّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون * استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أُولئك حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون * إنّ الّذين يحادّون الله ورسوله أُولئك في الاَذلّين)(1).
فترى أنّ القرآن ما يفتأ يلاحق النماذج العديدة من ألوان الّذين في قلوبهم مرض والمنافقين وأنشطتهم المضادّة لمحور المسيرة الاِلهية وهو المسير النبوي..
وفي سورة التوبة المتقدّمة، المستعرضة لنماذج منهم ـ بعد قوله تعالى:(ومنهم... ومنهم...) ـ: (ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أُذن قل أُذن خيرٍ لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمةٌ للّذين آمنوا منكم والّذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم * يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحقّ أن يرضوه إنْ كانوا مؤمنين * ألم يعلموا أنّه مَن يحادِد الله ورسوله فأنّ له نارَ جهنّم خالداً فيها ذلك



(1) سورة المجادلة 48: 5 و 8 و 14 ـ 20.


(91)
الخزي العظيم)(1).
ومنهم من آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ابنته فاطمـة عليها السلام (2)..
فمع هذا كلّه كيف لا يتحرّج المؤمن المتديّن في محبّة كلّ مكّيٍّ أسلم وانتقل إلى المدينة، وكلّ مدنيّ أسلم؟! وقد تقدّم حديث حذيفة الذي رواه مسلم في كتاب المنافقين أنّ أصحاب مؤامرة العقبة ـ بعد غزوة تبوك ـ اثنا عشر هم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاَشهاد.
أليس من حادّ الله ورسوله، وجعل نفسه ندّاً لهما، منافق ذو شقاق لله ورسوله، فكيف يتّخذونه وليّاً ومحبوباً وقد قال تعالى: (ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحبّ الله والّذين آمنوا أشدّ حبّاً لله ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة لله جميعاً وأنّ الله شديد العذاب * إذ تبرّأ الّذين اتُّبِعوا من الّذين اتَّبَعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الاَسباب * وقال الّذين اتَّبَعوا لو أنّ لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار)(3)؟!
فمع كلّ هذا النكير والتحذير القرآني من اتّباع وموادّة من حادّ الله تعالى ورسوله، من النماذج الطالحة التي كانت تعايش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، أو في ركبه في القتال، كما تذكر ذلك سورة التوبة وغيرها، وبعضهم ـ كما عرفت من سورة المدّثّر ـ قد التحقوا بالاِسلام ظاهرياً منذ أوائل البعثة النبوية، فكيف يستحلّ القائلُ بالتعميم الموالاةَ للجميع؟!



(1) سورة التوبة 9: 61 ـ 63.
(2) انظر: مسند أحمد 1|4 و 6.
(3) سورة البقرة 2: 165 ـ 167.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007