العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 50-51 >  تشييـد المـراجَعـات وتفنيـد المكابَـرات >

تشييـد المـراجَعـات
وتفنيـد المكابَـرات
(9)

السـيّد عليّ الحسيني الميلاني

قال تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين)(1).

قال السيّد رحمه الله:
«والصادقين الّذين قال: (وكونوا مع الصادقين)».

فقال في الهامش:
«والصادقون هنا: رسول الله والاَئمّة من عترته الطاهرة، بحكم صحاحنا المتواترة، وهو الذي أخرجه الحافظ أبو نعيم، وموفّق بن أحمد، ونقلـه ابن حجر فـي تفسير الآيـة الخامسـة مـن الباب 11 من صواعقـه، ص 90، عـن الاِمـام زين العابديـن، في كلامٍ لـه، أوردنـاه في أواخـر المراجعـة 6».



(1) سورة التوبة 9: 119.


(8)
فقيل:
«هذه الآية نزلت في كعب بن مالك، والثلاثة الّذين خلّفوا، حينما طلب منه أن يعتذر ويكذب، كما فعل المنافقون، لكنّه صدّق الله ورسوله، فتاب الله عليه ببركة الصدق.
وهذا ثابت في الصحيح.
ثمّ إنّ لفظ الآية عامّ وليس هناك دليل على تخصيصه.
وفي تفسير ابن كثير 2|399:... وعن عبـد الله بن عمر في قوله: (اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين).
قال: مع محمّد وأصحابه.
وقال الضحّاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
وقال الحسن البصري: إنْ أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكفّ عن أهل الملّة.
وقد أجاب شيخ الاِسلام ابن تيميّة على قول من قال: إنّها نزلت في عليٍّ، بجوابٍ ضافٍ من أحد عشر وجهاً، فارجع إليه في منهاج السُنّة 4|72».
أقول:
إنّ مجمل الكلام في وجه الاستدلال بالآية المباركة هو: إنّ كون المراد من (الصادقين) هنا: رسول الله والاَئمّة الطاهرون من عترته، هو القول المرويّ عند الفريقين، ولا ريب في أنّ المجمع عليه أَوْلى بالقبول والاتّباع من القول المتفرّد به، فإنّ قول عبـد الله بن عمر، أو الضحّاك، أو


(9)
غيرهما، لو ثبت عنهم، لا يكون حجّةً علينا، كما سيأتي قول هذا المتقوّل في آية الذِكر، في الجواب عمّا رواه العلاّمة البحراني : «فإنّه ليس بحجّة علينا».
على أنّ استشهاده بأقوال هؤلاء ـ نقلاً عن ابن كثير ـ يناقض قوله: «إنّ لفظ الآية عامّ، وليس هناك دليل على تخصيصه».
وأمّا ذِكره نزول الآية في كعب بن مالك وغيره، فلا فائدة فيه، لاَنّ سبب النزول لا يكون مخصّصاً، كما تقرّر عند الجميع، مضافاً إلى ذِكره أقوال المفسّرين بتفسير الآية المباركة.
وكذلك، لا فائدة في الاِحالة إلى منهاج السُنّة، لاَنّ المفروض أنّه بصدد الردّ على استدلال السيّد، فكان عليه أن يناقش في سند أو دلالة ما استند إليه السيّد في هذا المقام، وهذا ما لم يفعله، وإنّما اكتفى بالاِحالة إلى منهاج السُنّة، وبنقل ما ظنّه مفيداً له ممّا جاء في تفسير ابن كثير، فكان في الحقيقة عاجزاً عن الجواب.
هذا مجمل الكلام.
وأمّا تفصيله بما يسعه المقام فهو في فصول:


(10)
الفصل الاَوّل
إنّ رواة نزول الآية الكريمة في النبيّ وأهل بيته الطاهرين، من أئمّة أهل السُنّة المشهورين، كثيرون، نكتفي هنا بذكر أسماء جماعةٍ منهم:
1 ـ مالك بن أنس، إمام المالكيّة، المتوفّى سنة 179، وقع في طريق رواية الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، وكذا في طريق غيره.
2 ـ الحسين بن الحكم الحبري، المتوفّى سنة 286، رواه في تفسيره: 275.
3 ـ أبو يوسف يعقوب بن يوسف الفسوي، المتوفّى سنة 277، رواه في تاريخه.
4 ـ أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عقدة الكوفي، المتوفّى سنة 332، وقع في طريق رواية ابن عساكر.
5 ـ أبو بكر محمّـد بن عمر، ابن الجعابي، البغدادي، المتوفّى سنة 355، وقع في طريق رواية الحاكم الحسكاني، في شواهد التنزيل.
6 ـ أبو عمر عبـد الواحد بن محمّـد، ابن مهدي، الفارسي، البغدادي، المتوفّى سنة 410، وقع في طريق رواية ابن عساكر.
7 ـ أبو بكر أحمد بن موسى، ابن مردويه، الاَصفهاني، المتوفّى سنة 410، رواه عنه غير واحد، منهم السيوطي في الدر المنثور.
8 ـ أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم، الثعلبي، النيسابوري، المتوفّى سنة 427، وقع في طريق رواية الحمويني في فرائد السمطين.
9 ـ أبو نعيم أحمد بن عبـد الله، الاَصفهاني، المتوفّى سنة 443، وقع


(11)
في طريق غير واحدٍ، منهم الخوارزمي في المناقب.
10 ـ عبيـد الله بن عبـد الله بن أحمد، الحاكم الحسكاني، الحنفي، النيسابوري، المتوفّى بعد سنة 470، في كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1|341 فما بعد، بطرقٍ عديدة.
11 ـ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، ابن السمرقندي، البغدادي، المتوفّى سنة 536، وقع في طريق رواية ابن عساكر.
12 ـ الموفّق بن أحمد، الخطيب الخوارزمي، المكّي، المتوفّى سنة 568، رواه في كتابه مناقب عليّ بن أبي طالب: 198.
13 ـ أبو العلاء، الحسن بن أحمد، العطّار الهمداني، المتوفّى سنة 569، وقع في طريق رواية الخوارزمي.
14 ـ أبو القاسم علي بن الحسن، ابن عساكر، الدمشقي، المتوفّى سنة 573، رواه في تاريخه، بترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 2|421.
15 ـ يوسف بن قزغلي البغدادي، سبط ابن الجوزي، المتوفّى سنة 654، رواه في كتابه تذكرة خواصّ الاَُمّة: 16، قال: «قال علماء السير: معناه:
كونوا مع عليٍّ وأهل بيته، قال ابن عبّـاس: عليّ سيّد الصادقين».
16 ـ أبو عبـد الله، محمّد بن يوسف القرشي، الكنجي، المقتول سنة 658، رواه في كتابه كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: 236.
17 ـ إبراهيم بن محمّـد، الحمويني، الخراساني، المتوفّى سنة 730، رواه في كتابه فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين 1|370.
18 ـ أبو الحجّاج جمال الدين يوسف بن عبـد الرحمن المزّي المتوفّى سنة 742، رواه في كتابه تهذيب الكمال في أسماء


(12)
الرجال 5|84.
19 ـ جمال الدين، محمّـد بن يوسف، الحنفي، الزرندي، المدني، المتوفّى سنة 750، رواه في كتابه نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين: 91.
20 ـ جلال الدين عبـد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة 911، رواه في تفسيره الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 3|390.
21 ـ شهاب الدين أحمد بن حجر، المكّي، المتوفّى سنة 973، رواه في كتابه الصواعق المحرقة: 151، باب الآيات النازلة فيهم.
22 ـ القاضي محمّد بن علي الشوكاني، المتوفّى سنة 1250، رواه في تفسيره فتح القدير 2|414.
23 ـ شهاب الدين محمود الآلوسي، البغدادي، المتوفّى سنة 1270، رواه في تفسيره روح المعاني 11|45.
24 ـ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي، الحنفي، المتوفّى سنة 1294 رواه في كتابه ينابيع المودّة: 116، 119.
ونتيجة هذا الفصل، إنّ القول بنزول الآية في رسول الله وعليّ والاَئمّة من أهل البيت عليهم السلام هو القول المتّفق عليه، وإنّ قول هؤلاء وروايتهم حجّة على أهل السُنّة بلا ريب.


(13)
الفصل الثاني
إنّ أقوال الاِمام أبي جعفر الباقر والاِمام جعفر الصادق، عليهما السلام، من أئمّة أهل البيت، وابن عبّاس وغيره من الصّحابة، وكذا غير واحدٍ من التابعين وأعلام المفسّرين.. بكون المراد من (الصادقين) في الآية هم النبيّ وأهل بيته الطاهرون.. مشهورة جدّاً، وقد رواها كبار العلماء من الفريقين في كتبهم في التفسير والحديث والفضائل بأسانيد وطرقٍ جمّة، ولو أردنا إيرادها لطال بنا المقام... ونحن ننتقي في هذا الفصل جملة من عيون تلك الاَسانيد النظيفة، وبذلك نكتفي:
     1 ـ الاِمام الصادق عليه السلام:
قال الحافظ المزّي: «وقال محمّد بن الصلت الاَسدي، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، في قوله تعالى: (إتّقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال: محمّد وعليّ»(1).
وهذا ما رواه الحافظ المزّي، ولم يتكلَّم عليه بشيء.
وأسنده الحافظ الحاكم الحسكاني قال: «أخبرنا أبو الحسن الفارسي، قال: أخبرنا أبو بكر ابن الجعابي، قال: حدّثنا محمّد بن الحرث، قال: حدّثنا أحمد بن حجّاج، قال: حدّثنا محمّد بن الصلت، قال: حدّثني أبي، عن جعفر بن محمّد، في قوله: (إتّقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال: محمّد وعليّ»(2).



(1) تهذيب الكمال 5|84.
(2) شواهد التنزيل 1|341.



(14)
أقول:
محمّد بن الصلت بن الحجّاج الاَسدي، أبو جعفر الكوفي، الاَصمّ، ثقة، من كبار العاشرة، مات في حدود العشرين. قاله الحافظ، وعلّم عليه علامة رواية البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة، عنه(1).
وأبوه: الصلت بن الحجّاج، روى عنه يحيى بن سعيد القطّان، قاله أبن أبي حاتم عن أبيه(2) وذكره ابن حبّان في الثقات فقال: كوفي يروي عن جماعةٍ من التابعين، روى عنه أهل الكوفة، كما ذكر الحافظ(3).
     2 ـ ابن عبّاس:
قال الحبري: «حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حِبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: (اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين)، نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصّةً»(4).
وقد بيّنا صحّة هذا السّند في بحوثنا السّابقة فليراجع.
     3 ـ عبد الله بن عمر:
قال الحافظ ابن شهرآشوب السروي(5): «تفسير(6) أبي يوسف



(1) تقريب التهذيب 2|171.
(2) الجرح والتعديل 4|440.
(3) لسان الميزان 3|194.
(4) تفسير الحبري: 275.
(5) توجد ترجمته في: الوافي بالوفيات 4|164، بغية الوعاة: 77، البلغة في علماء النحو واللغة ـ للفيروزآبادي ـ، وغيرها من مصادر أهل السُنّة. (6) كذا، والصحيح أنّه «تاريخ» واسم الكتاب «المعرفة والتاريخ»، وقد ذكر إسناده في أوّل الكتاب، قال: «إسناد تاريخ الفسوي: عن أبي عبد الله المالكي، عن محمّد بن الحسين بن الفضل بن القطّان، عن درستويه النحوي، عن يعقوب بن سفيان» المناقب 1|8.
و«ابن درستويه» هو عبدالله بن جعفر بن درستويه النحوي، وهو راويته وخاتمة أصحابه، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء 13|181.



(15)
يعقوب بن سفيان: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله) أمر الله الصّحابة أن يخافوا الله.
ثمّ قال:(وكونوا مع الصادقين) يعني: مع محمّدٍ وأهل بيته»(1).
وهذا السند صحيح بلا كلام.
وقد أسنده الحافظ الحاكم الحسكاني، قال: «أخبرنا عقيل، قال: أخبرنا علي، قال: أخبرنا محمّد، قال: حدّثنا أبو علي الحسن بن عثمان الفسوي بالبصرة، قال: حدّثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، قال: حدّثنا ابن قعنب، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، في قوله تعالى: (اتّقوا الله) قال: أمر الله أصحاب محمّد بأجمعهم أن يخافوا الله.
ثمّ قال لهم: (وكونوا مع الصادقين) يعني: محمّداً وأهل بيته»(2).
و«يعقوب بن سفيان الفسوي» المتوفّى سنة 277 وصفه الذهبي بـ: «الاِمام الحافظ الحجّة الرحّال، محدّث إقليم فارس» قال: «وله تاريخ كبير جمّ الفوائد»(3).
وتوجد ترجمته في: تهذيب التهذيب 11|385، وتذكرة الحفّاظ 2|582، والبداية والنهاية 11|59، وشذرات الذهب 2|171، وغيرها.



(1) مناقب آل أبي طالب 3|92.
(2) شواهد التنزيل 1|345.
(3) سير أعلام النبلاء 13|180.



(16)
أقول:
فهذه هي الرواية المسندة عند القوم عن عبد الله بن عمر، فليتحقّق عمّا نسب إليه في تفسير ابن كثير، والله العالم.


(17)
الفصل الثالث
وتدلُّ الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والمعصومين من عترة رسول ربّ العالمين، بمقتضى الاَحاديث الواردة في ذيلها، بكتب التفسير والحديث والمناقب، وذلك لاَنّ «الكون مع الصادقين» ليس هو الكون الخارجي، وإنّما المراد هو الاتّباع والاقتداء في القول والعمل، وهذا الاَمر مطلق، إذْ لم يقل: كونوا مع الصادقين في حال كذا، أو في القول الفلاني، بل الكلام مطلق غير مقيّد بقيد أصلاً.
فإذا ورد الاَمر الكتابي بالاتّباع مطلقاً، ثمّ جاءت السُنّة المعتمدة وعيّنت الشخص المتبوع، كانت النتيجة وجوب اتّباع هذا الشخص المعيَّن، وكان الشخص معصوماً، لاَنّ الله سبحانه وتعالى لا يأمر باتّباع من لا تؤمن عليه مخالفـة أحكامه عن عمدٍ أو خطأ، وإذا كان معصوماً كان إماماً.
وإذا كانت الآية دالّة على العصمة بطل حمل (الصادقين) فيها على مطلق المهاجرين والاَنصار، أو خصوص الثلاثة الّذين تخلّفوا، أو خصوص أبي بكر وعمر، لعدم عصمة هؤلاء بالاِجماع.
ومن هنا يظهر، أنْ لا علاقة للآية بالثلاثة الّذين تخلَّفوا في غزوة تبوك، وإنّما جاءت بعد ذكر قصّتهم وتوبة الله عليهم.
وقد أذعن إمام المفسّرين عند القوم الفخر الرازي بدلالة الآية على


(18)
العصمة وعدم إرادة الّذين تخلّفوا أو غيرهم ـ ممّا ذكره بعض المفسّرين ـ من (الصادقين).. وهذه عبارتهُ(1):
«قوله تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين):
واعلم أنّه تعالى لمّا حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى، وهو التخلّف عن رسول الله في الجهاد، فقال: (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله) في مخالفة أمر الرسول (وكونوا مع الصادقين) يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلّفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت».
إذن الآية المباركة لا علاقة لها بالمتخلّفين، وليسوا المقصودين من (الصادقين).
ثمّ تعرّض لدلالة الآية على العصمة في المسألة الاَُولى من مسائلها فقال: «وفي الآية مسائل:
المسألة الاَُولى: إنّه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بُدّ من وجود الصادقين في كلّ وقت، وذلك يمنع من إطباق الكلّ على الباطل، ومتى امتنع إطباق الكلّ على الباطل، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقّين. فهذا يدلّ على أنّ إجماع الاَُمّة حجّة».
فاعترف الفخر الرازي هنا بدلالة الآية على وجود الصادقين في كلّ وقت، وبدلالة الآية على العصمة.



(1) التفسير الكبير 16|220 ـ 221.


(19)
إلاّ أنّه نزّلها على الاَُمّة، فقال بعصمة الاَُمّة.
قال هذا ولم يعبأ بالاَحاديث الواردة في ذيلها!
ثمّ أورد على نفسه قائلاً: «فإنْ قيل: لم لا يجوز أن يقال: المُراد بقوله (كونوا مع الصادقين) أي: كونوا على طريقة الصادقين؟ كما أنّ الرجل إذا قال لولده: كنْ مع الصالحين، لا يفيد إلاّ ذلك.
سلّمنا ذلك، لكنْ نقول: إنّ هذا الاَمر كان موجوداً في زمان الرسول فقط، فكان هذا أمراً بالكون مع الرسول، فلا يدل على وجود صادق في سائر الاَزمنة. سلّمنا ذلك، لكنْ لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلوّ زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة؟».
فأجاب عن السؤالين الاَوّلين، وأثبت دلالة الآية على وجود الصادقين في كلّ زمانٍ، فلا يختصُّ بزمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ودلالتها على ضرورة وجود المعصوم في كلّ زمان قال: «فكانت الآية دالّةً على أنّ من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة.
ثمّ تعرّض للجواب عن السؤال الثالث، فقال: «قوله: لم لا يجوز أنْ يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كلّ زمان؟ قلنا: نحن نعترف بأنّه لا بُدّ من معصوم في كلّ زمان، إلاّ أنّا نقول: ذلك المعصوم هو مجموع الاَُمّة، وأنتم تقولون: ذلك المعصوم واحد منهم».
فإلى هنا حصل الوفاق في دلالة الآية على وجود المعصوم في كلّ زمان.
إنّما الخلاف هو: أنّ أهل السُنّة ـ كما قال ـ يقولون: «ذلك المعصوم


(20)
هو مجموع الاَُمّة» والشيعة الاِماميّة يقولون: «ذلك المعصوم واحد منهم».
إلاّ أنّ هذا الخلاف إنّما يقع عندما ينظر إلى الآية وحدها، لكنّ القرآن الكريم نفسه يأمر في مثل هذه الحالات بالرجوع إلى السُنّة المعتبرة ويقول: (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً)(1) ويقول أيضاً: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول...)(2).
إذن، لا بُدّ من الرجوع إلى قول الرسول الصادق الاَمين الذي (ما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(3)... وقد وجدنا أصحابه يروون عنه أنّ المراد من (الصادقين) في هذه الآية هو عليّ عليه السّلام، أو هو والاَئمّة من أهل البيت.
فكانت السُنّة رافعةً للخلاف، ومعيّنةً للقول بأنّ الاِمام المعصوم هو «عليّ» والاَئمّة من العترة «في كل زمان»...
أمّا القول الآخر فلا دليل عليه، وإنّما هو اجتهاد في مقابلة النصّ الصريح.
وقد حاول الفخر الرازي إبطال هذا الاستدلال بالاجتهاد كذلك، فقال:
«هذا باطل، لاَنّه تعالى أوجب على كلّ واحدٍ من المؤمنين أن يكون مع الصادقين، وإنّما يمكنه ذلك لو كان عالماً بأنّ ذلك الصادق من هو، لا الجاهل بأنّه من هو، فلو كان مأموراً بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإنّه لا يجوز».



(1) سورة النساء 4: 65.
(2) سورة النساء 4: 59.
(3) سورة النجم 53: 3 و 4.



(21)
وإذا وصل الاَمر إلى هنا فهو سهلٌ، لاَنّ معرفة الاِمام الصادق المعصوم ممكنة، وإلاّ لم يقل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية»(1)...
إذن، يجب البحث والتحقيق عن الاِمام المعصوم في كلّ زمانٍ مقدّمةً لاِطاعته واتّباعه والاقتداء به، وطريق ذلك هو نفس الكتاب والسُنّة، والشيعة الاِماميّة في جميع استدلالاتها آخذة بهما كما قلنا سابقاً.
وتلخّص:
أنّ الآية تدلّ على وجود المعصوم في كلّ زمان، وعلى وجوب اتّباعه على سائر المؤمنين، ثمّ إنّ السُنّة المعتبرة عرّفته وعيّنته، فكان المعصوم الواجب الاتّباع في كلّ زمان أمير المؤمنين والاَئمّة الاَطهار من العترة النبويّة... وهذا هو المطلوب.



(1) هذا الحديث بهذا اللفظ في «شرح المقاصد» لسعد الدين التفتازاني، المتوفّى سنة 793، وفي بعض المصادر الاَُخرى، وقد أُخرج هذا الحديث بألفاظٍ مختلفةٍ في أُمّهات مصادر الحديث، ولا بُدّ وأن ترجع كلّها إلى المعنى الذي دلّ عليه هذا اللفظ.



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007