العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
48-العدد 47 > مصطلحـات نحـويّـة  >

مصطلحـات نحـويّـة
(6)

لسيـّد عليّ حسـن مطر

عاشراً ـ مصطلح التنـويـن
للتنوين في اللغة معنيان: أوّلهما: إدخالُ النون(1)، والثاني: التصويت(2).
ولاَجل ذلك نجد توجيهين لاستعمال كلمة التنوين في معناها الاصطلاحي لدى النحاة، يستند كلٌ منهما إلى أحد المعنيين اللغويين. الاَول: قولهم: التنوين في اللغة مصدر (نوَّن) الكلمة إذا أدخل عليها نوناً، ثم نُقِلَ إلى النون المدخلة مطلقاً، ثم غلب ـ لدى النحاة ـ في النون المخصوصة التي تلحق آخر الاَسماء حتى صار اسماً لها(3).



(1) أ ـ شرح الرضي على الكافية 4|482.
ب ـ الفوائد الضيائية 2|395.
ج ـ شرح الاَشموني 1|11.
(2) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 1|30.
(3) أ ـ شرح ابن يعيش على المفصّل 9|29.
ب ـ حاشية الصّبان 1|30.



(308)
والثاني: أنّه أُطلق على النون الساكنة؛ لاَنّها «تُحدث رنيناً خاصّاً وتنغيماً عند النطق بها، ولهذا يسمّونها التنوين، أي: التصويت والترنيم؛ لاَنّها سببه»(1).
وقبل أن تستعمل كلمة (التنوين) عنواناً للمعنى الاصطلاحي، عبّر أبو الاَسود الدؤلي (ت69 هـ) عنه بلفظ (الغُنَّة)؛ فإنّه حينما أراد تنقيط المصحف نقط الاِعراب، أحضر كاتباً وقال له: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن رأيتني ضممت فمي، فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعتُ شيئاً من ذلك (غنّة) فاجعل مكان النقطة نقطتين»(2).
وقد استعمل لفظ التنوين بعد أبي الاَسود مِن قبل بعضِ تلاميذه، وإن كنّا لا نعلم من هو على وجه التحديد، فقد روي «عن خالد الحذّاء، قال: سألت نصر بن عاصم... كيف تقرأ (قُلْ هو الله أحد، الله الصمد)؟ فلم ينوّن، فأخبرته أن عروة ينوّن، فقال: بئس ما قال، وهو للبئس أهل»(3).
واستفاد بعض الدارسين من هذا النصّ أن نصر بن عاصم هو أوّل من اهتدى لاستخدام مصطلح التنوين(4)، ولكنّي لا أرى النصَّ ظاهراً في أكثر من كونِ التنوين كان مستخدماً في عهده.



(1) النحو الوافي 1|26.
(2) أ ـ أخبار النحويين البصريين للسيرافي: 16.
ب ـ نزهة الالباء في طبقات الاَدباء، الانباري: 12.
(3) أ ـ أخبار النحويين البصريين: 20 ـ 21.
ب ـ طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي: 27.
(4) المصطلح النحوي، القوزي: 45.



(309)
وفي كتاب سيبويه (ت 180 هـ) استعمل لفظ (النون)(1) إلى جانب (التنوين).
واستعمل الفرّاء (ت 207 هـ) النون، والانصراف، بمعنى التنوين الاصطلاحي، قال: «وقد سمعتُ كثيراً من الفصحاء يقرؤون (قل هو الله أحد، الله الصمد) فيحذفون (النون) من أحد»(2)، وقال عند الكلام على قوله تعالى: (ولقد نصركم الله في مواطنَ كثيرة)(3): «نصبت (مواطن) لاَنّ كلّ جمع كانت فيه ألفٌ قبلها حرفان وبعدها حرفان، فهو لا (يُجرى)، مثل صوامع ومساجد... وإنما منعهم من (إجرائه) أنّه مثال لم يأتِ عليه شيء من الاَسماء المفردة، وأنّه غاية للجمِاع(4)... فلذلك أيضاً منعه من (الانصراف)(5).
وأقدم ما وجدته من تعريفات (التنوين) اصطلاحاً، قول ابن السراج (ت 316 هـ): «التنوين: نون صحيحة ساكنة، وإنّما خصّها النحويّون بهذا اللّقب وسمّوها (تنويناً)؛ ليفرّقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع»(6)، وبينها وبين «النون الاَولى في (ضَيْفَنٍ) للطفيلي، وهو الذي يجيء مع الضيف متطفّلاً... والنون الاَولى في (رَعشنٍ) للمرتعش، لتحرّكهما وصلاً»(7).



(1) الكتاب 1|48، 2|298.
(2) معاني القرآن 1|432.
(3) سورة التوبة 9|25.
(4) يقصد صيغة منتهى الجموع.
(5) معاني القرآن للفرّاء 1|428.
(6) الاَصول في النحو، ابن السرّاج 1|47.
(7) شرح التصريح، الاَزهري 1|31.



(310)
ويلاحظ على هذا التعريف شموله لنون الكلمة الاَصليّة في نحو: قُطنْ وَرَسنْ، ولنون التوكيد الخفيفة في نحو قوله تعالى: (لنسفعاً بالناصية)(1)، والنون اللاّحقة للقوافي المطلقة والمقيّدة (وسيأتي بيانها)، مع أن شيئاً من ذلك ليس داخلاً في التنوين اصطلاحاً.
وعرّفه ابن الخشّاب (ت 567 هـ) بتعريفين:
أوّلهما: «نون ساكنة تلحق آخر الاسم المتمكّن علامةً لخفَّته»(2).
ومراده بخفَّة الاسم «تمكّنه في باب الاسمّية، لكونه لم يشبه الحرف فيُبنى، ولا الفعل فيُمنع من الصرف»(3)، ولكنّ هذا يجعل التعريف خاصّاً بتنوين التمكين، ممّا ينافي قسمته بعدئذٍ إلى أنواعه التي تضمّ أيضاً تنوين التنكير والمقابلة والعِوَض، فكان الاَوْلى الاقتصار على قوله: (نون ساكنة تلحق آخر الاسم)، وإن كان سيرد عليه عندئذٍ دخول النون اللاحقة لآخر القوافي مطلقة ومقيّدة.
وثانيهما: التنوين «غُنَّةٌ تلحق آخر الاسم تثبت وصلاً في اللفظ وتحذف في الخطّ»(4).
والمراد بالغُنّة هو النون الساكنة؛ لما تقدّم من أنّها تحدث رنيناً خاصّاً وتنغيماً عند النطق بها. وقد احترز بقيد (تحذف في الخطّ) من تنوين الترنّم، وهو «النون



(1) سورة العلق 96|15.
(2) المرتجل: 9.
(3) أ ـ أوضح المسالك 1|13.
ب ـ شرح المفصل 9|29.
(4) المرتجل: 12.



(311)
اللاّحقة لآخر القوافي المطلقة، أي: التي آخرها حرف مدّ، كقوله:
أَقِلّي اللّومَ عاذِلَ والعتاَبنْ   ***   وقولي إن أَصبتُ: لقد أَصابَنْ
[أو اللاّحقة لآخر] القوافي المقيّدة زيادة على الوزن...، كقوله:
قالت بناتُ العمِّ: يا سلمى وإننْ   ***   كان فقيراً معدماً؟ قالت: وإنِنْ
[فإنهما] ليسا من أنواع التنوين في شيء، لثبوتهما مع (أل)، وفي الفعل وفي الحرف، وفي الخطّ والوقف، ولحذفهما في الوصل»(1).
ويلاحظ أنه لم يقيّد النون بكونها زائدة؛ اكتفاءً بأن مجيئها آخر الاسم يعني أنها ليست جزءاً منه، بل زائدة عليه.
وأما الشلوبيني (ت 645 هـ) فقد عرّف التنوين بأنه: «نون ساكنة وضعاً، زائدة، تلحق الاسم بعد كماله، تفصله عمّا بعده»(2)، وتابعه عليه المكودي (ت 807 هـ)(3).
فأضاف قيد (زائدة) وقد علمنا أنه لا ضرورة له، ولم يقيّده بسقوط النون خطّاً، ممّا يجعله شاملاً للتنوين اللاّحق لاَواخر القوافي.
وتجدر الاِشارة إلى أن الشلوبيني وقبله ابن الخشّاب خصّا التنوين باللاّحقِ للاَسماء، فلم يكونا بحاجة إلى الاحتراز عن دخول نون التوكيد الخفيفـة؛ لاَنّها إنّما تدخل على الاَفعال دون الاَسماء، ولكنّ هذه الصياغـة لا تجعل التعريف كاشفاً عن كون الكلمة اسماً، بل هي تجعل الفراغ عن معرفة اسمّية الكلمة دخيلاً في معرفة حدّ التنوين المراد اصطلاحاً.



(1) أوضح المسالك 1|13 ـ 16.
(2) التوطئة: 117.
(3) شرح المكودي على الاَلفية: 7.



(312)
وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «التنوين: نون ساكنة تتبع حركة الآخر، لا لتأكيد الفعل»(1).
وممّا قيل في شرحه:
أوّلاً: أنّه أطلق قوله: (حركة الآخر)، ولم يقل: (آخر الاسم)؛ ليشمل تنوين الترنّم(2)، وهذا ظاهر في أنّه يريد بالتنوين الاصطلاحي كلّ نون ساكنة تلحق الكلمة لفظاً أو خطّاً، ولا يستثني من ذلك إلاّ نون التوكيد الخفيفة اللاّحقة للفعل المضارع.
ثانياً: قوله: (تتبع حركة الآخر) «ولم يقل (تتبع الآخر)؛ لاَن المتبادر من متابعتها الآخر لحوقها به من غير تخلّل شيء، وهنا الحركة متخلّلة بين آخر الكلمة والتنوين. فإن قلت: فآخر الكلمة هي الحركة، فلا حاجة إلى ذكر الحركة، قلت: المتبادر من الآخر الحرف الآخر»(3).
ولست أرى داعياً لكلّ هذه الدقّة؛ إذ العرف لا يرى الحركات مانعة من اتصال الحروف ببعضها.
وعرّفه ابن مالك (ت 672 هـ) بقوله: «التنوين: نون ساكنة تُزاد آخر الاسم»(4).
وهو واضح في أنّه يريد بالتنوين اصطلاحاً كلّ نون ساكنة تلحق الاسم لفظاً أو خطّاً، بل إنّه صرّح بشموله لتنوين الترنّم(5)، وصياغته



(1) شرح الرضي على الكافية 4|482.
(2) أ ـ شرح الرضي 4|482.
ب ـ الفوائد الضيائية 2|395.
(3) الفوائد الضيائية 2|395.
(4) التسهيل: 217.
(5) التسهيل: 217.



(313)
للتعريف تشابه صياغة الشلوبيني وابن الخشّاب في كونه لا يكشف عن اسمّية الكلمة، وإن تشخيصه متفرّع على العلم باسميتها. وعرّفه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنه «نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم لفظاً وتسقط خطّاً»(1).
فأخرج بقوله: (تسقط خطّاً) تنوين الترنّم، وبقوله: (تلحق آخر الاسم) نون التوكيد الخفيفة اللاّحقة للفعل.
ولعلّه أوّل تعريف يحصر التنوين الاصطلاحي بما يلحق الاسم خاصة دون قسيميه من الفعل والحرف، فيكون بذلك كاشفاً عن اسمّية الكلمة، وعليه ما كان ينبغي تقييده باللاّحق للاسم، بل الاَفضل تقييده باللاّحق للكلمـة، وإخراج نون التوكيد الخفيفة بقيـد (لغير توكيد)، وهذا مـا فعلـه ابن هشام (ت 761 هـ)؛ إذ عرّفَ التنوين بأنه: «نون زائدة ساكنة، تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد»(2)، وأفضل منه تعريفه إيّاه أيضاً: «نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً وتسقط خطّاً لغير توكيد»(3)، بحذف قيد (زائدة)، ولو قال: (يلحق آخر الكلمة) لكان أكمل.
وعرّفه الاَشموني (ت 900 هـ) بأنه: «نون تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد»(4).
ولم يقيّد النون بأنها ساكنة لاِخراج النون المتحركة؛ اكتفاءً بالاحتراز عنها بقوله: (لا خطّاً)؛ إذ النون المتحركة تثبت خطّاً.



(1) شرح ابن الناظم: 4.
(2) شرح قطر الندى: 15.
(3) شرح الالفية لابن هشام 1|13.
(4) شرح الاَشموني 1|12.



(314)
وعرّفه الاَزهري (ت 905 هـ) بتعريفين:
أوّلهما: «نون ساكنة، تلحق الآخر، تثبت وصلاً، غالباً [ في الاسماء] وتحذف خطّاً ووقفاً»(1).
وقوله: (غالباً) قيد لما تقدّمه من الاَمور الثلاثة، أي: كونها ساكنة، وتلحق الآخر، وتثبت وصلاً؛ «ومن غير الغالب أن التنوين قد يتحرك لالتقاء الساكنين، نحو: (مخطوراً * انْظُر)(2)، وقد يلحق الاَوّل نحو: (شربتُ ماً) بالقصر والتنوين(3)، وقد يحذف وصلاً إذا كان في عَلَم موصوفٍ بابن مضافٍ إلى عَلَم، نحو: (قالَ زيدُ بن عمرو) بحذفِ تنوين زيد تخفيفاً»(4).
وثانيهما: «نون ساكنة أصالة تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد».
وقال: «وقيدتُ السكون بالاَصالة؛ لئلاّ يخرج بعض أفراد التنوين، إذا حُرِّكَ لالتقاء الساكنين»(5).
ولا ضرورة لاِثبات قيديْ (غالباً) و(أصالة) في متن التعريف، لاَنّ الداعي لهما هو إخراج الاَمور العارضة على التنوين بعد تحقّقه، والتي يمكن بيانها في شرح التعريف.
وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بأنه «نون تثبت لفظاً لا خطّاً» وقال: «هذا أحسن حدوده وأخصرها وأوجزها؛ إذ سائر النونات المزيدة الساكنة أو غيرها تثبت خطّاً»(6).



(1) شرح الاَزهرية: 20.
(2) سورة الاِسراء 17 : من الآيتين: 20 ـ 21.
(3) الاَصل (ماءً)، فخفّفت بحذف الهمزة فأصبحت (ماً).
(4) شرح الاَزهرية: 20 ـ 21.
(5) شرح التصريح 1|30 ـ 31.
(6) همع الهوامع 4|405.



(315)
وفيه أنه بلغ درجة عالية من التركيز لا تفي بإعطاء صورة واضحة للتنوين الاصطلاحي، مضافاً لكونه غير مانع من دخول نون التوكيد الخفيفة في نحو: (لنسفعاً).
حادي عشر ـ مصطلح المفعول به
عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن (المفعول به) بكلمة (المفعول) فقط(1)پ، وتابعه على ذلك غيره من النحاة كالمبرّد (ت 285 هـ)(2) والزجّاجي (ت 337 هـ)(3).
ولعلّ التعبير بـ (المفعول به) حدث قُبيل القرن الثالث الهجري؛ إذْ استعمله محمد بن سلام الجمحي (ت 231 هـ) في قوله: إنّ أبا الاَسود الدؤلي «وضع باب الفاعل والمفعول به والمضاف...»(4)، واستعمله من النحاة ابن السرّاج (ت 316 هـ)(5) وشاع استعماله بعد ذلك.
وأقدم محاولة للتعريف بالمفعول به إصطلاحاً ـ في حدود إطّلاعي ـ هي قول ابن بابشاذ (ت 469 هـ): «المفعول به [ما] يذكر للبيان عن من وقع به الفعل... [نحو] ضربت زيداً»(6).



(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون 1|33.
(2) المقتضب، أبو العباس المبرّد، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 4|299.
(3) الاِيضاح في علل النحو، أبو القاسم الزجاجي، تحقيق مازن المبارك: 64ـ65.
(4) طبقات فحول الشعراء، ابن سلاّم، تحقيق محمود شاكر 1|12.
(5) الموجز في النحو، ابن السراج، تحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي: 34.
(6) شرح المقدمة المحسبة، ابن بابشاذ، تحقيق خالد عبدالكريم 2|302.



(316)
وعرّفه الحريريّ (ت 516 هـ) بأنه «كلّ اسم تعدّى الفعل إليه»(1)، وتابعه عليه ابن الاَنباري (ت 577 هـ)(2).
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنه: «الذي يقع عليه فعل الفاعل»(3). وقد أخذ بهذا التعريف معظم مَن تأخّر عنه من النحاة، وذكروا في تفسيره ما يحدّد المراد منه بنحو يجعله شاملاً لكلّ أفراده، وممّن أخذ به:
أولاً: ابن يعيش (ت 643 هـ)، وعقّب عليه بقوله: «قد تقدّم القول: إنّ المصدر هو المفعول في الحقيقة... فمعنى قوله: (هو الذي وقع عليه فعل الفاعل) يريد يقع عليه المصدر؛ لاَنّ المصدر فعل الفاعل»(4).
ثانياً: ابن الحاجب (ت 646 هـ)، وعقّب عليه بملاحظتين، وهما:
1 ـ أن المُراد بوقوع الفعل هو «تعلّقه بما لا يُعقل إلاّ به»(5)، فلا يشكل على الحدّ بعدم شموله نحو «ما ضربت زيداً، ولا تضرب زيداً... [لاَن ] زيداً في المثالين متعلّق بضرب، وإن (ضربَ) يتوقف فهمه عليه أو على ما قام مقامه من المتعلّقات»(6).
2 ـ أن مراده بوقوع فعل الفاعل عليه، هو: تعلّق فِعل الفاعل به(7)،



(1) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري: 30.
(2) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 85.
(3) أ ـ المفصّل في علم العربيّة، جار الله الزمخشري: 34.
ب ـ شرح الانموذج في النحو، جمال الدين الاَردبيلي، تحقيق حسني عبد الجليل يوسف: 41.
(4) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|124.
(5) شرح الكافية، الرضي الاسترآبادي، تحقيق يوسف حسن عمر 1|334.
(6) شرح قطر الندى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 201.
(7) الاَمالي النحوية، ابن الحاجب، تحقيق هادي حسن حمودي 2|142.



(317)
وأن المفعول به ليس هو المفعول حقيقة، بل هو ما يتعلق به المفعول الحقيقي، وهي ملاحظة مماثلة للتي ذكرها ابن يعيش.
ثالثاً: ابن هشام (ت 761 هـ)(1)، لكنه نسب التعريف إلى ابن الحاجب(2)، وهذا عجيب من مثله، سيّما وأن ابن الحاجب نفسه يصرّح بكونه للزمخشري(3).
وأمّا الرضيّ (ت 688 هـ) فقد فسّر المُراد بما وقع عليه فعل الفاعل، بأنه «ما وقع عليه أو جرى مجرى الواقع عليه؛ ليدخل فيه المنصوب في [نحو]: ما ضربت زيداً»، ثم أشكل على تفسير ابن الحاجب لوقوع الفعل بتعلقه بما لا يُعقل الاّ به، لاَنه مدخل للمجرورات في نحو: مررت بزيدٍ، مع أن لفظ المفعول به لا يصدق عليها إلاّ بواسطة حرف جر، وأمّا مطلق المفعول به فلا يقع عليها، والكلام هنا في المطلق.
وقد خلص الرضي إلى طرح صياغة جديدة لتعريف المفعول به، وأنه «اسم مفعولٍ، غيرُ مقيّد، مصوغ من عامله المثبت أو المجعول مثبتاً».
وممّا ذكره في شرحه: «بقولنا: اسم مفعول غير مقيّد مصوغ من عامله، يخرج جميع المعمولات، أمّا المفعول المطلق؛ فلاَنّ الضرب في قولك: ضربتُ ضرباً... وإن كان مفعولاً للمتكلم... الاّ أنه لا يقال... إنّ ضرباً مضروب، وأما سائر المفاعيل فيطلق عليها إسم المفعول المصوغ من عامله، لكن مقيّداً بحرف الجر... وكذا في قولك: مررت بزيدٍ... زيدٌ



(1) أ ـ شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 312.
ب ـ شرح قطر الندى، ابن هشام: 201.
(2) شرح قطر الندى، ابن هشام: 201.
(3) الاَمالي النحوية، ابن الحاجب 2|142.



(318)
ممرور به»(1).
وأمّا عبد الرحمن الجامي (ت 898 هـ) فقد عاد إلى تعريف الزمخشري، وفسّره بنحو يدفع إشكال الرضيّ، بأن قال: «المُراد بوقوع فعل الفاعل عليه تعلقه به بلا واسطة حرف جّر؛ فإنهم يقولون في: ضربت زيداً: إنّ الضرب واقع على زيد، ولا يقولون في (مررتُ بزيدٍ): إنّ المرور واقع عليه، بل متلبّس به، فخرّج به المفاعيل الثلاثة الباقية؛ فانه لا يُقال في واحد منها: إنّ الفعل واقع عليه، بل: فيه أو له أو معه، و[يخرج] المفعول المطلق بما يفهم من مغايرته لفعل الفاعل؛ فإن المفعول المطلق عين فعله.
والمُراد بفعل الفاعل فعل، اعتبر إسناده إلى ما هو فاعل حقيقة أو حكماً، فخرج به مثل (زيد) في: (ضُرِب زيدٌ) على صيغة المجهول؛ فإنّه لم يعتبر إسناده إلى فاعله، ولا يشكل بمثلِ: أُعطي زيدٌ درهماً، فإنّه يصدق على (درهماً) أنّه واقع عليه فعل الفاعل الحكمي المعتبر إسناد الفعل إليه؛ فإنّ مفعول ما لم يُسمَّ فاعله في حكم الفاعل.
وبما ذكرناه ظهر فائدة ذكر الفاعل [في الحدّ] فلا يرد أنّه لو قال: (ما وقع عليه الفعل) لكان أخصر»(2).
وقال الاَزهري (ت 905 هـ) في تعريفه: «هو الاِسم الذي وقع عليه فعل الفاعل ويصحّ نفيه عنه»(3)، فأضاف القيد الاَخير ليدخل في التعريف نحو: ما ضربت زيداً.



(1) شرح الكافية، الرضيّ 1|334.
(2) الفوائد الضيائية، عبد الرحمن الجامي، تحقيق أسامه طه الرفاعي 1| 320.
(3) شرح الاَزهرية، الشيخ خالد الاَزهري: 107.



(319)
وأمّا السيوطي (ت 911 هـ) فقد أبقى التعريف على حاله، وفسّر وقوع الفعل بقوله: «المُراد بالوقوع التعلّق، ليدخل نحو: أوجدت ضرباً... وما ضربت زيداً»(1)، فأدخل بذلك المثال الاَخير في الحدّ، دون حاجة لاَن يلحق به القيد الذي ذكره الاَزهري.
وقد تبيّن من خلال البحث انّ الرضيّ لم يحذو حذوَ الزمخشري في تعريف المفعول به، بل طرح تعريفاً يخصّه، ونريد الاِشارة إلى أنّ ثمّة نحوياً آخر فعل ذلك أيضاً، وهو ابن عصفور الاِشبيلي (ت 669 هـ)، فانّه عرّف المفعول به بأنّه: «كل فضلة إنتصبت عن تمام الكلام، يصلح وقوعها في جواب من قال: بأيّ شيء وقع الفعل، أو يكون على طريقة من يصلح ذلك فيه»(2).
ولكنّ النحاة أعرضوا عن تعريفهما، ومالوا إلى الاَخذ بتعريف الزمخشري، فكتب له البقاء دونهما.


(320)
ثاني عشر ـ مصطلح الفاعل
الفاعل لغة: «مَن أوجد الفعل»(1)، وقد استعملت كلمة (الفاعل) بمعناها الاِصطلاحي منذ نشأة النحو، فقد ذكر ابن سلاّم أن أبا الاَسود الدؤلي «وضع باب الفاعل والمفعول به والمضاف»(2).
وأقدم مَن عَرَّف الفاعل اصطلاحاً هو ابن السرّاج (ت 316 هـ)، قال: «الفاعل: الذي بَنيْتهُ على فعل تحدّثُ به عنه، نحو: قامَ عبدالله... فعبدالله مبنيّ على قام، وقام حديث عنه»(3).
وكأنّه لاحظ أنّ صياغة التعريف بهذا الشكل تجعله غير مانع من دخول المبتدأ ونائب الفاعل، فعمد إلى صياغةٍ أُخرى للتعريف بقوله: الفاعل «هو الذي بنيته على الفعل الذي بنيته للفاعل، ويجعل الفعل حديثاً عنه مقدماً قبله، كان فاعلاً في الحقيقة أو لم يكن، كقولك: جاء زيدٌ، ومات عمروٌ»(4).
قيَّد الفعل بكونه مبنيّاً للفاعل؛ إخراجاً لنائب الفاعل، وبكونه مقدّماً على الفاعل؛ إخراجاً للمبتدأ.
ولا يخفى أنّ هذا التعريف بكلتا صياغتيه يظلّ قاصراً عن شمول



(1) أ ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|267.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|42.
(2) طبقات فحول الشعراء، ابن سلاّم الجمحي، تحقيق محمود محمّد شاكر 1|12.
(3) الموجز في النحو، ابن السرّاج، تحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي: 29.
(4) الاَصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبد الحسين الفتلى 1|81.



(321)
فاعل الفعل الاِنشائي؛ إذ الفعل ليس حديثاً عنه.
ولعلّه لاَجل ذلك عمد أبو عليّ الفارسي (ت 377 هـ) إلى صياغته بقوله: الفاعل: ما «يسند الفعل إليه مقدّماً عليه... وبهذا المعنى الذي ذكرت يرتفع الفاعل، لا بأنّه أحدث شيئاً على الحقيقة، فلهذا يرتفع في النفي إذا قيل: لم يخرج عبد اللهِ، كما يرتفع في الاِيجاب»(1).
فأبدل عبارة (المحدَّث به عن الفاعل) بقوله: (المسند إلى الفاعل)؛ ليدخل في التعريف «فاعل الفعل الاِنشائي، نحو: بعتُ، وهل ضرب زيدٌ؟»(2) لكنه لم يقيّد الفعل بكونه مبنيّاً للمعلوم ممّا يجعل التعريف غير مانع من دخول نائب الفاعل.
ويتّضح ممّا صرّح به ابن السرّاج والفارسي ومَن بعدهما، أنّ الفاعل «في عُرف أهل هذه الصنعة أمرٌ لفظيٌّ، يدلّ على ذلك تسميتهم إيّاه فاعلاً في الصور المختلفة من النفي والاِيجاب والمستقبل والاستفهام ما دام [الفعل ] مقدماً عليه... ويؤيّد إعراضهم عن المعنى [الحقيقي] عندك وضوحاً أنّك لو قدّمت الفاعل، فقلت: زيد قام، لم يبق عندك فاعلاً، وإنّما يكون مبتدءاً وخبراً»(3).
وتقدّم ابن جنيّ (ت 392 هـ) بما يماثل تعريف الفارسي مضموناً، فقال: «الفاعل... اسم ذكرته بعد فعل، وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى



(1) أ ـ الايضاح العضدي، أبو عليّ الفارسي، تحقيق حسن شاذلي فرهود 1|63 ـ 64.
ب ـ المقتصد في شرح الاِيضاح، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق كاظم بحر المرجان 1|325 ـ 326.
(2) شرح الرضيّ على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|185.
(3) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.



(322)
الاسم»(1)، وفعل مثله ابن الاَنباري (ت 577 هـ)(2).
أمّا عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) وابن الخشّاب (ت 567 هـ)، فقد أخذا تعريف الفارسي بنصّه(3)، وعقّب الجرجاني على ما ذكره الفارسي من أنّه لا يشترط في الفاعل أن يكون قد أحدث شيئاً حقيقة، بقوله: «وهذا التلخيص ممّا لـم يُسبق إليـه الشيخ أبو علي»(4)، وقـد تقـدّم ما يثبت أنّ السابق إليه هو ابن السرّاج.
وقال الحريري (ت 516 هـ) في تعريفه: «الفاعل... اسم تقدّمه فعل مقرر على صيغته، وجعل الفعل حديثاً عنه»(5).
ومُراده بالمقرر على صيغته الفعل المبني للمعلوم، احترازاً من دخول نائب الفاعل، وتعبيره بجعل الفعل حديثاً عن الفاعل، يمنع من شمول التعريف لفاعل الجملة الاِنشائية.
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: «الفاعل هو ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدّماً عليه أبداً، كقولك: ضرب زيدٌ، وزيد ضاربٌ غلامُهُ، وحسنٌ وجهه»(6).
والجديد في هذه الصياغة للتعريف الاِشارة إلى أنّ رافع الفاعل ليس الفعل وحده، بل هو «ما أُسند إليه من الفعل أو ما كان في معناه من



(1) اللّمع في العربيّة، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس : 31.
(2) أسرار العربيّة، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 77.
(3) أ ـ الجمل، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق علي حيدر: 3.
ب ـ المرتجل في شرح الجمل، ابن الخشّاب، تحقيق علي حيدر: 117.
(4) المقتصد في شرح الاِيضاح 1|327.
(5) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري: 28.
(6) المفصّل في علم العربية، جار الله الزمخشري: 18.



(323)
الاَسماء... نحو أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين، نحو قولك: زيدٌ ضاربٌ غلامُهُ وحسنٌ وجههُ ومضروبٌ أخوه، فهذا في تقدير يضرِبُ غلامُهُ، وحَسُنَ وجهُهُ، ويَضْرِبُ أخوه»(1).
ومنه يتّضح بناء الزمخشري على عدم التفرقة بين الفاعل ونائب الفاعل، في اعتبار كلّ منهما فاعلاً اصطلاحاً، ولاَجله لم يقيّد الفعل بكونه مبنيّاً للمعلوم، وقد سبقهُ إلى هذا البناء عبد القاهر الجرجاني(2)، وتابعهما عليه ابن يعيش (ت 643 هـ)، فقال: «وبعضهم يقول في وصفه: كلّ اسم تقدّمه فعل غير مغيّرٍ عن بنيته؛... [لاَجل] الانفصال من فعل ما لم يسمَّ فاعله، ولا حاجة إلى الاحتراز من ذلك؛ لاَنّ الفعل إذا أُسند إلى المفعول... صارَ ارتفاعه من جهة ارتفاع الفاعل؛ إذ ليس من شرط الفاعل أن يكون موجداً للفعل أو مؤثّراً فيه»(3).
وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «الفاعل: هو ما أُسند اليه الفعل أو شبهه، وقُدّم عليه على جهة قيامه به، مثل: قام زيد، وزيد قام أبوه»(4).
«قوله: (على جهة قيامه به)... أي: على طريقة قيامه به وشكله، سواء كان قائماً به أو لا... ويعني بتلك الجهة ألاّ تغيَّر صيغة الفعل إلى فُعِلَ ويُفْعَلُ وأشباههما... [وبه] يخرج مفعول ما لم يُسمَّ فاعله»(5).



(1) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.
(2) شرح الرضيّ على الكافية 1|187.
(3) شرح المفصّل 1|74.
(4) أ ـ شرح الرضيّ على الكافية 1|185.
ب ـ الاَمالي النحوية، ابن الحاجب، تحقيق هادي حسن حمودي 3|48.
(5) شرح الرضيّ على الكافية 1|186 ـ 187.
أ ـ شرح الرضي على الكافية 1 | 186 ـ 187.
ب ـ الفوائد الضيائية، عبد الرحمن الجامي، تحقيق أسامة الرفاعي 1|254.



(324)
«وتمثيله بـ (زيد قائم أبوه) لرفع شبه الفعل للفاعل، ليس نصّاً في ما قصد؛ لاحتمالِ كون (قائم) خبراً مقدماً على (أبوه)، ولو قال: أبواه، لكان نصّاً»(1). وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بقوله: «الفاعل: كل اسم أُسند إليه فعل، أو اسم في معنى الفعل، وقدّم عليه على معنى أنّه فعل، أو مشبهاً هو وما أُسند إليه لما هو كذلك»(2).
والجديد إشارته بقوله: (أو مشبهاً... الخ) إلى أنّ الفاعل كما يكون اسماً صريحاً، يكون اسماً مؤوّلاً، نحو: سرّني أنّك ناجح. وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه «اسم أو ما في تقريره، متقدّم عليه ما أسند إليه لفظاً أو نيّةً، على طريقة فَعَلَ أو فاعل»(3).
فلم يُشِرْ إلى كون المُسند صريحاً تارةً ومؤوّلاً أُخرى، لكنّه أضاف جديداً بإشارته إلى أنّ تقدّم الفعل على الفاعل، قد يكون لفظيّاً، وقد يكون بالنيّة والتقدير.
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في تعريفه: الفاعل «هو المُسند اليه فعل أو مضمّن معناه، تام مقدّمٌ فارغ غير مصوغ للمفعول»(4).
فأضاف قيدين للتعريف هما: كون الفعل المُسند تامّاً؛ لاِخراج اسم كان وأخواتها من الاَفعال الناقصة، وكون الفعل فارغاً لاِخراج المبتدأ



(1) شرح الرضيّ على الكافية 1|187.
(2) التوطئة، أبو علي الشلوبيني، تحقيق يوسف أحمد المطوّع: 154.
(3) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق أحمد الجواري وعبد الله الجبوري 1|53.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 75.



(325)
المتقدم خبره(1).
ويلاحظ أنّه لم ينصَّ في متن التعريف على مجيء الفاعل اسماً صريحاً تارة ومؤوّلاً أخرى، ولا على أن تَقدُّم الفعل على الفاعل يكون تارة باللفظ واُخرى بالتقدير، وترك بيان ذلك كلّه لشرح التعريف، لكنه قسَّم المسند إلى فعل أو مضمّن معناه.
وعرّفه بدر الدين ابن الناظم (ت 686 هـ) بأَنه «الاِسم المُسند إليه فعل مقدّم على طريقة فعل أو يفعل أو اسم يشبهه»(2).
فلم يقيّد الفعل بكونه تامّاً فارغاً.
أمّا عدم تقييده بالتّام، فيمكن توجيهه بأنّه لا حاجة إليه؛ «لخروج اسم كان بقيد الاِسناد؛ إذ لم تسند إليه أصلاً، أمّا على أنها لا حدث لها، بل هي روابط وقيود للمسند وهو الخبر، فواضح، وأما على أن لها حدثاً مطلقاً وهو الحصول والثبوت، فلاَنّه لم يسند الاسم، بل لمضمون الجملة، وهو مصدر خبرها مضافاً لاسمها، فمعنى كان زيد قائماً: حصل قيامُ زيد»(3).
وأمّا عدم ذكره قيد المفرّغ لاخراج نحو: قائم زيدٌ ويقومان الزيدان، فلعلّه لعدم الحاجة إليه؛ لاَنّ الفاعل لا يكون إلاّ واحداً، فإسناد الفعل أو ما يشبهه إلى الضمير يجعله مرفوعاً بالفاعلية، ويمنع من كون الاسم الظاهر فاعلاً أيضاً، فيعرب باعراب آخر، كأن يكون مبتدءاً مؤخراً كما في المثال الاَول، أو بدلاً من الفاعل كما في المثال الثاني.



(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبد الله البركاتي 1|411.
(2) شرح الاَلفية، ابن الناظم: 82.
(3) أ ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|158.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاشموني 2|42.



(326)
وعرّفه ابن هشام (ت 761هـ) بأربعة تعاريف:
الاَول: «الفاعل: اسم أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، وقدّمَ عليه على طريقة فَعَل أو فاعِل»(1).
وهو لا يختلف مضموناً عن تعريف الشلوبيني المتقدم، وإن كان أوضح منه عبارة.
الثاني: الفاعل: «اسم أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، مقدّم، أصليّ المحلّ والصيغة»(2).
وممّا قال في شرحه: «أصلي المحلّ مخرج لنحو: قائم زيد؛ فإنّ المسند وهو (قائم) أصله التأخير؛ لاَنّه خبر، وذكر (الصيغة) مخرج لنحو: ضُرِبَ زيدٌ؛... فإنها مفرَّعة عن صيغة (ضَرَبَ)»(3).
الثالث: الفاعل: «ما قدّم الفعل أو شبهه عليه، وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه»(4).
وممّا قال في شرحه: «وقولي: (على جهة قيامه به أو وقوعه منه) مخرج لمفعول ما لم يُسَمَّ فاعله، نحو: ضُرِبَ زيدٌ وعمروٌ مضروبٌ غلامُهُ، فزيد والغُلام وان صدق عليهما أنهما قُدّمَ عليهما فعل وشبهه وأسند إليهما، لكن هذا الاسناد على جهة الوقوع عليهما، لا على جهة القيام به كما في قولك: عَلِمَ زيدٌ، أو الوقوع منه كما في قولك: ضَرَب



(1) شرح اللمحة البدرية في علم العربية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 1|337.
(2) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1|335 ـ 336.
(3) المصدر نفسه 1|336.
(4) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 158.



(327)
عمروٌ»(1).
الرابع: الفاعل «اسم صريح أو مؤوّل به، أُسند إليه فعلْ و مؤوّل به، مقدّماً عليه بالاَصالة، واقعاً منه أو قائماً به»(2).
وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بأنّه «الاسم المسند إليه فعل على طريقة فعل أو شبهه»(3).
فلم ينصَّ على تقدّم الفعل، لكنّه قال في شرح التعريف: «فخرج بالمسند إليه فعل ما أُسند إليه غيره، نحو: زيد أخوك، أو جملة نحو:... زيد قامَ»(4)، فليس هناك ـ في رأيه ـ فعل مسند للاسم حال تأخّره عنه؛ لاَنّ المسند حينئذٍ هو الجملة المركبة من الفعل وفاعله المضمر، وقد صرّح بذلك الملوي بقوله: «والتحقيق أن [زيداً في] زيد قامَ لم يسند إليه فعل؛ لاَنّ المسند جملة»(5).
وهناك توجيه آخر ذكره الخضري، وهو أنّه «لم يقيّد الشرح الفعل وشبهه بالمقدّم أصالة لاِخراج المبتدأ؛... لاَنّ هذا حكم من أحكام الفاعل، لا قيد في تعريفه»(6).
وعرّفه المكودي (ت 807 هـ) بأنّه «الاسم المسند إليه فعل أو ما في



(1) شرح شذور الذهب: 159.
(2) شرح قطر الندى وبلّ الصدى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 250 ـ 251.
(3) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1|462.
(4) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1|463.
(5) حاشية الملوي على شرح المكودي: 51.
(6) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|158.



(328)
مجراه، مقدماً عليه، على طريقة فعل أو فاعل»(1).
فقيّد الفعل بكونه مقدّماً، وقد علمنا أنّه لا ضرورة لهذا القيد.
وتجدر الاِشارة إلى أنّ قول ابن عقيل: (على طريقة فعل أو شبهه) أرق من تعبير المكودي بـ (فعل أو فاعل)؛ لاَنّ ما يعمل عمل الفعل المبني للمعلوم يشمل صيغة فاعل وغيرها كما تقدّم، وقد حاول الملوي توجيه عبارته بأن مراده من قوله (فاعل) هو «الوصف غير اسم المفعول، فشمل اسم الفاعل وغيره»(2)، ولا يخفى ما فيه من بعد عن ظاهر العبارة، ومثله في البعد عن الظهور تفسيره لقول المكودي: (أو ما جرى مجراه) بأنه «راجع إلى الاسم والفعل، أي ما جرى مجرى الاسم، وما جرى مجرى الفعل، فسقط الاعتراض بأنه لا يشمل الفاعل الذي في تأويل الاسم»(3).
وعرّفه الاشموني (ت 900هـ) بأنه «الاسم الذي أسند إليه فعل تام أصلي الصيغة أو مؤوّل به»(4).
فقيّد الفعل بكونه تامّاً، وقد اتضح عدم ضرورته، وقيّده أيضاً بكونه (أصليّ الصيغة) يريد مبنيّاً للمعلوم، وعقّب عليه الصبّان بقوله: «المراد بأصالتها عدم تحويلها إلى صيغة ما لم يُسَمَّ فاعله، لا عدم التصرف فيها مطلقاً... نعم، لو قال: (على طريقة فعلَ)، لكان أوضح»(5).
وعرّفه السيوطي (ت 911هـ) بتعريفين:
أولهما: «المسند إليه فعل تامّ مقدّم فارغ باقٍ على الصوغ الاَصلي،



(1) شرح المكودي على الاَلفية: 51.
(2 ـ 3) حاشية الملوي على شرح المكودي: 51
(4) شرح الاشموني على الاَلفية 1|168
(5) حاشية الصبان على شرح الاشموني 2 | 42 ـ 43.



(329)
أو ما يقوم مقامه»(1)، وهو مشابه مضموناً لتعريف ابن مالك المتقدم.
وثانيهما: «ما أسند اليه عامل مفرّغٌ على جهة وقوعه منه أو قيامه به»(2).
فاستبدل كلمة (فعل) بكلمة (عامل) الشاملة للفعل وما تضمّن معناه:
ومن مجموع ما تقدّم يتضح أن جمهور النحاة متفقون على حقيقة المعنى الاصطلاحي الفاعل، وانما حصل الاختلاف في صياغته لسببين: الاَول: الاختلاف في الاَلفاظ المستعملة للتعبير عن معنى واحد، كاختلافهم في تسمية الفعل المبني للمعلوم.
والثاني: أنّ بعضهم قد يذكر في التعريف قيداً لا يذكره غيره، إما لاخنّه يراه من أحكام الفاعل وليس من ذاتيّاته، كتقديم الفعل عليه، أو لاَنه محترز عنه بما هو مذكور في التعريف، كقيد الاِسناد المغني عن تقييد الفعل بكونه تامّاً، أو لاَنه لا داعي لاِثباته في متن التعريف، ويفضّل بيانه في شرحه، كتقسيم الفاعل إلى اسم صريح ومؤوّل.
ويمكن تلخيص تعريفهم للفاعل بأنه: «اسم اسند إليه فعل مبنيّ للمعلوم» على أن يراد بالاسم والفعل ما يشمل الصريح والمؤوّل، ويراد بالفعل المقدّم على الفاعل لفظاً أو تقديراً.



(1) البهجة الموضية، جلال الدين السيوطي، تحقيق مصطفى الدشتي 1|149.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي، تحقيق عبدالعال سالم مكرم 2|253.



(330)
ثالث عشر ـ نائب الفاعل
طرح النحاة الاَوائل عناوين شتى لهذا المصطلح قبل أن يستقر على عنوان نائب الفاعل، فقد عبّر عنه سيبويه (ت 180هـ) بأنه «المفعول الذي لم يتعدَّ اليه فعل فاعل»(1)، وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بما «لم يسمّ فاعله»(2)، وأسماه المبرد (ت 285هـ) بـ «المفعول الذي لا يذكر فاعله»(3)، وقال ابن السرّاج (ت 316هـ): «المفعول الذي لم يسمَّ من فعل به»(4)، وقال الفارسي (ت 377هـ): «المفعول به في المعنى»(5)، وقال الزبيدي (ت 379هـ): «المفعول الذي لم يسمَّ فاعله»(6)، وقال ابن جني (ت 392 هـ) : «المفعول الذي جعل الفعل حديثاً عنه»(7) ، وقال ابن معطي (ت 628هـ): «الاسم الذي يقام مقام الفاعل»(8)، وقال ابن الحاجب (ت 646هـ): «مفعول ما لم يسمَّ فاعله»(9).



(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون 1|33.
(2) معاني القرآن، يحيى بن زياد الفرّاء، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّد علي النجّار 1|99.
(3) المقتضب، محمّد بن يزيد المبرد، تحقيق محمّد عبدالخالق عضيمة 4|50.
(4) الاصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبدالحسين الفتلي 1|86.
(5) الاِيضاح العضدي، أبو علي الفارسي، تحقيق حسن شاذلي فرهود 1|70.
(6) الواضح في علم العربية، محمّد بن الحسن الزبيدي، تحقيق أمين علي السيّد: 16.
(7) اللمع في العربية، ابن جني، تحقيق فائز فارس: 33.
(8) الفصول الخمسون، يحيى بن عبدالمعطي: 177.
(9) أ ـ شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|215.
ب ـ الفوائد الضيائيّة، عبدالرحمن الجامي، تحقيق أسامة طه الرفاعي 1|271.



(331)
وأوّل من عبّر عنه بنائب الفاعل هو ابن مالك (ت 672هـ)(1).
«قال أبو حيّان: لم أَرَ مثل هذه الترجمة لغير ابن مالك»(2)، وإن كان ابن معط قد سبقه إلى مضمونها في قوله المتقدم، وهذه التسمية «أولى وأخصر من قول كثير: المفعول الذي لم يسمَّ فاعله [وما كان بمعناه]؛ لصدقه على (ديناراً) من (أعطي زيدٌ ديناراً)، وعدم صدقه على الظرف وغيره ممّا ينوب عن الفعل، وإن أجيب بأن المفعول الذي لم يسمَّ فاعله صار كالعلم بالغلبة على ما ينوب مناب الفاعل من مفعول وغيره»(3).
وأما المعنى الاصطلاحي لهذا العنوان فلعلّ أوّل مَن حاول تحديده هو ابن الحاجب (ت 646هـ) بقوله: هو «كل مفعول حذف فاعله، وأقيم هو مقامه. وشرطه أن تغيّر صيغة الفعل إلى فُعِلَ ويُفْعَلُ»(4)، «ونظائرهما ممّا يضمّ أوّله في الماضي ويكسر ما قبل آخره... ويضم أوّله ويفتح ما قبل آخرهِ في المضارع»(5) من الاَفعال غير الثلاثيّة، «لكنه اقتصر على الثلاثي لكونه أصلاً للرباعي وذي الزيادة»(6)، وواضح أن هذا الشرط



(1) أ ـ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 77.
ب ـ الخلاصة الاَلفية لابن مالك وشروحها.
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|286.
ب ـ حاشيه الخضري على شرح ابن عقيل 1|167.
(3) أ ـ حاشية الصّبان على شرح الاَشموني 2|61.
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|167.
(4) شرح الرضي على الكافية 1|215.
(5) أ ـ شرح الرضي على الكافية 1|216.
ب ـ الفوائد الضيائيّة 1|271.
(6) شرح الرضي على الكافية 1|216.



(332)
مختص بما «كان عامله فعلاً»(1).
والمراد بقوله: (وأقيم هو مقامه) أنه يقوم «مقام الفاعل في إسناد الفعل أو شبههِ إليه»(2)، فيكون جارياً مجرى الفاعل في كلّ ما له من أحكام(3)) مثل «الرفع، ووجوب التأخير عن الرافع، وامتناع الحذف»(4)، بل إنّ بعض النحاة أجروه مجرى الفاعل حتى في التسميّة، كالجرجاني والزمخشري(5) وابن يعيش(6) من المتقدمين، والدكتور مهدي المخزومي من المعاصرين(7).
ويرد على تعريف ابن الحاجب الاشكال المتقدم على تسمية النائب عن الفاعل بمفعول ما لم يسمَّ فاعله، من عدم صدقه على بعض ما ينوب عن الفاعل كالظرف وغيره، ولكنّ لا يشكل عليه بأنه صادق على بعض المفاعيل، كالمفعول الثاني من نحو: أُعْطِيَ زيدٌ ديناراً؛ لعدم قيامه مقام الفاعل في الاسناد إليه وما يتبعه من الاَحكام.
وعرّفه ابن هشام (ت761هـ) بأنه «ما حذف فاعله وأقيم هو



(1 ، 2) الفوائد الضيائيّة 1|271.
(3) أ ـ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 77.
ب ـ شرح قطر الندى وبلّ الصدى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 260.
(4) أ ـ شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 1|418.
ب ـ شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 16.
(5) شرح الرضي على الكافية 1|187.
(6) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.
(7) في النحو العربي نقد وتوجيه، مهدي المخزومي: 45 ـ 48.



(333)
مقامه»(1)
وعرّفه الاَزهري (ت 905 هـ) بقوله: «اسم حذف فاعله، وأقيم هو مقامه»(2).
ولا بُدّ من تفسير (ما) و(اسم) الواردين في تعريفهما بالاسم الصريح أو المؤوّل، ليكون التعريف شاملاً لمثلِ: عُلِمَ أنّ زيداً قائم.
ويلاحظ على هاتين الصياغتين عدم صيانتهما للتعريف من اشكال عدم صدقه على بعض ما ينوب عن الفاعل كالظروف، لظهور عبارة (ما حذف فاعله) في خصوص المفعول به، وإن صُرِّحَ في شرحه بارادة ما يشمل غيره.
ولعلّ الاَولى تعريفه بأنه: «ما يقوم مقام الفاعل المحذوف» من الاَسماء الصريحة والمؤوّلة، ويجري مجراه في أحكامه.



(1) شرح شذور الذهب: 159.
(2) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري: 78.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007