العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 57  > لسُـنّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  >

السُـنّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
(3)

السـيّد علي الشهرستاني

    سبق أن بيّنا وضع الجزيرة العربية وحالة الحضارات المجاورة لها، وكيفية تعامل العرب مع أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة، حتّى وصل بنا البحث إلى الكلام على المرحلة الثالثة، وهي «حديث رسول الله في الفترة من 13 ـ 40 هـ» وقد أشرنا فيه إلى ما جاء عن أبي بكر في منع تدوين الحديث، وقد آن الأوان كي نبحث مؤثّرات هذا العهد وما أُسّس فيه من أُصول ومبانٍ فكرية انعكست على الحديث النبويّ والتاريخ الإسلامي، والتي ظهرت كنصوص حديثية وأُصول فقهية وعقائد إسلامية بامتداد الزمان.
المباني الفكرية في هذا العهد
وبما أنّ بحثنا يدور حول «التأصيل»، فمن الجدير ذِكره هنا أن نرى الخلفيات الثقافية والمباني الارتكازية، التي كانت بمثابة الأرضية التي
سوّغت لاَبـي بكر الإقـدام على نشـر أفكار وأُسس خاصّـة، واتّخاذ إجراءات لم تكـن فـي زمان الرسـول صلى الله عليه وآله وسلم ، كان من جملتهـا إقدامـه على منع التدويـن


(70)
والتحديث!!
إذ كيف تمكّن من هذا المنع؟!
وكيف استطاع ترسيخ مرتئياته وبثّها بين المسلمين؟!
وما هي الأُصول التي اعتمدها لاِقناع أكبر عدد من المسلمين بذلك؟!
ثمّ ما هي العقلية التي كان يحملها قبل الإسلام؟! ومدى تأثيرها على بُناه الفكرية من بعد؟!
قلنـا:
إنّ الحالة الثقافية لاَيّ مجتمع من المجتمعات لا بُـدّ أن تترك بصماتها وآثارها على أفراد المجتمع، سلباً أو إيجاباً، خصوصاً مع ملاحظة تاريخ تلك الشخصية وموقعها في ذلك المجتمع، وما مرّت به من أدوار، وما كانت تفتخر به أو يُفْتَخرُ لها به من مميّزات في ذلك العصر.
ومن هذا المنطلق فرض البحث علينا أن ندرس المؤثّرات التي انجرّت من العصر الجاهلي إلى ما بعده، وكيف تطوّرت بلباسها الجديد ممتزجة مع الحالة الإسلامية الجديدة التي خلقها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، حتّى أصبحت شـريحة كبيرة من المجتمع تعيش حالـة ازدواجية وارتباك ـ
في هذا العصر ـ وتأرجُح بين الموروث الجاهلي وبين الجديد الإسلامي المحمّـدي، وذلك ما ظهر واضحاً بعد غياب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مباشـرة!
إذ وُجِـد هناك منهجان للصحابة:
أحدهما: يتّخذ مواقفه من الأُصول.
والآخر: يرسم الأُصول طبق المواقف.
بمعنـى: أنّ هناك من يعـدّ كلام الله ورسـوله أصـلين أساسيّـين في


(71)
التشريع، فهم يأخذون أحكامهم منهما، ولا يتحرّكون إلاّ في الإطار الذي رسماه للمسلمين.
وهناك من صار يضيف إلى سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سيرة كبار الصحابة، ويتّخذها أصلاً ثالثاً يحتذى به ـ مع الكتاب والسُـنّة ـ
ويسير على طبقه، وقد كنّا سمّينا الأوّل منهما بالمتعبّدين، والثاني بالمجتهدين.
وبتقريب آخر: إنّ سيرة الإنسان المسلم ومنهجه قد يُتّخذان ويُرسمان من منهج إسلامي محدّد، فيكون المكلّف متعبّداً بتلك النصوص، ويمنهج سيرته على طبقه، ولا يرى لنفسه الاجتهاد قباله، فهؤلاء هم المطيعون لاَوامر الله والرسول، المنتهون عن نواهيهما، وهم الّذين وصفهم الباري بـ: \(ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(1) وهم الّذين قال تعالى عنهم أنّهم: \(لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً)(2)، فأوّل هؤلاء يقتفي أثره آخرهم، ولا يُلحظ في سيرتهم الاختلاف المبدئي والتضادّ في المنهج والموقف؛ وذلك لتعبّدهم بمنهج محدّد مرسوم من قبل الله ورسوله.
وهناك قسـم آخر يسمح لنفسـه بالاجتهاد قبال النصّ، ويذهب إلى شرعيّة القول بالمصلحة مثلاً، ومن الطبيعي أن يختلف هؤلاء في المواقف والآراء، طبقاً لاختلاف وجهات النظر عندهم.
والأنكى من هذا أنّهم ـ وكما ألمحنا ـ قد جعلوا هذه المواقف أُصولاً شرعية لاحقاً؛ بسبب ذهاب فلان إلى الرأي الفلاني، مع عدم اعتقادهم بعصمته، أي أنّهم شرّعوا تعدّدية الرأي والأخذ بقول الرجال إلى جانب



(1) سورة الأحزاب 33: 36.
(2) سورة النساء 4: 65.



(72)
السُـنّة النبوّية، مع علمهم بعدم أهليّتهم للتشريع وأنّهم عرضة للخطأ والصواب.
ولنمثّل للقسم الأوّل بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي كان عبـداً لله قبل أن يكون رسوله؛ لقوله تعالى: \(قال إنّي عبـد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّـاً)(1)‌، و(\تبارك الذي نزّل الفرقان على عبـده ليكونَ للعالمين نذيراً)(2)، فكان صلى الله عليه وآله وسلم لا \(ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(3)، ولا يفتي من قبل نفسه، ولا يرتضى تغيير الأحكام لهوى الناس، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر مجيء الوحي لكي يخبره بجواب القضية المستحدثة، وقد ظلّ صلى الله عليه وآله وسلم ستّة أشهر أو سبعة ينتظر الوحي كي يسمح له أن يحوّل القبلة إلى المسجد الحرام، حتّى نزل عليه قوله تعالى: \(قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلةً ترضاها)(4).
ومثله الحالّ بالنسبة إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، الذي نهوا عن الرأي، واتّخذوا النصوص منهجاً في الحياة، وكانوا وما زالوا على كلمة واحدة، يقولون: «إنّـا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّـا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم»(5).
وقولهم: «إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا حذو القذّة بالقذّة»(6).



(1) سورة مريم 19: 30.
(2) سورة الفرقان 25: 1.
(3) سورة النجم 53: 3 و 4.
(4) سورة البقرة 2: 144.
(5) الاختصاص: 280 عن الإمام أبي جعفر محمّـد الباقر عليه السلام.
(6) الإرشاد 2|276، الاختصاص: 279 عن الإمام أبي الحسن عليّ الرضا عليه السلام.



(73)
وقولهم: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث عليٍّ أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ»(1) وما شابه ذلك من النصوص.
وأمّا دعاة المصلحة والاجتهاد، فكانوا يعدّون مواقف الخلفاء ـ بل كبار الصـحابة، ثمّ جميعهم ـ أُصـولاً يحتذى بها مـع الكتاب والسُـنّة، مع الاعتقاد ـ قولاً ـ بعدم عصمتهم!!
أي إنّهـم أخذوا يتعاملـون ـ فعـلاً ـ مع مواقف هؤلاء كأنّها مواقف المعصوم، بدءاً من متابعة بعضهم لاَبي بكر في آرائه ومواقفه، وتطوّراً مع تشريعهم الأخذ بسيرة الشيخين في يوم الشورى، وختماً بما طرحوه من أُصول وأفكار ـ أقلّ ما يقال فيها إنّها متطرّفة ـ في العصرين الأُموي والعبّاسي، مثل لزوم اتّباع السلطان وإن ضرب ظهرك، وكصوافي الأُمراء، و...
نعـم، إنّهم لتصـحيح مـا شرّعوه من قبل، وفـي يوم الشورى، وضعوا ـ من بعد ـ أحاديث في ذلك، كروايتهم: «اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر»، وذهـبوا إلـى جواز خطأ النبـيّ في الموضـوعات الخارجـية و... فلـو صـحّ حديث «اقتدوا باللذَين...» وأمثالـه فلماذا نرى تخلّف كثير من الصحابة عمّـا شرّعه الشيخان؟! وتخطئتهم لهما في ما اجتهدوا فيه في بعض الأحيان؟!
ولو صحّ هذا الحديث فكيف لا يأخذ الصحابة بكلام الرسول في



(1) الإرشاد 2|186 ـ 187 عن الإمام أبي عبـدالله جعفر الصادق عليه السلام، وانظر: الكافي 1|73 ح 152.


(74)
الاقتداء بأبي بكر وعمر؟!
ولماذا خالف عمر أبا بكر في مواقفه؟!
ولِمَ خَطّـأ أبو بكر عُمرَ؟!
وكيف يسأل الخليفة الصحابة عن الأحكام لو كان هو الإمام المقتدى؟!
وهكذا الحال بالنسبة إلى الأفكار الأُخرى؛ إذ وضعوا أحاديث جمّة لتصحيحها، فصار الحديث يوضع أحياناً لتصحيح المواقف!!
نعم، إنّ سيرة الشيخين (أبي بكر وعمر) أعقبتها سيرة (أبي بكر وعمر وعثمان)، ثمّ سيرة (الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ)، ثمّ أحاديث العشرة المبشّرة بالجنّة، ثمّ حديث «أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» و و... وهكذا إلى ما لا نهاية للامتداد الاجتهادي المتفاقم بتفاقم الأحداث وتجدّد الحوادث!
على أنّ المتجلّي من الأمر هو تركيز الأُمويّين والعبّاسـيّين على سيرة الشيخين أكثر من سيرة عثمان والإمام عليّ عليه السلام ، أو قل على سيرة باقي الصحابة ـ على اختلاف مشاربهم ومواقعهم الفقهية والسياسية والاجتماعية ـ وذلك لاَسباب جمّة ودواعٍ كثيرة، نستطيع إجمالها بالقول بـ:
من المعلوم إنّ ميزان القوى كان يتوزّع بعد غياب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين أربع قوىً، هي: قريش، الأُمويّون، الأنصار، العلويّون..
ـ أو قل: الهاشميّون وعلى رأسهم الإمام عليّ عليه السلام ـ وقد هيمنت القوّة القرشية بمعاضدة القوّة الأُموية على السلطة، فانحسر ظلّ الكفّة العلوية والأنصارية، وتجمّدت ـ أو كادت ـ تحت تأثير إبعاد الكفّتين الحاكمتين لها.
وقد بقيت هذه الموازنة حاكمة على سيرة المسلمين؛ إذ ينعم الأُمويّون وأعيان قريش بمواقعهم في ظلّ الحكم القرشي المتمثّل بالشيخين، وهذا ما


(75)
جعلهما بمنأىً عن نزاعات الطموح القرشي الأُموي، وأورث لهما اسـتتباب الأُمـور بشكل أيسـر بكثير ممّن لحقهمـا في الحكم، إذ ليس هناك معارض إلاّ العلويّين والأنصار المغلوبين.
فما أن تعالت صرخة أبي سفيان: «أغَلبكم على هذا الأمر أذلّ بيت من قريش وأقلّهـا؟!»(1)، وما أن دعـا عليّـاً للمطالبة بالخلافة وتنحية أبي بكر، حتّى عاد وديعاً يتحمّل إهانة أبي بكر وصرخاته، وينعم باحتلال أخيه يزيد وابنه معاوية وغيرهما من الأُمويّين المناصب المرموقة في الخلافة الجديدة، ممّا ضمن للجناح الأُموي من الكفّة القرشية مطامحه ومطامعه في السلطة والسيادة، وذلك ما أوقف سيل معارضة أبي سفيان.
إلاّ أنّ استفحال التكتّل الأُموي، أخاف القوّة القرشيّة فقهاً وسياسة، فحدا ذلك ـ من بعد ـ بالزعيم القريشي عبـد الرحمن بن عوف أن يحدّد صـلاحيات عثمان الفقهية والسياسـية والإدارية بـ «سيرة الشيخين»، باعتبارها ـ في أحد جوانبها ـ الممثّل الأمثل والضامن الأكيد للهيمنة القرشية، والرادع القوي عن التطاول الأُموي والاختراق العلوي والأنصاري.
إلاّ أنّ الجناح الأُموي بدأ يعلن استقلاله بالسلطة في الستّ الأواخر من حكم عثمان، حين أبعد عثمان الشخصيات القرشية عن مراكز الخلافة أيضاً، مضافاً إلى المبعدين العلويّين والأنصار الّذين كانوا من قبل مهملين معزولين عن أداء أدوارهم، مستبدلاً بهم شخصيات أُموية بحتة(2).
وهنا انفرد الجناح الأُموي ـ أو حاول الانفراد ـ بالسلطة، فخَلَق أمامه



(1) شرح نهج البلاغة 6|40، وانظر: أنساب الأشراف 2|271، الاستيعاب 3|974، تاريخ الطبري 2|237، شرح نهج البلاغة 1|221.
(2) قد وضّحنا هذا من قبل في كتابنا وضوء النبيّ|المدخل. فراجع.



(76)
ثلاث جبهات معادية: القرشيّون غير الأُمويين، والعلويّون، والأنصار؛ وهذا ما جعل سـيرة عثمان محطّ طعنات غير الأُمويّين جميعـاً..
فتعالت الأصوات من عبـد الرحمن بن عوف، وابن العاص، وعائشة، كما تعالت من عليٍّ والعلويّين، والأنصار، على حدّ سواء، وهذا ما جعل سيرة عثمان أقلّ تأثيراً وأكثر انكماشاً من سيرة الشيخين التي لم تُمْنَ بمثل هذه المعارضة الهائلة.
وحينمـا أراد القرشيّون إعادة الأمـر إلى حوزتـهم، انفلت زمام الأُمور من أيديـهم وآل الأمر إلى نصـابه، فقد هُرعـت الجماهير إلى بيعـة عليّ بن أبـي طالب، وذلك ما ساء القرشيّين والأُمويّين وأضرّ بمصالحهم ومراكزهم القَبَلية والمستقبلية التي كانوا يتطلّعون إليها.
وقد صرّح بذلك الاستياء رؤوس الحِراب القرشية والأُموية، كـ: عائشة، وعبيـدالله بن عمر، ومعاوية، وأضرابهم، وذلك ما أعاد للجبهة القرشية الأُموية قوّتها واتّحادها مقابل القوّة العلوية والأنصارية المتابعة لها.
وما حرب الجمل إلاّ مثال التحزّب القرشي ضدّ عليّ، وما حرب صفّين إلاّ مثال التحزّب الأُموي ضدّه، وما كِلا الحزبين إلاّ مثال للاتّحاد القرشي الأُموي ـ صاحب المواقـع القويـة من قبل ـ ضـدّ الشـقّ العلوي الأنصاري صاحب المواقع الهشّـة من قبل(1).
وهذا أيضاً جعل سيرة عليّ بن أبي طالب أقلّ تأثيراً من سيرة الشيخين عند الأُمويين والعبّاسيّين، وأقلّ تأثيراً من سيرة عثمان عندهما



(1) لو أردت معرفة مدى قرب الأنصار من عليٍّ وأهل بيته فقهاً وسياسةً، يمكنك مراجعة المجلّد الثاني من كتابنا وضوء النبيّ ـ البحث الروائي ـ وذلك عند بياننا نسبة الخبر إلى عبـدالله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري.


(77)
معاً، وعند العبّاسـيّين بشكل أكبر.
وأمّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقد بقي فقهه يتيماً لم يوصله للمسلمين إلاّ أبناؤه وأتباعه والأنصار، وأغلبهم ليسوا ذوي سلطات ولا قدرات في الخلافتين، بخلاف الشيخين اللذين حظيت سيرتهما بالتأييد الأُموي والعبّاسي، وسيرة عثمان التي حظيت بالتأييد الأُموي خاصّة.
وهكذا كانت حصيلة جعل سيرة الشيخين قسيماً لكتاب الله وسُـنّة نبيّه، ومن بعدهما كانت سيرة عثمان أقلّ شأناً، ومن بعدهم سيرة عليّ بن أبي طالب الأقلّ سهماً من الجميع لتضافر الخلفاء ضدّه..
هذه العلّة وغيرها ممّا يضيق بشرحها المجال، هي التي جعلت سيرة الشيخين منهجاً للخلفاء في العهدين الأُموي والعبّاسي.
ولو لاحظت كلام معاوية ويزيد وغيرهما من خلفاء بني أُميّة وبني العبّـاس، لعرفت أنّهم مؤكّدون على أثرهما، متّبعون لاَمرهما، غير متناسين لسيرة عثمان!! تاركين سيرة عليّ!!
فقد جاء في جواب معاوية لمحمّـد بن أبي بكر قوله: «فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّ حقّه [أيّ حقّ عليّ] وخالفه في أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما، فأبطأ عنهما وتلكّـأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم(1)..
إلى أن يقول: فخذ حذرك يابن أبي بكر! وقِس شبرك بفترك، يقصر عنـه أن توازي وتسـاوي من يزن الجبال بحلمـه، لا يلين عنه قسـر قناته، ولا يدرك ذو مقال أناته، أبوك مهّد مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يكن ما



(1) قد يومئ قوله هذا إلى: إرادتهم قتله؛ كما سنوضّحه لاحقاً في رقم (6) ـ تقنين أساليب غير مشروعة|الغيلة.


(78)
نحن فيه صواباً، فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنّا أباك فعل ذلك به من قَبْلنا، فأخذنا بمثله، فعِب أباك بما بدا لك، أو دَعْ ذلك، والسلام على من أنـاب»(1).
وروى البلاذري ما كتبه يزيد بن معاوية في جواب عبـدالله بن عمر، لمّا اعترض عليه بقتل الحسين عليه السلام : «أمّا بعد، يا أحمق! فإنّا جئنا إلى بيوت مجدّدة، وفُرشٍ ممهّدة، ووسائد منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا، وإن يكن الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله».
وكمثال تطبيقي على ما قلنا، نرى أنّ معاوية ينتهج السياسة نفسها التي انتهجها عمر بن الخطّاب في الموالي، فقد جاء في رسالته إلى زياد بن أبيه: «وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الأعاجم، فخذهم بسُنّة عمر بن الخطّاب، فإنّ ذلك خزيهم وذلّهم، أن تنكح العرب فيهم ولا ينكحهم...».
وهكذا أصبحت سيرة الشيخين سُنّة تتّبع في الحديث(2) والفقه(3)



(1) جمهرة رسائل العرب 1|477 عن مروج الذهب 2|600، شرح نهج البلاغة 3|190.
(2) إذ حدّد عثمان ومعاوية التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم «في ما عُمل به على عهد عمر».
انظر: الطبقات الكبرى 2|336، كنز العمّال 1|291، تاريخ دمشق 3|160.
(3) فمثلاً جاء عن مروان بن الحكم قوله: إنّ عمر بن الخطّاب لمّا طُعن استشارهم في الجدّ، فقال: إنّي رأيت في الجدّ رأياً، فإن رأيتم أن تتّبعوه فاتّبعوه، فقال عثمـان: إن نتّـبع رأيك فهو رشـد، وإن نتّبع رأي الشـيخ من قبلك فنعم ذو الرأي كان.
انظر: المستدرك على الصحيحين 4|340.



(79)
والسياسة(1) و...
قال المسعودي: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبـدالله في حصره بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك ألاّ تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون واحدة كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليحرّق عليهم الدار(2).
بعـد هـذا لا غـرابة فـي أن نقـول: إنّ هناك اتّجاهاً قد حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشرّع المواقف ويجعلها أُصولاً يُسار عليها في الحياة بجنب الكتاب والسُـنّة، وقد اتّسع هذا الاتّجاه شيئاً فشيئاً حتّى وصل بالأُمّة إلى أن ترجّح قول الخلفاء حتّى على قول الله ورسوله، أو تخصيصهما بفعل الصحابي؛ بدعوى أنّهم عرفوا ملاكات الأحكام وروح التشريع وما شابه ذلك.
والطريف في الأمر هو أنّ أنصار هذا الاتّجاه وإن كانوا يتّخذون مواقف الخلفاء أُصولاً في الحياة والتشريع، لكنّهم في الوقت نفسه يسمحون لاَنفسهم بترجيح رأي أحدهم على الآخر وإن كان بين الرأيَين تبايناً بيّناً، اعتقاداً منهم بحجّية فعل الجميع، أو أنّ كلّ هذه المواقف صحيحة، أو ما شاكل ذلك ممّا صُرّح به في كتب عقائد وفقه هذه الشريحة من المسلمين.
ولتحقيق ما قلنا من تأثّر الخلفاء من أتباع الاجتهاد بالموروث القديم، وانعكاسه سلباً على الحديث النبوي وسُـنّته الشريفة، كان لا بُـدّ لنا من استعراض في بعض الشواهد الشاخصة في هذا المجال، لمعرفة مدى قربها



(1) كما مرّ في كلام معاوية ويزيد آنفاً.
(2) مروج الذهب 3|86 ط الميمنية، وانظر: شرح نهج البلاغة 20|147.



(80)
أو بُعدها عن مواقف وثوابت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيفية الجمع والتفريق بينهما، وأوّل شاخص يطالعنا في ذلك هو:
1 ـ الاهتمام بالحفظ والنسـب:
المعروف عن عقلية العرب في الجزيرة أنّها كانت تعتمد على حافظتها ـ في حفظ أشـعارها وآثارها ومآثرها ـ وترغب عن التدوين، ولا تعتمده؛ ومن شواهده أنّا نرى وصول جمهرة عظيمة من قصائدهم التي تحمل لغتهم وثقافة حروبهم وصُلحهم وجميع جوانب حياتهم، وفي المقابل نلحظ عدم وصول شيء يوازي ذلك من خطبهم و...، وما ذلك إلاّ لاَنّ الشعر سهل الحفظ والتناول، بعكس الخطب التي يصعب حفظها، ولمّا لم تكن مدوّنة فقد ضاع أغلبها ولم يصل إلينا إلاّ النزر اليسير.
وفي هذه الفترة نرى أنّ أبا بكر كان معدوداً من العالِمين بأنساب العرب، لِما روته عائشة عن أبيها أنّه كان أعلم قريش بأنسابها(1)؛ وقال ابن إسحاق في السيرة الكبرى: وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شـرّ(2).
وممّا يتبع علم النسب هو السَبّاب؛ لاَنّهم كانوا يتعلّمون النسب للمفاخرة والمنافرة وبيان مثالب الآخرين.
قال ابن عبـد ربّه: كان أبو بكر نسّابة، وكان سعيد بن المسيّب نسّابة،



(1) الأنساب ـ للسمعاني ـ 1|22.
(2) السير والمغازي: 140. وانظر: الأنساب ـ للسمعاني ـ 1|22 ح 11، والتبيين في أنساب القرشيّـين: 209.



(81)
وقال له رجل: أُريد أن تعلّمني النسب؛ قال: إنّما تريد أن تُسابَّ الناس(1).
ولذلك كانت قريش حين تسمع أهاجي حسّان بن ثابت وما فيها من مثالب تظنّ تارة أنّ أبا بكر هو منشئ تلك الأشعار، ولمّا عرفتْ أنّ حسّاناً هو شاعرها عرفتْ أنّ ذلك جاء بمعونة حافظة أبي بكر للاَنساب وإحاطته بالأيّام.
قال أبو الفرج: لمّا أُنشدت قريش شعر حسّان قالت: إنّ هذا الشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة(2)، .
وأخرج ابن عساكر، عن المقدام، قال: وكان أبو بكر سبّاباً(3).
وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق: كان أبو بكر سبّاباً أو نسّاباً(4).
ولعلّ من أسباب نهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن التعمّق في تعلّم الأنساب هو العراك والتهاتر الذي ينشأ عنها، وهو يخالف الخلق الإسلامي الإنساني.
فقـد مـرّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقوم مجتمعين على رجل، وهم يقولون: إنّه لعالِم!
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : وما علمه؟!
قالوا: إنّه عالم بأنساب العرب.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هذا علمٌ لا يضرّ مَن جهله(5).



(1) العقد الفريد 3|280.
(2) الأغاني 4|139.
(3) عمدة التحقيق: 35 ـ طبعة دار الندوة الإسلامية.
(4) الصواعق المحرقة: 43، تاريخ الخلفاء: 37.
(5) جامع بيان العلم وفضله 2|29، إحياء علوم الدين 1|43، الأنساب ـ للسمعاني ـ 1|22 ح 12 و13، إتحاف السادة المتّقين 1|224، كنز العمّال 10|280 ح 29443.



(82)
والذي نريد قوله هنا: إنّ أبا بكر قد تأثّر بالموروث حتّى بعد مجيء الإسـلام.
فقد روى ابن عبـد ربّه الأندلسي، عن عكرمة، عن ابن عبّـاس، عن عليٍّ، قال: لمّا أُمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعرض نفسه على القبائل، خرج مرّة وأنا معـه وأبو بكر، حتّى رُفِعـنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدّم أبو بكر فسلّم... فقال: ممّن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال: وأيّ ربيعة أنتم؟ أمن هامَتها أم من لهازمها؟
قالوا: من هامتها العظمى.
قال: وأيّ هامَتها العظمى أنتم؟
قالوا: ذُهل الأكبر.
قال أبو بكر: فمنكم عوف بن محلّم الذي يقال فيه: «لا حُرَّ بوادي عـوف»؟!
قالوا: لا.
قال: فمنكم جَسّاس بن مرّة، الحامي الذمار، والمانعُ الجار؟!
قالوا: لا.
قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟!
قالوا: لا.
قال: فمنكم أصهار الملوك من لَخْم؟!
قالوا: لا.
قال أبو بكر: فلستم ذُهلاً الأكبر، أنتم ذُهل الأصغر!
فقام إليـه غلام من شـيبان حين بَقَلَ وجهُهُ يقال له: دغفل، فقال:...


(83)
يا هذا! إنّك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟
قال أبو بكر: من قريش.
قال: بخ بخ، أهل الشرف والرئاسة؛ فمن أيّ قريش أنت؟
قال: من وُلد تيم بن مرّة.
قال: أمْكَنْتَ والله الراميَ من سواء الثغرة؛ أفمنكم قصيّ بن كلاب الذي جمع القبائل فسُمّي مُجمِّـعاً؟!
قال: لا.
قال: أفمنكم هاشـم الذي هشـم الثريد لقومه ورجال مكّة مسـنتون عجـاف؟!
قال: لا.
قال: فمنكم شيبة الحمد عبـد المطّلب، مطعم طير السماء، الذي وجهه كالقمر في الليلة الظلماء؟!
قال: لا.
قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟!
قال: لا.
قال: فمن أهل السقاية أنت؟!
قال: لا.
فاجتذب أبو بكر زمام الناقة ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...(1).
فانظر إلى أبي بكر كيف يتعامل مع القبائل وهو في موطن الدعوة إلى الإسـلام!
ألم يكن المفروض به أن يعرض عليهم الشهادتين وأخلاق الإسلام



(1) العقد الفريد 3|280 ـ 281، الأنساب ـ للسمعاني ـ 1| 37 ـ 38.


(84)
ومفاهيمه برفق ولين، لا أن يغالبهم في النسب ويقلّل من شأنهم بما يجعل نفوسهم بعيدة عن قبول الدين الجديد؟!
ولهذا التأثير العنيف، كان من الطبيعي أن تظهر هذه النبرة القديمة في سقيفة بني ساعدة، فقد طُرحت فيها الموازين الموروثة لا الموازين التي جاء بها الإسلام على لسان نبيّ الرحمة محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم !
فقد قال أبو بكر في خطبته يوم السقيفة:
أيّها الناس! نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم برسول الله رحماً...(1).
فكرم الأحساب، ووسطيّة الدار، وحسن الوجوه، وكثرة العدد، كانت من المفردات التي احتجّ بها للخلافة، وهذه كلّها لا تمتّ إلى الخلافة والأحقّية بها بصلة!
واستمرّت هذه الخصلة عند أبي بكر حتّى في أيّام خلافته، فجعل يسأل الصبيان الّذين أتى بهم خالد بن الوليد من عين التمر عن أنسابهم، فيخبره كلّ واحد بمبلغ معرفته(2).
نحن لسنا بصدد بيان هذه الأُمور بقدر ما يعنينا بيان امتداد هذا النهج بعد الخليفة، وخصوصاً في العهد الأُموي، وعناية الخلفاء بالشعر والأنساب مع مخالفتهم لتدوين الحديث والمغازي!!
إنّ عناية عرب الجزيرة بالحفظ وترك التدوين كان من جملة الدوافع الرئيسية التي حدت بأبي بكر أن يحرق مدوّنته، وبالناس أن يقبلوا بحظره



(1) العقد الفريد 5|12.
(2) الأغاني 4|5.



(85)
على التحديث بحديث رسول الله وتدوينه، على رغم وقوفهم على أمر القرآن والسُـنّة المباركة بالتحديث والتدوين.
وقد أثّر هذا المنع تأثيراً خطيراً على السُـنّة النبويّة، التي ظلّت غير مدوّنة مدّة مديدة من الزمن، فتمهّدت الأرضية الخصبة لوضع أحاديث مكذوبة على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فيها نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التدوين لحديثه الشريف!!
كلّ ذلك تصحيحاً لِما وقع فيه أبو بكر من خطأ في المنع، وما حمله هو وآخرون معه من أفكار عن الحفظ وكراهة التدوين، فجاء عن بعض الصحابة قولهم لبعض التابعين: احفظوا كما كنّا نحفظ(1)!!
إنّ هذه المفردة التي جاهر بها أبو بكر، كانت من أكبر المؤثّرات على السُـنّة النبويّة المباركة، واختلاف النقل فيها، وضياع كثير من معالمها علينا.
2 ـ نظرتهم إلى الخلافة والإمامة:
اختلفت النظرة إلى الخلافة والإمامة في صدر الإسلام، فالتزموها تارة بالبيعة، وأُخرى بالشورى، وثالثة بالإجماع، لاغين الوصاية النبويّة أو احتمالها من قاموس السقيفة، مؤكّدين على أنّ الكثرة واتّفاق أهل الحلّ والعقد هما من طرق إثبات شرعية الخلافة..
وتطوّر الأمر ونضح الإناء بأخرة فصرّح بعضهم بانعقاد الخلافة بمبايعة شخصين، أو شخص واحد، مستدلّين ببيعة عمر لاَبي بكر، واستفحلت الفكرة حتّى صرّح بعضهم بانعقاد الخلافة لكلّ من غلب وتسلّط بالسيف والقوّة..



(1) قوت القلوب 1|159.


(86)
إلى غير ذلك من الرؤى التي استُلّت من بيعة أبي بكر، وكتابة عثمان خلافة عمر وإقرار أبي بكر لذلك، واختراع عمر لمبدأ الشورى..
فكان لا بُـدّ من إيجاد المخرج لتصحيح تلك البيعات، ومن هنا ظهرت الآراء المتضاربة والمتهافتة، وأثّرت حتّى اليوم على شرعية وشكلية الحكومة الإسلامية.
لكن الاستدلال بالكثرة غير صحيح عقلاً ونقلاً؛ إذ لو صحّت الكثرة دليلاً لكان الكفّار على حقٍّ؛ لكونهم أكثر عدداً من المؤمنين في صدر الإسلام، بل في أغلب الأزمان، حتّى صرّح القرآن الحكيم بعدم نفع الكثرة قبال القلّة المؤمنة، بقوله: \(كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)(1)، وقوله: \(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله)(2)، وقوله: \(وقليل من عبادي الشكور)(3)، وقوله: \(ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)(4).
وعليه فمعيار الكثرة والقلّة لا يمكن جعله دليلاً على المطلوب.
وهكذا الحال بالنسبة إلى اتّفاق أهل الحلّ والعقد، فهو مردود شرعاً وعقلاً، ونحن نترك الجواب عن أمثال هذه رعاية للاختصار.
وعليه: فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إمّا أن يكون ترك أمر البيعة للناس، أو أن يكون عيّن مَن يخلفه؟!
فإن كان صلى الله عليه وآله وسلم قد تركهم، فلماذا يعيّن أبو بكر عمر خلفاً له خلافاً لسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!



(1) سورة البقرة 2: 249.
(2) سورة الأنعام 6: 116.
(3) سورة سبأ 34: 13.
(4) سورة الأعراف 7: 187، سورة يوسف 12: 21، سورة الروم 30: 6، سورة سبأ 34: 28، سورة غافر 40: 57.



(87)
وإن كان صلى الله عليه وآله وسلم قد عيّن وصيّه، فكيف يصحّ أن يقال إنّه ترك الأمر للناس كي ينتخبوا؟!
وهكذا الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب؛ إذ لو كان يؤمن بمبدأ الشورى فلِمَ لا يستجيب لقول الصحابة حينما أشاروا عليه تدوين الحديث(1)هـ؟!
وكيف بعمر يقول: «لو أدركت أبا عبيـدة بن الجرّاح باقياً استخلفته وولّيته... ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته... ولو أدركت خالد بن الوليد لولّيته»(2)ـ، ويقول: «لو كان أبو عبيـدة بن الجرّاح حيّاً استخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته»(3)؟!
بل كيف لنا أن نفهم أبعاد هذا التخليط عند الحكّام في صدر الإسلام؟!
فقول عمر: «لو كان سالم مولى أبي حذيفة» لا يتّفق مع سياسته نحو الموالي! كما لا يتّفق مع احتجاجهم بأنّ الأئمّة من قريش، وأنّ قريشاً أَوْلى من سائر العرب بقربها من النبيّ دون سائرهم!!
وهكذا الحال بالنسبة إلى قوله: «لو أدركت معاذ بن جبل» فهو يخالف فكرته وسياسته نحو الأنصار!
وماذا يعني أبو بكر بقوله: «ليتني سألت عن هذا الأمر، وهل للاَنصار فيه نصيب؟» لو لم تكن الخلافة من مهامّ الرسول؟!
إنّ المتأمّل في كلام الإمام عليّ وخطبة الزهراء عليهما السلام ـ وهما من أعلام المتعبّدين، المعارضين للاجتهاد والمصلحة ـ يعلم بأنّ الظروف هي التي دعت إلى اختلاف المواقف واختلاق الأُصول والمباني عند الصحابة لمصلحة



(1) تقييد العلم: 49، حجّية السُـنّة: 395.
(2) الإمامة والسياسة 1|42.
(3) تاريخ الطبري 2|580 حوادث سنة 23 هـ ـ قصّة الشورى.



(88)
توهّموها أو قصر مداها على المصلحة الآنية.
إنّ الزهراء عليها السلام بخطبتها أرادت التأكيد على إمامة أهل البيت وأحقّية عليٍّ بن أبي طالب بالخلافة من غيره، وذلك من خلال طرح المفاهيم والمقاييس الإسلامية الحقّة في الخلافة والإمامة؛ إذ إنّها بعد حمد الله والثناء عليه، وذِكر أبيها محمّـد بالمجد والجلالة جاءت لتمدح عليّـاً، وتذكّر الناس بمواقفه في الإسلام، مؤكّدة على أنّ أهل البيت هم الوسيلة في خلقه، وخاصّته، ومحلّ قدسه، وحجّته في غيبه، وورثة أنبيائه، مذكّرة إيّاهم بحظهم العاثر، وانقلابهم على أعقابهم، وإسنادهم الخلافة إلى غير أهلها، والفتنة التي سقطوا فيها، والدواعي التي دعتهم إلى ترك الكتاب والسُـنّة وتخطّي المبادئ الإسلامية في الاستخلاف.
فجاء في جملة كلامها: «وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون...» فأشارت إلى نفسيّاتهم، وأنّهم كانوا يرجّحون مصالحهم على مصلحة الإسلام والدين..
ومعنى كلامهـا عليها السلام أنّها أرادت أن تذكّر أبا بكر ـ وغيره ـ بالتجائه مرّة إلى العريش، وفراره مرّة أُخرى يوم أُحد(1)، وثالثة بهزيمته ـ كغيره من المسـلمين ـ في غزوتَي حُنين وخيبر(2)، وتخلّفه عن جيش أُسامة(3).. ومثل هذا كان فعل عمر يوم أُحـد(4) و...



(1) انظر: المستدرك على الصحيحين 3|27، تفسير ابن كثير 1|654، شرح نهج البلاغة 13|293.
(2) انظر: تاريخ اليعقوبي 2|47، تاريخ الطبري 3|93 ـ 94، الكامل ـ لابن الأثير ـ 2|219.
(3)
(4) المغازي ـ للواقدي ـ 1|237، السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ: 330 و 332، تاريخ الطبري 2|66.



(89)
وأمّا قولها عليها السلام : «تتربّصون بنا الدوائر تتوكّفون الأخبار...» فهو اتّهام صريح لهم بالتآمر على البيت الهاشمي وجعل نصوص الخلافة وراء ظهورهـم، غير معيـرين أيّ أهمّية إلاّ لاَفكارهـم في إطاعـة أُولي الأمر منهم لا الّذين فرضهم الله ورسوله.
وكـذا قولهـا عليها السلام : «فوسـمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شريككم؛ هذا، والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين...»، ففيه تأكيد على وقوعهم في الفتنة، وانقلابهم على الأعقاب، وأخذهم بالجاهلية الأُولى، وهو تفسير آخر لقوله تعالى: \(أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم...)(1).
وقد كانت الزهراء عليها السلام قد قالت في خطاب آخر لها وجّهته في بيتها إلى نسـاء المهاجرين والأنصـار قائلة: «أمَا لعَمر الله، لقد لقحت، فنظرة ريثما تحلب، ثمّ احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً، هنالك يخسـر المبطلون، ويعرف التالون غِبَّ ما أسّس الأوّلون، ثمّ طِيبوا عن أنفسكم، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيْئَـكم زهيداً، وجمعكم حصـيداً، فيا حسرة عليكم...».
ولعلّ قولها عليها السلام : «يعرف التالون غبَّ ما أسـّس الأوّلون» يكاد يكون أصرح من الصريح في ما نحن بصدده من تأصّل الأُصول من خلال المواقف، وطرح الأُصول الإسلامية جانباً لنفس السبب، وذلك ما يجرّ الويلات ويؤثّر على الأصعدة كافّة، ومنها حديث الرسول وسُـنّته، فقد نالهما قسطُ وافرٌ من الضياع والتغيير، الذي تأزّم فظهر غبُّهُ شيئاً فشيئاً، وازدادت



(1) سورة آل عمران 3: 144.


(90)
وخامة عواقبه إلى حدّ يصعب معه تدارك الموقف، واستخلاص الصحيح من السـقيم المعوجّ.
وهو معنىً آخر لكلام الإمام عليّ عليه السلام في خطبته الشقشقية: «فمُني الناس لعَمر الله بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض...»(1).
فها هم اليوم قد انقلبوا على أعقابهم، واستولى عليهم منطق الجاهلية، إذ قال أحدهم: نحن أهل العزّة والمنعة، وأجابه الآخر: من ينازعنا سلطان محمّـد ونحن أولياؤه وعشيرته؟! وكانوا قد أسقطوا الكتاب والسُـنّة من مقاييسهم في يوم السقيفة.
نعم، إنّ الحزب القرشي قد استفاد من الذهنية الجاهلية لتطبيق الخلافة والحكم، ولهذا رأينا النزاع يدور حول أولوية الأنصار بالخلافة من المهاجرين أو العكس، ولم يلحظ في نزاعهم تحكيم معايير الإسلام، كالعلم والتقوى والجهاد وغيرها من أُصول التفاضل القرآني.
إذاً فمسألة فدك ـ في أحد أبعادها ـ ليست مسألة ميراث ونحلة فقط، بقدر ما هي مسألة شرعية خلافةٍ أو التشكيك فيها؛ لاَنّ قريشاً كانت تحلم بهذه الخلافة وكان رؤساؤها يعترضون بين الفينة والأُخرى على تنصيب الرسول لهذا أو ذاك، فجاء عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الّذين شكّكوا في إمارة أُسامة: «قد بلغني أنّ قوماً يقولون في إمارة أُسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً للاِمارة، وإنّه لخليق، فأنفذوا بعث أُسامة»(2).
وقد اعترف عمر بن الخطّاب بأنّ رسول الله أراد أن يصرّح ـ متجاهلاً



(1) لو أردت المزيد فيمكنك مراجعة كتابنا منع تدوين الحديث: 242 وما بعدها.
(2) تاريخ الطبري 2|431، الطبقات الكبرى 2|349.



(91)
أنّه صرّح مراراً ـ باسم من يخلفه «فمنعته من ذلك»(1).
فالمسألة بنظر الزهراء عليها السلام مسألة إسلام وجاهلية، ونصّ وشورى، وإيمان ونفاق، وأخذ بأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطرح لها، وإن أخذت في ساذج ظاهرها صورة ماليّة ومذهباً اقتصادياً.
3 ـ القوّة هي المعيار في التولية لا الأهلية والتقوى:
ليس ثمّة شكُّ في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يولّي الولاة ـ الإداريّين والعسكريّين ـ وفق كفاءاتهم في المجال المبعوثين فيه، مفترضاً فيهم النزاهة الدينية والتقوى، فما أن يظهر من أحد منهم ما يخالف مبادئ الإسـلام إلاّ ويعـزله صلى الله عليه وآله وسلم ويـتدارك ما فـرّط فيـه مـن أعمـال سـلبية، وهـو صلى الله عليه وآله وسلم بذلك قَمَع الروح العدوانية الجاهلية.
إلاّ أنّ ما حصل بعد غياب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان ينبئ عن حقيقةٍ مأساوية، مختصرها أنّ «الغاية تبرّر الوسيلة» وأنّ الأَوْلى بالولاية أقدرهم على قمع الخصوم، ومن ثمّ تتويجه بألقاب تضفي عليه طابع التقوى والشرعية وإن كان لا يملك شيئاً منهما، لاَنّ المهمّ هو تثبيت قواعد الخلافة، والأجدر هو الأقدر على تحقيق النصر في ذلك المضمار.
فقد لقّب أبو بكر خالداً بـ «سيف الله المسلول» وأحاطه بهالة من القدسية حين منحه منحة الاجتهاد قائلاً «اجتهد فأخطأ» رغم تعدّيه على زوجة مالك بن نويرة وهي في العدّة، ومعرفته بموقفه مع بني جذيمة وبراءة رسول الله من فعله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «اللّهم إنّي أبرأُ إليك ممّا فعله خالد».
وفـي الوقت الذي تتـوافر الكفاءة في خالد بن سعيد بن العاص، لايطيق أبو بكر ـ مضافاً إلى تحريض عمر ـ ولايته، لاَنّه مال في السقيفة إلى



(1) شرح نهج البلاغة 12|20 ـ 21.


(92)
عليٍّ، وتخلّف عن بيعة أبي بكر شهرين(1).
ونظراً لموقف المغيرة بن شعبة يوم السقيفة ودفاعه عن عمر أيّام خلافته وتلقيبه له بالفاروق فقد ولاّه عمر البصرة، ولمّا زنى المغيرة بأُمّ جميل ـ ذات البعل الثقفي ـ وتوقّف الرجم على تمامية الشهادة بزياد بن أبي سفيان، ولمّا أقبل زياد للشهادة لقّنه عمر، وأسمع الحاضرين بقوله: «إنّي لاَرى رجلاً لن يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين» أو: «أرى رجلاً أرجو أن لايفضح الله به رجلاً من أصحاب رسول الله»(2) فوسمه بوسام «المهاجر» «الصحابي»، وليس ذلك إلاّ لمواقفه المفيدة للخلافة الجديدة، دون مراعاة للتقوى والإيمان والثقة بالله..
يدلّك على ذلك أنّ عمر لمّا أراد أن يولّيه الكوفة ـ بعد حادثة البصرة ـ قال له: إن ولّيتك الكوفة أتعود إلى شيء ممّا قرفت به؟ قال: لا(3).
وقد أفصح المغيرة نفسه عن هذه الموازنة التي قلناها حين قَدِم رجال على عمر يشكون سعد بن أبي وقّاص، فقال: من يعذرني من أهل الكوفة، إن ولّيتهم التقي ضعّفوه، وإن ولّيتهم القويّ فجّروه.
فقال المغيرة: إنّ الضعيف له تقواه وعليك ضعفه، والقوي الفاجر لك قوّته وعليه فجوره.
قال عمر، صدقت، فأنت القوي الفاجر، فاخرج إليهم؛ فلم يزل عليهم أيّام عمر(4).
ومن هذا المنطلق نفسه رأينا عمر يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله:



(1) الكامل في التاريخ 2|402.
(2) فتوح البلدان ـ للبلاذري ـ: 339 ـ 340، الأغاني 16|107.
(3)
(4) انظر: تاريخ الطبري 2|545، شرح نهج البلاغة 12|22.



(93)
«أما والله ليُعْوِرَنّ بنو أُمية الإسلامَ... ثمّ ليُعمينَّه»(1)، ثمّ يولّي معاوية الشام ويمنحه لقب «كسرى العرب»(2).
وهذا الكلام نفسه يقال في اعتماد أبي بكر على المثنّى بن حارثة الشيباني في حروبه، مع أنّ المثنّى لا يساوي ولا أقلّ واحد من أكفاء أصحاب رسول الله، إيماناً وتقوىً وسياسة وشجاعة، فلماذا التركيز على المثنّى دون المقداد والزبير وغيرهما؟!
واضح أنّ هذا النمط من المنصوبين يخدم أهداف الخلفاء وبالشكل الذي يريدونه، بعكس أُولئك الّذين لا يرتضون ما يخالف سيرة النبيّ وسلوكه في كلّ الأُمور!
بلى، إنّ هذه النظرة وأمثالها قد طرحت منذ أيّام السقيفة ـ كما ستقف لاحقاً في مكانة الشيخوخة وغيرها عليه ـ ثمّ استمرت في العهدين الأموي والعبّاسي؛ إذ جاء في أنساب الأشراف للبلاذري: إنّ الحسن بن علي كتب إلى معاوية يعلمه أنّ الناس قد بايعوه بعد أبيه، ويدعوه إلى طاعته، فكتب إليه معاوية في جواب ذلك يعلمه أنّه لو كان يعلم إنّه أقوم بالأمر، وأحفظ للناس، وأكيد للعدو، وأحوط على المسلمين، وأعلم بالسياسة، وأقوى على جمع المال منه، لاَجابه إلى ما سأل؛ لاَنّه يراه لكلّ خيرٍ أهلاً..
وقال له في كتابه: إنّ أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3).

للبحث صلـة...



(1) الموفّقيات: 494، شرح نهج البلاغة 12|82.
(2) انظر: تاريخ الطبري 6| 184، الاستيعاب 3|369 (ط جديدة).
(3) أنساب الأشراف 3|208.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007