دور الشـيخ الطوسي قدس سره
في علوم الشريعة الاِسـلامية
(5)
السـيّد ثامر هاشم العميدي
دوره في الحديث الشريف وعلومه
في جملة من الدراسات الحديثية المعاصرة تجد اتّفاقاً أو شبه اتّفاق على دعم فكرة مغلوطة لا رصيد لها من الواقع ، خلاصتها : أنّ ما يتّصل بتصنيف الحديث وبيان أنواعه الاَساسية وحصرها بالتقسيم الرباعي ـ أو الخماسي بإضافة القوي ـ وتعريفها ؛ لم يكن معلوماً لدى المتقدّمين من أعلام الحديث عند الشيعة الاِمامية ؛ لاَنّهم كانوا يتعاملون مع الخبر على أساس القرينة المحتفّة به ، فإن وجدت فهو ، وإلاّ حكموا بضعف الخبر ، وعلى هذا فهم لا يعرفون من الخبر إلاّ الصحيح والضعيف فقط.
وهو اشتباه محض بما صرّح به الشيخ البهائي والمجلسيان وغيرهم من علمائنا المتأخّرين رحمهم الله بخصوص من باشر التصنيف الجديد للحديث الشريف على أثر ضياع أكثر القرائن المحتفّة بالاَخبار التي كانت معتمَد المتقدّمين.
ونتيجة لشيوع تلك الفكرة المغلوطة ، فقد برزت على أثرها دعاوى الطرف الآخر بتباين المباني العلمية في تاريخ مصطلح الحديث عند الاِمامية
(103)
إلى درجة احتجاج المتقدّمين بالخبر ـ اعتماداً على الفكر ـ وإن كان ضعيفاً أو موضوعاً بحسب الاصطلاح ! !
وهذا من أوهن الكلام وأكثره بُعداً عن النزاهة والتحقيق ، لا سيّما وأنّ أساسه فكرة مغلوطة جدّاً ؛ لاَنّ البحث عن أُصول التضعيف الجديد والتنقيب عن جذوره في تاريخ علوم الحديث الشريف عند الاِمامية يدلّ بما لا يقبل الشكّ مطلقاً على توفّرها في عمل المتقدّمين وإن لم يباشروا تصنيفها بأنفسهم..
فقد صرّحوا ـ كالشيخ الطوسي ـ بالخبر المتواتر ، والصحيح ، والمحتفّ بالقرينة ، وخبر الآحاد ، وذكروا المشهور والمستفيض والمرفوع والموقوف والمنقطع والمقطوع والمضمَر والمضعَّف والغريب والمنفرد والشاذّ النادر ، وفاضلوا بين الاَخبار ، فقالوا : صحيح وأصحّ ، وقوي وأقوى ، كما بيّنوا علل الحديث سنداً ومتناً ، وميّزوا بين خبر العدل الثقة وخبر فاسد المذهب سواء كان ثقة أو غير ثقة ، واحتجّوا بالاَوّل دون الثاني ، وغير ذلك من الاَُمور الكثيرة الاَُخرى ذات الصلة الوطيدة بمصطلح الحديث بما يدلّ بوضوح على عدم وجود فرق جوهري كبير فيه بينهم وبين التصنيف الجديد الذي تزعّمته المدرسة الحلّيّة في عهد ابن إدريس ثمّ السيّد أحمد ابن طاووس وأخيراً العلاّمة الحلّي.
نعم ، لم يكن هناك فرق كبير بينهما في مصطلح الحديث إلاّ في حدود صياغة المصطلح وما يحتاجه من شروط وقيود لوجود فترة في البين أوجبت على روّاد التصنيف الجديد الاحتراز ، ممّا خلّفته تلك الفترة من آثار سلبية في تقييم خبر الآحاد بعد ضياع أكثر كتب الحديث والرجال والفهرسة.
(104)
ولاَجل تفادي تلك الاَخطار الجسيمة على مستقبل دراية الحديث رجعوا إلى أُصول الحديث ودواوينه ونظروا إلى فعل المتقدّمين وطريقتهم واستقوا من الكـلّ بنـود التقسـيم الجـديد مع زيـادة في التقنين وبحـسب ما اقتضته الضرورة حينئذٍ.
ولعلّ في ما تقدّم من حلقات سابقة في بيان دور الشيخ الطوسي في الحديث الشريف وعلومه يكفي في البرهنة على اضطلاع الشيخ الطوسي بأقسام الحديث وأنواعه ومراتبه بصورة لا تقلّ عمّا هي عليه عند المتأخّرين ، خصوصاً في ما ذكرناه في سياق البحث عن وجوه فساد الخبر بنظر الشيخ الطوسي ، وهذه تتمّتها :
سابعاً : الاَخبار المرسَلة والمنقطعة :
المراد بالمرسَل والمنقطع من الاَخبار ـ بالمعنى الاَعمّ ـ هو ما لم يتّصل إسناده إلى المعصوم عليه السلام على أيّ وجه كان ، وهناك اختلاف واسع جدّاً بين جميع المذاهب الاِسلامية في مسألة الاحتجاج بهذا القسم من الاَخبار ، ولم يعدم الاختلاف حتّى في إطار علماء المذهب الواحد ، وترجع جميع اختلافاتهم إلى ثلاثة أقوال ، وهي : القبول مطلقاً ، والرفض مطلقاً ، والتفصيل.
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المرسَل والمنقطع ، فقد فصّله بكتابه العدّة في أُصول الفقه ، وما يستفاد ممّا ذكره هناك حول الاحتجاج بالمرسَل إنّما هو في ظروف خاصّة معيّنة لا تختلف كثيراً عن المرسَل المحتجّ به من لدن علماء المذاهب الاَربعة : المالكية ، والحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ؛ وأهمّها أن لا يكون غريباً أو شاذّاً ، أو معارِضاً للمسند الصحيح ،
(105)
ونحو ذلك من الشروط الكاشفة عن وجود مخرج صحيح آخر للحديث.
والخلاصة : إنّه يعتمد القول الثالث ، وهو : التفصيل ، وقد بيّـنّا ذلك في بحث مقارن(1).
وسوف نذكر بعض الموارد التي لم يحتجّ بها وردّها صراحةً بسبب الاِرسـال أو الانقطـاع المخـلّ بشـروط الاحتجـاج ؛ لكي يعلم ـ زيادة على ما مرّ ـ فساد ما قيل بأنّه لم يطرح خبراً في كتابيه التهذيب و الاستبصار ولو كان ظاهر الوضع ! ! ومن تلك الموارد :
1 ـ قوله عن خبرين في باب السُـنّة في عقود النكاح : « هذان الخبران لا يقابل بهما الاَخبار الكثيرة التي قدّمناها ، على أنّهما مع كونهما شاذّين منقطعَي الاِسناد مرسَلين ، وما هذا حكمه لا يُعترض به الاَحاديث المسندة... »(2).
2 ـ قوله في باب الشهداء وأحكامهم : « وهذا الخبر على شذوذه ، ضعيف الاِسناد مرسَل ، وما يجري هذا المجرى لا يُعترض به الاَخبار المسندة ، على أنّ هذا الخبر طريقه رجال العامّة وفيهم من يذهب إلى هذا المذهب ، وما هذا حكمه لا يجب العمل به ؛ لاَنّه يجوز أن يكون ورد للتقيّـة »(3).
ونظير هذا ما قاله عن خبر آخر في باب البيّنات(4).
3 ـ وقال عن خبر رواه الحسن بن سماعة ، عن سليمان بن داود أو
(1) انظر : الحديث المرسَل بين الردّ والقبول ـ لنـا ـ ، بحث نشر في مجلّة « تراثنا » العددان الثالث والرابع (50 ـ 51) ، السنة الثالثة عشرة 1418 هـ.
(2) تهذيب الاَحكام 7|416 ح 1665 باب 36.
(3) تهذيب الاَحكام 6|168 ح 322 باب 78.
(4) تهذيب الاَحكام 6|254 ح 661 باب 91.
(106)
بعض أصحابنا... : « فهذا خبر مقطوع مشكوك في روايته ، فلا يجوز العدول إليه عن الخبرين المتقدّمين »(1).
4 ـ وقال عن خبر رواه أحمد بن محمّـد في تفصيل أحكام النكاح : « فهذا حديث مقطوع الاِسناد شاذّ »(2).
5 ـ وقال عن خبر نوح بن شعيب ، عمّن رواه ، عن عبيـد بن زرارة : « فهذا خبر مرسَل لا يُعارض به ما قدّمناه من الاَخبار »(3).
6 ـ وأورد خبرين وكلاهما من رواية جعفر بن بشير ، وقال بعد الثاني مباشرة : « فأوّل ما فيه : أنّه خبر مرسَل منقطع الاِسناد ؛ لاَنّ جعفر بن بشير في الرواية الاَُولى قال : (عمّن رواه) ، وهذا مجهول يجب اطّراحه. وفي الرواية الثانية قال : (عن عبـدالله بن سنان ، أو غيره) فأورده وهو شاكّ فيه ، وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به »(4).
7 ـ وقال معقّباً على خبر نشيط بن صالح في باب الاَحداث الموجبة للطهارة : « فهذا أوّلاً خبر مرسَل ؛ لاَنّ نشيط قال : (عن بعض أصحابنا) ، ومع هذا قد روى الخبر الاَوّل مسنداً بخلاف ما تضمّنه هذا الخبر »(5).
8 ـ وقال عن خبر ابن أبي نجران في باب الاَغسال المفترضات والمسـنونـات : « فمـا تضمّـن هـذا الحـديـث مـن أنّ غسـل الميّـت سُـنّـة لا يعترض ما قلناه بوجوه :
(1) تهذيب الاَحكام 9|165 ح 674 باب 5.
(2) تهذيب الاَحكام 7|253 ح 1089 باب 24.
(3) تهذيب الاَحكام 1|124 ح 332 باب 6.
(4) تهذيب الاَحكام 1|196 ح 568 باب 8.
(5) تهذيب الاَحكام 1|35 ح 94 باب 3.
(107)
أحدها : إنّ هذا الخبر مرسَل ؛ لاَنّ ابن أبي نجران قال : (عن رجل) ، ولم يذكره ، ويجوز أن يكون غير مأمون ولا موثوق به »(1).
9 ـ وقال عن خبر ابن المغيرة في كون الكُرّ ستّمائة رطل : « فأوّل ما فيه أنّه مرسَل غير مسند ، ومع ذلك مضادّ للاَحاديث التي رويناها ، ومع هذا لم يعمل عليه أحد من فقهائنا »(2).
10 ـ ما قـاله فـي الاستبصـار فـي عـدّة مـوارد لـم يجـوّز العـمل بهـا للسـبب المـذكور ، نظيـر قـوله : « فـأوّل مـا في هذا الخبر أنّه مرسَل »(3).
وقوله : « فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسَل ، وراويه ضعيف ، وهو علي بن حديد ، وهذا يضعّف الاحتجاج بخبره »(4).
وقوله : « فهذا خبر مرسَل لا يُعارض به ما قدّمناه من الاَخبار »(5).
وقوله : « فأمّا ما رواه ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا... فأوّل ما فيه أنّه مرسَل ، وما هذا سبيله لا يُعترض به على الاَخبار المسندة »(6).
وقوله : « فهذان الخبران مرسَلان ، ومع كونهما كذلك فقد أجمعت الطائفة على خلاف العمل بهما »(7).
وقوله : « الخبر الاَوّل من هذين الخبرين مرسَل ، والمراسيل لا
(1) تهذيب الاَحكام 1|109 ح 285 باب 5.
(2) تهذيب الاَحكام 1|43 ح 119 باب 3.
(3) الاستبصار 1|7 ح 6 باب 1.
(4) الاستبصار 1|40 ح 112 باب 21.
(5) الاستبصار 1|107 ح 353 باب 63.
(6) الاستبصار 4|27 ح 87 باب 14.
(7) الاستبصار 4|166 ح 627 باب 98.
(108)
يُعترض بها على الاَخبار المسندة »(1).
وقوله : « فهذا الخبر مقطوع الاِسناد مرسَل ، ولا يُعترض بما هذا سبيله على الاَخبار المسندة »(2).
وقوله : « فهذا الخبر مقطوع مرسَل ، وما هذا حكمه لا يُعترض به على الاَخبار المسندة الصحيحة الطرق »(3).
وقوله : « فهذا الخبر مرسَل لا يُعترض بمثله على الاَخبار المسندة »(4).
ثامناً : الاَخبار الشاذّة :
الشذوذ لغة : الانفراد ، يقال : شذَّ يشُِذّ ـ بالضمّ والكسر ـ شذوذاً ، أي : انفرد عن غيره(5).
وفي اصطلاح الاِمامية : هو ما خالف المشهور ، سواء كان راويه ثقة أو لم يكن ، وقد يطلق على ما لم يعمل العلماء بمضمونه وإن صحّ سنده ولم يعارضه غيره(6) ، وقد عُدّ عند بعضهم كالنادر ، بل قيل بترادف الشاذّ
(1) الاستبصار 3|76 ح 253 باب 47.
(2) الاستبصار 3|143 ح 515 باب 93 ، ونظير قوله هذا في 3|261 ح 935 باب 158 من الاستبصار.
(3) الاستبصار 3|202 ح 730 باب 126.
(4) الاستبصار 3|257 ح 922 باب 157 ، ونلفت النظر إلى أنّ ما ذكرناه عن « التهذيب » من الاَخبار المرسَلة والمنقطعة تكرّر بعضها في « الاستبصار » ولكن مع اختلاف العبارة في نقدها.
(5) المصباح المنير ـ للفيّومي ـ 1|307 مادّة « شذّ ».
(6) وصول الاَخيار : 109 و 110 ، ومقباس الهداية 1|255 ـ 253 ، ونهاية الدراية : 220 ، وعبارة : « سواء كان راويه ثقة أو لم يكن » غير مستفادة من تعاريفهم ، بل من عملهم ، لا سيّما عمل الشيخ في « التهذيب » و « الاستبصار ».
(109)
النادر (1) .
وربّما يستظهر ذلك من قول الشيخ المفيد قدس سره في « جوابات أهل الموصل في مسألة العدد والرؤية » ؛ إذ قال : « وأمّا ما تعلّق به أصحاب العدد في أنّ شهر رمضان لا يكون أقلّ من ثلاثين يوماً ، فهي أحاديث شاذّة ، قد طعن نقّاد الآثار من الشيعة في سندها ، وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر ، والنوادر هي التي لا عمل عليها ، وأنا أذكر جملة ما جاءت به الاَحاديث الشاذّة وأُبيّن خللها ، وفساد التعلّق بها في خلاف الكافّة إن شاء الله.. فمن ذلك حديث رواه محمّـد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمّـد بن سنان... وهذا الحديث شاذّ نادر غير معتمَد عليه ، طريقه محمّـد بن سنان وهو مطعون فيه... »(2).
ومن قول الشيخ الطوسي بشأن جملة من الاَخبار بأنّها : شاذّة نادرة ، كما سيأتي..
وهذا غير صحيح ؛ لاَنّ النادر أعمّ من الشاذّ ، فكما قد يكون النادر شاذّاً ، فقد يكون صحيحاً معتبراً خالياً من أدنى شذوذ أو علّة ، وكثير من أخبار النوادر محتجّ بها في الفقه ، كما هو واضح جدّاً من عمل الصدوق في الفقيه الذي جعل أخباره حجّة ، وحكم بصحّتها في أوّل الكتاب ، ولو كانت النوادر هي التي لا عمل عليها لَما وجدنا في الفقيه سبعة عشر باباً بعنوان (النوادر) ، ويكفي أنّ في الكافي أكثر من خمسين باباً باسم
(1) كما هو الحال في المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(2) جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية ـ للشيخ المفيد ـ مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلّفات الشيخ المفيد 9|19 ـ 20.
(110)
(النـوادر) ، وكثير جدّاً من أخبارها صحيح بحسب الاصطلاح ، مع دخول جملة وافرة منها في احتجاجات الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار ، ولهذا استظهر التقي المجلسي بأنّ النوادر في الفقيه هي الاَخبار المتفرّقة التي يشكل جعل كلّ خبر منها باباً على حدة(1) ، ويؤيّده ما وصل إلينا من كتب بعنوان (النوادر) ، ككتاب « نوادر أحمد بن محمّـد بن عيسى » ؛ الذي لم يصنّف على الاَبواب.
هذا ، وأمّا الشاذّ عند العامّة ، فمختلف في حدّه وحكمه.
فقد عرّفه الشافعي بأنّه : « ما رواه الثقة مخالفاً لِما رواه الناس »(2) ، ولم يشـترط الحـاكم النيسـابوري الخـلاف ، واكـتفى بعـدم وجود المتابـع لا غير(3) ، وأطلقه الخليلي على الخبر المنفرد(4) ، بينما فصّل ابن الصلاح القول في تعريف الشاذّ وبيان حكمه ، مقسّماً الخبر الشاذّ على قسمين ، أحدهما : الشاذّ المردود ، والآخر : الشاذّ المقبول كما هو الحال عندهم في شواذّ الصحيحَين(5).
وقد جعل الخطيب البغدادي الشاذَّ منكَراً(6) ، وربّما أُطلق عليه ذلك
(1) روضة المتّقين ـ للمجلسي الاَوّل ـ 3|463.
(2) تعريف الشافعي للشاذّ منقول في معرفة علوم الحديث ـ للحاكم ـ : 119 ، وعلوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 76 ، وألفيّـة الحديث ـ للعـراقي ـ : 85 ، وفتح المغيـث ـ للسخاوي ـ 1|230 ، وشرح نخبة الفكر ـ لعلي القاري ـ : 253 ، وتدريب الراوي ـ للسيوطي ـ 1|123 ـ 124.
(3) معرفة علوم الحديث ـ للحاكم النيسابوري ـ : 119.
(4) نُقل قول الخليلي في تعريف الشاذّ في المصادر المذكورة قبل هامش واحد وبأرقام الصفحات المبيّنة إزاؤها.
(5) علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 77.
(6) الكفاية في علم الرواية ـ للخطيب البغدادي ـ : 429.
(111)
عند الفريقين.
وأمّا عن موقف الشيخ الطوسي من الاَخبار الشاذّة ـ المتعارضة مع دلالة الاَصل عنده ـ فهو الردّ مطلقاً سواء كان راويها ثقة أو غير ثقة ، ما لم يكن تأويلها بما يوافق تلك الدلالة ـ ولو بوجه من الوجوه ـ ممكناً ، وأمّا في صورة عدم التعارض مع كون الراوي ثقة ، فلا شكّ في قبول خبره عند الشيخ ، بل هو المصرّح به في جميع كتب الدراية عند العامّة ، ولم يخـالف في ذلك إلاّ الحـاكم(1) والخليـلي في ما نصّ عليه ابن الصـلاح(2).
وسوف نذكر ما وقفنا عليه من تصريحات الشيخ الطوسي في التهذيب و الاستبصار بخصوص طرح الشاذّ المخالف لِما هو أصحّ وأقوى منه ، وكذلك المخالف للاِجماع أو لظاهر الكتاب العزيز ونحو هذا ، بغضّ النظر عمّا ذكره من تأويلات سديدة حاول من خلالها الجمع بينها وبين الاَخبار الصحيحة ، كما مرّ سابقاً في تيسير سبل التأويل ، ومن تلك التصريحات :
1 ـ قوله في باب من أقرّ بولد ثمّ نفاه من الاستبصار : « وهذا الخبر شاذّ لا يُعترض بمثله على ما قلناه »(3).
2 ـ وفي التهـذيب في بـاب الحـدّ في السُـكر : « فهـذا خبـر شـاذّ لا يُعارض به الاَخبار المتواترة في تناول شارب الخمر واستحقاقه ثمانين جلدة.. »(4).
(1) معرفة علوم الحديث ـ للحاكم النيسابوري ـ : 119.
(2) علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 78.
(3) الاستبصار 4|233 ح 878 باب 134.
(4) تهذيب الاَحكام 10|92 ح 357 باب 7.
(112)
3 ـ وفيه أيضاً في باب الصلاة في السفر : « فهذا خبر شاذّ لا نعمل عليه.. »(1).
4 ـ وفي الاستبصار في باب البئر يقع فيها الكلب والخنزير وما أشبههما : « هذا الخبر شاذّ ، وما قدّمناه مطابق للاَخبار كلّها »(2).
5 ـ وفي باب من طلّق امرأته ثلاث تطليقات : « فأوّل ما في هذه الرواية أنّها شاذّة مخالفة لاَخبار كثيرة قدّمناها ، وما هذا حكمه لا يُعترض بمثله الاَخبار الكثيرة... »(3).
6 ـ وفي باب ميراث ولد الزنا : « فهذه رواية شاذّة مخالفة للاَخبار الكثيرة التي قدّمناها ، ومع هذا فهي موقوفة غير مسندة ؛ لاَنّ يونس لم يسندها إلى أحد من الاَئمّة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك مذهباً كان اختاره لنفسه كما اختار مذاهب كثيرة علمنا بطلانها »(4).
7 ـ وفي باب ميراث من لا وارث له من ذوي الاَرحام والموالي : « فهاتان الروايتان مرسَلتان شاذّتان ، وما هذا حكمه لا يُعارض به الاَخبار المسندة المجمع على صحّتها.. »(5).
8 ـ وفي التهذيب في باب الحدّ في السُكر : « فهذا الخبر شاذّ نادر ، لا يجوز العمل عليه لمنافاته للاَخبار كلّها... »(6).
9 ـ وفي باب حكم الساهي والغالط في الصيام : « فهذا حديث شاذّ
(1) تهذيب الاَحكام 3|235 ح 618 باب 23.
(2) الاستبصار 1|38 ح 105 باب 20.
(3) الاستبصار 3|289 ح 1021 باب 169.
(4) الاستبصار 4|183 ح 689 باب 105.
(5) الاستبصار 4|196 ح 736 باب 113.
(6) تهذيب الاَحكام 10|96 ح 372 باب 7.
(113)
نادر ومخالف لفتيا مشايخنا كلّهم ، ولعلّ الراوي وهم في قوله في آخر الخبر... »(1).
10 ـ وفي باب من أحلّ الله نكاحه من النساء... : « فأوّل ما في هذا الخبر أنّه شاذّ نادر ، ولم يروه غير بيّاع الاَنماط وإن تكرّر في الكتب ، وما يجري هذا المجرى في الشذوذ يجب اطّراحه ولا يُعترض به على الاَحاديث الكثيرة. ثمّ إنّه قد روى ما ينتقض هذه الرواية ويوافق ما قدّمناه ، فإذا كان الاَمر على ما ذكرناه وجب الاَخذ بروايته التي توافق الروايات الاَُخر ، ويُعدَل عن الرواية التي تفرّد بها ؛ لاَنّه يجوز أن يكون ذلك وهمـاً »(2).
11 ـ وفي الاستبصار في باب الصلاة في الخزّ المغشوش : « فهذا خبر شاذّ لم يروه إلاّ داود الصرمي وإن تكرّر في الكتب بأسانيد مختلفة... »(3).
12 ـ ومنـه أيضـاً فـي بـاب الرجل يموت وهو جنب : « هذه الروايات أوّل ما فيها : أنّ الاَصل فيها كلّها عيص بن القاسم ، وهو واحد ، ولا يجوز أن يعارض الواحد جماعة كثيرة ، لِما بيّـنّاه في غير موضع... »(4).
وأوردها في باب تلقين المحتضرين من التهذيب وطعن بها كطعنه
(1) تهذيب الاَحكام 4|272 ـ 273 ح 825 باب 64.
(2) تهذيب الاَحكام 7|278 ـ 279 ح 1182 باب 25 ، والاستبصار 3|161 ح 585 باب 105.
(3) الاستبصار 1|387 ح 1471 باب 226.
(4) الاستبصار 1|195 ح 684 باب 115.
(114)
بها في الاستبصار(1).
13 ـ وفي باب حكم المرأة إذا قتلت رجلاً : « فهذه الرواية شاذّة لم يروها إلاّ أبو مريم الاَنصاري وإن تكرّرت في الكتب في مواضع متفرّقة ، ومع ذلك فإنّها مخالفة لظاهر الكتاب... فإذا وردت هذه الرواية مخالفة لذلك ينبغي أن لا يلتفت إليها ولا العمل بها »(2).
وقد سبق له وأن أوردها في « التهذيب » في باب القود بين الرجال والنساء... وطعن بها أيضاً مؤكّداً وجوب ترك العمل بها(3).
14 ـ وفي باب المملوك يقذف حرّاً : « فهذا خبر شاذّ مخالف لظاهر القـرآن والاَخبـار الكثيـرة التـي قدّمنـاها ، ومـا هـذا حكـمه لا يُعمـل به ، ولا يُعترض بمثله »(4).
15 ـ وفي التهذيب في باب من أحلّ الله نكاحه من النساء : « فهذان الخبران قد وردا شاذّين مخالفين لظاهر كتاب الله. وكلّ حديث ورد هذا المورد فإنّه لا يجوز العمل عليه ، لاَنّه روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الاَئمّة عليهم السلام ، أنّهم قالوا : إذا جاءكم منّا حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالفه فاطرحوه ، أو ردّوه إلينا. وهذان الخبران مخالفان ـ على ما ترى ـ لظاهر كتاب الله والاَخبار المسندة أيضاً المفصّلة ، وما هذا حكمه لا يجوز العمل به... »(5).
وأوردهما في الاستبصار في باب إذا عقد الرجل على امرأة حرمت
(1) تهذيب الاَحكام 1|433 ح 1388 باب 23.
(2) الاستبصار 4|233 ح 878 باب 134.
(3) تهذيب الاَحكام 10|183 ح 717 باب 14.
(4) الاستبصار 4|229 ح 861 باب 131.
(5) تهذيب الاَحكام 7|275 ح 861 باب 25.
(115)
عليه أُمّها ، وطعنهما أيضاً(1).
16 ـ وفي الاستبصار في باب من لم يجد الهدي وأراد الصوم : « فهذان الخبران وردا شاذّين مخالفين لسائر الاَخبار ، ولا يجوز المصير إليهما والعدول عن الاَحاديث الكثيرة إلاّ بطريق يقطع العذر... »(2).
17 ـ وفي باب المسنون من الصلاة في اليوم والليلة ، ردّ بعض الاَخبار الشاذّة ، وكان الاَصل فيها كلّها زرارة ، فقال : « وأمّا عدا هذين الخبرين من الاَخبار التي تتضمّن نقصان الخمسين ركعة ، فالاَصل فيها كلّها زرارة ، وإن تكرّرت بأسانيد مختلفة ، وقد استوفينا ما يتعلّق بهذا الباب في كتاب تهذيب الاَحكام وبيّـنّا الوجه فيه ، فمن أراد الوقوف على جميعها ، يرجع إليه »(3).
18 ـ وفي باب ما يجوز الانتفاع به من الميتة : « فهذه رواية شاذّة راويها وهب بن وهب وهو ضعيف على ما بيّـنّاه في ما مضى... »(4).
أقـول :
بيّن الشيخ قدس سره ضعف وهب بن وهب في « الاستبصار » في باب من أراد الاستنجاء وفي يده اليسرى خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى(5) ، كما ضعّفه قبل ذلك في التهذيب بموردين وهما كما في
(1) الاستبصار 3|158 ح 574 باب 103.
(2) الاستبصار 2|277 ح 987 باب 191.
(3) الاستبصار 1|220 ح 777 باب 130.
(4) الاستبصار 4|89 ح 340 باب 54.
(5) الاستبصار 1|48 ح 134 باب 27.
(116)
الاسـتبصار(1).
19 ـ وفي باب حكم من أمذى وهو صائم : « فهذا خبر شاذّ مخالف لفتيا أصحابنا ، ويوشك أن يكون وهماً من الراوي... »(2).
20 ـ وفي باب ما يجب على من أفطر : « فهذا الخبر ورد شاذّاً نادراً... »(3).
21 ـ وفي التهذيب في باب المياه وأحكامها : « فهذا الخبر شاذّ شديد الشذوذ وإن تكرّر في الكتب والاَُصول ، فإنّما أصله يونس ، عن أبي الحسـن عليه السلام . ولم يروه غيره. وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به »(4).
22 ـ وفي باب ما يحلّ لبني هاشم ويحرم من الزكاة : « فالاَصل في هذا الخبر أبو خديجة ، وإن تكرّر في الكتب ، ولم يروه غيره... »(5).
23 ـ وفي الاستبصار في باب من دخل في الصلاة بتيمّم ثمّ وجد الماء ، قال عن ثلاث روايات : « فالاَصل في هذه الروايات الثلاثة واحد وهو عبـدالله بن عاصم... »(6).
24 ـ وفي التهذيب في باب علامة أوّل شهر رمضان وآخره ودليل دخوله : « وهذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه ، أحدها : أنّ متن هذا
(1) تهذيب الاَحكام 1|32 ح 83 باب آداب الاَحداث الموجبة للطهارة (3) ، و ج 9|77 ح 325 باب في الذبائح والاَطعمة (2).
(2) الاستبصار 2|83 ح 255 باب 40.
(3) الاستبصار 2|121 ح 393 باب 66.
(4) تهذيب الاَحكام 1|219 ح 628 باب 10.
(5) تهذيب الاَحكام 4|60 ح 161 باب 15.
(6) الاستبصار 1|167 ح 578 باب 100.
(117)
الحديث لا يوجد في شيء من الاَُصول المصنّفة وإنّما هو موجود في الشواذّ من الاَخبار... »(1) ومثله في « الاستبصار »(2).
25 ـ وفي الاستبصار في باب المصلّي يصلّي وفي قبلته نار : « فهذه رواية شاذّة مقطوعة الاِسناد... »(3).
تاسعاً : أخبار رواة الفرق البائدة والمذاهب المخالفة :
وقـع فـي العـديد من طـرق الاَحـاديث المرويـة فـي الـكتب الاَربعـة ـ الكافي والفقيه والتهذيبين ـ وغيرها من كتب الاِمامية بعض رواة الفرق المنحرفة البائدة ، كرواة الناووسية والفطحية والواقفية وغيرهم ، كما وقع فيها أيضاً جملة من رواة المذاهب العامّية والزيدية والاِسماعيلية.. ومنه يعلم بأنّ الحديث الاِمامي لم يكن ـ تبعاً لرواته ـ أُحادي المذهب ، وإنّما هو في الواقع أعمّ من ذلك نظراً لِما اتّسم به من روح الانفتاح على ما عند الاَطراف الاَُخرى من حديث أهل البيت عليهم السلام.
نعم ، تجنّب الاِمامية رواية الوضّاعين والزنادقة ، كما ابتعدوا جدّاً عن روايات المنافقين من الصحابة والتابعين وغيرهم ، وضربوا عرض الحائط كلّ ما يرويه الخوارج والنواصب ولم يكترثوا به مطلقاً ؛ لالتفاتهم إلى حقيقة هذه الاَصناف وقيمة رواياتها بميزان الشرع ومنطق العلم والعقل ، وعلمهم الاَكيد بأنّ الشريعة الغرّاء الماثلة في الحديث الشريف لا تؤخذ من أعداء قادة الشريعة وحماتها ، ولم يغترّوا بمن وثّقهم وبجّلهم ونعتهم بالصـدق ،
(1) تهذيب الاَحكام 4|169 ح 482 باب 41.
(2) الاستبصار 2|66 ح 17 باب 33.
(3) الاستبصار 1|396 ح 1512 باب 237.
(118)
بل نظروا إلى إطراء النواصب ونظائرهم بكلّ ازدراء ، وبرهنوا على أنّه غثاء كغثاء السيل لا يمكث على محكّ النقد إلاّ قليلاً.
وعلى هذا تكون الصفة التي انفردت بها كتب الحديث الاِمامية عن سائر كتب الحديث الاَُخرى : عقيدة أصحابها ، بأنّ أجدر نقطة ينبغي الالتفات إليها في تاريخ رواية الحديث وتدوينه ؛ أن لا يكون في الطريق إليه عدوّ لله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ببغضه العترة الطاهرة عليهم السلام.
وما يعنينا هنا هو بيان موقف الشيخ الطوسي قدس سره من الاَحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام ، وأوردها في أحد التهذيبين أو كلاهما وكان الطريق إليها محضاً أو مشوباً بالمخالف.
فنقـول : فصّل الشيخ الطوسي موقفه النظري إزاء خبر المخالف في كتابه العدّة في أُصول الفقه ، وطبّق ذلك الموقف عملياً في كتابيه التهذيب والاسـتبصار.
أمّا الموقف النظري فيكشفه قوله :
« ... فأمّا إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لاَصل المذهب ، وروى مع ذلك عن الاَئمّة عليهم السلام نُظِر في ما يرويه ، فإنّ كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطّراح خبره. وإن لم يكن هناك ما يوجب اطّراح خبره ، ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به ، وإن لم يكن من الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه وجب أيضاً العمل به ؛ لِما روي عن الصـادق عليه السلام أنّه قال : إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها في ما رووا عنّا ، فانظروا إلى ما رووا عن عليٍّ عليه السلام فاعملوا به.
ولاَجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث ، وغياث بن
(119)
كلوب ، ونوح بن درّاج ، والسكوني ، وغيرهم من العامّة عن أئمّتنا عليهم السلام في ما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه.
وإذا كـان الراوي من فرق الشيعة ، مثل : الفطحية والواقفية والناووسية وغيرهم ، نُظِر في ما يرويه ، فـإن كان هناك قرينة تعضـده ، أو خبر آخر من جهة الموثـوقين بهم ، وجب العمـل بـه. وإن كان هناك خبر آخـر يخالفه من طريق الموثوقين ، وجب اطّراح ما اختصّوا بروايته ، والعمل بما رواه الثقة.
وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ، ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه ، وجب ـ أيضاً ـ العمل به ، إذا كان متحرّجاً في روايته ، موثوقاً في أمانته ، وإن كان مخطئاً في أصل الاعتقاد.
ولاَجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية ، مثل : عبـدالله بن بكير وغيره ، وأخبار الواقفة ، مثل : سماعة بن مهران ، وعلي بن أبي حمزة ، وعثمان بن عيسى ، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضّال ، وبنو سماعة ، والطاطريّون وغيرهم ممّا لم يكن عندهم فيه خلاف »(1).
ويعلم من هذا الكلام ، أنّ خبر المخالف الثقة المعبَّر عنه اصطلاحاً بالخبر الموثّق ، لا يقبل مطلقاً إلاّ بشروط معيّنة ، ومعنى هذا أنّ مخالفة راويه في الاعتقاد ليس دليلاً على فساد الخبر في نظر الشيخ الطوسي ، وإنّما فساده في عدم تحقّق الشروط المطلوبة في حجّيّة الخبر ، كمخالفته للصحيح الثابت ، أو لِما هو أقوى منه ، أو لغرابته ، أو التفرّد به ، ونحو ذلك ممّا قد يلحقه من أوصاف ومراتب الحديث الضعيف المردود ، ليأخذ
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|149 ـ 151.
(120)
حينئذٍ حكم أخسّها وصفاً ورتبة.
وأمّا لو كان راويه غير ثقة ، أو لا تُعلم وثاقته. فقد يُتراءى ـ أحياناً ـ سكوت الشيخ عن بعض موارده في التهذيبين ، وهو لاَجل وروده من طريق صحيح أو طرق معتبرة أُخرى. شأنه بذلك شأن أيّ حديث ضعيف بإسناد صحيح بآخر ، فتخريجه إذاً لا يدلّ على الاحتجاج به لذاته ، وإنّما بغيره. وإلاّ فلا إشكال في ردّه والحكم بطرحه.
وقد صرّح الشيخ الطوسي بهذا في كتابه العدّة في أُصول الفقه في حديثه عمّا يرويه المتّهَمون والمضعَّفون ، فقال : « .. وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة وجب التوقّف في أخبارهم ؛ ولاَجل ذلك توقّف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها ولم يرووها واستثنوها من فهارسهم من جملة ما يروونه من التصنيفات »(1).
على أنّ طرق الشيخ في التهذيبين لا تمثّل سائر طرقه إلى من روى عنه فيهما ، بل هناك الفهرست وغيره من الفهارس التي أحال الشيخ إليها في نهاية الكتابين ، وهذا ممّا يجب أن لا يغفل في معرفة حقيقة أسانيد التهذيبين ، وسيأتي الحديث عنها في محلّه إن شاء الله تعالى.
هذا ، وسوف نذكر بعض ما وجدناه من أحاديث رواة الفرق البائدة والمذاهب المخالفة التي لم تتوفّر فيها الشروط المطلوبة في حجّيّة الخبر ، ومنه يُعلم وجه فسادها ، وعلى النحو الآتي :
1 ـ ما قاله في التهذيب في باب ميراث ابن الملاعنة ، عن خبرين لحنّان بن سدير الواقفي ، الثقة : « فهاتان الروايتان الاَصل فيهما حنّان بن
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|151.
(121)
سدير ، ولم يروهما غيره »(1).
2 ـ وفي باب الزيادات ، قال عن خبر الحسين بن علوان العالي ، الثقة : « هذا موافق للعامّة ولسنا نعمل به ، والعمل على ما قدّمناه »(2).
ولا يخفى بأنّ ردّ الخبر المروي عن أهل البيت عليهم السلام في كتبنا لموافقته للعامّة ، إنّما يكون في صورة تعارضه مع أخبارنا الصحيحة المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام .
ولهذا السبب ردّ الشيخ جملة من الاَخبار.
منها ما ورد في أبواب الزيادات من التهذيب ، باب الصلاة مع الاَموات ، إذ ردّ خبراً بقوله : « وهذا الخبر الذي تقدّم موافق لبعض العامّة على ما قدّمت القول فيه ، فلا ينبغي أن يكون عليه العمل »(3).
ومنها ما جاء في باب الصلاة في السفر من التهذيب ، إذ قال في ردّه : « فهذا خبر موافق للعامّة ولسنا نعمل به »(4).
ومنها قوله عن خبر في آخر الزيادات في فقه الحجّ : « هذا الخبر موافق للعامّة ولسنا نعمل به ، والعمل على ما قدّمناه من الاَخبار »(5).
ومنها قوله في باب ميراث أهل الملل المختلفة : « فهذا الخبر والذي قدّمناه عن أبي الصيرفي ، فهما رُوِيا موافقَين للعامّة على ما يُروَيانه عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ورجالهما ـ أيضاً ـ رجال العامّة ، وما هذا حكمه يُحمل على
(1) تهذيب الاَحكام 9|346 ح 1241 باب 33.
(2) تهذيب الاَحكام 7|223 ح 977 باب 20.
(3) تهذيب الاَحكام 3|319 ح 988 باب 32.
(4) تهذيب الاَحكام 3|209 ح 504 باب 23.
(5) تهذيب الاَحكام 5|493 ح 1771 باب 36.
(122)
التقيّة ولا يؤخذ به إذا كان مخالفاً للاَخبار كلّها »(1).
3 ـ وفي الاستبصار في باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة ، ويقابله باب بيع الواحد بالاثنين من التهذيب ، قال عن بعض الاَخبار التي رواها عمّار الساباطي الفطحي : « هذه الاَخبار ، أربعةٌ منها الاَصل فيها عمّار الساباطي ، وهو واحد ، وقد ضعّفه جماعة من أهل النقل ، وذكروا أنّ ما ينفرد بنقله لا يُعمل عليه ؛ لاَنّه كان فطحياً فاسد المذهب ، غير أنّا لا نطعن في النـقل عليـه بهـذه الطريقـة ؛ لاَنّـه وإن كان كـذلك ، فهو ثقـة في النقـل لا يطعن عليه »(2).
كما ردّ الشيخ قدس سره خبراً آخر لعمّار الساباطي لمعارضته لِما هو ثابت ، ولهذا صرّح بالاِجماع على تركه قائلاً : « ... وقد أجمعت الطائفة على ترك العمل بهذا الخبر »(3).
4 ـ وفي أبواب حكم الآبار ، ردّ خبراً لتفرّد المخالف بروايته ، قائلاً : « ... إنّ الحسن بن صالح راوي هذا الحديث زيدي ، بتري ، متروك الحديث في ما يختصّ به »(4).
5 ـ وفي باب من أراد الاستنجاء ، نقد خبراً بقوله : « ... راويه وهب ابن وهب وهو عامّي ، ضعيف ، متروك الحديث في ما يختصّ به »(5).
6 ـ وفي التهذيب في باب ما يحرم من النكاح ومن الرضاع وما لا
(1) تهذيب الاَحكام 9|368 ح 1314 باب 38.
(2) الاستبصار 3|95 ح 325 باب 62 ، وتهذيب الاَحكام 7|101 ح 435 باب 8.
(3) الاستبصار 1|372 ح 1413 باب 215.
(4) الاستبصار 1|33 ح 88 باب 17 ، وتهذيب الاَحكام 1|408 ح 1282 باب 21.
(5) الاستبصار 1|48 ح 134 باب 27 ، وتهذيب الاَحكام 1|32 ح 83 باب 2.
(123)
يحرم ، قال عن خبر : « طريق هذا الخبر رجال العامّة والزيدية ، ولم يروه غيرهم ، وما هذا سبيله لا يجب العمل به »(1).
7 ـ وفي كتابه الغَيـبة ، ردّ أخباراً كثيرة احتجّ بها بعض فرق الشيعة متّبعاً طريقته العلمية في التهذيبين ، نظير قوله : « فهذا الخبر رواه ابن أبي حمزة ، وهو مطعون عليه ، وهو واقفي... »(2).
للبحـث صـلة...
(1) تهذيب الاَحكام 7|317 ح 1309 باب 27.
(2) الغَيبة : 55 ح 48.
|