تشـييد المراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات
(15)
السـيّد عليّ الحسيني الميلاني
قوله تعالى: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم...)(1).
قال السـيّد ـ رحمه الله ـ:
«بل هي ممّا أخذ الله به العهد من عهد (ألستُ بربّكم)، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى)».
فقال في الهامش:
«يدلّك على هذا حديثنا عن أهل البيت في تفسير الآية».
فقيـل:
«لمّا كان المعنى الذي استشهد المؤلّف بالآية من أجله ممّا لا يقوله من عنده أدنى عقل، فقد أحال لتأييد رأيه على حديثهم عن أهل البيت في
(1) سورة الاَعراف 7: 172.
(8)
تفسير الآية.
ويلزم من استشهاده هذا أن يكون عليٌّ أميراً على الاَنبياء كلّهم، مَن نوح إلى محمّـد صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، وهذا كلام المجانين، فإنّ أُولئـك ماتوا قبل أنْ يخلق الله عليّـاً، فكيـف يكون أميراً عليهم؟! وغاية ما يمكن: أن يكون أميراً على أهل زمانه، أمّا الاِمارة على من خُلق قبله ومن يُخلق بعده، فهذا مِن كذب مَن لا يعقل ما يقول، ولا يسـتحي ممّا يقـول.
أُنظر: منهاج السُـنّة 4|578».
أقـول:
لقد استدلّ العلاّمة الحلّي ـ رحمه الله تعالى ـ بهذه الآية المباركة في كتابيه منهـاج الكرامة في معرفة الاِمامـة و نهج الصـدق ، وروى في ذيلها في الاَوّل منهما عن كتاب فردوس الاَخبار للحافظ الديلمي الحديث التالي:
«عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: لو يعلم الناس متى سُمّي عليٌّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله: سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال تعالى: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا) قالت الملائكة: بلى. فقال تبارك وتعالى: أنا ربّكم ومحمّـد نبيّكم وعليّ أميركم»(1).
و«شـيرويه الديلمي» ـ المتوفّى سنة 509 ـ من كبار الحفّاظ المشهورين، وقد تقدّم منّا قريباً ترجمته عن عدّةٍ من المصادر المعتمدة.
(1) انظر: فردوس الاَخبار 3|399.
(9)
وكتابه فردوس الاَخبار أيضاً من أشهر كتبهم الحديثية، نقلوا عنه واعتمدوا عليه وعُنُوا به، واسمه الكامل: فردوس الاَخبار بمأثور الخطاب المخرّج على كتاب الشهاب يعني كتاب شهاب الاَخبار في الحكم والاَمثال والآداب للقاضي أبي عبـدالله محمّـد بن سلامة القضاعي، المتوفّى سنة 454.
قال في كشف الظنون تحت عنوان فردوس الاَخبار: «ذكر فيه أنّه أورد فيه عشـرة آلاف حديث، وذكر أنّه أورد القضاعي فيه ألف ومائتي كلمة ولم يذكر رواتها، فذكر في الفردوس رواتها، ورتّب على حروف المعجم مجرّدةً عن الاَسانيد، ووضع علامات مخرّجه بجانبه، وعدد رموزه عشـرون»(1).
وقد روى أصحابنا بأسانيدهم عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام روايات عديدة في هذا الباب، فمن ذلك:
* ما أخرجه الشيخ محمّـد بن يعقوب الكليني، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: قلت له: لم سمّي أمير المؤمنين؟ قال: الله سمّاه، وهكذا أنزل في كتابه: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم) وأنّ محمّـداً رسولي وأنّ عليّـاً أمير المؤمنين»(2).
* وما أخرجه الشيخ العيّاشـي، عن جابر، قال: «قال لي أبو جعفر: لو يعلم الجهّال متى سمّي أمير المؤمنين عليّ، لم ينكروا حقّه. قال: قلت:
(1) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2|1254.
(2) الكافي 1|412.
(10)
جعلت فداك، متى سمّي؟ فقال لي: قوله: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم)...»(1).
* وما أخرجه الشيخ أبو جعفر الطوسي، في الدعاء بعد صلاة الغدير، مسنداً عن أبي عبـدالله الصادق عليه السلام: «ومننت علينا بشهادة الاِخلاص لك بموالاة أوليائك الهداة، من بعد النذير المنذر والسراج المنير، وأكملت الدين بموالاتهم والبراءة من عدوّهم، وأتممت علينا النعمة التي جدّدت لنا عهدك وذكّرتنا ميثاقك المأخوذ منّا في مبتدَأ خلقك إيّانا، وجعلتنا من أهل الاِجابة، وذكّرتنا العهد والميثاق، ولم تنسنا ذِكرك، فإنّك قلت: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى) اللّهمّ بلى شهدنا بمنّك ولطفك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت ربّنا، ومحمّـد عبدك ورسولك نبيّنا، وعليّ أمير المؤمنين والحجّة العظمى وآيتك الكبرى والنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون»(2).
* وما أخرجه الشيخ الكليني، بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث: «ثمّ قال: (ألست بربّكم قالوا بلى...) ثمّ أخذ الميثاق على النبيّـين فقال: ألست بربّكم وأنّ هذا محمّـد رسولي وأنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟! قالوا: بلى. فثبتت لهم النبوّة وأخذ الميثاق على أُولي العزم، إنّني ربّكم ومحمّـد رسولي وعليّ أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزّان علمي...»(3).
(1) تفسير العيّاشي 2|41.
(2) تهذيب الاَحكام 3|146.
(3) الكافي 2|8.
(11)
ثمّ إنّ بعض العلماء الاَعلام من أهل السُـنّة يروون بإسنادهم عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام حديثاً في هذا الباب:
* قال المحدّث الفقيه الشافعي أبو الحسن ابن المغازلي الواسطي: «أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفّر العطّار، حدّثنا أبو عبـدالله الحسين بن خلف بن محمّـد الداودي، حدّثنا أبو محمّد الحسن بن محمّـد التلعكبري، قال: حدّثنا طاهر بن سليمان بن زميل الناقد، قال: حدّثنا أبو علي الحسين ابن إبراهيم، قال: حدّثنا الحسن بن علي، حدّثنا الحسن بن حسن السكري، حدّثنا ابن هند، عن ابن سماعة، عن جعفر بن محمّـد، عن أبيه محمّـد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه، أنّه قرأ عليه أصبغ بن نباتة: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم) قال: فبكى عليٌّ وقال: إنّي لاَذكر الوقت الذي أخذ الله تعالى علَيَّ فيه الميثاق»(1).
وفي هذا الحديث إشارةٌ ـ إنْ لم يكن فيه تصريح ـ إلى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان أوّل من أجاب في الميثاق، وذاك ما أخرجه الشيخ العيّاشي بإسناده عن أبي جعفر محمّـد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ أُمّتي عُرضت علَيَّ في الميثاق، فكان أوّل من آمن بي: عليّ، وهو أوّل من صدّقني حين بعثت، وهو الصدّيق الاَكبر، والفاروق، يفرق بين الحقّ والباطل»(2).
كما إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أفضل الاَنبياء؛ لاَنّه أوّلهم وأسبقهم في الميثاق بالوحدانية، كما في الحديث:
(1) مناقب عليّ بن أبي طالب: 271.
(2) تفسير العيّاشـي 2|41.
(12)
عن أبي عبـدالله عليه السلام، قال: «إنّ بعض قريش قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بأي شيءٍ سبقت الاَنبياء وأنت بُعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إنّي كنت أوّل من آمن بربي وأوّل من أجاب، حين أخذ الله ميثاق النبيّـين وأشهدهم على أنفسهم (ألست بربّكم قالوا بلى)، فكنت أنا أوّل نبيّ قال بلى، فسبقتهم بالاِقرار بالله»(1).
وعن أبي عبـدالله عليه السلام: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بأيّ شيء سبقت وُلد آدم؟ قال: إنّني أوّل من أقرّ بربّي، إنّ الله أخذ ميثاق النبيّـين وأشهدهم على أنفسهم (ألست بربّكم قالوا بلى) فكنت أوّل من أجاب»(2).
وهذه أحاديث اتّفق عليها الفريقان:
* أخرج البخاري عن رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنّي عبـد الله وخاتم النبيّـين وإنّ آدم لمجندل في طينته»(3).
* وأخرج الترمذي: «قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوّة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. هذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث أبي هريرة»(4).
أقـول:
لكنّه ورد في بعض المصادر عن أبي هريرة: «قيل: يا رسول الله!
(1) الكافي 1|441.
(2) الكافي 2|12.
(3) التاريخ الصغير 1|13.
(4) صحيح الترمذي 5|585.
(13)
متى وجبت لك النبوّة؟ قال: قبل أن يخلق الله آدم وينفخ فيه الروح. وقال: (وإذْ أخذ ربّك من بني آدم...) قالت الملائكة: بلى. فقال: أنا ربّكم ومحمّـد نبيكم وعليّ أميركم»(1).
* وعقد الحافظ السيوطي في خصائص النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم باباً عنوانه: «باب خصوصية النبيّ بكونه أوّل النبيّـين في الخلق وتقدّم نبوّته وأخذ الميثاق» فأورد أحاديث كثيرة جدّاً، ثمّ قال:
«فائدة: قال الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه التعظيم والمنّة في (لتؤمننّ به ولتنصرنّه): في هذه الآية من التنويه بالنبي صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وتعظيم قدره العلي، ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنّه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم، فتكون نبوّته ورسالته عامّة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الاَنبياء وأُممهم كلّهم من أُمّته، ويكون قوله: (بُعثت إلى الناس كافّة)، لا يختصّ به الناس من زمانه إلى القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضاً، ويتبيّن بذلك المعنى قوله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: (كنت نبيّاً وآدم بين الروح والجسد)...».
(قال): «فعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبيّنا صلّى الله عليه [وآله] وسلّم من ربّه سبحانه، وأنّه أعطاه النبوّة من ذلك الوقت، ثمّ أخذ له المواثيق على الاَنبياء، ليعلموا أنّه المقدّم عليهم، وأنّه نبيّهم ورسولهم.
وفي أخذ المواثيق ـ وهي في معنى الاستخلاف، ولذلك دخلت لام القسم في (لتؤمننّ به ولتنصرنّه) ـ لطيفة أُخرى، وهي كأنّها أيمان للبيعة
(1) ينابيع المودّة: 248 عن المودّة في القربى لعلي بن شهاب الدين الهمداني، المتوفّى سنة 786.
(14)
التي تؤخذ للخلفاء...
إذا عرفت ذلك، فالنبيّ هو نبيّ الاَنبياء.
ولهذا أظهر في الآخرة جميع الاَنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الاِسراء صلّى بهم.
ولو اتّفق مجيئُه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم وعلى أُممهم الاِيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، ورسالته إليهم معنىً حاصل له، وإنّما أمره يتوقّف على اجتماعهم معه، فتأخّر ذلك لاَمرٍ راجعٍ إلى وجودهم لا إلى عدم اتّصافه بما تقتضيه...»(1).
وعقد القاضي عياض الحافظ أيضاً بحثاً في الموضوع عنوانه: «السابع: في ما أخبر الله به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الاَنبياء وخطورة رتبته» فذكر الآيات والاَخبار وكلمات العلماء(2).
أقـول:
ولولا خوف الاِطالة لاَوردت كلمات القوم بكاملها، لاَنّها تحقيقات رشـيقة متّخذة من الاَدلّة القطعية، من الكتاب والسُـنّة المتواترة عند الفريقين.
وتتلخّص تلك الاَدلّة والاَقوال في أفضليّة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم على سائر الاَنبياء، وأنّهم لو كانوا في زمانه لكانوا من أُمّته، وذلك لاَنّه متقدّم في الخلق عليهم، وقد أُخذ ميثاق نبوّته منهم، وإنْ كان متأخّراً زماناً عنهم.
(1) الخصائص الكبرى 1|3 ـ 4.
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1|111 بشرح الخفاجي.
(15)
* وعليٌّ خلقه الله مع النبيّ من نورٍ واحد... كما في حديث النور، المشهور(1).
وعليٌّ خلقه الله مع النبيّ من شجرةٍ واحدة... كما في حديث الشجرة، المشهور(2).
وعليٌّ بُعث الاَنبياء على ولايته، كما بُعثوا على نبوّة النبيّ... كما في الحديث الصحيح المتقدّم في قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا...).
فظهر أنّ الحديث المذكور عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وعن حذيفة، وعن أبي هريرة، في ذيل الآية المباركة، حديث متّفقٌ عليه بين الفريقين، معتبر بشواهده الجمّة، والشبهات المذكورة حوله مندفعة.
وما اشتمل عليه كلام ابن تيميّة ومن تبعه من السبّ والشتم، فنمرّ عليه مرّ الكرام...
(1) من رواته: أحمد وأبو حاتم وابن مردويه وأبو نعيم وابن عبـد البرّ والخطيب والرافعي وابن حجر العسقلاني. راجع: الجزء الخامس من كتابنا الكبير نفحات الاَزهار في خلاصة عبقات الاَنوار.
(2) من رواته: الحاكم والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر والسيوطي والمتّقي. راجع: الجزء الخامس من كتابنا الكبير نفحات الاَزهار في خلاصة عبقات الاَنوار.
(16)
قوله تعالى: (فتلقّى آدمُ من ربّه كلماتٍ فتاب عليه)(1).
قال السـيّد:
«وتلقّى آدم من ربّه كلمات التوسّل بهم فتاب عليه».
قال في الهامش:
«أخرج ابن المغازلي الشافعي، عن ابن عبّـاس، قال: سئل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: سأله بحقّ محمّـد وعليّ وفاطمة والحسن والحسـين. فتاب عليه وغفر له...
وهذا هو المأثور عندنا في تفسير الآية».
فقيـل:
«الحديث المشار إليه من طريق محمّـد بن علي بن خلف العطّار، عن حسين بن حسن الاَشقر، عن عمرو بن ثابت.
وحسين الاَشقر شيعي غال، ضعّفه كلٌّ من البخاري وابن منده وأبو حاتم وأبو زرعة والعقيلي.
وقال الجوزجاني: غالٍ من الشتّامين للخيرة.
وفي الكامل لابن عديّ 1|97: وليس كلّ ما يروى عنه من الحديث
(1) سورة البقرة 2: 37.
(17)
الاِنكار فيه من قبله، فربّما كان من قبل من يروي عنه؛ لاَنّ جماعة من ضعفاء الكوفييّن يحيلون بالروايات على حسين الاَشقر، على أنّ حسيناً في حديثه بعض ما فيه.
وفي لسان الميزان: أنّ ابن عديّ ذكر في ترجمة حسين الاَشقر حديثاً من طريقه وعن محمّـد بن علي المذكور ثمّ قال عنه: محمّـد بن علي هذا عنده من هذا الضرب عجائب، وهو منكَر الحديث، والبلاء فيه عندي منه لا من حسين.
وفي اللسان، في ترجمة المظفّر بن سهيل عن الدارقطني أنّه قال في محمّـد المذكور: مجهول.
والحديث عند ابن الجوزي من طريق الدارقطني.
أمّا عمرو بن ثابت، فقد قال عنه ابن المبارك: لا تحدّثوا عن عمرو ابن ثابت، فإنّه كان يسبّ السلف. وعن ابن معين: هو غير ثقة. وقال أبو داود: رافضي خبيث. وقال في موضعٍ آخر: رجل سوء، لمّا(1) مات النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كفر الناس إلاّ خمسة، وكذا ضعّفه: أبو زرعة وأبو حاتم والبخاري والنسائي وابن حبّان وابن عديّ والحاكم، وغيرهم. وقال الساجي: مذموم، وكان ينال من عثمان ويقدّم عليّـاً على الشيخين. وقال العجلي: شديد التشيّع غال فيه، واهي الحديث. وقال البزّار: كان يتشيّع ولم يُترك.
(عن التهذيب باختصار).
فتأمّل ـ رحمك الله ـ هذا الجريء على الله، المتقوّل على كتابه، واحكم على استشهاداته».
(1) كذا.
(18)
أقـول:
لقد أخرج الحاكم، والبيهقي، والطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر، والقاضي عياض، وغيرهم، بأسانيدهم المعتبرة، حديث توسّل آدم عليه السلام بنبيّنا محمّـد صلّى الله عليه وآله وسلّم:
* قال الحاكم: «حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمّـد بن منصور العدل، ثـنا أبو الحسـن محمّـد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبـدالله بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبـد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ! أسألك بحقّ محمّـد لَما غفرت لي. فقال الله: يا آدم! وكيف عرفت محمّـداً ولم أخلقه؟ قال: يا ربّ! لاَنّك لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّـد رسول الله، فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم! إنّه لاَحبّ الخلق إليَّ، ادعني بحقّه، فقد غفرت لك، ولولا محمّـد ما خلقتك.
هذا حديث صحيح الاِسناد، وهو أوّل حديث ذكرته لعبـد الرحمن ابن زيد بن أسلم، في هذا الكتاب»(1).
* وقال الطبراني: «حدّثنا محمّـد بن داود بن أسلم الصدفي المصري، حدّثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري، حدّثنا عبـدالله بن
(1) المستدرك على الصحيحين 2|615.
(19)
إسماعيل المدني، عن عبـد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن الخطّاب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: لمّا أذنب آدم عليه السلام الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى العرش وقال: أسألك بحقّ محمّـد إلاّ غفرت لي؛ فأوحى الله إليه: وما محمّـد؟ ومن محمّـد؟ فقال: تبارك اسمك، لمّا خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمّـد رسول الله؛ فعلمت أنّه ليس أحد أعظم عنـدك قـدراً ممّن جعلت اسـمه مع اسـمك؛ فأوحى الله عـزّ وجـلّ إليـه: يا آدم! إنّه آخر النبيّـين من ذرّيّتك، وإنّ أُمّته آخر الاَُمم من ذرّيّتك»(1).
وقد استدلّ الحافظ السبكي بهذه الاَحاديث على جواز التوسّل بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في كلّ حال، قبل خلقه وبعد خلقه في مدّة حياته في الدنيا وبعد موته، في مدّة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة والجنّة... وقال بعد ذِكر حديث الحاكم وغيره: «والحديث المذكور لم يقف ابن تيميّة عليه بهذا الاِسناد، ولا بلغه أنّ الحاكم صحّحه... وكيف يحـلّ لمسلمٍ أن يتجاسـر على منـع هذا الاَمـر العظيـم الذي لا يردّه عقل ولا شرع؟!...»(2).
هـذا ، واسم أمير المؤمنين عليه السلام مقرون باسم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على العرش، فليس أحد أعظم عند الله قدراً ممّن جعل اسمه مع اسمه كما قال آدم عليه السلام، والقوم يحاولون أن يكتموا هذه الفضيلة كغيرها من الفضائل، ولكنّ الله شاء أن تروى وتبقى:
* أخرج القاضي عياض، عن أبي الحمراء، عن رسول الله صلّى الله
(1) المعجم الصغير 2|82.
(2) شفاء الاَسقام في زيارة خير الاَنام: 162.
(20)
عليه وآله وسلّم: قال: «لمّا أُسري بي إلى السماء، إذا على العرش مكتوب: لا إله إلاّ الله محمّـد رسول الله أيّدته بعليّ»(1).
* وأخرج ابن عديّ وابن عساكر، عن أنس، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لمّا عرج بي، رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّـد رسول الله، أيّدته بعليّ»(2).
* وعقد الحافظ محبّ الدين الطبري مطلباً بعنوان: «ذِكر اختصاصه بتأييد الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم به، وكتبه ذلك على ساق العرش وعلى بعض الحيوان» فأخرج الحديث عن أبي الحمراء برواية الملاّء في سيرته.
وأخرج عن ابن عبّـاس: «كنّا عند النبيّ، إذا بطائر في فيه لوزة خضراء، فألقاها في حجر النبيّ، فقبّلها ثمّ كسرها، فإذا في جوفها ورقة خـضراء مكتـوبة: لا إله إلاّ الله محمّـد رسـول الله، نصرته بعليّ. أخرجه أبو الخير القزويني الحاكمي»(3).
فسواء صحّ الحديث الذي أخرجه ابن المغازلي المحدّث الفقيه الشافعي في الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، أو لم يصحّ، ففي الاَحاديث المذكورة كفاية، لمن طلب الحقّ والهداية.
وأمّا الحديث المذكور فهذا نصّه بسنده: «أخبرنا أحمد بن محمّـد بن عبـد الوهّاب ـ إجازة ـ، أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبيـدالله بن شوذب، حدّثنا محمّـد بن عثمان، قال: حدّثني محمّـد بن سلمان بن الحارث، حدّثنا محمّـد بن علي بن خلف العطّار، حدّثنا حسين الاَشقر، حدّثنا عمرو
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 1|340 .
(2) الخصائص الكبرى 1|7، الدرّ المنثور 4|153.
(3) الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرة 2|227.
(21)
ابن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبـدالله بن عبّـاس، قال: سئل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال: سأله بحقّ محمّـد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت علَيَّ. فتاب عليه»(1).
فهذه رواية ابن المغازلي(2).
وقال شيخ الاِسلام الحمويني(3): «أخبرني الشيخ الصالح جمال الدين أحمد بن محمّـد بن محمّـد، المعروف بمذكويه القزويني وغيره إجازة، بروايتهم عن الشيخ الاِمام إمام الدين أبي القاسم عبـد الكريم بن محمّـد بن عبـد الكريم الرافعـي القزوينـي إجـازةً، أنبـأنا الشـيخ العـالم عبـد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال: أنبأنا أبو البركات هبة الله بن موسى السقطي، قال: أنبأنا القاضي أبو المظفّر هناد بن إبراهيم النسفي، قال: أنبأنا أبو الحسن محمّـد بن موسى ـ بتكريت ـ، قال: أنبأنا محمّـد بن فرحان، حدّثنا محمّـد بن يزيد القاضي، حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث بن سعد، عن
(1) مناقب علي بن أبي طالب: 63.
(2) توجـد ترجمتـه في: الاَنسـاب «الجـلاّبي»، قـال: «والمشـهور بهذه النسـبة: أبـو الحسن علي بن محمّـد بن الطيّب الجلاّبي، المعروف بابن المغازلي، من أهل واسط العراق، كان فاضلاً عارفاً برجالات واسط وحديثهم، وكان حريصاً على سماع الحديث وطلبه، رأيت له ذيل التاريخ بواسط، وطالعته وانتخبت منه... روى لنا عنه ابنه بواسط».
قـلـت: وتاريخه المذكور اعتمده الاَكابر ونقلوا عنه، كالذهبي في تذكرة الحفّاظ، كما إنّ كتابه في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام اعتمده كبار الحفّاظ، كالسمهودي في جواهر العقدين، وابن حجر المكّي في الصواعق المحرقة.
(3) توجد ترجمته في غير واحدٍ من المصادر، من أهمّـها: المعجـم المختصّ للحافظ الذهبي، فقد ترجم له فيه لكونه من مشايخه في الحديث.
(22)
العلاء بن عبـد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم أنّه قال:
لمّا خلق الله تعالى أبا البشر، ونفخ فيه من روحه، التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً وركّعاً. قال آدم: يا ربّ! هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم. قال: فمن هؤلاء الخمسة الاَشباح الّذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من وُلدك، لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهـم ما خلقـت الجـنّة ولا النـار ولا العـرش ولا الكـرسي ولا السـماء ولا الاَرض ولا الملائكة ولا الاِنس ولا الجنّ، فأنا المحمود وهذا محمّـد، وأنا العالي وهذا عليّ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الاِحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين.
آليت بعزّتي أنّه لا يأتيني أحد بمثقال حبّةٍ من خردلٍ من بغض أحدهم إلاّ أدخلته ناري ولا أُبالي.
يا آدم! هؤلاء صفوتي، بهم أُنجيهم وبهم أُهلكهم، فإذا كان لك إليَّ حاجة فبهؤلاء توسّل.
فقال النبيّ: نحن سفينة النجاة، من تعلّق بها نجا، ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت»(1).
ورواه أبو الفتح النطنزي(2)، في كتاب الخصائص العلويّة.
(1) فرائد السمطين 1|36.
(2) توجد ترجمته في: الاَنساب «النطنزي»، ونصَّ على قراءته عليه واستفادته منه قال: «قدم علينا بمرو سنة إحدى وعشرين، وقرأت عليه طرفاً صالحاً من الاَدب
(23)
وقال الحافظ السيوطي: «وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسندٍ رواه عن عليّ، قال: سألت النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم عن قول الله: (فتلقّى آدم...) ـ فذكر الحديث إلى قول الله عزّ وجلّ لآدم ـ: «فعليك بهؤلاء الكلمات، فإنّ الله قابل توبتك وغافر ذنبك؛ قل: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّـدٍ وآل محمّـد... فهؤلاء الكلمات التي تلقّى آدم».
قال السيوطي: «وأخرج ابن النجّار، عن ابن عبّـاس، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه. قال: سـأل بحـقّ محمّـد وعليّ وفاطمـة والحسـن والحسـين إلاّ تبت علَيَّ. فتاب عليه(1).
أقـول :
فهذا هو الحديث، وقد رواه من أئمة أهل السُـنّة: الرافعي، وابن النجّار، والديلمي، والنطنزي، والحمويني، وابن المغازلي، والسيوطي، وغيرهم.
وهو أيضاً في كتب أصحابنا بطرقهم، عن أئمّة العترة الطاهرة عليهم السلام.
فهو حديث متّفق عليه بين الطائفتين.
مضافاً، إلى أنّه في كتب القوم بأسانيد متعدّدة، فيتقوّى بعضها على
واستفدت منه واغترفت من بحره، ثمّ لقيته بهمدان، ثمّ قدم علينا بغداد غير مرّة في مدّة مقامي بها، وما لقيته إلاّ وكتبت عنه واقتبست منه... سمعت منه أخيراً بمرو الحديث».
(1) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 1|60 ـ 61.
(24)
فرض ضعفه بالبعض الآخر.
وأمّـا الكلام في خصوص سند الرواية عند ابن المغازلي:
* فإنّ «محمّـد بن علي بن خلف العطّار» قد ترجم له الحافظ الخطيب البغدادي وقال: «سمعت محمّـد بن منصور يقول: كان محمّـد بن علي بن خلف ثقة مأموناً حسن النقل»(1).
فقد ذكر توثيقه ولم يذكر جرحاً فيه أبداً.
وبما ذكرنا يندفع ما عن ابن عديّ أنّه قال فيه: «عنده عجائب» إن كان مثل هذا القول جرحاً.
على أنّ ابن عديّ إنّمـا قال هذا عقيب حديثٍ رواه وفيه: أنّ عمّار ابن ياسر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال لاَبي موسى الاَشعري: إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يلعنك. فقال أبو موسى: إنّه قد استغفر لي. قال عمّار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار»!!(2) فكان من الطبيعي الطعن في مثل هذا.
ولكنّه ـ مع ذلك ـ لم يطعن في «محمّـد بن علي العطّار» إلاّ أنّه قال: «عنده عجائب».
ويؤكّد ذلك أنّ ابن عديّ لم يورد الرجل في كتابه الكامل وإنّما قال هذا بترجمة «الاَشقر»، وقد نبّه الحافظ ابن حجر على ذلك(3) أيضاً، مع أنّه يُدخل فيه من تُكُلِّم فيه بأدنى شيء كما قال الحافظ الذهبي(4).
(1) تاريخ بغداد 3|57.
(2) الكامل في الضعفاء 3|236.
(3) لسان الميزان 5|289 الطبعة الحديثة.
(4) سير أعلام النبلاء 16|155.
(25)
* وأمّا «حسين بن حسن الاَشقر» فهو من رجال سنن النسائي، وقد ذكروا بترجمة النسائي أنّ له في الصحيح شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم(1).
وكلّ من تكلّم فيه فإنّما تكلّم لاَجل تشيّعه، وقد تقرّر عندهم: أنّ الجرح المفسّر ليس بمانعٍ من قبول الرواية(2)، هذا بصورةٍ عامّة؛ وفي خصوص التشيّع، فقد تقرّر عندهم أنّه لا يضرّ بالوثاقة(3).
ومن هنا، فقد ذكر الحافظ ابن حجر عن ابن الجنيد أنّه قال: «سمعت ابن معين ذكر الاَشقر فقال: كان من الشيعة الغالية. قلت: فكيف حديثه؟ قال: لا بأس به. قلت: صدوق؟ قال: نعم، كتبت عنه»(4).
ومن هنا نصَّ الحافظ على أنّه صدوق، مع ذِكره أنّه يغلو في التشـيّع(5).
وقد سبق وأن ترجمنا للاَشقر في كتابنا، فليراجع(6).
* وأمّا «عمرو بن ثابت، ابن أبي المقدام» فهو من رجال أبي داود، وابن ماجة في التفسير، والكلام فيه كالكلام في سابقَيه، فعن ابن المبارك: «لا تحدّثوا عن عمرو بن ثابت فإنّه كان يسبّ السلف»، وعن أبي داود قال: «رافضي خبيث» وقال في موضع آخر: «رجل سوء، قال: لمّا مات النبيّ كفر الناس إلاّ خمسة. وجعل أبو داود يذمّه ويقول: قد روى عنه
(1) تذكرة الحفّاظ 2|700 ترجمة النسائي.
(2) انظر مثلاً: مقدّمة فتح الباري: 430.
(3) مقدّمة فتح الباري: 382 و 398 و 410.
(4) تهذيب التهذيب 2|292.
(5) تقريب التهذيب 1|175.
(6) تشييد المراجعات 1|268.
(26)
سفيان وهو المَشُوم، ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة، وجعل يقول ويعني: أنّ أحاديثه مستقيمة»، وعنه أيضاً: «رافضي خبيث، وكان رجل سوء، ولكنّه كان صدوقاً في الحديث»، وعن البزّار: «كان يتشيّع ولم يُترك».
فالرجل كان يشتم عثمان، وكان يقدّم عليّـاً على الشيخين(1).
إلاّ أنّ ذلك لا يضرّ بوثاقته، ولذا نرى أنّ أبا داود يراه صدوقاً في الحديث ويروي عنه ومع ذلك يقول: «كان رجل سوء» وكذا البزّار يقول: «يتشيّع» ثمّ يقول: «لم يُترك»!!
وأبو حاتم وإنْ قال: «كان رديء الرأي، شديد التشيّع» فقد نصَّ على أنّه «يُكتب حديثه».
وتلخّص:
إنّ استدلال السـيّد رحمه الله بالآية المباركة والحديث الوارد في ذيلها صحيح، ولا يتطرّق إليه أيّ إشكالٍ.. وأمّا السُباب والشتائم فترجع على أهلها اللئام، ونحن نمرّ عليها مرّ الكرام.
(1) تهذيب التهذيب 8|9.
(27)
قوله تعالى: (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم)(1).
قال السـيّد:
«وما كان الله ليعذّبهم وهم أمان أهل الاَرض ووسيلتهم إليه».
قال في الهامش:
«راجع من الصـواعق المحـرقة لابن حجر تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليعذّبهم) وهي الآية السابعة من آيات فضلهم التي أوردها في الباب 11 من ذلك الكتاب، تجد الاعتراف بما قلناه».
فقيـل:
«بالرجوع إلى الاَحاديث التي اعتمدها لتفسير الآية الكريمة تبيّن أنّها أحاديث هالكة وضعيفة، حتّى ابن حجر الهيتمي ـ وهو ليس من رجال هذا الشأن (أعني علم الحديث) ـ حكم عليها بالضعف، ولكنّ المؤلّف أوهم ولبّس على عادته.
هذا، فضلاً عن أنّ أحداً من المفسّرين الّذين يعتدّ برأيهم لم يقل بمثل هذا القول.
على أنّ سبب نزولها ما رواه البخاري عن أحمد ومحمّـد بن النضر كلاهما، عن عبـدالله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن عبـد الحميد
(1) سورة الاَنفال 8: 33.
(28)
صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك، قال أبو جهل بن هشام: (اللّهمّ إنْ كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم) فنزلت: (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون).
(ابن كثير 2|304)».
أقـول:
لا يخفى أنّ السيّد طاب ثراه بصدد الاِشارة إلى آيات فضل أهل البيت عليهم السلام، بالنظر إلى الاَحاديث الواردة في تفسيرها أو المناسبة لها، استناداً إلى كتب القوم المعروفة المشهورة.
والمقصود هنا ـ جمعاً بين قوله تعالى: (وما كان الله ليعذّبهم...) وبين قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أهل بيتي أمان لاَُمّتي» ـ: أنّ من فضلهم عليهم السلام هو أنّ الله تعالى وعد الاَُمّة المحمّـدية بعدم الزوال والضلال ما دام أهل البيت عليهم السلام فيهم وكانت الاَُمّة مقتضيةً لهم... كما وعدهم بذلك ما داموا يستغفرون...
فهم أمان للاَُمّة، كما أنّ الاستغفار أمان...
فليس المقصود بيان سبب نزول الآية، أو أنّ أحداً من المفسّرين فسّرها بأهل البيت عليهم السلام.
وعلى الجملة: فإنّ الجمع بين الآية والرواية يثبت فضيلةً لاَهل البيت عليهم السلام، لا توجد لغيرهم، فلذا كان عليٌّ وأولاده الطاهرون أفضل الناس ـ بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ عند الله، وأقربهم إليه.
وهذا الحديث قد تقدّمت الاِشارة إليه بالاِجمال في ذيل حديث السفينة، وهو مروي في كتب القوم المعتبرة بألفاظٍ عديدة، وله شواهد
(29)
أُخرى أيضاً، وكلّ ذلك من رواية أعلام الحديث وأئمّة الحفّاظ من المتقدّمين والمتأخّرين(1).
(1) راجع : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات 1 / 131 ـ 133 .
|