|
|
 |
| العدد 58 > مصطلحات نحوية > |
مصطلحات نحوية
(13)
السيّد علي حسن مطر
خمس وعشـرون ـ مصطلح الحال
* الحال لغةً :
للحال في اللغة معانٍ عديدة (1) ، أهمّها :
أوّلاً : ما عليه الاِنسان من خير أو شرّ ، وهذا المعنى أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي ، كما سـيتّضح.
ثانياً : الوقت الذي أنت فيه.
ثالثاً : صَرْفُ الدهر.
رابعاً : زوجة الرجل.
وألف الحال « منقلبة عن واو ؛ لقولهم في جمعها : أَحوال ، وفي تصغيرها : حُويلة ، واشتقاقها من التحوّل ، وهو التنقّل »(2).
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة (حول).
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الاَزهري 1|365.
(189)
ومعنى الحال « يذكّر ويؤنّث ، وهو الاَفصح ، يقال : حال حَسَنٌ ، وحالٌ حَسَنةٌ ، وقد يؤنّثُ لفظُها ، فيقال : حالة ، قال الشاعر :
|
على حالةٍ لو أنّ في القومِ حاتِماً
| |
على جودِه لَضنَّ بالماءِ حاتِمُ »(1)
|
« ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر :
|
إِذا أعجبتك الدهرَ حالٌ من امرىٍَ
| |
فدعه وواكِل أَمرَهُ واللياليا »(2)
|
* الحال اصطلاحاً :
ورد في كتاب سيبويه (ت 180 هـ) عدّة عناوين للتعبير عن المعنى الاصطلاحي للحال ، وهي : الحال ، المفعول فيه ، الصفة ، الخبر(3).
وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (المنصوب على القطع)(4).
وقد عرّف سيبويه الحال بأنّه : « ما يعمل فيه الفعل فينتصب ، وهو حال وقع فيه الفعل... وذلك قولك : ضربتُ عبـدالله قائماً »(5).
وعرّفه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بقوله : « الحال إنّما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبَر به عنه »(6).
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ج ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 245.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2|77 (حاشية المحقّق).
(3) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1|44 و ج 2|49 ـ 50 و 87.
(4) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّـد علي النجّار 1|313.
(5) كتاب سيبويه 1|44.
(6) الاَُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|258.
(190)
ومثلـه تعـريـف ابـن جـنّي (ت 392 هـ)(1) ، والزمخـشـري (ت 538 هـ)(2) ، وابن الاَنباري (ت 577 هـ)(3) ، والمطرّزي (ت 610 هـ)(4) ، وأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ)(5) ، وابن يعيش (ت 643 هـ)(6).
ويلاحظ أنّ حصر مجيء الحال بكونها مبيّنة لخصوص هيئة الفاعل أو المفعول به ، لا يمكن الموافقة عليه ، رغم ذهاب كثير من النحاة إليه ، وقد خالفهم في ذلك سيبويه وغيره من القدماء ، وبعض النحاة المعاصرين ، كما ستأتي الاِشارة إليه في خاتمة البحث.
وعرّفه الزجّاجي (ت 337 هـ) بقوله : « الحال هو اسم نكرة جاء بعد معرفة ، وقد تمّ الكلام دونه »(7).
ويرد على هذا التعريف :
أوّلاً : إنّ الحال قد تأتي معرفة لا نكرة ، نحو قولهم : أَرسَلها العِراكَ(8).
وقد دُفع هذا الاِيراد بما ذهب إليه سيبويه من « أنّ هذا مصدر لفعل
(1) اللمع في العربيّة ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 62.
(2) المفصّل في علم العربيّة ، جار الله الزمخشري : 61.
(3) أسرار العربيّة ، أبو البركات ابن الاَنباري ، تحقيق فخر صالح قداره : 176.
(4) المصباح في علم النحو ، ناصر المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 61 ـ 62.
(5) اللباب في علل البناء والاِعراب ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق غازي مختار طليمات 1|284.
(6) شرح المفصّل ، ابن يعيش 2|55.
(7) الجمل ، أبو إسحاق الزجّاجي ، تحقيق علي توفيقالحمد : 35.
(8) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الاِشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1|516.
(191)
محذوفٍ تقديره : أَرسلَها تعتركُ العراك ، والفعل [المحذوف] هو الحال ، كما تقول : جاء زيد يضحك »(1).
ثانياً : إنّ صاحبَ الحال قد يكون نكرة لا معرفة ، كما في نحو : فيها رجل قائماً ؛ فقد ذهب سيبويه إلى « أنّه حال من النكرة ، وجعله جاء على القليل »(2).
وتجدر الاِشارة إلى أنّ اختلاف النحاة في جواز مجيء صاحب الحال نكرة مخصوص بما لو كانت الحال متأخّرة عن صاحبها ، وأمّا إذا كانت متقدّمة عليه كما في نحو : فيها قائماً رجل ، فلا خلاف بينهم في جوازه(3).
ثالثـاً : إنّه ذكر مجيء الحال بعد معرفةٍ تمّ الكلام دونها ، وهذا ما ذهب إليه غيره من النحاة أيضاً كما سيأتي ، وقد اعترض على ذلك باعتراضين :
(1) أ ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|517.
ب ـ الكتاب 2|112.
ج ـ المقتضب ، المبرّد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3|237.
د ـ المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 163.
هـ ـ شرح المفصّل 2|62 ـ 63.
و ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|336.
(2) أ ـ كتاب سيبويه 2|112.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|519.
(3) أ ـ الجمل ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 17.
ب ـ شرح الاَُنموذج ، عبـد الغني الاَردبيلي ، تحقيق حسني عبـد الجليل يوسف : 51.
ج ـ شرح المقدّمة الجزولية الكبير ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق تركي العتيبي 2|726.
د ـ المصباح في علم النحو : 62.
(192)
أوّلهما : إنّ الحال قد تأتي والكلام قبلها غير تامّ ، كما في نحو : ضربي زيداً قائماً(1) ، ومحاولة التخلّص من هذا الاعتراض بأنّ « هذا وشبهه مقدّر بالتمام ؛ لاَنّ (ضربي زيداً) في معنى (ضربتُ زيداً) أو في معنى (ضربي زيداً إذا كان قائماً) ، فحذف الخبر وسدَّ الحال مسدَّ الخبر »(2) ، هي محاولة واضحة التكلّف ، لا تقوى على دفع الاعتراض.
وثانيهما : « إنّا نجدُ كثيراً من الاَلفاظ موافقة لِما ذكر ، وليس بحال ؛ كقولك : ضربتُ رجلاً ، وضربتُ يوماً ، وضربتُ تأديباً ، وأشباه ذلك ، فكلّها نكرة جاءت بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها ، وليست بحـال »(3).
وأمّا ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) فقد عرّف الحال بأنّها : « زيادة في الخبر ؛ وذلك أنّ قولهم : (جاء زيد) جملة خبرية ، قد انعقد بها الفائدة ، فاستغنت وصحّ السكوت عليها ، فإن قلتَ : راكباً ، فقد زدت في الفائدة ، والزيادة فضلة ، والفضلة منصوبة »(4).
ويؤخذ على هذا التعريف أنّه غير مانع من دخول المفعول المطلق ، والمفعول فيه ، والمفعول معه ، كما في نحو : جلسَ زيدٌ جلسةَ الحزينِ ، وجاء زيدٌ صباحاً ، وسار زيدٌ وشاطئ النهرِ.
وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه :« ما يذكر للبيان عن هيئة الفاعل والمفعول... وشرطه أن يكون نكرة مشتقّة تأتي بعد معرفة ، قد تمّ الكلام
(1) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 1|313.
(2) شرح المقدّمة المحسبة 1|313.
(3) الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|328.
(4) شرح اللمع ، ابن برهان ، تحقيق فائز فارس 1|132.
(193)
دونها ، مقدّرة بـ : في منتقلة »(1).
وقريب منه قول ابن معطي (ت 628 هـ) : الحال « بيان هيئة الفاعل أو المفعول بنكرة مشتقّة بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها منتقلة »(2).
والجديد في هذا التعريف إشارته إلى كون الحال مشتقّة منتقلة ، وكونها كذلك غالب وليس لازماً ؛ إذ إنّها قد تأتي جامدة ثابتة ، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من النحاة(3) ، ومنهم ابن مالك إذ قال في ألفيّـته :
|
وكونه منـتـقلاً مُشـتقّا
| |
يغلبُ لكن ليس مستحَقّا
|
وعرّفه عبـد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بقوله : الحال « كلّ صفة نكرة منصوبة بمعنى في حال كذا »(4).
ومرادهم بالصفة أو الوصف : « ما صيغ من المصدر ليدلّ على متّصف ، وذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة وأمثلة المبالغة وأفعل التفضيل »(5) ، فكأنّه قال : إنّ الحال نكرة مشتقّة.
وقوله : (بمعنى في حال كذا) بمعنى قول غيره : مبيّنة للهيئة.
_
(1) شرح المقدّمة المحسبة 1|310 ـ 312.
(2) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 186.
(3) أ ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2|32.
ب ـ الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|389 ـ 390.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|79.
د ـ شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم : 171.
هـ ـ همـع الهوامع في شـرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 2|10.
(4) الجمل : 16.
(5) شرح الاَشموني على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|242.
(194)
وقوله : (منصوبة) « أي أصالة ، وقد يجرّ لفظه بالباء ومن بعد النفي ، ولكن ليس ذلك مقيساً على الاَصحّ ، نحو :
|
فمـا رجعـت بخائبـةٍ ركـاب
| |
حكيمُ بنُ المسـيَّبِ منـتهاها »(1)
|
أمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد عرّف الحال بقوله : « الحال : ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظاً أو معنىً ، نحو : ضربتُ زيداً قائِماً ، وزيدٌ في الدار قائماً ، وهذا زيد قائماً »(2).
« قوله : (لفظاً أو معنىً) حال من [لفظ] الفاعل أو المفعول [به] ، أي : ملفوظاً أو معنويّاً... أمّا المفعول المعنوي فنحو : شيخاً ، في قوله تعالى : (وهذا بَعلي شيخاً)(3) ؛ فإنّ (بَعلي) خبر المبتدأ ، وهو في المعنى مفعول لمدلول (هذا) ، أي : أُنبّه على بعلي وأشير إليه شيخاً. وأمّا الفاعل المعنوي فكما في قوله :
|
كأنّه خارجاً من جنب صفحتِهِ
| |
..........................
|
إذ المعنى : يُشبه خارجاً »(4).
وممّا ذكره الرضي في مناقشة هذا التعريف أنّه « ليس في هذا الحدّ تحقيق معنى الحال وبيان ماهيّته ؛ لاَنّه ربّما يُتوهّم أنّه موضوع لبيان هيئة الفاعل أو المفعول مطلقاً ، لا في حالة الفعل ، فيظنُّ في (جاءَني زيد راكباً) ، أنّ (راكباً) هيئة لهذا الفاعلِ مطلقاً ، لا في خصوص حالِ المجيء ، فيكون غلطاً.
(1) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(2) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(3) سورة هود 11 : 72.
(4) شرح الرضي على الكافية 2|13.
(195)
ويخرج عن هذا الحدّ الحالُ التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو حالٍ ، كقوله :
|
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها
| |
بمنجردِ قيدِ الأوابدِ هيكلِ »(1)
|
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « كلّ اسم أو ما هو في تقديره ، منصوب لفظاً أو نيّةً ، مفسِّر لِما انبهم من الهيئات ، أو مؤكّد لِما انطوى عليه الكلام ، فالمفسِّر نحو قولك : جاء زيدٌ ضاحكاً ، والمؤكّد : تبسّم زيدٌ ضاحكاً »(2).
وقد تضمّن هذا التعريف بيان أنّ الحال قد يكون مفرداً وقد يكون جملـةً ، وأنّ نصبه قد يكون لفظيّـاً وقد يكـون تقديريّـاً ، وهي تقسـيمات لا حاجة إلى إيرادها في متن التعريف الذي يطلب منه بيان ذاتيّات المعرَّف التي تميّزه عن غيره ، ثمّ يوكل بيان أقسامه وتفصيلاته إلى شرح التعريف.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد عرَّف الحال بتعريفين :
أوّلهمـا : « هو ما دلَّ على هيئـة وصاحبها ، متضمّناً ما فيه معنى (في) ، غيرُ تابع ولا عمدة »(3).
وممّا ذكر في شرحه : أنّ « قوله : (على هيئة) ، يشمل الحال ونحو (تربّعت) ؛ فإنّها هيئة في الفعل... قوله : (وصاحبها) خرج [به] تربّعتُ... قوله : (متضمّناً ما فيه معنى في) أخرج نحو : بنيتُ صومعةً ؛ فإنّه غير متضمّنٍ معنى (في) مع دلالته على هيئة وصاحبها... [وقوله :] (غير تابع) أخرج : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، [وقوله :] (ولا عمدة) أخرج
(1) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(2) المقرَّب ، ابن عصفور ، تحقيق أحمد الجواري وعبـدالله الجبوري 1|145.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّد كامل بركات : 108.
(196)
(راكب) من (زيدٌ راكبٌ) ؛ فإنّ هذين التركيبين فيهما ما في الحال من الدلالة على هيئةٍ وصاحبها وتضمّن معنى (في) ، إلاّ أنّ التركيب الاَوّل تابع ، والثاني عمدة ، فليسا حالين »(1).
وثانيهمـا : ما ذكره في ألفـيّـته بقوله :
|
« الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصب
| |
ُمُفهِمُ في حالِ كـ : فَرداً أَذهبُ »
|
وقال ابن هشام الاَنصاري شارحاً هذا الحدّ : « الوصف : جنس يشمل الخبر والنعت والحال ، وفضلة : مخرج للخبر ، ومنتصب : مخرج لنعتَي المرفوع والمخفوض كـ : (جاءني رجلٌ راكبٌ) و (مررتُ برجلٍ راكبٍ) ، ومفهِم في حال كذا : مخرج لنعت المنصوب كـ : (رأيت رجلاً راكباً) ؛ فإنّه إنّما سيق لتقييد المنعوت ، فهو لا يفهِم في حال كذا بطريق القصد ، وإنّما أَفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحدّ نظر ؛ لاَنّ النصبَ حكم ، والحكم فرع التصوّر ، والتصوّر متوقّف على الحدّ ، فجاء الدور »(2).
ولاحظَ عليه ابن الناظم : أنّ « فيه ـ مع إدخالِ حكم في الحدّ ـ أنّه حدّ غير مانع ؛ لاَنّه يشمل النعت ، ألا ترى أنّ قولك : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، في معنى : مررت برجلٍ في حالِ ركوبه ، كما أنّ قولكَ : جاء زيدٌ ضاحكاً ، في معنى : جاء زيد في حال ضحكه »(3).
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله البركاتي 2|521.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2|78 ـ 79.
(3) شرح ابن الناظم على ألفيّة ابن مالك : 124.
(197)
أقـول :
إنّ اعتراضه بدخول النعت في نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، مدفوع بأخذ قيد (النصب) في التعريف ، وكان ينبغي الاعتراض بدخول النعت في نحو : رأيتُ رجلاً راكباً ، إلاّ أنّ الاعتراض يكون حينئذٍ قابلاً للدفع بما ذكره ابن هشام من أنّه يفهِم في حالِ كذا بطريق اللزوم لا القصد ، أو بطريق التضمّن كما سيذكره ابن الناظم نفسه.
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) في تعريف الحال : « هو الوصف المذكور فضلة لبيانِ هيئة ما هو له ، فالوصف : جنس يشمل الحال المشتقّة ، نحو : جاءَ زيد راكباً ، والحال المؤوّلة بالمشتق كقوله تعالى : (فانفروا ثُباتٍ)(1) ، ومخرجٌ نحو (القهقرى) من قولك : رجعتُ القهقهرى ، و (المذكور فضلة) يخرج الخبر من نحو : زيدٌ قائمٌ... و (لبيان هيئة ما هو له) يُخرج التمييزَ من نحو : لله درّه فارساً ، والنعتَ من نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ؛ فإنّ التمييز في ذلك والنعتَ في ذا ، ليس واحد منهما مذكوراً لقصد بيان الهيئة ، بل التمييز مذكور لبيان جنس المتعجّب منه ، والنعت مذكور لتخصيص الفاعل ، ووقع بيان الهيئة بهما ضمناً »(2).
وأمّا الرضي الاسترابادي (ت 686 هـ) فقد قال في تعريف الحال : « الاََوْلى أن نقول : الحال على ضربين : منتقلة ومؤكّدة ، ولكلّ منهما حدّ ؛ لاختلاف ماهيّتهما ، فحدُّ المنتقلة : جزءُ كلام يتقيَّدُ بوقتِ حصولِ مضمونه تعلُّقُ الحدثِ الذي في ذلك الكلام بالفاعل أو المفعول أو بما يجري
(1) سورة النساء 4 : 71.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 124.
(198)
مُجراهما.
فبقولنا : (جزءُ كلامٍ) تخرج الجملة الثانية في نحو : ركبَ زيدٌ وركبَ مع ركوبه غلامُه ، إذا لم نجعلها حالاً.
ويخرج بقولنا : [بوقت] حصول مضمونه ، المصدرُ في نحو : رجع القهقرى ؛ لاَنّ الرجوع يتقيّد بنفسه ، لا بوقت حصول مضمونه.
ويخرج النعتُ بقولنا : (يتقيّد تعلّق الحدث بالفاعل أو المفعول) ؛ فإنّه لا يتقيّد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلّق.
وقولنا : (أو بما يجري مجراهما) يُدخل حال الفاعل والمفعول المعنويّين ، نحو : (وهذا بعلي شيخاً) ، و :
|
كأنّه خارجاً من جنبِ صفحته
| |
سَفُّودُ شَرْبٍ نَسوْهُ عند مُفْتَأَدِ
|
... وحدُّ المؤكّدة : اسم غير حدث يجيءُ مقرِّراً لمضمون جملـة »(1).
ويلاحظ أنّ إثبات الحال المؤكّدة « مذهب الجمهور ، وذهب المبرّد والفرّاء والسهيلي إلى إنكارها ، وقالوا : لا تكون الحال إلاّ مبنيّة ؛ إذ لا يخلو [الكلام] من تجديد فائدة ما عند ذكرها »(2).
وقد وافق ابنُ هشام (ت 761 هـ) الرضيَّ على قسمة الحال إلى قسمين لاختلافهما في الماهيّة ، وتعريف كلٍّ منهما على حدّه ، وطرح على هذا الاَساس ثلاثة تعاريف للحال :
أوّلها : إنّ الحال : « وصف فضلة يقع في جواب كيف ، كـ :
(1) شرح الرضي على الكافية 2|10 ـ 11.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 4|39.
(199)
(ضربتُ اللصّ مكتوفاً)...
فإن قلتَ : يَردُ على ذِكر الوصف نحو قوله تعالى : (فانفروا ثباتٍ) ؛ فإنّ (ثُباتٍ) حال وليس بوصف ، وعلى ذِكر الفضلة نحو قوله تعالى : (ولا تمشِ في الاَرض مَرَحاً)(1)... فإنّه لو أسقط (مَرَحاً) فسدَ المعنى ، فيبطل كون الحال فضلةً ، وعلى ذِكر الوقوع في جواب (كيف) نحو قوله تعالى : (ولا تعثوا في الاَرضِ مفسدين)(2) ؛ [فإنّ الحال فيها لا يقع في جواب كيف]..
قلتُ : (ثُباتٍ) في معنى متفرّقين ، فهو وصف تقديراً ، والمراد بالفضلة ما يقع بعد تمام الجملة ، لا ما يصلح الاستغناء عنه ، والحدّ المذكور للحال المبيّنة لا المؤكّدة »(3).
ثانيها : الحال : « وصفٌ فضلةٌ مسوق لبيان هيئة صاحبه ، أو تأكيده ، أو تأكيد عامله ، أو مضمون الجملة قبله... فقولي : (وصف) جنس يدخل تحته الحال والخبر والصفة ، وقولي : (فضلة) فصل مخرج للخبر... وقولي : (مسوق لبيان هيئة ما هو له) مخرج لاَمرين ، أحدهما نعت الفضلة ، من نحو : رأيتُ رجلاً طويلاً... فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، وإنّما سيق لتقييد الموصوف ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، والثاني : بعض أمثلة التمييز ، نحو : لله دَرُّه فارساً ؛ فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً ، لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، ولكنّه سيق لبيان جنس المتعجّب
(1) سورة الاِسراء 17 : 37 ، سورة لقمان 31 : 18.
(2) سورة البقرة 2 : 60.
(3) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 234 ـ 235.
(200)
منه ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، وقولي : (أو تأكيده... إلى آخره) تمّمت به ذِكر أنواع الحال »(1).
وقد تابعه على هذا التعريف جمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)(2).
ثالثها : ما ذكره في شرحه على الاَلفيّة ، وهو مماثل للتعريف الثاني ، إلاّ أنّه ذكر في شرحه أنّ كلمة (الوصف) في الحدّ مخرجة لنحو (القهقرى) في : رجعتُ القهقرى(3).
وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بتعريف تابع فيه ابن مالك في ما ذكره في ألفيّـته ، فقال : إنّه « الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على الهيئة »(4).
وقال الخضري في شرحه : « ولا يرد [عليه] أنّ النصبَ حكم من أحكام الحال ، فأخذُهُ في تعريفه يؤدّي للدور ؛ لتوقّفه على التصوّر ، والتصوّر على التعريف ؛ لاَنّه يكفي في الحكم التصوّر بوجهٍ ما ولو بالاسم ، فلا يتوقّف على التصوّر المستفاد من الحدّ »(5).
وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بقوله : « هو فضلة دالّ على هيئة صاحبه ، نحو : جاء زيدٌ ضاحكاً ، فـ (ضاحكاً) فضلة دالّ على الهيئة التي جاء عليها زيد.
وخرج بـ (الفضلة) العمدة ، نحو : زيدٌ ضاحك ، وبـ (دالّ على
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد : 244 ـ 246.
(2) شروح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم : 164 ـ 165.
(3) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|625.
(5) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(201)
الهيئة) سائر المنصوبات إلاّ المصدر النوعي ، وبـ (صاحبه) نحو : القهقرى ؛ فإنّه يدلّ على هيئة الرجوع لا على هيئة الصاحب.
ولا يقدح في جعله فضلة عدم الاستغناء عنه في بعض المواضع ، نحو : (وإذا بطشتم بطشتم جبّارين)(1) ؛ لاَنّه عارض ، كما لا يقدح في العمدة عروض الاستغناء عنه »(2).
والملاحظ أنّ بعض متأخّري النحاة لم يشيروا إلى مجيء الحال من الفاعل والمفعول خاصّة ، لا في حدّ الحال ولا في شرحه(3) ، بل صرّح بعضهم بمجيئه لبيان هيئة غيرهما كالخبر(4) والمضاف إليه(5).
وأمّا النحاة المعاصرون ، فإنّهم يرفضون قصر مجيء الحال من الفاعل والمفعول به ، ويذهبون إلى مجيئها من غيرهما ، فالشيخ مصطفى الغلاييني يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يُذكر لبيان هيئة الاسم الذي يكون الوصف له » ويقول في بيانه : « تجيء الحال من الفاعل نحو : (رجعَ الغائبُ سالماً) ومن نائب الفاعل نحو : (تؤكل الفاكهة ناضجةً) ومن الخبر نحو : (هذا الهلالُ طالعاً) ومن المبتدأ ـ كما هو مذهب سيبويه ومن تابعه ، وهو الحـقّ ـ نحو : (أنتَ مجـتهداً أخي)... ومن المفـاعيل كلّها على الاَصحّ ،
(1) سورة الشعراء 26 : 130.
(2) همع الهوامع 4|8.
(3) أ ـ شرح قطر الندى : 234 ـ 235.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|77 ـ 79.
ج ـ شرح الحدود النحوية : 165 ـ 167.
(4) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 125.
(5) أ ـ شرح شذور الذهب : 248.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفيّة 1|644 ـ 645.
(202)
لا من المفعول به وحده »(1).
والاَُستاذ عبّـاس حسن يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يبيّن هيئة ما قبله ـ من فاعل أو مفعول به ، أو منهما معاً ، أو من غيرهما ـ وقت وقوع الفعل » ، ويشير في الحاشية إلى أنّه « لا قيمة للاعتراض على مجيء الحال من المبتدأ أو من اسم الناسخ... ذلك لاَنّ من يرفضونه لا يرفضونه للسبب القويم الصحيح ، وهو : عدم الاستعمال العربي الاَصيل ، وإنّما يرفضونه لاَنّه لا يتّفق مع مظهر من مظاهر السلطان الذي وهبوه للعامل... والغريب أنّ المأثور الكثير من كلام العرب الخُلَّص لا يوافقهم ولا يؤيّدهم مع كثرته ! بدليل صحّة قولهم : أعجبني عطاءُ المحسنِ مبتسماً ، وسرّني صوتُ القارئ خاشعاً ، ولهذا يخالفهم ـ بحقّ ـ سيبويه وفريق معه »(2).
(1) جامع الدروس العربيّة ، مصطفى الغلاييني 3|75.
(2) النحو الوافي ، عبّاس حسن 2|363 ـ 364.
|
|
|