العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 58 > مصطلحات نحوية  >

مصطلحات نحوية
(13)

السيّد علي حسن مطر


خمس وعشـرون ـ مصطلح الحال


* الحال لغةً :
للحال في اللغة معانٍ عديدة (1) ، أهمّها :
     أوّلاً : ما عليه الاِنسان من خير أو شرّ ، وهذا المعنى أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي ، كما سـيتّضح.
     ثانياً : الوقت الذي أنت فيه.
     ثالثاً : صَرْفُ الدهر.
     رابعاً : زوجة الرجل.
وألف الحال « منقلبة عن واو ؛ لقولهم في جمعها : أَحوال ، وفي تصغيرها : حُويلة ، واشتقاقها من التحوّل ، وهو التنقّل »(2).



(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة (حول).
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الاَزهري 1|365.



(189)
ومعنى الحال « يذكّر ويؤنّث ، وهو الاَفصح ، يقال : حال حَسَنٌ ، وحالٌ حَسَنةٌ ، وقد يؤنّثُ لفظُها ، فيقال : حالة ، قال الشاعر :
على حالةٍ لو أنّ في القومِ حاتِماً على جودِه لَضنَّ بالماءِ حاتِمُ »(1)
« ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر :
إِذا أعجبتك الدهرَ حالٌ من امرىٍَ فدعه وواكِل أَمرَهُ واللياليا »(2)


* الحال اصطلاحاً :
ورد في كتاب سيبويه (ت 180 هـ) عدّة عناوين للتعبير عن المعنى الاصطلاحي للحال ، وهي : الحال ، المفعول فيه ، الصفة ، الخبر(3). وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (المنصوب على القطع)(4).
وقد عرّف سيبويه الحال بأنّه : « ما يعمل فيه الفعل فينتصب ، وهو حال وقع فيه الفعل... وذلك قولك : ضربتُ عبـدالله قائماً »(5).
وعرّفه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بقوله : « الحال إنّما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبَر به عنه »(6).



ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ج ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 245.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2|77 (حاشية المحقّق).
(3) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1|44 و ج 2|49 ـ 50 و 87.
(4) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّـد علي النجّار 1|313.
(5) كتاب سيبويه 1|44.
(6) الاَُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|258.



(190)
ومثلـه تعـريـف ابـن جـنّي (ت 392 هـ)(1) ، والزمخـشـري (ت 538 هـ)(2) ، وابن الاَنباري (ت 577 هـ)(3) ، والمطرّزي (ت 610 هـ)(4) ، وأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ)(5) ، وابن يعيش (ت 643 هـ)(6).
ويلاحظ أنّ حصر مجيء الحال بكونها مبيّنة لخصوص هيئة الفاعل أو المفعول به ، لا يمكن الموافقة عليه ، رغم ذهاب كثير من النحاة إليه ، وقد خالفهم في ذلك سيبويه وغيره من القدماء ، وبعض النحاة المعاصرين ، كما ستأتي الاِشارة إليه في خاتمة البحث.
وعرّفه الزجّاجي (ت 337 هـ) بقوله : « الحال هو اسم نكرة جاء بعد معرفة ، وقد تمّ الكلام دونه »(7).
ويرد على هذا التعريف :
     أوّلاً : إنّ الحال قد تأتي معرفة لا نكرة ، نحو قولهم : أَرسَلها العِراكَ(8).
وقد دُفع هذا الاِيراد بما ذهب إليه سيبويه من « أنّ هذا مصدر لفعل



(1) اللمع في العربيّة ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 62.
(2) المفصّل في علم العربيّة ، جار الله الزمخشري : 61.
(3) أسرار العربيّة ، أبو البركات ابن الاَنباري ، تحقيق فخر صالح قداره : 176.
(4) المصباح في علم النحو ، ناصر المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 61 ـ 62.
(5) اللباب في علل البناء والاِعراب ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق غازي مختار طليمات 1|284.
(6) شرح المفصّل ، ابن يعيش 2|55.
(7) الجمل ، أبو إسحاق الزجّاجي ، تحقيق علي توفيقالحمد : 35.
(8) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الاِشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1|516.



(191)
محذوفٍ تقديره : أَرسلَها تعتركُ العراك ، والفعل [المحذوف] هو الحال ، كما تقول : جاء زيد يضحك »(1).
ثانياً : إنّ صاحبَ الحال قد يكون نكرة لا معرفة ، كما في نحو : فيها رجل قائماً ؛ فقد ذهب سيبويه إلى « أنّه حال من النكرة ، وجعله جاء على القليل »(2)‌.
وتجدر الاِشارة إلى أنّ اختلاف النحاة في جواز مجيء صاحب الحال نكرة مخصوص بما لو كانت الحال متأخّرة عن صاحبها ، وأمّا إذا كانت متقدّمة عليه كما في نحو : فيها قائماً رجل ، فلا خلاف بينهم في جوازه(3).
ثالثـاً : إنّه ذكر مجيء الحال بعد معرفةٍ تمّ الكلام دونها ، وهذا ما ذهب إليه غيره من النحاة أيضاً كما سيأتي ، وقد اعترض على ذلك باعتراضين :



(1) أ ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|517.
ب ـ الكتاب 2|112.
ج ـ المقتضب ، المبرّد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3|237.
د ـ المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 163.
هـ ـ شرح المفصّل 2|62 ـ 63.
و ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|336.
(2) أ ـ كتاب سيبويه 2|112.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|519.
(3) أ ـ الجمل ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 17.
ب ـ شرح الاَُنموذج ، عبـد الغني الاَردبيلي ، تحقيق حسني عبـد الجليل يوسف : 51.
ج ـ شرح المقدّمة الجزولية الكبير ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق تركي العتيبي 2|726.
د ـ المصباح في علم النحو : 62.



(192)
     أوّلهما : إنّ الحال قد تأتي والكلام قبلها غير تامّ ، كما في نحو : ضربي زيداً قائماً(1) ، ومحاولة التخلّص من هذا الاعتراض بأنّ « هذا وشبهه مقدّر بالتمام ؛ لاَنّ (ضربي زيداً) في معنى (ضربتُ زيداً) أو في معنى (ضربي زيداً إذا كان قائماً) ، فحذف الخبر وسدَّ الحال مسدَّ الخبر »(2) ، هي محاولة واضحة التكلّف ، لا تقوى على دفع الاعتراض.
     وثانيهما : « إنّا نجدُ كثيراً من الاَلفاظ موافقة لِما ذكر ، وليس بحال ؛ كقولك : ضربتُ رجلاً ، وضربتُ يوماً ، وضربتُ تأديباً ، وأشباه ذلك ، فكلّها نكرة جاءت بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها ، وليست بحـال »(3).
وأمّا ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) فقد عرّف الحال بأنّها : « زيادة في الخبر ؛ وذلك أنّ قولهم : (جاء زيد) جملة خبرية ، قد انعقد بها الفائدة ، فاستغنت وصحّ السكوت عليها ، فإن قلتَ : راكباً ، فقد زدت في الفائدة ، والزيادة فضلة ، والفضلة منصوبة »(4).
ويؤخذ على هذا التعريف أنّه غير مانع من دخول المفعول المطلق ، والمفعول فيه ، والمفعول معه ، كما في نحو : جلسَ زيدٌ جلسةَ الحزينِ ، وجاء زيدٌ صباحاً ، وسار زيدٌ وشاطئ النهرِ.
وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه :« ما يذكر للبيان عن هيئة الفاعل والمفعول... وشرطه أن يكون نكرة مشتقّة تأتي بعد معرفة ، قد تمّ الكلام



(1) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 1|313.
(2) شرح المقدّمة المحسبة 1|313.
(3) الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|328.
(4) شرح اللمع ، ابن برهان ، تحقيق فائز فارس 1|132.



(193)
دونها ، مقدّرة بـ : في منتقلة »(1).
وقريب منه قول ابن معطي (ت 628 هـ) : الحال « بيان هيئة الفاعل أو المفعول بنكرة مشتقّة بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها منتقلة »(2).
والجديد في هذا التعريف إشارته إلى كون الحال مشتقّة منتقلة ، وكونها كذلك غالب وليس لازماً ؛ إذ إنّها قد تأتي جامدة ثابتة ، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من النحاة(3) ، ومنهم ابن مالك إذ قال في ألفيّـته :
وكونه منـتـقلاً مُشـتقّا يغلبُ لكن ليس مستحَقّا
وعرّفه عبـد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بقوله : الحال « كلّ صفة نكرة منصوبة بمعنى في حال كذا »(4).
ومرادهم بالصفة أو الوصف : « ما صيغ من المصدر ليدلّ على متّصف ، وذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة وأمثلة المبالغة وأفعل التفضيل »(5) ، فكأنّه قال : إنّ الحال نكرة مشتقّة.
وقوله : (بمعنى في حال كذا) بمعنى قول غيره : مبيّنة للهيئة.



_ (1) شرح المقدّمة المحسبة 1|310 ـ 312.
(2) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 186.
(3) أ ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2|32.
ب ـ الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|389 ـ 390.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|79.
د ـ شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم : 171.
هـ ـ همـع الهوامع في شـرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 2|10.
(4) الجمل : 16.
(5) شرح الاَشموني على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|242.



(194)
وقوله : (منصوبة) « أي أصالة ، وقد يجرّ لفظه بالباء ومن بعد النفي ، ولكن ليس ذلك مقيساً على الاَصحّ ، نحو :
فمـا رجعـت بخائبـةٍ ركـاب حكيمُ بنُ المسـيَّبِ منـتهاها »(1)
أمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد عرّف الحال بقوله : « الحال : ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظاً أو معنىً ، نحو : ضربتُ زيداً قائِماً ، وزيدٌ في الدار قائماً ، وهذا زيد قائماً »(2).
« قوله : (لفظاً أو معنىً) حال من [لفظ] الفاعل أو المفعول [به] ، أي : ملفوظاً أو معنويّاً... أمّا المفعول المعنوي فنحو : شيخاً ، في قوله تعالى : (وهذا بَعلي شيخاً)(3) ؛ فإنّ (بَعلي) خبر المبتدأ ، وهو في المعنى مفعول لمدلول (هذا) ، أي : أُنبّه على بعلي وأشير إليه شيخاً. وأمّا الفاعل المعنوي فكما في قوله :
كأنّه خارجاً من جنب صفحتِهِ ..........................
إذ المعنى : يُشبه خارجاً »(4).
وممّا ذكره الرضي في مناقشة هذا التعريف أنّه « ليس في هذا الحدّ تحقيق معنى الحال وبيان ماهيّته ؛ لاَنّه ربّما يُتوهّم أنّه موضوع لبيان هيئة الفاعل أو المفعول مطلقاً ، لا في حالة الفعل ، فيظنُّ في (جاءَني زيد راكباً) ، أنّ (راكباً) هيئة لهذا الفاعلِ مطلقاً ، لا في خصوص حالِ المجيء ، فيكون غلطاً.



(1) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(2) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(3) سورة هود 11 : 72.
(4) شرح الرضي على الكافية 2|13.



(195)
ويخرج عن هذا الحدّ الحالُ التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو حالٍ ، كقوله :
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها بمنجردِ قيدِ الأوابدِ هيكلِ »(1)
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « كلّ اسم أو ما هو في تقديره ، منصوب لفظاً أو نيّةً ، مفسِّر لِما انبهم من الهيئات ، أو مؤكّد لِما انطوى عليه الكلام ، فالمفسِّر نحو قولك : جاء زيدٌ ضاحكاً ، والمؤكّد : تبسّم زيدٌ ضاحكاً »(2).
وقد تضمّن هذا التعريف بيان أنّ الحال قد يكون مفرداً وقد يكون جملـةً ، وأنّ نصبه قد يكون لفظيّـاً وقد يكـون تقديريّـاً ، وهي تقسـيمات لا حاجة إلى إيرادها في متن التعريف الذي يطلب منه بيان ذاتيّات المعرَّف التي تميّزه عن غيره ، ثمّ يوكل بيان أقسامه وتفصيلاته إلى شرح التعريف.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد عرَّف الحال بتعريفين :
أوّلهمـا : « هو ما دلَّ على هيئـة وصاحبها ، متضمّناً ما فيه معنى (في) ، غيرُ تابع ولا عمدة »(3).
وممّا ذكر في شرحه : أنّ « قوله : (على هيئة) ، يشمل الحال ونحو (تربّعت) ؛ فإنّها هيئة في الفعل... قوله : (وصاحبها) خرج [به] تربّعتُ... قوله : (متضمّناً ما فيه معنى في) أخرج نحو : بنيتُ صومعةً ؛ فإنّه غير متضمّنٍ معنى (في) مع دلالته على هيئة وصاحبها... [وقوله :] (غير تابع) أخرج : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، [وقوله :] (ولا عمدة) أخرج



(1) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(2) المقرَّب ، ابن عصفور ، تحقيق أحمد الجواري وعبـدالله الجبوري 1|145.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّد كامل بركات : 108.



(196)
(راكب) من (زيدٌ راكبٌ) ؛ فإنّ هذين التركيبين فيهما ما في الحال من الدلالة على هيئةٍ وصاحبها وتضمّن معنى (في) ، إلاّ أنّ التركيب الاَوّل تابع ، والثاني عمدة ، فليسا حالين »(1).
وثانيهمـا : ما ذكره في ألفـيّـته بقوله :
« الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصب ُمُفهِمُ في حالِ كـ : فَرداً أَذهبُ »
وقال ابن هشام الاَنصاري شارحاً هذا الحدّ : « الوصف : جنس يشمل الخبر والنعت والحال ، وفضلة : مخرج للخبر ، ومنتصب : مخرج لنعتَي المرفوع والمخفوض كـ : (جاءني رجلٌ راكبٌ) و (مررتُ برجلٍ راكبٍ) ، ومفهِم في حال كذا : مخرج لنعت المنصوب كـ : (رأيت رجلاً راكباً) ؛ فإنّه إنّما سيق لتقييد المنعوت ، فهو لا يفهِم في حال كذا بطريق القصد ، وإنّما أَفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحدّ نظر ؛ لاَنّ النصبَ حكم ، والحكم فرع التصوّر ، والتصوّر متوقّف على الحدّ ، فجاء الدور »(2).
ولاحظَ عليه ابن الناظم : أنّ « فيه ـ مع إدخالِ حكم في الحدّ ـ أنّه حدّ غير مانع ؛ لاَنّه يشمل النعت ، ألا ترى أنّ قولك : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، في معنى : مررت برجلٍ في حالِ ركوبه ، كما أنّ قولكَ : جاء زيدٌ ضاحكاً ، في معنى : جاء زيد في حال ضحكه »(3).



(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله البركاتي 2|521.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2|78 ـ 79.
(3) شرح ابن الناظم على ألفيّة ابن مالك : 124.



(197)


أقـول :
إنّ اعتراضه بدخول النعت في نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، مدفوع بأخذ قيد (النصب) في التعريف ، وكان ينبغي الاعتراض بدخول النعت في نحو : رأيتُ رجلاً راكباً ، إلاّ أنّ الاعتراض يكون حينئذٍ قابلاً للدفع بما ذكره ابن هشام من أنّه يفهِم في حالِ كذا بطريق اللزوم لا القصد ، أو بطريق التضمّن كما سيذكره ابن الناظم نفسه.
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) في تعريف الحال : « هو الوصف المذكور فضلة لبيانِ هيئة ما هو له ، فالوصف : جنس يشمل الحال المشتقّة ، نحو : جاءَ زيد راكباً ، والحال المؤوّلة بالمشتق كقوله تعالى : (فانفروا ثُباتٍ)(1) ، ومخرجٌ نحو (القهقرى) من قولك : رجعتُ القهقهرى ، و (المذكور فضلة) يخرج الخبر من نحو : زيدٌ قائمٌ... و (لبيان هيئة ما هو له) يُخرج التمييزَ من نحو : لله درّه فارساً ، والنعتَ من نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ؛ فإنّ التمييز في ذلك والنعتَ في ذا ، ليس واحد منهما مذكوراً لقصد بيان الهيئة ، بل التمييز مذكور لبيان جنس المتعجّب منه ، والنعت مذكور لتخصيص الفاعل ، ووقع بيان الهيئة بهما ضمناً »(2).
وأمّا الرضي الاسترابادي (ت 686 هـ) فقد قال في تعريف الحال : « الاََوْلى أن نقول : الحال على ضربين : منتقلة ومؤكّدة ، ولكلّ منهما حدّ ؛ لاختلاف ماهيّتهما ، فحدُّ المنتقلة : جزءُ كلام يتقيَّدُ بوقتِ حصولِ مضمونه تعلُّقُ الحدثِ الذي في ذلك الكلام بالفاعل أو المفعول أو بما يجري



(1) سورة النساء 4 : 71.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 124.



(198)
مُجراهما.
فبقولنا : (جزءُ كلامٍ) تخرج الجملة الثانية في نحو : ركبَ زيدٌ وركبَ مع ركوبه غلامُه ، إذا لم نجعلها حالاً.
ويخرج بقولنا : [بوقت] حصول مضمونه ، المصدرُ في نحو : رجع القهقرى ؛ لاَنّ الرجوع يتقيّد بنفسه ، لا بوقت حصول مضمونه.
ويخرج النعتُ بقولنا : (يتقيّد تعلّق الحدث بالفاعل أو المفعول) ؛ فإنّه لا يتقيّد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلّق.
وقولنا : (أو بما يجري مجراهما) يُدخل حال الفاعل والمفعول المعنويّين ، نحو : (وهذا بعلي شيخاً) ، و :
كأنّه خارجاً من جنبِ صفحته سَفُّودُ شَرْبٍ نَسوْهُ عند مُفْتَأَدِ
... وحدُّ المؤكّدة : اسم غير حدث يجيءُ مقرِّراً لمضمون جملـة »(1).
ويلاحظ أنّ إثبات الحال المؤكّدة « مذهب الجمهور ، وذهب المبرّد والفرّاء والسهيلي إلى إنكارها ، وقالوا : لا تكون الحال إلاّ مبنيّة ؛ إذ لا يخلو [الكلام] من تجديد فائدة ما عند ذكرها »(2).
وقد وافق ابنُ هشام (ت 761 هـ) الرضيَّ على قسمة الحال إلى قسمين لاختلافهما في الماهيّة ، وتعريف كلٍّ منهما على حدّه ، وطرح على هذا الاَساس ثلاثة تعاريف للحال :
     أوّلها : إنّ الحال : « وصف فضلة يقع في جواب كيف ، كـ :



(1) شرح الرضي على الكافية 2|10 ـ 11.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 4|39.



(199)
(ضربتُ اللصّ مكتوفاً)...
فإن قلتَ : يَردُ على ذِكر الوصف نحو قوله تعالى : (فانفروا ثباتٍ) ؛ فإنّ (ثُباتٍ) حال وليس بوصف ، وعلى ذِكر الفضلة نحو قوله تعالى : (ولا تمشِ في الاَرض مَرَحاً)(1)... فإنّه لو أسقط (مَرَحاً) فسدَ المعنى ، فيبطل كون الحال فضلةً ، وعلى ذِكر الوقوع في جواب (كيف) نحو قوله تعالى : (ولا تعثوا في الاَرضِ مفسدين)(2) ؛ [فإنّ الحال فيها لا يقع في جواب كيف]..
قلتُ : (ثُباتٍ) في معنى متفرّقين ، فهو وصف تقديراً ، والمراد بالفضلة ما يقع بعد تمام الجملة ، لا ما يصلح الاستغناء عنه ، والحدّ المذكور للحال المبيّنة لا المؤكّدة »(3).
ثانيها : الحال : « وصفٌ فضلةٌ مسوق لبيان هيئة صاحبه ، أو تأكيده ، أو تأكيد عامله ، أو مضمون الجملة قبله... فقولي : (وصف) جنس يدخل تحته الحال والخبر والصفة ، وقولي : (فضلة) فصل مخرج للخبر... وقولي : (مسوق لبيان هيئة ما هو له) مخرج لاَمرين ، أحدهما نعت الفضلة ، من نحو : رأيتُ رجلاً طويلاً... فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، وإنّما سيق لتقييد الموصوف ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، والثاني : بعض أمثلة التمييز ، نحو : لله دَرُّه فارساً ؛ فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً ، لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، ولكنّه سيق لبيان جنس المتعجّب



(1) سورة الاِسراء 17 : 37 ، سورة لقمان 31 : 18.
(2) سورة البقرة 2 : 60.
(3) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 234 ـ 235.



(200)
منه ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، وقولي : (أو تأكيده... إلى آخره) تمّمت به ذِكر أنواع الحال »(1).
وقد تابعه على هذا التعريف جمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)(2).
ثالثها : ما ذكره في شرحه على الاَلفيّة ، وهو مماثل للتعريف الثاني ، إلاّ أنّه ذكر في شرحه أنّ كلمة (الوصف) في الحدّ مخرجة لنحو (القهقرى) في : رجعتُ القهقرى(3).
وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بتعريف تابع فيه ابن مالك في ما ذكره في ألفيّـته ، فقال : إنّه « الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على الهيئة »(4).
وقال الخضري في شرحه : « ولا يرد [عليه] أنّ النصبَ حكم من أحكام الحال ، فأخذُهُ في تعريفه يؤدّي للدور ؛ لتوقّفه على التصوّر ، والتصوّر على التعريف ؛ لاَنّه يكفي في الحكم التصوّر بوجهٍ ما ولو بالاسم ، فلا يتوقّف على التصوّر المستفاد من الحدّ »(5).
وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بقوله : « هو فضلة دالّ على هيئة صاحبه ، نحو : جاء زيدٌ ضاحكاً ، فـ (ضاحكاً) فضلة دالّ على الهيئة التي جاء عليها زيد.
وخرج بـ (الفضلة) العمدة ، نحو : زيدٌ ضاحك ، وبـ (دالّ على



(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد : 244 ـ 246.
(2) شروح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم : 164 ـ 165.
(3) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|625.
(5) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.



(201)
الهيئة) سائر المنصوبات إلاّ المصدر النوعي ، وبـ (صاحبه) نحو : القهقرى ؛ فإنّه يدلّ على هيئة الرجوع لا على هيئة الصاحب. ولا يقدح في جعله فضلة عدم الاستغناء عنه في بعض المواضع ، نحو : (وإذا بطشتم بطشتم جبّارين)(1) ؛ لاَنّه عارض ، كما لا يقدح في العمدة عروض الاستغناء عنه »(2).
والملاحظ أنّ بعض متأخّري النحاة لم يشيروا إلى مجيء الحال من الفاعل والمفعول خاصّة ، لا في حدّ الحال ولا في شرحه(3) ، بل صرّح بعضهم بمجيئه لبيان هيئة غيرهما كالخبر(4) والمضاف إليه(5).
وأمّا النحاة المعاصرون ، فإنّهم يرفضون قصر مجيء الحال من الفاعل والمفعول به ، ويذهبون إلى مجيئها من غيرهما ، فالشيخ مصطفى الغلاييني يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يُذكر لبيان هيئة الاسم الذي يكون الوصف له » ويقول في بيانه : « تجيء الحال من الفاعل نحو :
(رجعَ الغائبُ سالماً) ومن نائب الفاعل نحو : (تؤكل الفاكهة ناضجةً) ومن الخبر نحو : (هذا الهلالُ طالعاً) ومن المبتدأ ـ كما هو مذهب سيبويه ومن تابعه ، وهو الحـقّ ـ نحو : (أنتَ مجـتهداً أخي)... ومن المفـاعيل كلّها على الاَصحّ ،



(1) سورة الشعراء 26 : 130.
(2) همع الهوامع 4|8.
(3) أ ـ شرح قطر الندى : 234 ـ 235.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|77 ـ 79.
ج ـ شرح الحدود النحوية : 165 ـ 167.
(4) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 125.
(5) أ ـ شرح شذور الذهب : 248.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفيّة 1|644 ـ 645.



(202)
لا من المفعول به وحده »(1).
والاَُستاذ عبّـاس حسن يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يبيّن هيئة ما قبله ـ من فاعل أو مفعول به ، أو منهما معاً ، أو من غيرهما ـ وقت وقوع الفعل » ، ويشير في الحاشية إلى أنّه « لا قيمة للاعتراض على مجيء الحال من المبتدأ أو من اسم الناسخ... ذلك لاَنّ من يرفضونه لا يرفضونه للسبب القويم الصحيح ، وهو : عدم الاستعمال العربي الاَصيل ، وإنّما يرفضونه لاَنّه لا يتّفق مع مظهر من مظاهر السلطان الذي وهبوه للعامل... والغريب أنّ المأثور الكثير من كلام العرب الخُلَّص لا يوافقهم ولا يؤيّدهم مع كثرته ! بدليل صحّة قولهم : أعجبني عطاءُ المحسنِ مبتسماً ، وسرّني صوتُ القارئ خاشعاً ، ولهذا يخالفهم ـ بحقّ ـ سيبويه وفريق معه »(2).



(1) جامع الدروس العربيّة ، مصطفى الغلاييني 3|75.
(2) النحو الوافي ، عبّاس حسن 2|363 ـ 364.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007