|
|
 |
| العدد 55 - 56 > تشـييد المراجَعـات وتفنيد المكابَـرات > |
تشـييد المراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات
(12)
السـيّد عليّ الحسيني الميلاني
بسـم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك...)(1).
قال السـيّد:
«ألم يؤمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغها؟! ألم يضيّق عليه في ذلك بما يشبه التهديد من الله عزّ وجلّ حيث يقول: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين)».
ثمّ قال في الهامش:
«أخرجه غير واحد من أصحاب السنن، كالاِمام الواحدي في سورة
(1) سورة المائدة 5: 67.
(8)
المائدة من كتابه أسباب النزول عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآيـة يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب.
وأخرجه الاِمام الثعلبي في تفسيره بسندين.
ورواه الحمويني الشافعي في فرائده بطرقٍ عن أبي هريرة مرفوعاً.
ونقلـه أبو نعيـم في كـتـابه نـزول القـرآن بسـندين، أحدهمـا عن أبي رافع، والآخر عن الاَعمش عن عطية، مرفوعَين.
وفي غاية المرام تسـعة أحاديث من طريق أهل السُـنّة، وثمانية صحاح من طريق الشيعة بهذا المعنى، فراجع منه باب 37 وباب 38».
فقيـل:
«الخبر الذي ساقه الواحدي هو: أخبرنا أبو سعيد محمّـد بن عليّ الصفّار، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المخلّدي، قال: أخبرنا محمّـد بن حمدون، قال: حدّثنا محمّـد إبراهيم الخلوتي(1)، قال: حدّثنا الحسن بن حمّاد سجّادة، قال: حدّثنا عليّ بن عابس، عن الاَعمش وأبي حجاب(2)، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية: (يا أيّها الرسـول بلّـغ ما أُنـزل إليـك من ربّـك) يوم غـدير خـمّ في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. أسباب النزول: 135.
وعطيّـة هو العوفي، قال عنه الاِمام أحمد: ضعيف الحديث، ثمّ قال: بلغني أنّ عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير، وكان يكنّيه بأبي سعيد
(1) كذا، والصحيح: الحلواني.
(2) كذا، والصحيح: جحاف.
(9)
فيقول: قال أبو سعيد.
وقال أبو حاتم: ضعيف.
وقال ابن عديّ: وكان يعدّ من شيعة الكوفة.
وقال ابن حبّان ـ بعد أن ذكر قصّته مع الكلبي ـ: لا يحلّ كتب حديثه إلاّ على سبيل التعجّب.
وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه.
وقال الساجي: كان يقدّم عليّـاً على الكلّ.
وقال ابن حجر في التقريب: صدوق، يخطئ كثيراً، كان شيعيّاً مدلّسـاً.
وأمّا عليّ بن عابس الاَسدي، فقال عنه ابن معين: كأنّه ضعيف، وفي روايةٍ عنه: ليس بشيء.
وقال ابن حبّان: فحش خطؤه فاستحقّ الترك.
وقال ابن عديّ: له أحاديث حسان، ويروي عن أبان بن تغلب وغيره أحاديث غرائب.
ومن هذا يتبيّن أن احتفال المؤلّف بهذا الحديث لن يغنيه شيئاً. وقد عرفت سابقاً أنّ الواحدي وشيخه الثعلبي قد ملاَا كتابيهما بالاَحاديث الضعيفة والموضوعة فلا يعتدّ بهما.
وفي عدّه الواحدي من أصحاب السنن مجازفة، وهو وشيخه ليسـا من أئمّة الحديث ولا من علمه في شيء. والله المستعان».
وأقـول:
اعلم أنّ السيّد ـ رحمه الله ـ قد استدلّ بهذه الآية المباركة مرّة أُخرى،
(10)
وذلك في المراجعة رقم 56، ونصّ هناك على أنّ: «أخبارنا في ذلك متواترة عن أئمّة العترة الطاهرة».
أمّا من أهل السُـنّة فاكتفى في الموضعين بالنقل عن الاِمام أبي إسحاق الثعلبي، المتوفّى سنة 427 أو 437، والاِمام أبي الحسن الواحدي، المتوفّى سنة 468، والحافظ أبي نعيم الاَصفهاني، المتوفّى سنة 430، والاِمام الحمويني الشافعي، المتوفّى سنة 722. وقد نصّ في المراجعة 56 على صحّة بعض أسانيد هذه الروايات..
فأقول ـ تعقيباً لكلامه وتتميماً لمرامه ـ:
أوّلاً: إنّه قد اكتفى بالنقل عن هؤلاء الاَئمّة لغرض الاختصار، وإلاّ فرواة نزول الآية المباركة يوم غدير خمّ من أعلام أئمّة أهل السُـنّة كثيرون، ومنهم:
1 ـ أبو جعفر محمّـد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة 310.
2 ـ ابن أبي حاتم: عبـد الرحمن بن محمّـد بن إدريس الرازي، المتوفّى سنة 327.
3 ـ أبو عبـدالله الحسين بن إسماعيل المحاملي، المتوفّى سنة 330.
4 ـ أبو بكر أحمد بن عبـد الرحمن الفارسي الشيرازي، المتوفّى سنة 407 أو 411.
5 ـ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاَصفهاني، المتوفّى سنة 410.
6 ـ أبو نعيم أحمد بن عبـدالله الاَصفهاني، المتوفّى سنة 430.
7 ـ أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي، المتوفّى سنة 468.
(11)
8 ـ أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني، المتوفّى سنة 477.
9 ـ أبو القاسم عبـدالله بن عبيـد الله الحاكم الحسكاني.
10 ـ أبو بكر محمّـد بن مؤمن الشيرازي، صاحب كتاب ما نزل في علي وأهل البيت.
11 ـ أبو الفتح محمّـد بن عليّ بن إبراهيم النطنزي، المتوفّى حدود سنة 550.
12 ـ أبو القاسم عليّ بن الحسن ابن عساكر الدمشقي، المتوفّى سنة 571.
13 ـ أبو سالم محمّد بن طلحة النصيبي الشافعي، المتوفّى سنة 652.
14 ـ فخر الدين محمّـد بن عمر الرازي، المتوفّى سنة 653.
15 ـ عزّ الدين عبـد الرزّاق بن رزق الله الرسعني الموصلي، المتوفّى سنة 661.
16 ـ نظام الدين الحسن بن محمّـد النيسابوري، صاحب التفسير.
17 ـ السـيّد عليّ بن شهاب الدين الهمداني، المتوفّى سنة 786.
18 ـ نور الدين عليّ بن محمّـد ابن الصبّاغ المالكي، المتوفّى سنة 855.
19 ـ بدر الدين محمود بن أحمد العيني، المتوفّى سنة 855.
20 ـ جلال الدين عبـد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة 911.
21 ـ القاضي محمّـد بن عليّ الشوكاني، المتوفّى سنة 1250.
22 ـ السـيّد شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، المتوفّى سنة 1270.
(12)
23 ـ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفّى سنة 1293.
وقد أوردنا نصوص روايات جمعٍ منهم في قسم حديث الغدير من كتابنا الكبير(1).
وثانياً: الروايات المعتبرة سنداً في نزول الآية المباركة يوم غدير خمّ كثيرة كذلك، ومنها:
1 ـ رواية الحبري:
قال: «حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّـاس، في قوله: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعلْ فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين):
نزلت في عليٍّ عليه السلام.
أُمـر رسـول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم أن يبلّغ فيه، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بيد عليٍّ عليه السلام فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من ولاه، وعادِ من عاداه»(2).
أقـول:
وهذا سند معتبر، وقد بيّـنّا ذلك في بحوثنا الماضية فلا نعيد.
(1) نفحات الاَزهار في خلاصة عبقات الاَنوار 8|195 ـ 253.
(2) تفسير الحبري: 262.
(13)
2 ـ رواية أبي نعيم:
قال: «حدّثنا أبو بكر ابن خلاّد، قال: حدّثنا محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّـد بن ميمون، قال: حدّثنا عليّ بن عابس، عن أبي الجَحّاف والاَعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك)»(1)..
* أمّا «أبو بكر ابن خلاّد» فهو: أبو بكر أحمد بن يوسف البغدادي، المتوفّى سنة 359، ترجم له الخطيب في تاريخه، والذهبي في سيره، وغيرهما:
قال الخطيب: «كان لا يعرف شيئاً من العلم، غير أنّ سماعه صحيح».
وقال أبو نعيم: «كان ثقة».
وكذا وثّقة أبو الفتح ابن أبي الفوارس(2).
ووصفه الذهبي بـ: «الشيخ الصدوق، المحدّث، مسند العراق»(3).
* وأمّا «محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة»، المتوفّى سنة 297، فقد
(1) خـصائص الوحي المبين ـ للشيخ يحيى بن الحسن الحـلّي، المعروف بابن البطريق، المتوفّى سنة 600 ـ: 53، عن كتاب ما نزل من القرآن في عليّ، للحـافظ أبي نعيم الاَصفهاني.
(2) تاريخ بغداد 5|220 ـ 221.
(3) سير أعلام النبلاء 16|69.
(14)
ترجم له الذهبي، ووصفه بـ: «الاِمام الحافظ المسند» ثمّ قال: «وجمع وصنّف، وله تاريخ كبير، ولم يرزق حظّاً، بل نالوا منه، وكان من أوعية العلم».
وقال: «قال صالح جزرة: ثقة».
وقال ابن عديّ: «لم أرَ له حديثاً منكَراً فأذكره».
ثمّ نقل تكلّم بعض معاصريه فيه، وهم عبـدالله بن أحمد، المتوفّى سنة 290، وابن خراش، المتوفّى سنة 283، ومطيّن، المتوفّى سنة 297، والظـاهر وجـود اخـتلافات بيـنهم وبينه، ممّا أدّى إلى أن يـذكروه بسـوء، لا سيّما ما كان بينه وبين أبي جعفر مطيّن، إذ كان كلٌّ منهما يذكر الآخر بسوءٍ وينال منه(1).
ومن هنا فقد نصّ غير واحدٍ من الحفّاظ ـ كالذهبي ـ على أنّ كلام الاَقران بعضهم في بعض غير مسموع.
* وأمّا «إبراهيم بن محمّـد بن ميمون»، فقد ذكره ابن حبّان في الثقات قائلاً: «إبراهيم بن محمّـد بن ميمون الكندي الكوفي، يروي عن سعيد بن حكيم العبسي وداود بن الزبرقان. روى عنه أحمد بن يحيى الصوفي»(2)ث..
ولم أجد له ذِكراً في كتب الضعفاء...
وقد ينقم عليه روايته لفضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وكم له من نظير! فقد ذكر الذهبي بترجمة أحمد بن الاَزهر: «وهو ثقة بلا تردّد، غاية
(1) تاريخ بغداد 3|43.
(2) الثقات 8|74.
(15)
ما نقموا عليه ذاك الحديث في فضل عليٍّ رضي الله عنه»(1).
يعني: ما رواه عن عبـد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيـدالله بن عبـدالله بن عتبة، عن ابن عبّـاس، قال:
نظر رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: أنت سـيّد في الدنيا، سـيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ الله، فالويل لمن أبغضك بعدي».
قال الحاكم: «حدّث به ابن الاَزهر ببغداد في حياة أحمد وابن المديني وابن معين، فأنكره من أنكره، حتّى تبيّن للجماعة أنّ ابن الاَزهر بريء الساحة منه، فإنّ محلّه محلّ الصادقين»(2).
ولهذا الحديث قصّة، فإنّه لاَجله ذكر أحمد بن الاَزهر في ميزان الاعتدال في نقد الرجال(3) بل ذكر فيه عبـد الرزّاق بن همّام أيضاً(4).
لكنّ أحمـد بن الاَزهـر «ثقـة بلا تردّد» و «محلّـه محلّ الصـادقين»، وعبـد الرزّاق بن همّام من رجال الصحاح الستّة وشيخ البخاري(5)... ومع ذلك فالحديث كذب!!
«لمّا حدّث أبو الاَزهر بحديثه عن عبـد الرزّاق في الفضائل، أُخبر يحيى بن معين بذلك، فبينما هو عند يحيى في جماعة أهل الحديث إذ قال
(1) سير أعلام النبلاء 12|364.
(2) سير أعلام النبلاء 12|366.
(3) ميزان الاعتدال 1|82.
(4) ميزان الاعتدال 2|609.
(5) تقريب التهذيب 1|505.
(16)
يحيى: من هذا الكذّاب النيسابوري الذي حدّث بهذا عن عبـد الرزّاق؟! فقام أبو الاَزهر فقال: هو ذا أنا. فتبسّم يحيى بن معين، وقال: أما إنّك لست بكذاب؛ وتعجّب من سلامته وقال: الذنب لغيرك فيه!»(1).
فرواة الحديث كلّهم أئمّة ثقات.
ومع ذلك فهو كذب!!
وقال الذهبي: في النفس من آخره شيء(2)!! يعني جملة: «فالويل لمن أبغضك بعدي»!!
ولا يخفى السبب في ذلك!!
فما الحيلة في ردّه، مع صحّة سنده؟!
قالوا: إنّ معمراً كان له ابن أخٍ رافضي، وكان معمر مكّنه من كتبه فأدخل عليه هذا الحديث، وكان معمر رجلاً مهيباً لا يقدر عليه أحد في السؤال والمراجعة، فسمعه عبـد الرزّاق في كتاب ابن أخي معمر، وحدّث به أبا الاَزهر وخصّه به دون أصحابه(3)!!
قال الذهبي بعد نقله:
«قلت: ولتشيّع عبـد الرزّاق سرّ بالحديث وكتبه، وما راجع معمراً فيه، ولكنّه ما جسر أن يحدّث به لمثل أحمد وابن معين وعليّ، بل ولا خرّجه في تصانيفه، وحدّث به وهو خائف يترقّب»(4).
(1) سير أعلام النبلاء 12|366.
(2) ميزان الاعتدال 2|613.
(3) تاريخ بغداد 4|42.
(4) سير أعلام النبلاء 12|367.
(17)
هذا موجز هذه القصّة... والشاهد من حكايتها أنّهم كثيراً ما ينقمون على الرجل ـ مع اعترافهم بثقته ـ روايته حديثاً في فضل أمير المؤمنين عليه السلام أو الطعن في أعدائه ومبغضيه، ويضطربون أشدّ الاضطراب، فإنْ أمكنهم التكلّم في وثاقته فهو، وإلاّ عمدوا إلى تحريف لفظ الحديث، أو بتره، وإلاّ وضعوا شيئاً في مقابلته، وإلاّ نسبوا وضعه إلى مثل «ابن أخ معمر» و «كان رافضياً» و «كان معمر يمكّنه من كتبه» بأنّه دسّ الحديث في الكتاب، ولم يشعر بذلك لا معمر، ولا عبـد الرزّاق، ولا غيرهما!!
ولكنْ من هو هذا الشخص؟! وما الدليل على كونه رافضياً؟! وكيف كان يمكّنه معمر من كتبه وأن يكتب له؟ مع علمه بكونه رافضيّاً أَوكان جاهلاً بذلك؟!
وعلى الجملـة، فإنّ «إبراهيم بن محمّـد بن ميمون» ثقة، بتوثيق ابن حبّان من دون معارض، غير أنّه من رواة فضائل أمير المؤمنين عليه السـلام.
* وكذلك شيخه «عليّ بن عابس» فإنّه من رجال صحيح الترمذي(1)، لكنّهم تكلّموا فيه لا لشيء، وإنّما لروايته هذا الحديث وأمثاله من الفضائل والمناقب، وممّا يشهد بذلك قول ابن عديّ: «له أحاديث حسان، ويروي عن أبان بن تغلب وعن غيره أحاديث غرائب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه»(2).
وإذا عرفنا أنّ «أبان بن تغلب» من أعلام الاِماميّة الاثني عشرية
(1) تقريب التهذيب 2|39.
(2) الكامل في الضعفاء 5|190 ذيل رقم 1347.
(18)
الثقـات(1) عـرفنا لماذا تكـون روايـاته «أحـاديث غـرائب»! وعـرفنا أنّهـم لا يضعّفون «عليّ بن عابس» إلاّ لروايته تلك الاَحاديث، وأمّا في غيرها فهو ثقة في نفسه ولذا «يكتب حديثه»!
أي: عدا الفضائل وهي «أحاديث غرائب» كما وصفها، ولو كان الرجل كذّاباً لَما جاز قوله: «يكتب حديثه» أصلاً!!
* وكذلك شيخه «أبو الجَحّاف» داود بن أبي عوف، فهو من رجال أبي داود والنسائي وابن ماجة، ووثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس(2) ومع ذلك، فالرجل ممّن لا يحتجّ به عند ابن عديّ! وهو يعترف بعدم تكلّم أحد فيه!
ولمـاذا؟!..
استمع إليه ليذكر لك السبب، فقد قال: «ولاَبي الجَحّاف أحاديث غير ما ذكرته، وهو من غالية التشـيّع، وعامّة حديثه في أهل البيت، ولم أرَ لمن تكلّم في الرجال فيه كلاماً، وهو عندي ليس بالقوي، ولا ممّن يحتجّ به في الحديث»(3).
* وأمّا «الاَعمش» فهو من رجال الصحاح السـتّة(4).
(1) هو من رجال مسلم والاَربعة، وثّقوه وقالوا: هو من أهل الصدق في الروايات وإنْ كان مذهبه مذهب الشيعة، وفي الميزان: شيعي جلْد لكنّه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته. وهو عند الجوزجاني الناصبي: مذموم المذهب، مجاهر زائغ!
وانظر: الكامل في الضعفاء 1|389 ـ 390 رقم 207، أحوال الرجال: 67 رقم 74.
(2) ميزان الاعتدال 2|18.
(3) الكامل في الضعفاء 3|82 ـ 83 ذيل رقم 625.
(4) تقريب التهذيب 1|331.
(19)
وتلخّـص:
إنّ حديث أبي نعيم معتبر، ولا مجال للتكلّم في أحد من رجال إسناده، ولو كان بعضهم من الشيعة فهو ثقة، وقد تقرّر أن التشـيّع، بل الرفض عندهم غير مضرٍّ بالوثاقة، وهذا ما كرّرنا نقله عن الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره.
* وأمّا «عطيّة».. فسـيأتي.
3 ـ رواية ابن عساكر:
قال: «أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر، أنبأنا أبو حامد الاَزهري، أنبأنا أبو محمّـد المخلّدي الحلواني، أنبأنا الحسن بن حمّاد سجّادة، أنبأنا عليّ ابن عابس، عن الاَعمش وأبي الجَحّاف، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يوم غدير خمّ في عليّ ابن أبي طالب»(1).
* أمّا «وجيه بن طاهر»، المتوفّى سنة 541:
قال ابن الجوزي: «كان شيخاً، صالحاً، صدوقاً، حسن السيرة، منوّر الوجه والشيبة، سريع الدمعة، كثير الذِكر. ولي منه إجازة بمسموعاته ومجموعاته»(2).
(1) ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق 2|86.
(2) المنتظم 18|54.
(20)
وقال السمعاني: «كتبت عنه الكثير، وكان يملي في الجامع الجديد بنيسابور كلّ جمعة مكان أخيه، وكان خير الرجال، متواضعاً متودّداً، ألوفاً، دائم الذِكر، كثير التلاوة، وصولاً للرحم، تفرّد في عصره بأشياء...»(1).
وقال الذهبي: «الشيخ العالم، العدل، مسند خراسان»(2).
* وأمّا «أبو حامد الاَزهري» أحمد بن الحسن النيسابوري، المتوفّى سنة 463:
قال الذهبي: «الاَزهري، العدل، المسند، الصدوق، أبو حامد أحمد ابن الحسن بن محمّـد بن الحسن بن أزهر، الاَزهري، النيسابوري، الشروطي، من أولاد المحدّثين. سمع من أبي محمّـد المخلّدي... حدّث عنه: زاهر ووجيه ابنا طاهر... توفّي في رجب سنة 463»(3).
* أمّا «أبو محمّـد المخلّدي» الحسن بن أحمد النيسابوري، المتوفّى سنة 389:
قال الحاكم: «هو صحيح السماع والكتب، متقن في الرواية، صاحب الاِملاء في دار السُـنّة، محدّث عصره، توفّي في رجب سنة 389»(4).
وقال الذهبي: «المخلّدي، الشيخ الصدوق، المسند أبو محمّـد... العدل، شيخ العدالة، وبقية أهل البيوتات...»(5).
* أمّا «أبو بكر محمّـد بن حمدون» النيسابوري، المتوفّى سنة 320:
(1) سير أعلام النبلاء 20|110.
(2) سير أعلام النبلاء 20|109.
(3) سير أعلام النبلاء 18|254.
(4) سير أعلام النبلاء 16|540.
(5) سير أعلام النبلاء 16|539.
(21)
قال الحاكم: «كان من الثقات الاَثبات الجوّالين في الاَقطار، عاش 87 سـنة»(1).
وقال الخليلي: «حافظ كبير»(2).
وقال الذهبي: «الحافظ الثبت المجوّد»(3).
* أمّا «محمّـد بن إبراهيم الحلواني»(4)، المتوفّى سنة 672(5):
قال الخطيب: «محمّـد بن إبراهيم بن عبـد الحميد، أبو بكر الحلواني، قاضي بلخ، سكن بغداد، وحدّث بها... روى عنه: إسماعيل ابن محمّـد الصفّار، ومحمّـد بن عمرو الرزّاز، وأبو عمرو ابن السمّاك، وحمزة بن محمّـد الدهقان. وكان ثقة»(6).
وقال ابن الجوزي: «وكان ثقة»(7).
* أمّا «الحسن بن حمّاد سجّادة»، المتوفّى سنة 241:
فهو من رجال أبي داود والنسائي وابن ماجة.
وقال أحمد بن حنبل: «صاحب سُـنّة، ما بلغني عنه إلاّ خير»(8).
وقال الذهبي: «كان من جِلّة العلماء وثقاتهم في زمانه»(9).
(1) سير أعلام النبلاء 15|61.
(2) سير أعلام النبلاء 15|61.
(3) سير أعلام النبلاء 15|60.
(4) قرية من قرى نيسابور. معجم البلدان.
(5) المنتظم 12|279.
(6) تاريخ بغداد 1|398.
(7) المنتظم 12|279.
(8) سير أعلام النبلاء 11|393.
(9) سير أعلام النبلاء 11|393.
(22)
وقال ابن حجر: «صدوق»(1).
* وأمّا «عليّ بن عابس» و «أبو الجَحّاف» و «الاَعمش» فقد تقدّم الكلام عليهم.
* وبقي «عطيّـة».
4 ـ رواية الواحدي:
وبما ذكرنا تظهر صحّة إسناد الواحدي في أسباب النزول، كما أشار السـيّد رحمه الله، وذلك لاَنّه السند المتقدّم نفسه، وشيخه «أبو سعيد محمّـد بن عليّ الصفار» الراوي عن «الحسن بن أحمد المخلّدي» إلى آخر السند، ترجم له الحافظ أبو الحسن عبـد الغافر الفارسي، المتوفّى سنة 529، قال:
«محمّـد بن عليّ بن محمّـد بن أحمد بن حبيب الصفّار، أبو سعيد، المعروف بالخشّاب، ابن أُخت أبي سهل الخشّاب اللحياني، شيخ مشهور بالحديث، من خواصّ خدم أبي عبـد الرحمن السلمي، وكان صاحب كتب، أوصى له الشيخ بعد وفاته وصار بعده بندار كتب الحديث بنيسابور، وأكثر أقرانه سماعاً وأُصولاً، وقد رزق الاِسناد العالي، وكتبة الاَُصول، وجمع الاَبواب، وإفادة الصبيان، والرواية إلى آخر عمره، وبيته بيت الصلاح والحديث.
ولد سنة 381، وتوفّي في ذي القعدة سنة 456...»(2).
(1) تقريب التهذيب 1|165.
(2) تاريخ نيسابور: 54 رقم 103.
(23)
وذكره الذهبي وابن العماد في وفيات سنة 456 من العبر و شذرات الذهب.
* ترجمة عطيّـة:
وأمّا «عطية العوفي» فقد ترجمنا له بالتفصيل فى بعض بحوثنا(1)، وذكرنا:
أنّه من مشاهير التابعين، وقد قال الحاكم النيسابوري ـ في كلام له حول التابعين ـ: «فخير الناس قرناً بعـد الصحـابة من شـافه أصحـاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم، وحفظ عنهم الدين والسنن، وهم قد شهدوا الوحي والتنزيل»(2).
وأنّه من رجال البخاري في كتابه الاَدب المفرد.
وأنّه من رجال صحيح أبي داود، الذي قال أبو داود: «ما ذكرت فيه حديثاً أجمع الناس على تركه» وقال الخطّابي: «لم يصنّف في علم الدين مثله، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصحيحين»(3).
وأنّه من رجال صحيح الترمذي، الذي حكوا عن الترمذي قوله فيه: «صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به. ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيّ يتكلّم».
وأنّه من رجال صحيح ابن ماجة، الذي قال أبو زرعة ـ بعد أن نظر
(1) راجع كتابنا: مع الدكتور السالوس في آية التطهير: 65 ـ 82.
(2) معرفة علوم الحديث: 41.
(3) المرقاة في شرح المشكاة 1|22.
(24)
فيه ـ: «لعلّه لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً ممّا في إسناده ضعف»(1).
وأنّه من رجال مسند أحمد، وقد قال الحافظ السيوطي عن بعض العلماء: «إنّ أحمد شَرَطَ في مسنده الصحيح»(2).
وأنّه قد وثّقه ابن سعد، وقال الدوري عن يحيى بن معين: صالح، وقال أبو بكر البزّار: يعدّ في التشـيّع، روى عنه جلّة الناس.
وبعـد، فمن الذي تكلّم في عطية؟!
تكلّم فيه الجوزجاني، الذي نصّ الحافظ ابن حجر العسقلاني على أنّه: «كان ناصبيّاً منحرفاً عن عليّ»... وتبعه من كان على شاكلته، وقد نصّ الحافظ ابن حجر على أنّه لا ينبغي أن يسمع قول المبتدع(3).
ولماذا تكلّم فيه من تكلّم؟!
لاَنّه كان يقدّم أمير المؤمنين عليه السلام على الكلّ، وأنّه عُرض على سبّ أمير المؤمنين عليه السلام، فأبى أن يسبّ، فضُرب أربعمائة سوط وحُلقت لحيته... وكلّ ذلك بأمرٍ من الحجّاج بن يوسف، لعنه الله ولعن من سلك سبيله وأدخله مدخله..
أقـول:
وهنا نقاط:
1 ـ حديث نزول الآية المباركة يوم الغدير في أمير المؤمنين وولايته عليه السلام، أخرجه كبار الاَئمّة الاَعلام من أهل السُـنّة عن عدّة من
(1) تذكرة الحفّاظ 2|189.
(2) تدريب الراوي 1|171 ـ 172.
(3) مقدّمة فتح الباري: 387.
(25)
الصحابة، وهم:
1 ـ عبـد الله بن عبّـاس.
2 ـ أبو سعيد الخدري.
3 ـ زيد بن أرقم.
4 ـ جابر بن عبـدالله الاَنصاري.
5 ـ البَراء بن عازب.
6 ـ أبو هريرة.
7 ـ عبـدالله بن مسعود.
8 ـ عبـدالله بن أبي أوفى.
2 ـ قال السيوطي: «وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك ـ أنّ عليّـاً مولى المؤمنين ـ وإنْ لم تفعلْ فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس)»(1).
3 ـ إنّ من رواة هذا الحديث: ابن أبي حاتم الرازي، قال السيوطي: «وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) على رسـول الله صلّى الله عليـه [وآله] وسـلّم يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب»(2).
و«ابن أبي حاتم» قد نصّ ابن تيميّة وأتباعه على أنّه لم يخرّج في
(1) الدرّ المنثور 2|298.
(2) الدرّ المنثور 2|298.
(26)
تفسيره حديثاً موضوعاً... وقد أوردنا ذلك في بحوثنا الماضية، كما ستعرفه قريباً أيضاً.
وتلخّـص:
إنّ القول الحقّ المتّـفق عليه بين المسلمين: نزول الآية يوم غدير خمّ في أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.
مع ابن تيميّة الحرّاني:
لقد استدلّ العلاّمة الحلّي بالآية المباركة والحديث الوارد في ذيلها عند القوم، فقال:
«البرهان الثاني: قوله تعالى: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته). اتّفقوا على نزولها في عليّ.
وروى أبو نعيم الحافظ ـ من الجمهور ـ بإسناده عن عطية، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم في عليّ بن أبي طالب.
ومن تفسير الثعلبي، قال: معناه: (بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) في فضل عليّ، فلمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلّى الله عليه [وآلهج وسلّم بيد عليّ، فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه...».
فقال ابن تيميّة في الجواب:
«إنّ هذا أعظم كذباً وفريةً من الاَوّل.
وقوله: اتّفقوا على نزولها في عليّ، أعظم كذباً ممّا قاله في تلك
(27)
الآية، فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء الّذين يدرون ما يقولون.
وأمّا ما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء والنقّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتّفق أهل المعرفة على أنّ في ما يروونه كثيراً من الكذب الموضوع.
واتّفقوا على أنّ هذا الحديث المذكور الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع...
ولكنّ المقصود هنا أنّا نذكر قاعدة فنقول: المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث... فلكلّ علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً، وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلة، وأكثر ديناً، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وعلماً وخبرةً في ما يذكرونه من الجرح والتعديل...
فالاَصل في النقل أن يُرجع فيه إلى أئمّة النقل وعلمائه... ومجرّد عزوه إلى رواية الثعلبي ونحوه ليس دليلاً على صحّته باتّفاق أهل العلم بالنقل؛ لهذا لم يروِه أحد من علماء الحديث في شيء من كتبهم...».
قال: «أنتم ادّعيتم أنّكم أثبتّم إمامته بالقرآن، والقرآن ليس في ظاهره ما يدلّ على ذلك أصلاً، فإنّه قال: (بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك) وهذا اللفظ عامّ في جميع ما أُنزل إليه من ربّه، لا يدلّ على شيء معيّن... فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتاً بالخبر لا بالقرآن...
لكنّ أهل العلم يعلمون بالاضطرار أنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم لم يبلّغ شيئاً في إمامة عليّ...»(1).
(1) منهاج السُـنّة 7|33.
|
|
|