|
|
 |
| العدد 53-54 >
الحداثـة والتـراث > |
كلمـة العـدد:
الحداثـة والتـراث
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّـد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
في الحديث عن ظاهرةٍ مميّزةٍ كالتي نبسط الكلام فيها وفي معطياتها وأبعادها، لا بُـدّ لنا أن نتوفّر على فكرةٍ أساسيةٍ تحمل تصوّراً شاملاً يقودنا إلى تبنّي مساحةٍ مستقلّةٍ من الرأي عمّا يُطرح بصددها من أفكار ورؤىً مغايرة أو متطابقة.
ونحن إذ نشهد منذ عقودٍ من الزمن دخول تأثيرات هذه الظاهرة ومثيلاتها إلى عقر دورنا وثقافتنا وسلوكنا، لا نملك إلاّ أن نقف حائرين مستسلمين أمام ما تحمل من أضرارٍ فادحة تطال البناء الاَخلاقي والاجتماعي والنفسي وغير ذلك، لا سيّما أنّ الغرب المتسلّط عوّد غيره من سكّان المعمورة على تلقّي كلّ نزعاته، وإفراغات حقده، ونزواته، تلقّياً
(8)
حسناً.. مرّةً بالتدريج البطيء، ومرّاتٍ أُخرى بعملياتِ اختراقٍ سريعةٍ مفاجئة أشبه ما تكون بالصعقات الكهربائية.
إنّ مفهوماً غربيّاً وافداً ـ كالحداثة ـ بصيغته المعاصرة لا يجعل تعاملنا معه منطلقاً من حسن النيّة والحيادية!
ونحن وإن كنّا نختزن في ذاكرتنا الحضاريّة العتيدة ركاماً هائلاً من التجارب والمخزونات، هي حصيلة هذا السفر الطويل في رحاب المعرفة الاِسلامية الفذّة، وتلاقحها مع غيرها، حتّى تشكّلت بها كلّ وجوه التمدّن الاِسلامي الغابر.. ولم تعد لدينا مشكلة عالقة في مفاهيـم التواصل الواثق مع الآخَرِ ـ يومذاك ـ لاَنّ كلمة الله هي العليا وكلمة الّذين كفروا هي السـفلى.
فمفهوم «التحديث والتجديد» مفهومٌ إسلاميٌّ ضاربٌ في كلّ جذور المعرفة والثقافة الاِسلاميّتين، والتواصل مع القديم والتراث من خلال إبرازه بصورةٍ حسنةٍ جديدةٍ، ماثل لمن شاء أن يتصفّح تاريخنا..
نحن برغم كلّ ذلك لا نملك إلاّ أن نقف حذرين بوجه دخول صرعات الحداثة الغربية البائسة إلى واقعنا وثقافتنا اليومية.
والحداثة الغربية ـ بالمناسبة ـ لا تملك هويّةً، أو طابعاً خاصّاً، أو اتّجاهاً محدّداً، بل هي مجموعة (حداثات) غير متجانسة ترتدي كلّ يوم لبوساً مرتبكاً مهلهلاً، فهي انعكاسٌ لحال الغرب المعاصر التائه المضطرب!
بل إنّها ـ وللحقيقة المحضة ـ جملةُ تراكماتٍ وإسقاطاتٍ هائلةٍ متخلّفةٍ من العواصف والهزّات الكبرى التي زلزلت الغرب في ماضيه وحاضره!
(9)
بل هي مجموعة عُقَدهِ ومشاكلهِ المتأصّلة المستعصية!
بل هي داؤه الكبير الذي عجز عن معالجته فهرّب عدواه ـ حانقاً حاقداً ـ إلى الآخـرين!
وتُقدّم (الحداثةُ) نفسها على أنّها إشكاليّةٌ تستعصي على الحلّ! ولكنّها تقود إلى الاِبداع! من خلال التميّز والفرادة، وتأكيد العابر والمؤقّت وانبثاق الاَشياء بصورة جديدةٍ عشوائية!! معتمدة على التخطّي والتجاوز المنفصـل عن حركة التاريـخ والمجتمع!!
وهي ليسـت نهائية أو جازمة، بل هي طورٌ من العلاقات الغامضة والمتداخلة في لعبةٍ خفيّـة!!
وهي اسـتجابة آنيّةٌ للقفز على الثوابت!! في مراوغةٍ زئبقيةٍ متغيّرة الوجوه والـدلالات!!
ولقد ظهر جليّاً من كلّ ذلك أنّها ـ حيث انتشرت في أُوربّا قبيل نهاية القرن الميلادي الماضي ـ كانت تتصدّر قائمة صرعات الخواء الروحي، والعنـف الموجّـه للآخـر، وتكريـس العزلة والاَنانية، واندثـار المُثُل والقيم، حتّى وصفها كُـتّاب أُوربّا: بالشـيطانية، والمثالية الزائفة، والهلوسة والعبثيـة.
كما لا تنكرُ (الحداثةُ) أنّها وُلدت في أحضان الشذوذ والانحطاط، وأنّ للحركات الهـدّامة المشـبوهة كالماسونيّة والصهيونية يداً في تبلورهـا..!
ولقد اكتسـحت صرعات الحداثة الموقوتة مجمل الواقع الثقافي الاَُوربّي لنصف قرن قبل أن يبدأ انحسـارها، ناشئة مع صعود (هيراكليت)
(10)
و(هيغل) و(ماركس)، رغم أنّ الاَخير لا يمجّد النزعة الفردية.. وسقوط أمثال: (كير كيغارد) و(نيتشه)، رغم أنّ الثاني ممّن تدين له الحداثة بالولاء.. مارّةً بقوائم طويلة من منظّريها وروّادها، أمثال: (مايا كوفسكي) و(ألكسندر بلوك) و(بريخت) و(ألان تودين) و(هنري لوفيفر) و(ميشيل فوكوه) و(إدغار ألن بو) و(أدموند ولسن) و(كولن ولسون) و(جيمس ماكفارلين)... وغيرهم، من أقصى اليمين حتّى أقصى اليسار؛ شيوعيّين، اشتراكـيّين أُوربّـيّين، رأسماليّين، فوضويّين، عبثيّين، سرياليّين، رمزيّين، دادائيّين، لا منتمين، مُهَرطِقين... وإلى آخر القائمة..
لا يجمعهم جامع، ولا ينتهجون نهجاً واضحاً سوى النـزق، والخروج عن القيم، والتمرّد عليها، وحبّ الظهور، وتقديس الاَنـا، والسعي الحثيث إلى الشـهرة الزائفة، وادّعاء الريادة، والضحك من التاريخ، والسـخرية مـن المقـدَّس، وتكريـس السـوادوية؛ حتّى عـدّها بعضهم ـ الحداثة ـ: فنّـاً منحطّـاً، أو: نوعاً من الجنون الاَبدي المتمرّد، المسقط للقيم في عواصم الغرب الثقافية: لندن وباريس وجنيف وبرلين وموسكو و... ثمّ نيويورك وسواها في العالم الجـديد..
إنّ هذه (الحداثة) المجلوبة، المفروضة بالهيمنة الاستعمارية ـ كناتجٍ أساسيٍّ لها ـ وفي ظلّ نظريّات مثل: (العالم الثالث) و (منطقة العواصف الثورية) و (أسواق جنوب الاَرض)، هي نوعٌ من (الاستيراد القسري) فيما يدّعي (النظام العالمي الجديد) حرّيّة السوق وتوطيد سلطته!
ولو سلّمنا أنّ (الحداثة) قد أنجزت فعلها في الغرب، فكيف كانت (الحداثة المجلوبة) لنا، التي أُريد لها أن تندمج وتتسلّل إلى غير بيئتها وصيروراتها وحيثيّاتها؟!
(11)
نترك جواب ذلك لكلّ من يتصفّح التاريخ المعاصر..
ولقد كانت مثل هذه الحداثة، وما زالت فلولها الباقية، تتقاطع مع «الاَصالة»، بل تجهز عليها بعداءٍ مفضوح، وقد اختلط على الكثيرين من أتباعها الفرق بينها وبين مفهومَي «المعاصرة» و «التأصيل»؛ إذ يعني الاَوّل: غرس الجديد الصالح، وإضافته إلى القديم، والثاني: استيعاب الوافد الجيّـد..
وغير خفيّ أنّ ذلك يتمّ عبر مرجعيةٍ فكرية ذات قيمومةٍ متكاملةٍ ـ كالاِسـلام العظيم ـ بمنهجيّةٍ واثقةٍ، يصبح التراث من خلالها هو الخصوصيّة الحضارية الاَُولى عبر (الاِبداع) لا (البدعة).. مستنيراً بالشعلة الاَبديّة الوقّادة، المنطلقة من تعاليم الشريعة المقدّسة، بثقليها: القرآن الكـريم، ومذهـب أهـل بيـت العصمـة والكمـال، محمّـدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمّـد عليهم السلام ، الطـيّـبين الطاهرين؛ اللذين ما تركا شاردةً وواردةً إلاّ ولهما حكمٌ فيها، يستوعب كلّ احتياجات الفرد الاِنساني والمجتمع، في كلّ زمانٍ ومكانٍ، إذ إنّ الرسالة الاِسلامية المجيدة تامّة شاملة، تستقصي أخصّ خصائص الحياة ومتغيّراتهـا، بما يمكن البناء على أُسسها؛ لاتّخاذ مواقف وآراء متطابقة تمام التطابق مع الشرع المحمّدي الحنيف.
وختاماً، نحن لسنا ضدّ الجديد الجيّد الذي لا يتعارض مع ديننا، وقيمنا، وتراثنا الخالد، بل ضدّ الوافد الموبوء الذي يجهز على أصالتنا ومعنويّاتنا ليحوّلنا من أسيادٍ إلى أتباعٍ، ومن حماةٍ حملةٍ للحقّ واثقين برسالتهم وخطّ الولاء المقدّس لاَهل البيت عليهم السلام إلى أذيالٍ مسلوبي التاريخ والاِرادة، منبهرين بكلّ زائفٍ قادم من الغرب عبر المارقين من كتّاب ومثقّفي الانتكاس والارتكاس في حضارة الشيطان المُجْلِب بإعلامه ودعايته
(12)
وأدواته الجهنميّة الاَُخرى التي صنعها (الزخرف والزبرج) المادّي لا غير، وضخّها في مفاصل الحياة المعاصرة.
فعودةً مباركةً إلى الثـقافة الناصعة في علوم آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم وفقهائهم ورواة أحاديثهم وتراثهم الثرّ النفيس..
هيئـة التحـرير
|
|
|