السُـنّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
(4)
السـيّد علي الشهرستاني
4 ـ مكانة الشـيخوخة :
إنّ العرب قد اعتادوا إعطاء الاِمارة والزعامة لمن هو أسنّ القوم ، ومن له المكانة والمنعة في القبيلة ؛ لكونه أحنك القوم والمجرّب فيهم ، وعلى ضوء هذه النظرية تعاملوا مع مسألة الخلافة بعد الرسول تعاملَ سلطةٍ وحكمٍ ، حتّى إنّه لمّا نزل قوله تعالى : (وأنذر عشيرتك الاَقربين)(1)دعـا النبيُّ بني عبـد المطّلب ، وكانوا يومئذٍ أربعين رجلاً ، إلى الاِسلام ، ثمّ قال : من يؤاخيني ويؤازرني يكون وليّي ووصيّي وخليفتي من بعدي ؟ فقام إليه عليٌّ بعد سكوت القوم ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : أنت إذن.
حينذاك قام القوم وهم يهزؤون ويضحكون ويقولون لاَبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام(2).
وظلّت مخلّفات هذا المفهوم حتّى جاء عن أبي بكر قوله يوم
(1) سورة الشعراء 26 : 214.
(2) انظر : فرائد السمطين 1|85 ، تاريخ الطبري 2|217 ، شواهد التنزيل 1|542 ، الطبقات الكبرى 1|187 ، مسند أحمد 1|111 ، الدرّ المنثور 5|97.
(73)
السقيفة : نحن الاَُمراء وأنتم الوزراء(1).
و : هذا الاَمر بيّننا وبينكم نصفان كشقّ الاَُبْلُمَة ـ يعني الخوصة(2)ـ.
واستدلّوا على أحقّيّتهم بالخلافة من الاَنصار بكونهم من قريش ، وقريش أصل العرب !
في حين أنّا نعلم أنّ الاِسلام كان قد أعطى الاَُمور وفق الكفاءات الدينية لا الاَعمار والموروثات القبلية ، وجعل معيار التفاضل : «العلم ، الجهاد ، التقوى ، و...» لا السنّ والقِدم والمكانة الاجتماعية ، لقوله تعالى : (هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون)(3) و (فضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)(4) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى(5)و...
ومن هذا المنطلق رأينا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ولّى بعض الشباب على سـراياه وغـزواتـه مع وجـود شـيوخ في تلك السـرايا ، كتوليتـه عليّ بن أبي طالب وهو حَدَثٌ في أغلبية غزواته وسراياه.
وكتولية أُسامة بن زيد وهو شابّ لم يتجاوز الثامنة عشر على سريّة لفتح الشام قبيل وفاته ، مؤكّداً للمسلمين حرمة التخلّف عن جيشه..
(1) صحيح البخاري 5|70 ح 167 مناقب أبي بكر ، البيان والتبيين ـ للجاحظ ـ 3|297 ، عيون الاَخبار ـ لابن قتيبة ـ 2|254 ، السيرة الحلبية 3|357 ، وغيرها.
(2) الطبقات الكبرى 3|136 ، أنساب الاَشراف 2|260 ، كنز العمّال 5|606 ح 14072 ، وانظر : الصحاح 5|1874 ، النهاية ـ لابن الاَثير ـ 1|17 ، تاجّ العروس 16|59.
(3) سورة الزمر 39 : 9.
(4) سورة النساء 4 : 95.
(5) الاختصاص : 341.
(74)
لاَنّ النـاس كانـوا قـد طـعنوا فيه ـ أي في صغر سنه ـ فأغضب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أمّا بعد ، أيّها الناس ! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة ، ولئن طعنتم في إمارتي أُسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ! وأيم الله إنْ كان للاِمارة لخليقاً ، وإنّ ابنه من بعده لخليق للاِمارة ، وإنْ كان لمن أحبّ الناس إليّ.
وأخذ صلى الله عليه وآله وسلم يؤكّد على ذلك حتّى آخر لحظة من حياته بقوله : أيّها الناس أنفذوا بعث أُسامة ؛ ثلاث مرّات(1).
كـلّ ذلك للحـدّ من تلك العقلية الجاهلية المسـتحكمة عندهم والتي لا ترضى إمرة شابّ على شيخ كبير ! !
فالاِسلام رغم احترامه للشيخ لم يأت ليحصر مسؤولية القيادة به ، بل جاء ليبحث عن المؤهّلات والكفاءات الموجودة عند الاَفراد ، فإنْ وجدت عند الشيخ أعطاها إيّاه ، وإنْ وجدت عند الشابّ منحها له ، فالكفاءة الدينية والتنفذية إذاً هي الضابط الاِسلامي لا الشيبة والسنّ ، فلا ضرورة لاِعطاء الشيخ المكانة دون الشابّ ! !
فمن الواضح أنّ هذه التوليات من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وخصوصاً إصراره صلى الله عليه وآله وسلم على تولية أُسامة بن زيد في آخر حياته ـ جاءت لتحطيم أنفـة وشـموخ القرشـيّين الّـذين لا يرتـضـون إمـرة شـابّ ، والّـذين كانـوا لا يحترمونه ولا يعيرون لقدراته الاَهمّيّة اللازمة ـ للوقوف أمام تلك العقلية التي عرفوها وآمنوا بها.
ومن هذا المنطق الجاهلي جاء كلام أبي عبيـدة بن الجرّاح لعليٍّ يوم
(1) الطبقات الكبرى 2|249.
(75)
السقيفة : يا بن العمّ ! إنّك حديث السنّ ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالاَُمور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الاَمر منك وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً ، فَسَلِّمْ لاَبي بكر هذا الاَمر ، وارْضِ به ؛ فإنّك إنْ تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الاَمر خليق وحقيق ، في فضلك ودينك ، وعلمك وفهمك ، وسابقتك ، ونسبك وصهرك(1).
فأبو عبيـدة ، ضَرَعَ لاحتجاجات عليٍّ عليه السلام الدينية ، من الفضل والدين والعلم والفهم والسبق إلى الاِسلام ، لكنّه عاد لينقضها بمفهوم جاهلي ، خلاصته أنّ عليّـاً حدثٌ وليس شيخاً ! ! !
وجاء عن عمر بن الخطّاب قوله لابن عبّـاس ـ مُعلّلاً سبب إبعاده عليّ بن أبي طالب عن الخلافة ـ : إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ، ولكن استصغرناه ، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لِما قد وترها.
فقال ابن عبّـاس : فأردت أن أقول له : كان رسول الله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره ، أفتستصغره أنت وصاحبك ؟ !(2)..
وفي اعتراض سلمان المحمّـدي رضي الله عنه على الصحابة ـ لتأخيرهم أهل البيت وتقديمهم ذوي السنّ ! ـ بقوله : أصبتم ذا السنّ منكم ، ولكنّكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم(3) ؛ إشارة إلى تحكيم العقلية الجاهلية عند بعض الصحابة بعد غياب الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
فهذه النصوص وضّحت لنا صحّة الدعوى القائلة بأنّ كبر السنّ كان
(1) شرح نهج البلاغة 2|5 ، الاِمامة والسياسة 1|13 ، كما في الغدير 7|78.
(2) الغدير 7|389 ، عن المحاضرات ـ للراغب الاَصفهاني ـ 2|213 ، وقريب منه في شرح نهج البلاغة 2|18 و 20|115.
(3) شرح نهج البلاغة 1|131 و 2|17.
(76)
أحد الاَُسس في بناء الشرعية المدّعاة للخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّه كان الضابط فيها ، أو في ترجيح الاَكفأ على مسلّم التقادير ، لا الكفاءة والعلم الملحوظان في الخلافة الشرعية الاِسلامية.
أجل ، إنّ التفكير الجاهلي قد أثّر على الفقه والحديث تأثيراً واضحاً ، والمطالع للنصوص الاَُولى الصادرة عن تلك الفترة من تاريخ الاِسلام يقرّ بهذه الحقيقة..
فممّا جاء في سيرة أبي بكر هو اعتقاده بأنّ الجدّ ـ نظراً لمكانته القبلية ـ يحجب الاِخوة عن الاِرث ، لاَنّه أصل الكلّ وأبوهم ؛ لقوله تعالى : (ملّة أبيكم إبراهيم)(1).
ومثله الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب ، فإنّه كان يذهب إلى نفس الرأي الاَوّل ، إذ نقل البخاري(2) والقرطبي(3) وغيرهم : إنّ أوّل جدّ كان في الاِسلام هو عمر بن الخطّاب ، فأراد أن يأخذ مال ابن أخيه دون إخوته ، فأتاه عليّ وزيد فقالا : ليس لك ذلك ، إنّما كنت كأحد الاَخوين ! !
فعمر بن الخطّاب قد خالف برأيه هذا جمع من الصحابة ، منهم : عليّ ، وعثمان ، وعبـدالله بن عمرو ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، الّذين ذهبوا إلى توريث الاِخوة مع الجدّ ، وهو قول مالك والاَوزاعي وأبي يوسف ومحمّـد والشافعي وابن أبي ليلى(4).
فالمتدبّر في المرويّات المرجّحة للسنّ ، والمذكورة في الكتب
(1) سورة الحجّ 22 : 78.
(2) صحيح البخاري ، باب ميراث الجدّ.
(3) تفسير القرطبي 5|68.
(4) أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 1|94 ، تفسير القرطبي 5|68.
(77)
والصحاح ، يعرف بأنّ وراء مسألة ترجيح السنّ والشيخوخة موروثاً جاهلياً يُفضَّل على طِبقه كلّ شيء ، حتّى على النبوّة ـ والعياذ بالله ـ ! !
وإليك بعض الاَخبار في ذلك :
عن أنس بن مالك ، قال : أقبل النبيّ إلى المدينة ، وأبو بكر شيخ يُعرَف والنبيّ شابّ لا يُعرَف ، فيلقى الرجلُ أبا بكر فيقول : يا أبا بكر ! من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل ؛ فيحسب الحاسب أنّه يهديه الطريق ، وإنّما يعني سبيل الخير... الخبر(1).
وفي تاريخ الاِسلام ـ للذهبي ـ أخبار السنة الاَُولى من الهجرة ـ روى ما أخرجه البخاري في صحيحه ، وفيه :... فطفق من لم يعرف رسول الله يسلّم على أبي بكر حتّى أصابت الشمس رسول الله ، فأقبل أبو بكر يظلّه بردائه ، فعرف الناس عند ذلك رسول الله...(2).
وعن يزيد بن الاَصمّ : أنّ النبيّ قال لاَبي بكر : أنا أكبر منك أو أنت ؟ قال : لا ، بل أنت أكبر منّي وأكرم وخير منّي ، وأنا أسنّ منك(3).
فأنت ترى في هـذا النـصّ أنّ واضعـه أراد أن يعطي صفـة فضلٍ لاَبي بكر على النبيّ ، ولمّا لم يمكنه ذلك ، لِما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات لا يوازيه فيها بشر ، جعل فضيلة السنّ لاَبي بكر على النبيّ ! مع أنّ
(1) صحيح البخاري 5|161 ح 392 باب هجرة النبيّ ، الطبقات الكبرى 1|235 ، مسند أحمد 3|287 ، تاريخ الاِسلام (المغازي) : 29 ، الرياض النضرة 1|120 ، السيرة الحلبية 2|235 ، وغيرها.
(2) تاريخ الاِسلام (المغازي) : 28 ، وانظر : صحيح البخاري 5|159 ضمن ح 387 ، السيرة الحلبية 2|235.
(3) الاستيعاب ـ المطبوع بهامش الاِصابة ـ 4|17 ، الرياض النضرة 1|127 ، تاريخ الخلفاء : 73.
(78)
النبيّ أكبرمن أبي بكر بسـنتين أو ثلاث ! !
مثله مـا ذكره اليافعي في روض الرياحين عن أبي بكر في حديث طويل ، أنّ رجلاً أعمى دخل على النبيّ ، والصحابة عنده ، وطلب منه عدّة أشياء ، فأُعطي ، ثمّ طلب أن يضع يده في شيبة أبي بكر.. فقبض الاَعمى بلحية أبي بكر الصدّيق وقـال : يا ربّ ! أسألك بحرمة شيبة أبي بكر إلاّ رددت علَيَّ بصري ؛ قال : فردّ الله عليه بصره لوقته !
فنزل جبرئيل عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : يا محمّـد ! السلام يقرئك السلام ، ويخصّك بالتحية والاِكرام ، ويقول لك : وعزّته وجلاله ، لو أقسم علَيَّ كلّ أعمى بحرمة شيبة أبي بكر الصدّيق لرددت عليه بصره وما تركت على وجه الاَرض أعمى ، وهذا كلّه ببركتك وعلوّ قدرك وشأنك عند ربّـك(1).
وعن عكرمة ، عن ابن عبّـاس ، أنّ عليّـاً قال له : كنت جالساً عند رسول الله وليس معنا ثالث إلاّ الله ، فقال : يا عليّ ! تريد أن أُعرّفك بسيّد كهول أهل الجنّة ، وأعظمهم عند الله قدراً ومنزلةً يوم القيامة ؟ فقلت : إي وعيشك يا رسول الله ! قال : هذان المقبلان ، قال عليّ : فالتفتّ فإذا أبو بكر وعمـر(2).
وحدّث الشيخ يوسف الفيش المالكي في حديث طويل ، فيه : قال جبرئيل : أبوبكر له علَيَّ مشيخة في الاَزل(3) !
(1) الغدير 7|240 عن اليافعي.
(2) عمدة التحقيق ـ للعبيدي المكّي ـ : 105 المطبوع بهامش «روض الرياحين» كما في الغدير ـ للاَميني ـ 7|292 ، وفي طبعة مستقلّة ص 91.
(3) عمدة التحقيق : 111 عن المصدر السابق.
(79)
وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه إذا اشتاق إلى الجنّة قبّل شيبة أبي بكر(1) !
وذكر العجلوني في كشف الخفاء : أنّ لاِبراهيم الخليل وأبي بكر الصدّيق شيبة في الجنّة(2).
أقول : كيف كان رسول الله شابّاً لا يُعرف وأبو بكر شيخٌ يُعرف ؟ ! في حين أنّ العرب كانوا يحكّمون محمّـداً في نزاعاتهم قبل الاِسلام ، كما في وضع الحجر الاَسود وغيره ! ! لاَنّه لا يداري ولا يماري(3).
ولماذا يصف الخبرُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه غلاماً (نكرة) ! ! فيلقى الرجلُ أبا بكر فيقول : يا أبا بكر ! من هذا الذي بين يديك ؟ ! فيقول : يهديني السبيل... ؟ !
وكيف يفترض وقوع مثل هذا في يثرب ، وهي مدينة الرسول وبها بنو النجّار وهم خؤولة الرسول ؟ ! ! وبها الاَنصار ، والنقباء منهم الّذين رأوا النبيّ وعرفوه وبايعوه في بيعة العقبة الاَُولى والثانية ، وكان ذلك قبل هجرته المباركة إلى المدينة المنوّرة.
ومتى كان أبو بكر أسـنّ من النبـيّ ؟ ! ونحـن نعلم بأنّ رسـول الله وُلد عام الفيل ، وأنّ أبا بكر وُلد بعد عام الفيل بثلاث سنين ! !
قال سعيد بن المسيّب : استكمل أبو بكر بخلافته سنّ رسول الله ، فتوفّي وهو بسنّ النبيّ وهو ابن ثلاث وستّين سنة(4).
(1) الغدير 5|270.
(2) كشف الخفاء 1|233 رقم 714 ، وانظر : الغدير 7|241.
(3) السيرة الحلبية 1|145.
(4) صحيح الترمذي 2|288 ، تاريخ الطبري 2|125 ، الاستيعاب 1|335 ، سيرة ابن هشام 1|205 كما في الغدير 7|271.
(80)
وقال ابن قتيبة : اتّفقوا على أنّ عمـره ثلاث وستّون سنة ، فكان رسول الله أسنّ من أبي بكر بمقدار سنيّ خلافته(1).
وكيف يُقسِم الاَعمى بشيبة أبي بكر ولا يقسم بشيبة رسول الله ، وهي أَوْلى وأكرم على الله حتّى من شيبة إبراهيم الخليل ؟ !
ولزيادة التعمية والتعتيم تراهم قد خصّوا عليّـاً بنقل هذه الفضيلة للشيخين ، كي يلزموا شيعته ومحبّيه بأنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة ، وأنّهما أعظم قدراً عند الله يوم القيامة ! !
وعجبـاً من جـبرئيل الاَمـين أن تـردعه هيبـة أبي بكر فيقـول : «فسجـدت من هيبة أبي بكر فكان ما كان»(2) ولا تأخذه هيبة الله ؟ ! !
فما معنى هذا الخبر ؟ ! وهل إنّ ذِكر فضيلة لاَبي بكر يأتي على حساب النَيل من الاَمين جبرئيل ؟ !
ولا أدري كيف تكون لاِبراهيم الخليل لحية في الجنّة وقد ورد ذلك بحقّ آدم ـ وهو أبو البشـر ـ ، الذي صرّح كعب الاَحبار عنه بقوله : ليس أحدٍ في الجنّة له لحية إلاّ آدم ، لحيته سوداء إلى سرّته(3) ؟ ! أو لموسى بن عمران الذي جاء في الحديث عنه : ليس أحد يدخل الجنّة إلاّ جرد مرد إلاّ موسى بن عمران ، فإنّ لحيته إلى سرّته(4) ؟ !
وما الذي يعنيه التأكيد على طول اللحية «إلى سرّته» عند أصحابها ؟ !
والعجيب منهم أنّهم عدّوا أبا بكر أباً ثانياً للاَُمّة ـ في بعض الاَخبار ـ ،
(1) المعارف : 75.
(2) الغدير 7|251 عمّا حدّث به الشيخ يوسف الفيش المالكي.
(3) تاريخ ابن كثير 1|97 كما في الغدير 7|242.
(81)
بدعوى أنّه فتح لها باب الدخول في الاِسـلام ، كما سُـمّي إبراهيم أباً لتسـميته أُمّته بالمسـلمين ! ! ولا يعدّون رسول الله أباً لهم مع روايتهم عن عائشة في قراءتها قوله تعالى : (النبيُّ أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمّهاتهم وهو أب لهم)(1) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا عليّ ! أنا وأنت أبوا هذه الاَُمّة»(2).
وهو صلى الله عليه وآله وسلم الذي عرّفهم حقيقة الاِسلام ، وأوقفهم على تعاليمه ودعوتهم إليه !
5 ـ كراهة قريش اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم :
لقد كان الجاهليّون حريصين أشدّ الحرص على احتلال مواقع اجتماعية وقيادية ، راكضين وراء السلطة والرئاسة ، وقد ساعد على تلك النعرة عدم وحدة القيادة آنذاك ، وطموح كلّ شخص بالاستقلال بما يمكنه من حُكم ، وما تعدّد الآلهة واتخاذ كلّ قبيلة آلهة لها إلاّ مظهر من مظاهر ذلك الطموح ، إذ أنّ الدين عندهم في بعض جوانبه يمثّل الاستقلال والانفراد بالسلطة الذاتية أو الحكم الذاتي مقابل سلطات الآخرين.
ومن خلال هذه الركيزة برز هذا الشكل من أشكال التعاطي مع الرسالة المحمّـدية ـ ومن أوّل البعثة المباركة ـ إذ إنّ عتبة بن ربيعة بعد اتّفاقه مع قريش جاء ليفاوض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان في ما طرحه من بنود لحلّ ذلك النزاع ، قال :
(1) الدرّ المنثور 5|183.
(2) ينابيع المودّة 1|370 ح 4.
(82)
والمكان في النسب ، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم... فاسمع منّي أعرض عليك أُموراً تنظر فيها ، لعلّك تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قُلْ يا أبا الوليد أسْمَعْ.
قال : يا بن أخي ! إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الاَمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتّى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به مُلْكاً ملّكناك علينا.
... ولمّا تلا عليه النبيّ آيات من الذِكر الحكيم رجع عتبة وقال لقريـش فيما قال : أطيعوني واجعلوها بي. وخلّـوا بين هـذا الرجـل وبين ما هو فيه فاعتزلوه... فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فمُلكه ملككم ، وعزّه عزكم(1).
وأعاد عليه هذه المطالب نفسها زعماء قريش : عتبة بن ربيعة ، وشيبة ابن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وأبو البختري بن هشام ، والاَسود بن المطّلب بن أسد ، وزمعة بن الاَسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبـدالله بن أبي أُميّة ، والعاص ابن وائل ، ونبـيه ومنـبِّه ابنا الحجّـاج ، وأُميّة بن خلف ومن اجتمـع منهـم(2).
ولمّا راح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل ويدعوهم إلى الاِسلام ، حاول بنو عامر بن صعصعة ضمان رئاستهم ومجدهم مقابل دخولهم في الاِسـلام ، فقد قال بـيحَرَة بن فراس : لو أنّي أخذت هذا الفتى
(1) سيرة ابن هشام 1|313.
(2) سيرة ابن هشام 1|313.
(83)
ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قريش لاَكلتُ به العرب ، ثمّ جاء للنبيّ وقال له : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الاَمر من بعدك ؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : الاَمر إلى الله يضعه حيث يشاء.
فقال له : أفتهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الاَمر لغيرنا ؟ ! لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه(1).
وهذه النعرة لا نجدها عند الاَنصار ، بل نجد الاَنصار يتخوّفون من بقائهم بـلا أعـوان ، فحيـن بايعـوا رسـول الله بـيعة العقبـة الثانيـة ، قالـوا : يا رسول الله ! إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنّا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ ! فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ قال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم منّي ، أُحارب من حاربتم ، وأُسالم من سالمتم(2).. وبايع الاَنصار الرسول على شروط كان منها «أن لا ينازعوا الاَمرَ أهلَه»(3).
ولمّا بلّغ رسول الله ما أمره ربّه في عليٍّ يوم الغدير ، وشاع ذلك وطار في البلاد ، بلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله وقال له : يا محمّـد ! أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك ، وأمرتنا أن نصلّي خمساً فقبلناه منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك ، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلناه منك ، وأمرتنا بالحجّ فقبلناه ، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعَي ابن عمّك ففضّلته علينا ، وقلت : «من
(1) سيرة ابن هشام 2|66 ، تاريخ ابن كثير 2|158 ؛ وفيه : «أفنهدف».
(2) سيرة ابن هشام 2|85 ، تاريخ ابن كثير 2|159.
(3) سيرة ابن هشام 2|442.
(84)
كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» ، فهذا شيء منك أم من الله عزّ وجلّ ؟ !
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : والذي لا إله إلاّ هو ! إنّ هذا من الله.
فولّى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول : اللّهمّ إن كان ما يقوله محمّـد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله ، وأنزل الله عزّ وجلّ : (سأل سائلٌ بعذابٍ واقعٍ * للكافرين ليس له دافع)(1).
فإنّ هذا الرجل صرّح بإسلامه وقبول الشهادتين وباقي الفرائض ، إلاّ أنّه أبى ما قاله النبيّ في «ابن عمّه» ، متّهماً النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه إنّما دعا إلى ذلك من قبل نفسه لا من الله ، بدعوى أنّه يريد حصر الملك في أبناء عمومته وأقربائه ، وكان ذلك الحدث في أواخر حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ممّا يؤكّـد بقـاء تلك النظـرة الجاهلية عند طائفة من المسلمين حتّى أواخر حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، مضافاً إلى اعتراضات آخرين من قريش في مواقف مشابهة ، متّهمين الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم بنفس هذا الاتّهام الواهي !
فهذه النظرة كانت تتفاعل في نفوسهم ، وكانوا يتعاملون مع السلطة النبويّة صلى الله عليه وآله وسلم والخلافة الاِسلامية تعامل ملك وسلطان عشائري ، فقد كانوا يعتقدون لزوم مشاركة القبائل والفصائل الاَُخرى في الحكم وعدم تحديد ذلك في قوم أو أشخاص بأعيانهم وأسمائهم.
ومن هنا ظهرت مقولة أحقّية قريش بالخلافة من الآخرين ، ولمّا كان أهل بيت النبيّ هم أصحاب الحقّ الشرعي والمؤهّلات السامية من قريش ،
(1) تفسير الثعلبي المخطوط ، وشواهد التنزيل 2|381 ـ 385 ، وفرائد السمطين 1|82 ـ 83.
(85)
طرحت مقولة «عدم قبول قريش باجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم» !
وقد ظهرت فكرة تقاسم السلطة في سقيفة بني ساعدة بقول أبي بكر «نحن الاَُمراء وأنتم الوزراء»(1) ، وبقيت في مكنون نفسه حين تمنّى عند وفاته أنّه لو سأل النبيّ هل للاَنصار في هذا الاَمر نصيب(2) ؟ !
وفي هذا المضمار يبرز قول عليّ عليه السلام في تحليل مآل الخلافة ، حين يقول لعمر واصفاً شدّة سعيه في إتمام البيعة لاَبي بكر : «احلب حلباً لك شطره ، تولّيه أنت اليوم ليردّها عليك غداً»(3).
وقوله في التقاسم بين عبـدالرحمن بن عوف وعثمان : «والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الاَمر عليك»(4).
وهذا وهو عين ما قلناه من أنّهم كانوا يريدون حصر الخلافة بالحزب القريشي ، ولمّا أراد عثمان سحبه عنهم وإفراد بني أُميّة به ، ثارت ثائرة ابن عوف فانقلب إلى ألدّ أعداء عثمان ، حتّى ماتا متخاصمَين.
وشرح الاِمام عليّ عليه السلام هذا الخطر السلبي ، وتلك النظرة القاسية تجاه الخلافة النبويّة ، حينما قال : «حتّى إذا قبض اللهُ رسوله رجع قوم على الاَعقاب ، وغالتهم السبل ، واتّكلوا على الولائج ـ أي : البطانة ـ ، ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته ، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه ، فبنوه في غير موضعه...»(5).
(1) تقدّم تخريجه.
(2) تاريخ الطبري 4|53.
(3) الاِمامة والسياسة 1|11 ، شرح نهج البلاغة 9|15.
(4) الكامل في التاريخ 3|71.
(5) نهج البلاغة : خطبة 150 ، شرح نهج البلاغة 9|132.
(86)
وقد وضّح عمر بن الخطّاب بعض معالم ذلك الاَمر في نقاش له مع ابن عبّـاس ، قال فيه عمر : أتدري يا بن عبّـاس ما منع الناس منكم ؟
قال : لا يا أمير المؤمنين.
قال : لكنّي أدري.
قال : ما هو يا أمير المؤمنين ؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة فتجخِفوا الناس جَخْفاً ، فنظرت قريش لاَنفسها فاختارت ، ووفّقت فأصابت.
قال ابن عبّـاس : أيميط أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع ؟ !
قال : قلْ ما تشاء.
قال : أمّا قول أمير المؤمنين : «إنّ قريشاً كرهت» ، فإنّ الله تعالى قال لقوم : (ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)(1).
وأمّا قولك : «إنّا كنّا نجخف» ، فلو جَخَفْنا بالخلافة جَخَفْنا بالقرابة ، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خُلُق رسول الله الذي قال الله عنه : (وإنّك لعلى خُلقٍ عظيمٍ)(2) ، وقال له : (واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين)(3).
وأمّـا قولك : «فإنّ قريشاً اختارت» ، فإنّ الله يقول : (وربّك يخلقُ ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة)(4).
(1) سورة محمّـد 47 : 9.
(2) سورة القلم 68 : 4.
(3) سورة الشعراء 26 : 215.
(4) سورة القصص 28 : 68.
(87)
وقد علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقت وأصابت.
قال عمر : على رِسلك يا بن عبّـاس ! أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غِشّاً في أمر قريش لا يزول ، وحقداً عليها لا يحول.
فقال ابن عبّـاس : مهلاً يا أمير المؤمنين ! لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهّره الله وزكّاه ، وهم أهل البيت الّذين قال الله فيهم :(إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) (1).
وأمّا الحقد ، فكيف لا يحقد من غُصب شيؤه ، ويراه في يد غيره ؟ !
فقال عمر : أمّا أنت يا بن عبّـاس ، فقد بلغني عنك كلام أكره أن أُخبرك به فتزول منزلتك عندي !
فقال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ ! أخبرني به ، فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقّـاً فإنّ منزلتي عندك لا تزول به !
قال : بلغني أنّك لا تزال تقول : «أُخذ هذا الاَمر منّا حسداً وظلماً».
قال [ابن عبّـاس] : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : «حسداً» ، فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة ، فنحن بنو آدم المحسودون.
وأمّا قولك : «ظلماً» ، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو ! !
ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ! ألم تحتـجّ العـرب على العجم بحـقّ رسول الله ، واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله ؟ ! فنحن أحقّ برسـول الله من سائر قريش.
(1) سورة الاَحزاب 33 : 33.
(88)
فقال له عمر : قم الآن فارجع إلى منزلك.
فقام ، فلمّا ولّى هتف به عمر : أيّها المنصرف ! إنّي على ما كان منك لراعٍ حقَّك !
فالتفت ابن عبّـاس فقال : إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى المسلمين حقّاً برسول الله ، فمن حفظه فحقَّ نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع ؛ ثمّ مضى.
فقال عمر لجلسائه : واهاً لابن عبّـاس ! ما رأيته لاحى (نازع) أحداً قطّ إلاّ خصَمه (غلبه)(1).
ودوّن الاِمام عليّ عليه السلام نظرته الثاقبة ، وشرح طراز تفكير قريش في رسالته إلى أبي بكر التي يقول فيها : «... إنّي لصاحبكم بالاَمس ، لعَمْرُ أبي لن تحبّوا أن تكونَ فينا الخلافة والنبوّة وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أُحـد.
أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوّارة الرحى ، فإن نطقتُ تقولون : حسداً ، وإن سكتُّ فيقال : جزع ابن أبي طالب من الموت ، هيهات هيها...»(2).
نعم ، إنّ رؤساء العرب ـ والقرشيّون منهم خاصّة ـ كانوا ينظرون إلى الخلافة كأداة حكم (زعامة) ، ولم ينظروا إلى كونها مكانة روحية معنوية تُمْنح بأمر من الله لمن هو أهل لها ، وقد مرّ عليك ما يفي بأنّهم لم يعرفوا الرسول حقّ معرفته ، وأنّهم كانوا يتعاملون معه وكأنّه شخص عاديّ يصيب
(1) شرح نهج البلاغة 12|53 ـ 55 ، تاريخ الطبري 5|30 ، قصص العرب 2|363 ، الكامل في التاريخ 3|63 و 288.
(2) الاحتجاج 1|95 ـ 97 ، وفي طبعة النجف الاَشرف 1|127 ـ 130.
(89)
ويخطىء ، ويقول في الغضب ما لا يقول في الرضا ، فهؤلاء كانوا لا يستقبحون الوصول إلى الهدف حتّى لو اتّخذوا السبل الخاطئة الموصلة إليه.
6 ـ تقنين أساليب غير مشروعة :
أ ـ الغيلة.
ب ـ الاِكراه.
ج ـ الحرق.
د ـ التطميع والرشوة.
أ ـ الغيلـة :
هي طريقة من طرق المكر والخداع ، وقد اتّخذتها الجاهلية منهجاً للاِطاحة بأعدائها ، لكنّ الاِسـلام لم يرتض هذا الاَُسلوب ، بل عارضه أشدّ المعارضة ، فقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه حينما قتل المغيرة بن شعبة ثلاثة عشـر نفسـاً من بني مـالك غـدراً ، وجـاء بأموالـهم للنبـيّ ليخمّسـها ، قـال لـه صلى الله عليه وآله وسلم : أمّا إسلامك فنقبله ، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً ولا نخمّسها ، لاَنّ هذا غدر ، والغدر لا خير فيه(1).
وجاء عن خالد بن الوليد أنّه طلب من بني جذيمة وضع السلاح ، فلمّا وضعوه ، أمر بهم أن يكتّفوا ، ثمّ عرضهم على السيف ، فقتل من قتل منهم ، فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله رفع صلى الله عليه وآله وسلم يديه إلى السماء قائلاً :
(1) الاَغاني 16|82.
(90)
اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد(1).
وقد اعترض عبـد الرحمن بن عوف على خالد بقوله : عملت بأمر الجاهلية في الاِسلام.
ومثله فِعلة خالد بقوم مالك بن نويرة ، إذ غشيهم ليلاً فأخذ القوم السلاح ، «قال : فقلنا : إنّا لمسلمون ؛ فقالوا : ونحن المسلمون ؛ قلنا : فما بال السلاح معكم ؟ ! قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ؟ ! قلنا : فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح...»(2) إلى آخر الخبر.
وكرّر خالد ـ ناصر الخليفة الاَوّل ـ ! ! غدره وسفكه عند فتح مكّة ، فقد قال النبيّ له وللزبير : لا تقاتلا إلاّ من قاتلكما ؛ ولكنّ خالداً قاتل وقتل نيفاً وعشرين رجلاً من قريش ، وأربعة نفر من هذيل ، فدخل رسول الله مكّة فرأى امرأة مقتولة ، فسأل حنظلة الكاتب : من قتلها ؟ ! قال : خالد بن الوليد ؛ فأمره أن يدرك خالداً فينهاه أن يقتل امرأة أو وليداً أو عسيفاً(3).
وعلى هذا النهج قُتل سعد بن عبادة في الشام غيلة ، بأمر من أبي بكر أو عمر ، ثـمّ ادّعـوا بأنّ الجـنّ قـتلته ، لاَنّه بال قائماً(4) ، حتّى قال
(1) صحيح البخاري 5|321 ح 339 كتاب المغازي| باب بعث النبيّ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، قال أبو عمر في «الاستيعاب» : وخبره بذلك من صحيح الاَثر ، أُسد الغابة 3|102 ، تاريخ أبي الفداء 1|145 ، البداية والنهاية 4|251 حوادث السنة 8 هـ ، وغيرها ؛ وانظر : الغدير 7|168.
(2) تاريخ الطبري 2|273 حوادث سنة 11 هـ ، أُسد الغابة 4|277.
(3) عبقرية عمر بن الخطّاب ـ للعقّاد ـ : 266.
(4) انظر : العقد الفريد 5|13 ـ 14 ، شرح نهج البلاغة 17|223 ، أنساب الاَشراف 2|272 ، الوافي بالوفيات 15|152.
وانظر أيضاً : الاستيعاب 2|599 ، أُسد الغابة 2|206 ، سير أعلام النبلاء 1|278 ، البداية والنهاية 7|28.
(91)
الشاعر(1) :
|
يقولــون سعدٌ شكّت الجنّ قلبَهْ
ومـــا ذنبسعدٍ أنّه بال قائماً
وقد صَبَرَتْ عن لذّةِ العيشِ أنفسٌ
| |
ألا ربّما صحّحت دينَك بالغــَدْرِ
ولكنّ سعداً لم يبايــعأبا بكــرِ
وما صبرَتْ عن لذّةِ النهي والاَمرِ
|
ممّا لا ريب فيه إذاً أنّ الغيلة كانت سجيّة بعض العرب في الجاهلية وصدر الاِسلام ، وقد جاء عنهم أنّهم جدّوا ليغتالوا النبيّ في حياته ، تارة في بداية الدعوة ، عندما بات الاِمام عليّ عليه السلام على فراشه صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب ، وتارة في أُخريات حياته المباركة لمّا رجع من تبوك إلى المدينة !
أمّا الواقعة الاَُولى فهي مشهورة ولا تحتاج إلى إشارة أو توثيق ، وأمّا الثانية فقد نقلها ابن كثير في تفسـيره عن البيهقي في دلائل النبوّة ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله أقـود بـه ، وعمّار يسـوق الناقـة ـ أو أنـا أسـوقه وعمّـار يقـوده ـ ، حتّى إذا كنّا بالعقبة ، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها ، قال : فانتهرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصرخ بهم فولّوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله : هل عرفتم القوم ؟ !
قلنا : لا يا رسول الله ، وقد كانوا متلثّمين ، ولكنّا عرفنا الركاب.
قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ !
قلنا : لا.
(1) شرح نهج البلاغة 10|111.
(92)
قال : أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة فيلقوه منها.
قلنا : يا رسول الله ! أفلا نبعث إلى عشائرهم حتّى يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم ؟ !
قال : لا ، أكره أن تتحدّث العرب بينها أنّ محمّـداً قاتل بقوم حتّى إذا أظهره الله بهم ، أقبل عليهم يقتلهم..
ثمّ قال : اللّهمّ ارمهم بالدبيلة.
قلنا : يا رسول الله ! وما الدبيلة ؟ !
قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك(1).
وقد احتمل بعض الاَشخاص أن تكون هاتـين المحاولتين لقتل رسـول الله جاءتا بعد تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بإمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، لمّا استخلفه صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة بقوله : «أما ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّـه لا نبيّ بعدي»(2) ؛ وقولـه صلى الله عليه وآله وسلم قبل الواقعة الثانية : «من كنت مولاه ، فهذا عليّ مولاه»(3) ، أو بعد تأكيده على الثقلين(4).
هذا ، وقد حاول ابن حزم الاَندلسي أن يدافع عمّا نسب إلى الشيخين من أنّهما اشتركا في محاولة قتل رسول الله في العقبة ضمن دفاعاته عن الصحابة ؛ فقال :... وأمّا حديث حذيفة فساقط ، لاَنّه من طريق الوليد بن جميع ، وهو هالك ، ولا نراه يعلم مَن وضَع الحديث ، فإنّه قد روى
(1) تفسير ابن كثير 2|604 (ط دار إحياء التراث العربي| بيروت 1405 هـ).
(2) سيرة ابن هشام 4|163 ، صحيح البخاري 5|24 ، صحيح مسلم 15|173 ، المستدرك على الصحيحين 2|337.
(3) تاريخ اليعقوبي 2|112 ، تاريخ ابن الخيّاط : 293.
(4) تاريخ اليعقوبي 2|112.
(93)
أخباراً ، منها : أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبيّ وإلقاءَه من العقبة في تبوك ، وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن الله تعالى واضعه ، فسقط التعلّق به والحمد الله ربّ العـالمين(1).
ونحن لا نريد تصحيح خبر حذيفة أو تضعيفه ، بل نذكر شيئاً عن الوليد بن جميع ، وبعض الاَخبار الاَُخرى في القضية ، وللمنصف أن يحكم بصحّة قول ابن حزم وخطأه.
فقد ذكر الذهبيُّ الوليدَ بن جميع في ميزان الاعتدال فقال : الوليد بن جميع هو ابن عبـدالله بن جميع الزهري الكوفي ، [روى] عن أبي الطفيل ، وأبي سلمة بن عبـد الرحمن ، و [روى] عنه يحيى [بن سعيد] القطّان ، وأبو أحمد الزبيري ، وجماعة. وثّقه ابن معين ، والعجلي ، وقال أحمد وأبو زُرعة : ليس به بأس ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث...(2).
ونقل أبو حاتم عن الصيرفي قوله : كان يحيى بن سعيد لا يحدّثنا عن الوليد بن جميع ، فلمّا كان قبل موته بقليل حدّثنا عنه(3)..
وعن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين ، أنّه قال : الوليد بن جميع ثقـة(4).
وقد احتجّ مسلم في صـحيحه به في جملة رواته ، وكذلك ابن
(1) المحلّى 11|224.
(2) ميزان الاعتدال 4|337 رقم 9362.
(3) الجرح والتعديل 9|8.
(4) الجرح والتعديل 9|8.
(94)
حجـر(1) ، وابن كثير(2).
وذكر ابن عبـد البرّ في الاسـتيعاب : أنّ عمر كان يسأل حذيفة عن المنافقين ، وهو معروف في الصحابة بصاحب سرّ رسول الله ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم ؛ فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر ، وكان حذيفة يقول : خيّرني رسول الله بين الهجرة والنصرة ، فاخترت النصرة ، وهو حليف للاَنصار لبني عبـد الاَشهل(3).
وجاء في مختصر تاريخ دمشق : قال حذيفة : مرّ بي عمر بن الخطّاب وأنا جالس في المسجد ، فقال لي : يا حذيفة ! إنّ فلاناً قد مات(4) فاشهده.
قال : ثمّ مضى حتّى إذا كاد أن يخرج من المسجد التفت إليَّ فرآني وأنا جالس فعرف ، فرجع إليّ فقال : يا حذيفة ! أنشدك الله أمن القوم أنا ؟ !
قال : قلت : اللّهمّ لا ، ولن أُبرّىء أحداً بعدك.
قال : فرأيتُ عينَي عمر جاءتا(5).
وجاء في الاَنساب للسمعاني ، و الاحتجاج للطبرسي بأنّ القوم دبّروا مؤامرة قتل عليّ بن أبي طالب بعد أن اعترض على أبي بكر بغصب الخلافة
(1) الاِصابة 1|454.
(2) البداية والنهاية 4|362 و 5|310 و 6|225.
(3) الاستيعاب ـ بهامش الاِصابة ـ 1|277.
(4) وأنت تعلم بأنّ الذي مات في زمن عمر وحذيفة هو أبو بكر ، وإنّ إعلام عمر حذيفة بقوله : «يا حذيفة ! إنّ فلاناً قد مات» يدلّ على عَلَمية ذلك الشخص ، وهو ممّن يرجى حضور حذيفـة جنـازته ، وقد ذكر ابن حزم بعـدم صـلاة حذيفة على أبي بكر ! انظر : المحلّى 11|225.
(5) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن عساكر ـ 6|253.
(95)
وفدك.
فجاء في الاحتجاج أنّ أبا بكر قال لعمر : أما رأيت مجلس عليٍّ منّا في هذا اليوم ؟ ! والله لئن قعد مقعداً آخر مثله ليفسدنّ علينا أمرنا ، فما الرأي ؟ !
فقال عمر : الرأي أن تأمر بقتله !
قال : فمن يقتله ؟ !
قال : خالد بن الوليد.
فبعثوا إلى خالد ، فأتاهما ، فقالا : نريد أن نحملك على أمر عظيم.
قال : احملاني على ما شئتما ، ولو على قتل عليّ بن أبي طالب ! !
قالا : فهو ذلك.
قال خالد : متى أقتله.
قال أبو بكر : احضر المسـجد ، وقم بجنبه في الصلاة ، فإذا سلّمتُ فقم إليه واضرب عنقه !
قال : نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس ـ وكانت تحت أبي بكر ـ فقالت لجاريتها : اذهبي إلى منزل عليٍّ وفاطمة واقرئيهما السلام ، وقولي لعليٍّ : (إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من الناصحين)(1).
فجاءت إلى علي وأخبرته ، فقال أمير المؤمنين : إنّ الله يحول بينهم وبين ما يريدون.
ثمّ قام وتهيّأ للصلاة ، وحضر المسجد ، وصلّى خلف أبي بكر ،
(1) سورة القصص 28 : 20.
(96)
وخالد بن الوليد يصلّي بجنبه ومعه سيفه.
فلمّا جلس أبو بكر في التشـهّد ، ندم على ما قال ، وخاف الفتنة فلم يزل متفكّراً لا يجسر أن يسلّم ، حتّى ظنّ الناس أنّه قد سها ، ثمّ التفت إلى خالد ، فقال : يا خالد ! لا تفعلنّ ما أمرتك ! ! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(1).
واستفحلت هذه الطريقة اللئيمة في قمع المعارضين حتّى وصلت في عهد معاوية ذروتها فجاء في تاريخ الطبري : إنّ عليّـاً بعث الاَشتر أميراً إلى مصر حتّى إذا صار بالقلزُم شرب شربة عسل [سقاه إيّاه الجايشار] كان فيها حتفه ، فبلغ حديثهم معاوية وعَمْراً ، فقال عمرو [بن العاص] : إنّ لله جنداً من عسل(2).
وقد سقى الطبيب ابن أثال النصراني عبـد الرحمن بن خالد بن الوليد السمّ بأمر من معاوية ، وذلك لاَنّ معاوية حين استشار الناس في من يولّيه الاَمرَ من بعده ، أشاروا عليه بعبـد الرحمن(3).
كما راح من جرّاء هذا الاَُسلوب سبط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته الاِمام الحسن بن عليّ عليه السلام ؛ إذ تواطأ معاوية مع جعدة بنت الاَشعث فسقته السمّ فاستُشهِد ، بعد أن كان سُقي السمّ مراراً متعدّدة(4).
واتّفق المؤرّخون على أنّ سعد بن أبي وقّاص كان من المعارضين
(1) الاحتجـاج 1|119 ، وعنه في بحـار الاَنوار 29|127 ح 27 ، والنصّ له وانظر : الاَنساب ـ للسمعاني ـ 3|95 ترجمة «يعقوب الرَواجِني».
(2) تاريخ الطبري 3|554 (وط 6|54) ، تاريخ اليعقوبي 2|194 ، الاِصابة 3|482 ، شذرات الذهب 1|48.
(3) أُسـد الغابة 3|289.
(4) الاستيعاب 1|389 ـ 390.
(97)
لشتم عليّ عليه السلام على المنابر ، وأنّ معاوية ما استقام له ذلك إلاّ بعد موت سعد ، وصرّح أبو الفرج الاَصفهاني بأنّ معاوية دسّ إليه وإلى الحسن سمّاً حين أراد أن يعهد بالاَمر إلى يزيد ابنه ، فماتا في أيّام متقاربة(1).
وهكذا نرى أنّ ذوي السلطة من الصحابة لم يتورّعوا عن اتّخاذ الغيلة وسيلة للاِطاحة بمخالفيهم ، وإن كان ذلك مخالفاً تماماً لتعاليم الدين الاِسلامي قرآنـاً وسُـنّةً ! !
ب ـ الاِكراه :
لقد كان العنف والتهديد والاِكراه من الظواهر الاجتماعية عند عرب الجزيرة آنذاك ، وقد انتهجها الجاهليّون في حياتهم نظراً لحالتهم القبلية وتشكيلتهم الاجتماعية ؛ إذ إنّهم كانوا قد اعتمدوا القوّة في حلّ النزاعات المتعلّقة بموارد العيش وتوزيع مناطق الهيمنة والسلطة القبلية ، ولم يكونوا يخضعون ـ إلاّ النادر منهم ـ لمنطق السلم والمحاججة بالدليل ، وما كتابة الصحيفة ضدّ بني هاشم ، وحصرهم في الشِعب ، وإيذاؤهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، حتّى قال : ما أُوذي نبيّ مثلي قطّ ، وتعذيبهم المستضعفين المعتنقين للاِسلام في نَأْنَأتِه ، إلاّ مظهر من مظاهر أُسلوب الاِكراه واستخدام القوّة.
إلاّ أنّ الاِسلام جاء بما يخالف تلك النزعة الشرّيرة ، فأعلن شعار (لا إكراه في الدين) و (لكم دينكم ولي دين) و (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
ومارس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا المنهج الاِنساني الفطري القويم حتّى في
(1) مقاتل الطالبيّين : 73.
(98)
أحلك الظروف وأشدّها فأطلق أُسارى فتح مكّة قائلاً : «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وقبِـل منهم ـ ومن غيرهم ـ مجرّد إظهار الشهادتين ، وعفا ـ بناءً على ذلك ـ حتّى عن قاتل عمّه حمـزة ، بل مغتاله ، أعني وحشـيّاً الحبشي.
ورسم صلى الله عليه وآله وسلم ـ نظراً لتعاليم السماء ـ منهج الرحمة وحبّ السلم وكراهة الاِكراه ، فقد صدع حين دخل مكّة فاتحاً منتصراً على ألدّ خصومه بقوله : «من دخل داره فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن» موصياً أصحابه بعدم مقاتلة أحد إلاّ المقاتلين.
هـذا ، ناهيك عن أنّ قبول دخول المخالفين فكرياً في ذمّة الله ورسوله والمؤمنين نفسه دليل على رفض الاِكراه ، والدعوة للسلم والحوار ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
لكنّ التيّار الحاكم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نحا منحىً آخر في هذا المجال ، فاتّخذ أُسلوب الاِكراه طريقاً لاِخضاع المخالفين وإرهابهم ، وإن كان الآخرون مسالمين ، لم يسلّوا سيفاً ولم يعلنوا قتالاً ! !
فبعد أن أعلن عليّ بن أبي طالب أنّه صاحب الحقّ بعد الرسول ، ورفض مبايعة أبي بكر ، واعتزل في بيته ، ومعه العبّـاس والزبير وفاطمة والحسـنان و.. معلناً ما يسمّى اليوم بـ : «الاِضراب» السلمي ، بعث أبو بكر عمر بن الخطّاب إلى هؤلاء ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبَوا فقاتلهم(1).
وبالفعل ، طُبّق قانون الاِكراه ؛ إذ أُخرج عليّ بالقوّة ، يُقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش(2) ، وسيق سوقاً عنيفاً ، وامتلأت شوارع
(1) العقد الفريد 5|13 ، تاريخ أبي الفداء 1|156.
(2) صبح الاَعشى 1|228 ، شرح نهج البلاغة 3|407.
(99)
المدينة واجتمع الناس ينظرون(1) ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايعْ.
فقال : إن أنا لم أفعل فمَـهْ ؟ !
قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك !
قال : إذاً تقتلون عبـدَ الله وأخا رسوله.
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم(2).
ولم تقتصر أعمال الاِكراه على الممتنعين المذكورين ، بل طالت كلّ من يتردّد أو يفكّر بالتوقّف في البيعة(3).
وقد أفصـحت عن ذلك الزهـراء عليها السلام ، حين قامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر ! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسـول الله ؟ ! !(4).
وعن عليّ عليه السلام ـ لمّا أرادوا قتله ـ قوله ـ متوجّهاً صوب قبر النبيّ ـ : يا (ابنَ أُمَّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)(5)(6).
ولولا حكمة عليّ عليه السلام لاغتيل كما اغتيل سـعد بن عبادة ، فإنّ عمر كان قد هدّد سعداً يوم السقيفة بقوله : اقتلوه قتله الله ؛ ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأَك حتّى تندر عضوك(7) ، وقد نفّذ تهديده بالفعل ، لاَنّه لمّا خرج سعد إلى الشام ، بعث عمر رجلاً وقال : ادعه إلى البيعة واحتَلْ له ، وإن أبى فاستعن بالله عليه ؛ فقدم الرجلُ الشام ، فوجد سعداً في
(1) نهج البلاغة 6|49 ، بحار الاَنوار 28|322.
(2) الاِمامة والسياسة 1|31.
(3) انظر مثلاً : السقيفة وفدك : 46.
(4) شرح نهج البلاغة 1|134.
(5) سورة الاَعراف 7 : 150.
(6) الاِمامة والسياسة 1|13.
(7) الاِمامة والسياسة 1|13 ، تاريخ الطبري 5|210 ، مسند أحمد 1|56.
(100)
حائط بحوارين ، فدعاه إلى البيعة ، فقال : لا أُبايع قريشاً أبداً.
قال : فإنّي أُقاتلك.
قال : وإن قاتلتني.
قال : أفخارجٌ أنت عمّا دخلت فيه الاَُمّة ؟ !
قال : أمّا من البيعة فإنّي خارج.. فرماه بسهم فقتله !
وروي أنّ سـعداً رُمي في حمّام ، وقيل : كان جالساً يبول ، فرمته الجنّ فقتلته ، وقال قائلهم(1) :
|
قد قتـلنا سيـد الخـزر
ورميناة بسهميـــــ
| |
رج سعـد بـن عبـادة
ــــن فلم نُخط فؤاده
|
وقد مرّ عليك بأنّ بعض الاَشخاص قال : قتلته الجنّ لاَنّه بال قائماً في الصحراء ليلاً.. وقيل : بأنّ أمير الشام يومئذٍ كَمَنَ له من رماه ليلاً(2).. وفي ثالث : إنّ عمر نسّـق أمر اغتيال سـعد مع أبي بكر(3).
وقد قال مؤمن الطاق لسائل سأله : ما مَنَع عليّـاً أن يخاصم أبا بكر في الخلافة ؟ !
فقال : يا بن أخي ! خاف أن تقتله الجـنّ(4) !
وحين عارض الحبّاب بن المنذر ، الصحابي البدري ، أُخذ ووطىء في بطنه ، ودسّوا في فيه التراب(5).
(1) أنساب الاَشراف 2|272.
(2) شرح نهج البلاغة 10|111.
(3) انظر : شرح نهج البلاغة 17|223.
(4) شرح نهج البلاغة 17|223.
(5) شرح نهج البلاغة 6|40.
(101)
ولمّا عارض خالد بن سعيد بن العاص خلافة أبي بكر ، وتوقّف عن بيعته ، قال عمر لاَبي بكر : دعني إيّاه [يعني قتله] ، فلم يوافق أبو بكر(1).
وولّى أبو بكر خالداً هذا ، لكنّه سرعان ما عاد فاستمع لقول عمر وعزله قبل أن يتسلّم مهامّ أُموره(2).
وهكذا نرى هذه المواقف تمتاز بالشدّة والاِكراه المرفوضَين في منطق الاِسلام ، لكنّها عادت بعد النبيّ لتأخذ مجراها في حياة المسلمين ، ولتؤثّر على السُـنّة النبوية المباركة بشكل سلبي جدّاً ، وسنقف لاحقاً على معالجة عليّ بن أبي طالب عليه السلام لهذا الداء ، وكيف أنّه لم يرغم أحداً على مبايعته ، ولم يتعرّض لاَحد من الممتنعين ، ولم يبدأ أحداً بقتالٍ أبداً.
للبـحث صـلة...
(1) شرح نهج البلاغة 2|58 و 6|41.
(2) راجع ما كتبناه في نسبة الخبر إلى عبـدالله بن زيد بن عاصم في كتابنا : وضوء النبيّ ، القسم الروائي .
|