العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
42-العدد 41 > من ذخائر التراث >




(277)


من ذخائر التراث







(278)








(279)

الشهاب الثاقب
منظومة في الإمامة
نظم
آية الله العظمى
السيد محمد باقر الحجة الطباطبائي الحائري
مع شرحها
لآية الله
الشيخ محسن شريف آل صاحب الجواهر
تحقيق
إحسان الجواهري



(280)








(281)


المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله الذي أنعم على عباده بنعم لا تحصى ، وبأفضال لا تعد ، وبآلاء لا تحد ، والصلاة والسلام على الصادق الأمين ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، وطريقا يسلكه الصالحون ، ومعينا يلوذ به الظامئون إلى قيام يوم الدين ، وعلى أهل بيته المعصومين ، سفن النجاة ، وسبل الهداية ، ومعدن الحكمة والتنزيل ، الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
     أما بعد : فلعله لا يخفى على أحد أن السجال الفكري والجدال العقائدي يشكل المرتكز الأساسي المهم الذي تتبلور وتتحدد من خلاله الهوية الذاتية والبنية العقائدية الأفكار المحتدمة . والحق يقال : إن هذه المحاورات كانت تشكل المسامحة الأوسع في ذهنية دعاة كل عقيدة من تلك العقائد ، وخصوصا في الفترة التي شهدت نشوء وتطور علم الكلام في المدرسة الإسلامية بمذاهبها المتعددة ، وكان من أبرز ثمارها ما نراه من الأسفار القيمة والمؤلفات الرائعة التي تزدان بها المكتبة الإسلامية في يومنا هذا . بيد أن هذا الأمر ، ورغم ما يشكله أحد بعديه من جدال فكري يبتني على قاعدة إثبات الأصلح ، وتصحيح ما وقع به بعض الأطراف من الاشتباهات


(282)
الفكرية ، إلا أنه في طرفه الآخر كان لا يشكل إلا حالة من العداء المبيت والمدروس القائم على محاولة النيل والتهشيم لعقائد الآخرين ، دون أي ركائز علمية سليمة يمكن أن ينطلق من خلالها .
     وعقائد الشيعة الإمامية ، كانت ولا زالت - وذلك مما يؤسف لها - عرضة للعديد من هذه الهجمات السلبية والباهتة ، والتي تتشكل بعدة أشكال ، وتتجلبب بعدة جلابيب ، لا تريد إلا الإساءة إلى هذه العقائد التي أثبتت الأدلة العقلية والنقلية على صوابها وصحتها ، . . . إلا أن هذا البعض لم يلتفت أبدا إلى هذه الحقيقة ، ولذا فلا عجب أن تجد هذا الكم المتراكم من الردود المكررة والمعادة والأطروحات التي سبق أن أثبت صحتها السابقون قبل مئات السنين ، ولكن يبدو أن البعض لا يجيد القراءة ، وإلا لاكتفى بها عن إعادة المحاورة والمناورة التي لا تجديه شيئا .
     فعقيدة الإمامية في أئمتهم أنهم يؤمنون إيمانا لا يشوبه ريب بأنه لا شريك لله في خلقه ، ولا في علم الغيب ، ولا شبيه له في عظمته ، وأنه - جل وعلا - لا يحل بأحد أو يتحد به ، وأنه لا نبي ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ففي الوقت الذي تعبد الشيعة الله سبحانه وتعالى ويقدسونه ، تراهم بنفس الروحية يدينون حبا وولاء لآل الرسول عليهم السلام ، فضلا عن أنهم العباد والزهاد والمضحين والمتفانين لخدمة الدين الإسلامي الحنيف ، بل لأنهم نفس النبي وروحه ، وهم ورثة علم النبوة ، وهم موضع الرسالة المحمدية السمحاء ، كما أشار الكتاب العزيز إلى هذا المعنى وبصريح العبارة وذلك في آية المباهلة ، كما هو مشار إليه في المنظومة . فهذه المنظومة التي بين يديك - عزيزي القارئ الكريم - ما هي إلا رد على بعض أولئك الذين تأبى نفوسهم الإذعان إلى جادة الصواب وسبيل الهداية . وقد جادت بهذه المنظومة الرائعة قريحة المولى الجليل السيد محمد باقر


(283)
الحجة الطباطبائي ، طيب الله ثراه .
     إذ جاءت بأسلوب شيق ، وعبارات جزلة ، وأدلة دامغة ، وحجج وبراهين ساطعة مستمدة من كتاب الله والسنة المطهرة ، حيث كان الاعتماد بالدرجة الأساس على بعض من آيات الذكر الحكيم ، وبعض الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ، والمخرجة من كتب الصحاح وبإقرار وشهادة من أئمة الحديث جميعا من السنة والشيعة بصحتها ، وكما أشرنا إلى ذلك في عملنا التحقيقي . وإليك - عزيزي القارئ الكريم - هذه الرواية المروية عن أبي محمد عليه السلام ، قال : قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، وقد حمل إليه رجل هدية ، فقال له : أيما أحب إليك ، أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفا - يعني عشرين ألف درهم - أو أفتح لك بابا من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك وتنقذ به ضعفاء أهل قريتك ؟ إن أحسنت الاختيار ، جمعت لك الأمرين ، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت . فقال : يا بن رسول الله ، فثوابي في قهري ذلك الناصبي واستنقاذي لأولئك الضعفاء من يده قدره عشرون ألف درهم ؟ ! قال عليه السلام : أكثر من الدنيا عشرين ألف مرة . قال الرجل : يا بن رسول الله ، فكيف أختار الأدون ، بل الأفضل الكلمة التي أقهر بها عدو الله وأذوده عن أوليائه .
     فقال الحسن بن علي عليهما السلام : قد أحسنت الاختيار ; وعلمه الكلمة ، وأعطاه عشرين ألف درهم . فذهب فأفحم الرحل ، فاتصل خبره به ، فقال له حين حضر معه : يا عبد الله ، ما ربح أحد مثل ربحك ، ولا اكتسب أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة الله أولا ، ومودة محمد وعلي ثانيا ، ومودة الطيبين من آلهما ثالثا ، ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعا ، وإخوانك المؤمنين خامسا ، واكتسب بعدد


(284)
كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة ، فهنيئا لك هنيئا . وفي النهاية مطافي هذا ، إن كان لا بد لي من كلمة أن أقولها فهي الدعاء للناظم والشارح ، سائلا المولى أن يتغمدهما الفسيح من جنته ، ويجزيهما عن عملهما هذا في يوم لا ينفع مال ولا بنون أفضل وأكمل وأوفى جزاء .

ترجمة الناظم :
     هو السيد محمد باقر ابن الحجة الميرزا أبي القاسم ابن العلامة السيد حسن ابن المجاهد الكبير المير السيد محمد ابن الزعيم الأكبر المير السيد علي - صاحب الرياض - ابن السيد علي ابن السيد أبي المعالي الصغير ابن السيد أبي المعالي الكبير ابن السيد عبد الكريم الطباطبائي . كان - عطر الله ثراه - إماما في العلم ، هماما ، بذل في استنباط الأحكام همة عالية حتى أوصلته إلى ذروة الاجتهاد ، مجدا تمام الجد ، لم يصرف أوقاته إلا في درس أو تدريس أو نظم في فنون العلم .
     درس على فطاحل عصره وعلماء زمانه أمثال : والده الحجة أبو القاسم ، والميرزا حبيب الله الرشتي ، والأردكاني ، رحمهم الله تعالى جميعا ، فشهد له الجميع بتفوقه وعلو همته ، سلك مسلك أسلافه الكرام في التأليف والكتابة ، فقد نظم الأراجيز وكتب في بعض الأحكام الشرعية . فمن مؤلفاته : قطعة في الزكاة ، ورسالة في الحجر ، ورسالة في منجزات المريض . ومن منظوماته : منظومة في علم الكلام ، وأخرى في باقي الصلاة من منظومة جده لأمه العلامة الأكبر السيد بحر العلوم - طيب الله ثراه - ، ومنظومة في الأخلاق ، ومنظومة في الأطعمة والأشربة ، وهذه المنظومة المسماة " بالشهاب الثاقب " في الإمامة والولاية .


(285)

     ومما تجدر الإشارة إليه من أن السبب الحقيقي لنظم هذه الأرجوزة هو : إن السيد - رحمه الله تعالى - سافر مع والده الحجة - قدس الله سره - للتشرف بزيارة الإمامين الكاظمين عليهما السلام ، فاجتمعت عندهما جماعة من العلماء والوجهاء والأعيان من بلدتي الكاظمية وبغداد ، فكان حديثهم حول أحد علماء العامة الذي تعرض بالطعن والتهجم على عقائد الشيعة الإمامية ، دون حجة ولا دليل ، فكان أن طلبوا من سماحة السيد الحجة - رحمه الله تعالى - تولي مسؤولية الرد على هذا الرجل ، فأمر السيد الحجة ولده بالرد عليه ، فرد عليه بهذه الأبيات الرائعة ، فكان نتاجه هذه الدرة الثمينة في إثبات الإمامة والولاية لأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين .

ترجمة الشارح :
     هو الشيخ محسن ابن الشيخ شريف ابن الشيخ عبد الحسين ابن شيخ الطائفة الشيخ محمد حسن - صاحب " جواهر الكلام " - عطر الله مراقدهم الزكية . ولد - قدس الله سره - في النجف الأشرف في الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك لسنة 1295 ه‍ . نشأ وترعرع رهن رعاية والده العلامة - رحمه الله تعالى - حيث بانت على محياه طلائع الفطنة والذكاء ، وصفاء الذهن والقريحة منذ نعومة أظفاره ، فقد كان - رحمه الله تعالى - عالي الهمة ، مجدا مثابرا على مواصلة الدرس والتحصيل ، فأصبح مضرب المثل لعصره في إحراز فضيلتي الذكاء والجد في مواصلة الدراسة ، حتى أشير إليه بالبنان من بين أولي الفضل والعلم بالتفوق والتقدم .
     وبعد انتهائه من المقدمات التمهيدية درس في أول أمره على العلامة الشيخ عبد الحسين آل الشيخ أسد الله الكاظمي ، ثم درس بعد ذلك على


(286)

الحجة السيد علي الشرع ، والشيخ علي ابن الشيخ باقر آل صاحب الجواهر . كما حضر دروس الحكمة والكلام على أحد العلماء الأتراك ، وأخيرا حضر على علماء عصره ، أمثال : الحجة العلم شيخ الشريعة الأصفهاني ، والميرزا النائيني رحمهما الله تعالى ، حتى حاز على مرتبة الاجتهاد وبشهادة علماء عصره . لم يقف - قدس الله سره - عند علمي الفقه والأصول كما هو متعارف عند طلبة العلوم الدينية ، بل تجاوزهما بعد أن حصل على بغيته المنشودة منهما إلى بقية المجالات العلمية والأدبية من : الحكمة ، والكلام ، والأدب ، والتأريخ ، والنقد ، والعقيدة ، وغير ذلك من العلوم . كان - رحمه الله تعالى - واسع الصدر ، حسن الخلق ، رؤوفا بالضعيف ، ناصرا للمظلوم ، شديدا على الظالم ، لا يجامل ولا يداهن ، في غاية الترسل والتواضع في كافة مجالات حياته ، مبغضا للشهرة ، والدليل على ذلك عندما شرح هذه المنظومة - الشهاب الثاقب - أبى أن يوضع اسمه مقترنا بما يشير إليه بالفضيلة والعلم ، وإليك - عزيزي القارئ الكريم - نص العبارة التي وضعت على شرح هذه الأرجوزة : " شرح بعض ألفاظها أقل الطلاب محسن " راجع الصفحة الأخيرة من شرح المنظومة .
     كان - رحمه الله تعالى - شديد البأس حازما قويا على كل من يتعرض للإسلام بأي تعريض ، فعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى ، كان من الرعيل الأول الذي لبى نداء الحق للدفاع عن الإسلام ، فغادر النجف بمن أطاعه من المسلمين نحو قاعدة الجيش الإسلامي - الشعيبة - وهناك التقى بالقائد الأعلى سماحة آية الله السيد الحبوبي - طاب ثراه - فانظم إليه واستظل بلوائه ، فظهرت له في ذلك الموقف آراء وآثار أعربت عن كفاءته وبسالته وتفانيه في نصرة الدين الإسلامي الحنيف .
     توفي - رحمه الله تعالى - ليلة الخميس الخامس عشر من ذي القعدة الحرام لسنة 1355 ه‍ في مدينة البصرة ، أثناء رجوعه من الأهواز إلى النجف ،


(287)
فعطلت في ذلك اليوم الأسواق ، ومشى في تشييعه سائر الناس ومن شتى الطبقات إلى خارج البلد ، وعرفت بوفاته سائر المدن العراقية كالسماوة ، والرميثة ، والحمزة ، والديوانية ، فاستفبلت جثمانه الزكي بالأعلام ومواكب العزاء ، كما استقبلته مدينة النجف الأشرف بعلمائها وساداتها وعلى عدة كيلومترات بالحزن والأسى . وهكذا ثوى الجثمان الزكي يعلوه الإجلال والإكبار حتى حل مثواه الأخير في مقبرة الشيخ صاحب الجواهر - طيب الله ثراه - .

آثاره العلمية :
     كان - رحمه الله تعالى - شغوفا وولوعا بالكتابة والتأليف والبحث ، ولذا فقد كان نتاجه كثيرا ، ازدانت به المكتبة الإسلامية ، وأصبح طلبة الدارسين والقراء ، ومن تلك المؤلفات :
     1 - نهج السداد في شرح نجاة العباد .
     لشيخ الطائفة صاحب الجواهر - طاب ثراه - ببسط وتفصيل واستيفاء للأدلة والأقوال واختيار المختار ، وبأسلوب في غاية المتانة وقوة الحجة ، اطلع عليه آية الله العظمى النائيني - قدس الله سره - فأعاده إليه مرفقا بشهادته القيمة .
     2 - الفرائد الغوالي على شواهد الأمالي للسيد المرتضى .
     هو موسوعة كبرى استوفت مختلف العلوم من التفسير واللغة والأدب والتاريخ والنقد ، تقع في أكثر من عشرين جزءا ، طبع منها ثمانية أجزاء والبقية لا تزال مخطوطة .
     3 - فرائد الغرر .
     في إثبات الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين من طريق النص والأثر ، على نهج فريد من نوعه ، ويقع في أربعة أجزاء .


(288)

     4 - شرح منظومة الشهاب الثاقب .
     للسيد العلامة الحجة الطباطبائي - رحمه الله - في الإمامة ، وإثبات الولاية لأهل البيت عليهم السلام ، وهي الرسالة الماثلة بين يدي القارئ الكريم .
     5 - رسالة في علم الكلام وما يجب اعتقاده على الأنام .
     6 - شرح ديوان ابن الخياط الدمشقي .
     7 - منظومة في المواريث وشرحها .
     8 - منظومة في علم الكلام .
     9 - منظومة في علم التجويد والقراءة وشرحها .
     10 - الدر الحسان في أنباء أبناء الزمان . وهي رحلته - رحمه الله تعالى - التي استهلها من النجف الأشرف إلى البحرين بذكر مشاهداته في تلك المراحل ، وقد أحسن فيها - قدس سره - ما شاء له الإحسان .
     11 - كتاب الأدعية والأحراز وآثاراها .
     12 - تعليقة على شرح النهج في الرد على ابن أبي الحديد المعتزلي .
     13 - تعليقة على الكفاية .
     14 - تعليقة على الفصول المختارة .
     15 - نقض إرشاد العوام لكريم خان . شرع فيه قبل وفاته بقليل ، ولم يمهله الأجل لإتمامه .
     16 - ديوان شعره .

منهجية التحقيق :
     عندما عزمت على تحقيق هذا الأثر النفيس ، والسفر الخالد ، حاولت استكمال ما أمكنني من الحلقات الخاصة بإنجاز هذا العمل بالصورة اللائقة به .


(289)
فبعد أن توفر لدي الأصل المطبوع لهذه المنظومة ، مع المخطوطة الوحيدة المتوفرة له ، والتي تم الحصول عليها من مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث ، وهي من مخطوطات مكتبة الروضة الرضوية المقدسة ، والمرقمة برقم 5435 ، حيث تفضلت هذه المؤسسة المعطاءة مشكورة جزيل الشكر بتزويدنا بالمخطوطة .
     وبعد أن علم السيد محمد رضا الحسيني الجلالي - حفظه الله ورعاه - بأن شارح هذه المنظومة الشيخ محسن آل صاحب الجواهر هو جدي لأبي ، بادر سماحته مشكورا بتزويدنا بهذا الشرح فكان ذلك من العوامل المهمة التي حفزتني على المثابرة والجد في إتمام هذا العمل . أقول : بعد أن توفرت بحوزتي هذه النسخ ، عمدت بعد التوكل والاستعانة بالله تبارك وتعالى على إنجاز هذا العمل ، وتقديمه بالشكل الذي يتناسب ومكانته العلمية الكبيرة ، فكانت الأعمال التي أنجزت عليها لإخراجها بهذه الصورة - سائلا المولى العلي القدير أن تنال استحسان الجميع - هي :
     1 - مقابلة الأصل المطبوع - والذي رمزنا له بالحرم " م " - مع النسخة المخطوطة ، وهي النسخة الوحيدة التي حصلت عليها إذ لم أوفق في الحصول على غيرها رغم بحثي واستقصائي المستمرين في المكتبات العامة والخاصة التي استطعت الوصول إليها ، وقد رمزنا لها بالحرف " ن " .
     2 - حاولت قدر الإمكان ضبط الأبيات الشعرية وتفسير المفردات اللغوية التي قد يصعب على البعض تفسيرها .
     3 - قمت بترقيم جميع أبيات المنظومة تسهيلا للقارئ والباحث ، ووسيلة للربط بينها وبين الشرح الملحق بها ، علما أن الشرح المستحصل قد سقطت منه الصفحتان الأوليان وشرع من البيت التاسع كما هو واضح للقارئ .
     4 - عمدت إلى تخريج الآيات والروايات والأخبار وبعض التراجم التي أشار إليها الناظم من خلال أبيات منظومته الشعرية .


(290)

     5 - رتبت الشرح الخاص بالمنظومة حسب تسلسل الأبيات الشعرية المشروحة .
     6 - قمت بضبط نص الشرح وتصحيح الأخطاء المطبعية ، وضبط الآيات القرآنية الواردة في الشرح وإعرابها . وفي الختام لا بد من كلمة تقال بأن الجهد الذي بذلته في إنجاز هذا العمل هو ما مكنني الله تعالى عليه ، إلا أني لا أبرئ عملي من الخطأ والسهو والنسيان ، لأن التمام والكمال لله تبارك وتعالى وحده ، ولذا فإني أستميح سادتي وأساتذتي وإخواني الكرام العفو والعذر عند الزلات ، والمسامحة عند العثرات ، والله تعالى هو الموفق للصواب .

المحطة الأخيرة :
     وأخيرا فإني أجد لزاما علي واعترافا مني بالجميل أن أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث ، المعين المعطاء الذي لا ينضب ، فقد كان لهذه المؤسسة الفضل الأكبر في إنجاز هذا العمل وإخراجه بهذه الحلة القشيبة ، حيث كانت أبواب مكتبتها العامرة مشرعة أمامي حتى في أيام العطل الرسمية ، كما وأشكرها لإتاحتها لي هذه الفرصة لأن أخوض هذه التجربة في ميدان العمل التحقيقي ، وأخص بالذكر عميدها سماحة السيد جواد الشهرستاني - حفظه الله ورعاه - الذي شجعني لأن أسلك هذا الطريق الذي كانت ثمرته هذا النتاج المتواضع .
     كما وأشكر كلا من سماحة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ، وأخي وزميلي سماحة الشيخ كاظم الجواهري - حفظهما الله ورعاهما - على ما بذلاه معي من جهد مخلص في تصوير واستحصال النسخ المطبوعة والشرح المتعلق بعملي هذا .


(291)
ولا يفوتني أن أتقدم بشكري الجزيل وثنائي الجميل إلى الأستاذ المحقق الفاضل الأخ علاء آل جعفر وذلك لإشرافه المباشر على عملي هذا ، ولما أسدى إلي من التوجيهات القيمة ، متمنيا للجميع التوفيق والسؤدد والعمل الدائب في خدمة تراث أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين .
     وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

إحسان الجواهري
مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث
عيد الغدير الأغر
18 ذي الحجة 1414 ه‍



(292)



صورة الورقة الأولى من مخطوطة المنظومة . تم المجلد




(293)



صورة الورقة الأخيرة من المنظومة -




(294)

[ الشهاب الثاقب ]

بسم الله الرحمن الرحيم
[1] أحمد من أنطقني بحمده [2] أحمد من وفقني بحمده [3] شكرا وأني لي بلوغ ما وجب [4] مصليا على النبي المرسل [5] وأهل بيت الوحي والتنزيل [6] وبعد فالشريف أما وأبا [7] يتلو عليك ما عن المختار [8] تفترق الأمة بعد ما ضحى وألهم الجنان شكر رفده وقادني إلى سبيل رشده (1) من شكره والشكر للشكر سبب مدينة العلم وبابها علي (2) ومعدن الحكمة والتأويل (3) الفاطمي من بني طباطبا مضمون ما شاع (4) من الأخبار ظل النبي فرقا لن تبرحا




(1) لم يرد البيت في نسخة " ن " .
(2) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " . أنظر : مستدرك الصحيحين 3 / 126 ، تاريخ بغداد 4 / 384 ، تاريخ دمشق - ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 464 ، أسد الغابة 4 / 22 ، البداية والنهاية 7 / 358 ، كفاية الطالب : 220 ، الرياض النضرة 3 / 159 ، تذكرة الخواص : 15 ، مجمع الزوائد 9 / 114 ، كنز العمال 11 / 600 ح 32980 ، ذخائر العقبى : 77 ، الصواعق المحرقة : 189 ح 9 .
(3) الخصال : 432 ح 14 ، بصائر الدرجات : 76 - 78 ، الرياض النضرة 3 / 169 ، المناقب - لابن المغازلي - : 288 .
(4) في نسخة " م " : ما ذاع .



(295)
[9] واحدة ناجية والباقيه هالكة وفي الجحيم هاويه (5)
[9] . . . ابن سليمان ، وتفسير ابن جريج ، وتفسير قتادة وتفسير أبي عبيدة القاسم بن سلام ، وتفسير علي بن حرب ، وتفسير السدي ، وتفسير مجاهد ، وتفسير مقاتل بن حيان ، وتفسير أبي صالح ، وكلهم من أعلام أهل السنة والجماعة ، كما نقله المحدث الشيخ يوسف - قدس سره - ، أنهم رووا جميعا في هذه التفاسير عن أنس ابن مالك قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتذاكرنا رجلا يصلي ويصوم ، ويتصدق ويزكي ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا أعرفه . فقلنا : يا رسول الله ، إنه يعبد الله ويسبحه ، ويقدسه ويهلله ! فقال : لا أعرفه .
     فبينما نحن في ذكر الرجل إذ طلع علينا ، فقلنا : يا رسول الله ! هو ذا ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لأبي بكر : خذ سيفي هذا وامض إلى هذا الرجل واضرب عنقه ، فإنه يجئ في حزب الشيطان . فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا فقال : والله لا أقتله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهانا عن قتل المصلين . فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، إني وجدت الرجل راكعا ، وأنت نهيتنا عن قتل المصلين الراكعين . فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اجلس ، فلست بصاحبه . ثم قال : قم يا عمر ، فخذ سيفي من يد أبي بكر وادخل المسجد واضرب



(5) الخصال : 585 ح 10 ، أمالي الطوسي 2 / 137 ، معاني الأخبار : 323 باختلاف يسير ، مسند أحمد 3 / 145 ، سنن ابن ماجة 2 / 1322 ح 3992 و 3993 ، سنن أبي داود 4 / 198 ح 4597 ، صحيح الترمذي 5 / 26 ح 2641 . .


(296)
عنقه .
     قال عمر : فأخذت السيف من يد أبي بكر ودخلت المسجد ، فرأيت الرجل ساجدا ، فقلت : والله لا أقتله ، فقد استأذنه من هو خير مني ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله ، إني وجدت الرجل ساجدا . فقال : اجلس ، فلست بصاحبه . قم يا علي ، فإنك قاتله ، فإن وجدته فاقتله ، فإنك إن قتلته لم يبق بين أمتي اختلاف أبدا .
     قال علي عليه السلام : فأخذت السيف ودخلت المسجد فلم أره ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله ، ما رأيته . فقال : يا أبا الحسن ، إن أمة موسى عليه السلام افترقت على أحد وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقون في النار ، وإن أمة عيسى عليه السلام افترقت على اثنين وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقون في النار ، وستفترق أمة محمد على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقون في النار . فقلت : يا رسول الله فمن الفرقة الناجية ؟ قال : المتمسك بها أنت وأصحابك . . . إلى آخره . وقد رواه أصحابنا أيضا بعدة أسانيد هكذا : قال صلى الله عليه وآله : افترقت أمة موسى عليه السلام على أحد وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وهي التي اتبعت خليفته يوشع بن نون ، وافترقت أمة عيسى عليه السلام على اثنين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وهي التي اتبعت وصيه شمعون ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وهي التي تتبع وصيي عليا .


(297)

     وقد استشكلت دلالة الخبر من وجوه : أحدها : استعمال (السين) الدالة على قرب وقوع مدخولها ، والخلاف والتفرق إنما حصل بعد مدة طويلة . وهذا ليس بشئ ، لأن كل ما هو آت قريب إذا كان محقق الحصول ، على أن من نظر بعين البصيرة إلى العالم الدنيوي ، وقاسه إلى العالم الأخروي ، لم يكن جميع عمر الدنيا من أوله إلى آخره إلا بمنزلة اللحظة أو أقصر . وثانيها : من حيث العدد ، لأنه إن حمل على أصول المذاهب فهي أقل من العدد ، وإن حمل على فروعها فهي أكثر منه .
     وتدفعه إرادة افتراقها في العقائد ، فإنها تزيد على العدد المذكور ، كما ضبطه كثير ممن عني بذلك ، وبعد رد بعضها إلى بعض يتم العدد المذكور ، إذ لا شبهة في أن معتقد بعض الفرق لا يوجب الخروج عن مذهب الأخرى ، وإن خالفت عقائدها بخلاف بعض الفرق الأخر ، فإنها توجب الخروج عنها ، على أنه يجوز أن يكون بين الأصول مخالفة تبلغ هذا العدد ، أو أنها بلغت في وقت من الأوقات ذلك ثم زادت أو نقصت ، أو أن البعض أخفى أصل مذهبه لقيام الضرورة من الدين على خلافه . وثالثها : ما يقال من أن المراد إن كان الخلود فيها ، فهو خلاف الإجماع لأن المؤمن لا يخلد ، وإن أريد مجرد الدخول ، فهو مشترك لوجود العصاة في الكل . وفيه : إن إجماع أهل البيت عليهم السلام على خلافه ، لجواز كون معصية الناجية مغفورة ، بل الروايات عن أهل البيت عليهم السلام في هذا كثيرة .


(298)

[10] سمعا لما أقول يا عمرو فما [11] هل هلكوا ؟ ! أستغفر الله وقد [12] لا بل نجوا فمن عداهم هلكوا [13] ونحن ممن بهم تمسكا [14] وقد أخذنا قولهم ففزنا [15] متخذين مذهب الأطائب [16] فمذهب الصادق خير مذهب [17] وأسقط الخصم السقيط في يده [18] عند انضمام ما أتى من الأثر [19] ما إن تمسكتم بعترة الهدى [20] فمن تراه ترك التمسكا تقول في آل النبي الكرما قام لفسطاط الهدى بهم عمد وقد نجا الأولى بهم تمسكوا ولم يزل بحبلهم مستمسكا وعن سوى آل النبي جزنا من آله لا سائر المذاهب وهو وبيت الله أولى بالنبي واستهدف السهم صميم كبده ضمن حديث الثقلين المعتبر (6) وبالكتاب لن تضلوا أبدا بهم ففي نهج الضلال سلكا
[17] يقال : سقط في يده ، وأسقط في يده - بالبناء للمجهول - ، ومنع أبو عمرو الثاني . وعلى أي حال فمعناه : تحير وتوقف لاحتياج خروجه عن دلالة هذا الخبر المتواتر إلى تعسف وتكلف كما لا يخفى على من راجع كلماتهم . وقد صرح التفتازاني بأنه لا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه ، وكذا العترة عليهم السلام . . . إلى آخره .



(6) أنظر : مسند أحمد 4 / 367 ، 3 / 17 و 26 و 59 . صحيح مسلم 4 / 1873 ح 2408 ، صحيح الترمذي 5 / 663 ح 3788 ، المعجم الكبير للطبراني - 5 / ح 4921 و 4923 و 4980 - 4982 ، سنن البيهقي 2 / 148 ، سنن الدارمي 2 / 431 - 432 ، مسند أبي يعلى 2 / 297 ، مشكل الآثار 4 / 368 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 148 ، حلية الأولياء 1 / 355 ، تاريخ بغداد 8 / 448 ، أسد الغابة 2 / 12 ، فيض القدير 3 / 14 ، فضائل الخمسة 2 / 61 . .


(299)

[21] وشيعة الطهر أبي السبطين [22] تمسكوا بآله الأطياب [23] فاتخذوهم كالكتاب حججا [24] وهو التمسك الذي به أمر [25] إذ هو فعل واحد أضيفا [26] وإن في التمثيل بالسفينه مولاي بعد سيد الكونين (7)  تمسك الأمة بالكتاب ومن رآهم حججا فقد نجا في الخبر المذكور سيد البشر (8) إليهما معا فلا تحيفا دلالة    واضحة    مبينه (9)

     [26] الحديث المذكور رواه مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والحاكم في مستدركه ، والسيوطي عن أبي ذر والبزاز عن ابن عباس وابن الزبير ، وابن المغازلي عن أبي ذر وابن عباس والأكوع وسعيد بن المسيب ، وصاحب كتاب " شرف النبي " ، والسيوطي أيضا عن ابن عباس ، وابن عدي ، وابن عساكر عن أبي الطفيل : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها هلك " .



(7) أنظر : المستدرك على الصحيحين 3 / 125 ، خصائص النسائي : 28 ، أسد الغابة 3 / 589 - 590 ، فضائل الخمسة 3 / 125 .
(8) أكدت الأحاديث الواردة في الصحاح وكتب العامة على أن أمير المؤمنين عليه السلام هو سيد العرب وسيد المسلمين ، حيث وردت هذه الأحاديث عن لسان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : أنا سيد ولد آدم ، وعلي سيد العرب " ، " إنه سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين " وغيرها . أنظر : المستدرك على الصحيحين 3 / 124 و 137 ، حلية الأولياء 1 / 63 و 66 ، و ج 5 / 48 ، تاريخ بغداد 1 / 89 ، مجمع الزوائد 9 / 116 .
(9) إشارة إلى حديث رسول صلى الله عليه وآله وسلم : " مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا . . . " .
     أنظر : تاريخ بغداد 12 / 91 ، حلية الأولياء 4 / 306 ، المستدرك على الصحيحين 2 / 343 ، ذخائر العقبى : 20 ، مجمع الزوائد 9 / 168 ، الخصائص الكبرى - للسيوطي - 2 / 266 ، المناقب - لابن المغازلي - : 132 - 134 .
.


(300)

[27] وهل ترى يزعم من تخلفا [28] وهم تآمروا عليهم بلا [29] وقيل : بل هم ظلموا واغتصبوا [30] فانقلبوا به على أعقابهم [31] وأغضبوا البتول فيما صنعوا [32] وظلم حرب بعدهم آل النبي [33] فذلك الظلم ورب الحرم أني تمسكت بآل المصطفى أمر من الله وأنكروا الولا تراثهم وللخلاف ارتكبوا والذكر قد أخبر بانقلابهم (10) كأنهم نص الأذى لم يسمعوا (11) أبدى الذي أخفوه تحت الحجب شنشنة أعرفها من أخزم

     وفي رواية : " غرق " .
     وقال الطيبي في شرح المشكاة : شبه الدنيا بما فيها من الكفر والضلالات والبدع والأهواء الزائغة ببحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد أحاط بأكناف الأرض كلها ، وليس منها خلاص ولا مناص إلا بتلك السفينة .
     [33] هذا مثل قاله أبو أخزم الطائي جد حاتم أو جد جده ، مات ابنه أخزم وترك بنين فوثب ولده على جدهم فأدموه ، فقال :



(10) إشارة إلى قوله تعالى : (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) سورة آل عمران ، الآية 144 .
(11) إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " فاطمة بضعة مني ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها " . أنظر / مسند أحمد 4 / 328 ، صحيح البخاري 7 / 47 ، صحيح مسلم 4 / 1903 ، سنن ابن ماجة 1 / 643 ح 1998 ، سنن البيهقي 7 / 307 ، المعجم الكبير - للطبراني - 22 / 404 ح 1010 - 1013 ، خصائص النسائي : 146 ، تهذيب التهذيب 12 / 441 - 442 ، أسد الغابة 5 / 522 ، ذخائر العقبى : 39 ، المناقب - لابن المغازلي - : 132 ، فيض القدير 4 / 421 ح 5833 - 5835 .
.


(301)

[34] قد أخذوه خلفا عن سلف (12) [35] لكنني لم أذكرن ما ذكروا [36] فإنهم أصحاب سيد البشر [37] هم صدقوا طه بما جاء به [38] وهم لهم مواقف لم تنكر [39] فمن بعهد الله منهم وفى [40] وما لنا داع لأن نخوض في ليطفئوا نور الذي لا ينطفي وكم معي غيري ممن أنكروا وفيهم الإسلام شيد واعتمر (13) ومن ترى أصدق من أصحابه في أحد بدر حنين خيبر نال الرضا منه وحاز الشرفا حديثهم غير حديث الشرف


إن بني زملوني بالدم ومن يكن درء به يقوم من يلق آساد الرجال يكلم شنشنة أعرفهما من أخزم

     والشنشنة : الطبيعة والعادة ، أي أنهم أشبهوا أباهم في طبعه وخلقه .
     [40] هذا الذي ذكره - قدس سره - صرح به جماعة من أهل السنة ، وجعلوا السبب الوحيد في الإعراض عن البحث والتنقيب في باقي الأحاديث تأديته إلى سوء الظن بالمهاجرين والأنصار ، وقد ذكر ابن حجر فيما نسب إليه من أبيات بعض ذلك في خصوص أمر فدك ، فقال :
إني أحب أمير المؤمنين ولا ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا الله أعلم ماذا يأتيان به أرضى بسب أبي بكر ولا عمرا بنت النبي رسول الله : قد كفرا يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا

     وقال : محمد بن جبير الكناني : أحب النبي المصطفى وابن عمه * عليا وسبطيه وفاطمة الزهرا



(12) في نسخة " م " : خلف .
(13) في نسخة " م " : واعتبر .
.


(302)
[41] فمن جفا آل النبي واعتدى [42] وأنتم خالفتم أبا الحسن [43] وما أخذتم منهم وعنهم [44] حتى انتهى الأمر إلى التقليد في [45] قلدتم النعمان (14) أو محمد (15) كفاه خزيا ما يلاقيه غد وآله بعد النبي المؤتمن بل اتبعتم من هم دونهم شرائع الدين القويم الحنفي أو مالك بن أنس (16) أو أحمدا (17)

هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم موالاتهم فرض على كل مسلم وما أنا للصحب الكرام بمبغض هم جاهدوا في الله حق جهاده وأطلعهم أفق الهدى أنجما زهرا وحبهم أسنى الذخائر للأخرى فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا وهم نصروا دين الهدى بالضبا نصرا




(14) النعمان : هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التميمي الكوفي ، مولى بني تيم الله بن ثعلبة يقال إنه من أبناء فارس . . . وهو صاحب المذهب الحنفي ، ولد سنة 80 ه‍ ، وتوفي سنة 150 ه‍ في بغداد ودفن هناك .
(15) محمد : هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن سائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن عبد المطلب بن مناف بن قصي بن كلاب بن مرة . . . ، وهو صاحب المذهب الشافعي ، ويكنى أبا عبد الله ، ولد في شهر رجب من سنة 150 ه‍ = 767 م ، وتوفي في مصر سنة 204 ه‍ على أثر مرض أصابه .
(16) مالك : هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمر بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة ، وهو حمير الأصغر الحميري ثم الأصبحي المدني ، حليف بني تيم من قريش ، ويكنى أبا عبد الله ، وهو صاحب المذهب المالكي . وكان مولده على الأصح وحسب ما ذكره صاحب أعلام النبلاء سنة 93 ه‍ .
(17) أحمد : وهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل الذهلي الشيباني المروزي ، ويكنى أبا عبد الله ، وحسب ما ذكر صاحب سير أعلام النبلاء أنه ولد في ربيع الأول سنة 164 ه‍ .



(303)

[46] فهل أتى الذكر به أو أوصى [47] قيل : فتحتم باب الاجتهاد [48] لكي تنالوا منه ما قد نلتم [49] حتى رأيتم بلغ السيل الزبى(18) به النبي أو وجدتم نصا في الدين من بعد النبي الهادي وتفعلوا في الدين ما فعلتم جعلتم التقليد فيه مذهبا

     إلا أنه لا يخفى عليك أن هذا لا ينفع في مقام تعيين الفرقة الناجية من بين الفرق لمن أهمه أمر ذلك ، ولا يكفي الجواب يوم السؤال : أني لم أبحث عن الحال خوفا من سوء الظن بالصحابة والمهاجرين والأنصار .
     [47] هذا القول ذكره صاحب " ضياء العالمين " في كتابه ، ولا يسع المقام نقل عبارته .
     [49] بلغ السيل الزبى : هذا بعض مثل ، وتمامه : وجاوز الحزام الطبيين . والزبى - كمدى - : جمع زبية كمدية ، والطبيين - بضم الطاء وسكون المفردة - يحتمل كونه مثنى طبي ، وهو حلمة الضرع من ذوات الخف والحافر والظلف ، وقد يفرق بينهما ، فتخص الأطباء بالكلبة ، والأخلاف بالناقة ، والضرع بذي الظلف . وعلى أي حال : فيضرب عند تفاقم الأمر واشتداده كأن المركوبة لشدة عدوها وخوفها يتجاوز حزامها إلى ما لا يجوز التجاوز إليه ، ولشدة ضيق الأمر على الراكب لا يلتفت إليه ولا يصلحه .



(18) الزبى - جمع زبية - : هي حفرة تحفر للأسد إذا أريد صيده ، وأصلها الرابية لا يعلوها الماء ، فإذا بلغها السيل كان جارفا مجحفا ، وهو مثل يضرب لما جاوز الحد . أنظر : مجمع الأمثال 1 / 91 .


(304)
[50] ثم زعمتم أنه لن يخلدا [51] مواليا لآله الكرام [52] وقد بنيتم في الجنان غرفا [53] ففرقة هالكة والباقية [54] لقد نطقتم بعكس ما نطق [55] ففاز من عند افتراق الأمة [56] وإن أردت أن يبين الحال [57] طائفة منهم على الحق ولا في النار إلا من يلاقي أحمدا ومعرضا عن سائر الأنام لما خلا شيعة آل المصطفى لهم قصور في الجنان عاليه (19) به النبي في حديث قد سبق تمسكوا بأهل بيت العصمة فانظر إلى حديث : لا تزال يضرهم خذلان من قد خذلا

     [56] الحديث المذكور رواه جماعة من علماء أهل السنة : كابن حجر وغيره ، وإن اختلفت عباراتهم ، ففي بعضها : إن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله وليا صالحا يذب عنه ويتكلم بعلاماته . وفي بعضها : إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان وليا من أهل بيتي موكلا به يذب عنه ، ينطق بإلهام من الله ، ويعلن الحق وينوره ، ويرد كيد الكائدين ، يعبر عن الضعفاء .
     وفي بعضها : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل ، فانظروا من تأخذون وهذه الصفات كلها لا تنطبق إلا على أئمتنا الاثني عشر عليهم السلام الذين قلنا بإمامتهم ، لجمعهم صفات الكمال من العلم ، والفضل ، والزهد ، والعدالة ، كما نقلها عنهم كل من عني بجمع أخبار الأولين ، وسلم من شائبة العصبية والعناد ، والله ولي العباد .



(19) سبقت الإشارة إليه في هامش البيت رقم 9 ، فراجع .


(305)
[58] إذ هو في عصمة تلك الطائفه [59] هم العباد المخلصون من بهم [60] هم الأولى وفوا بعهده ولا [61] وهل ترى يغويهم الشيطان [62] يا عمرو قل لمن بكفرنا حكم واف فجانب ساحة المخالفه قد شنف الأسماع وحي ربهم نعهد ذنبا منهم أو زللا وما له عليهم سلطان أهل كفرنا نحن بالرحمن أم ؟ !

فصل
[63] نصب الإمام حافظ الزمام [64] فإنه مقرب للطاعه [65] واللطف واجب وإلا لانتقض [66] وعن معاصيه مبعد ولا لطف من الله على الأنام وقائد الناس إلى الإطاعه ما عاد لا لنفسه من الغرض ينهض ما سواه عنه بدلا

     [63] تفصيل الدليل المذكور : إن نصب الإمام على الرعية لطف ، لأن مع وجوده يكون الناس أقرب إلى فعل الواجبات ، والامتناع عن المحرمات . ضرورة أن وجود الرئيس المهيب الملتزم بالقوانين الشرعية موجب لالتزام أكثر الناس بطريقته وجريهم عليها ، وعند عدمه أو عدم التزامه بالشريعة يكونون أقرب إلى الفساد . وأيضا : وجوده يمنع تعدي الناس بعضهم على بعض (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله) .
     [66] حاصل هذا البيت : أنه إذا كان الناس مع وجود هذا الرئيس أقرب إلى الصلاح ، ومع عدمه هم أقرب إلى الفساد ، وجب عليه نصبه ، كما هو في صورة الحاجة إلى وجود الآلة والقدرة والعلم ، فإنه يجب عليه إيجادها لتوقف [*]


(306)
[67] ومن نفى عن الإله الغرضا [68] وحار في تصديق أمر الرسل [69] وليك معصوما وإلا لزما قضى بعكس ما به الذكر قضى ونفي تعذيب النبي المرسل إطاعة الولي فيما حرما

     غرض المكلف عليها ، لأن امتثال أوامر المكلف ونواهيه لا يكون إلا بوجودها ، فلو تركها عد عند العقلاء ناقضا لغرضه . واختبر نفسك في تكاليف الموالي والعبيد ، فإنه إذا كلفه وعلم أنه لا يمتثل تكليفه إلا بفعل يفعله المكلف لا مشقة فيه عليه ، فإنه إذا لو لم يفعل ذلك عد ناقضا لغرضه ، وهو قبيح عقلا .
     [69] تفصيل الكلام في وجوب العصمة ، أن الغرض من نصب الرئيس عدم عصمة الناس وجواز صدور ما ينافي الشرع منهم ، من ترك المأمور به ، وفعل المنهي عنه ، وارتكاب القبيح ، وقمع التعدي . ولو لم يكن معصوما ، جاز عليه جميع ما جاز عليهم ، وتلزم مع هذا طاعته فيما يأمر به أو ينهى عنه ، وإن كان منكرا أو معروفا ، وللزم كونه أقل رعيته رتبة ، ويلزم عدم الوثوق بما أتى به من أمور الدنيا والآخرة من الأحكام ، ويجوز عليه موافقة الرعية على ما يأتونه من قبيح أو تعد ، فيحتاج هو أيضا إلى رئيس ، والكلام فيه كالكلام في الأول ، فإما أن ينتهي إلى معصوم وهو المطلوب ، أو يتسلسل وهو باطل . وقد قلت في المنظومة في هذا المقام :
وانف عن النبي والإمام لأنه يوجب بعث الخلق ويلزم الناس اتباع الكاذب أو عدم الوثوق فيما يدعي في أن تمسهم يد الآثام على الفساد واتساع الخرق إذا أتاهم بضد الواجب بل كل ناقص دعا لم يسمع



(307)
[70] إذ لازم انتفائها نقض الغرض [71] هذا ولو لم تحرز السلامه [72] والإثم لو جاز على الإمام [73] وإنه لمنكر فالمفترض [74] وما سوى الشارع كيف يعلم [75] فليس للأمة فيه ملتمس فهو على العصمة حجة نهض فيه انتفت فوائد الإمامه لانحط رتبة عن العوام إنكاره وهو مناف للغرض من ليس يعصي ربه ويظلم وضل من عليهم الأمر التبس

سواء كان ناقصا في خلقته لنفرة الطباع عمن ذكرا من قطع عذر الكافر المعاند من لم يفكر في عواقب الردى (لا تنه عن خلق وتأتي مثله) أو ناقصا في خلقه ونسبته وتنتفي الأغراض من خلق الورى والعقل لا يأبى امتناع الجاحد كيف يكون قائدا إلى الهدى ؟ ! إذا النبي والإمام قبله

     ومن لم يصلح خلائقه ، لم ترض الناس طرائقه ، وكان حثه على الطاعة مع ارتكاب خلافها بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم العود .
     [74] المراد بالبيت : أنه إذا ثبت وجوب عصمة الإمام لزم تعيينه من الله سبحانه وتعالى ، لأنه العالم بالسرائر ، المطلع على مكنونات الضمائر . ولقد أجاد من قال :
ويكفيك من قوم شواهد أمرهم فإن امتحان الناس يوحش منهم وإنك إن كشفت لم تر مخلصا فخذ صفوهم قبل امتحان الضمائر وما لك إلا ما ترى في الظواهر وأبدى لك التجريب خبث السرائر

     ومثل الإنسان كالبطيخة ، ظاهرها مونق ، وقد يكون في بطنها الدود والعيب ، وفي تقلبات الأحوال علم جواهر الرجال .


(308)

     وقد قلت في مثل المقام في المنظومة :
الناس شتى وهم معادن وليست العقول بالأجسام ولا الجميل حائز للفخر كم ريق المنظر في شبابه يلف في ثوب من الإعظام تحسبه الكامل من كل جهه إذا كشفت عنه ثوبا خبرا ومنهم الضعيف بين الخلق ليس له في الناس من صديق ليس بذي مال ولا جمال متعه الدهر بشؤم ونكد كأنه يذرع ساحة الفضا إن قرضت لحربه سن الزمن وضاع إن مس الخبير خبره فمنه رائن ومنه زائن كلا ولا الأفهام بالأجرام ولا القبيح في الفجور يجري وكامل المفخر في انتسابه بكفي الإجلال والإكرام مواكب الفخر له متجهه رأيت منه كل أمر نكرا المكثر الحزن القليل الرزق يرفل في ثوبي أسى وضيق ولا أليف الفرش والحجال مرتحل من بلد إلى بلد ما حط إلا ساعة وقوضا أرهف سيف عزمه لها وسن كأنه فتيق مسك نشره إلى

     قوله :
وليس للناس بهذا معرفه لذا اقتضى تعيينه للباري ولو إليهم وكلنا ذا النبأ كلا تراه أخذا دليلا بحيث كانت حاله منكشفه لأنه العلام بالأسرار لاقتتلوا وافترقوا أيدي سبا فالفيل لا يألف إلا فيلا



(309)

[76] فآل أمرهم إلى يزيدا [77] بقتل سبط سيد الأنام من حارب الكتاب والتوحيدا (20) وآله وحزبه الكرام (21)

     [77] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قاتله : لعن الله قاتلك ، ولعن سالبك ، وأهلك الله المتآزرين عليك ، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك . كما رواه فرات بن إبراهيم معنعنا عن أبي عبد الله عليه السلام : وقال فيه وفي قاتل الحسن عليه السلام أيضا : " لعن الله قاتلكما ، ولعن الله من غصبكما حقكما ، ولعن الله المتآزرين عليكما " . كما في المنتخب عن ابن عباس .
     وعن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيناه تفيضان دموعا ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما لعينيك تفيض ، أأغضبك أحد ؟ ! قال : لا ، بل كان عندي جبرئيل عليه السلام فأخبرني : أن الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، وهذه قبضة من تربته أشمنيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا ، واسم الأرض كربلا بشط الفرات التي يقتل فيها ، وكأني أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه ، وكأني أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا ، ويهدى رأسه إلى يزيد . ثم صعد المنبر مغموما مهموما ، حزينا كئيبا باكيا ، وأصعد معه الحسن



(20) ليس بخاف على أحد من هو يزيد بن معاوية لعنه الله وأخزاه ، وكيف كانت حياته سلسلة متصلة من الكفر والفجور واقتراف المعاصي .
(21) إشارة إلى استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في واقعة الطف سنة 61 ه‍ وسبي عياله وأطفاله . راجع : تاريخ الإسلام : حوادث ووفيات سنة 61 - 80 ، تاريخ ابن الأثير 4 / 46 ، كتب مقتل الحسين بن علي عليه السلام لأبي محنف ، الخوارزمي ، وغيرها من كتب التاريخ .



(310)
[78] وهتك أهل البيت بعده فقد [79] وهتكه الدين القويم جهره سباهم من بلد إلى بلد بفعله الشنيع يوم الحره (22)

     والحسين ، ووضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين ، وقال : اللهم إن محمدا عبدك ورسولك ، وهذان أطائب عترتي ، وخيار أرومتي ، وأفضل ذريتي ، ومن أخلفهما في أمتي ، وقد أخبرني جبرئيل أن ولدي هذا مخذول مقتول بالسم ، والآخر شهيد مضرج بالدم ، اللهم فبارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله وأصله حر نارك * واحشره في أسفل درك الجحيم " . قال : " فضج الناس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أتبكونه ولا تنصرونه ؟ ! اللهم فكن أنت له وليا وناصرا . ثم قال : يا قوم إني مخلف فيكم الثقلين :
     كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ومزاج مائي ، وثمرة فؤادي ومهجتي ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . . . إلى آخره .
     [79] كان ذلك عند خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ، وكان أمير جند الشام مسلم بن عقبة المري ، أوصاه لما وجهه إليهم : ادع القوم ثلاثا ، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم ، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا ، فما كان فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند . ولما ظفر بهم فعل على ما أمره . ولما دخل المدينة أخذ البيعة على الناس على أنهم خول ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء ، وكان ذلك يوم الأربعاء سنة 63 . والحرة : أرض ذات حجارة سود نخرة ، هي بظاهر المدينة تحت واقم ، بها كانت الواقعة .



(22) حدثت وقعة الحرة يوم الأربعاء - وقيل : يوم الجمعة - لثلاث بقين من ذي الحجة من سنة 63 ه‍ ، زمن خلافة الأمويين ، وعلى وجه التحديد في زمن يزيد بن معاوية ، حيث كانت بقيادة مسلم ابن عقبة ، وفيها انتهكت الأعراض واستبيحت الحرمات على مرأى ومسمع من الجميع ، فقد أبيحت المدينة المنورة لمدة ثلاثة أيام حتى افتضت فيها ألف بنت باكر من بنات المهاجرين والأنصار ، وقتل أيضا الكثير من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين ، ويقدر عدد الذين قتلوا ظلما وعدوانا بزهاء العشرة آلاف وسبعمائة وثمانون رجلا ، حيث لم يبق في المدينة أي من الذين شاركوا في وقعة بدر ، بالإضافة إلى كل هذه التعديات والانتهاكات ، فقد كان قتل النساء والأطفال مروعا وما لا يتحمله العقل وما جاوز الحد ، بحيث كان الجندي الأموي يأخذ الطفل من محالب أمه ويرمي به نحو الحائط فينتثر دماغه وأمه تنظر إليه . وأمرهم المجرم بالبيعة إلى يزيد على أنهم خول وعبيد ، إن شاء استرق وإن شاء أعتق ، فبايعوا يزيد على إكراه وأموالهم مسلوبة وحرماتهم مهتوكة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة . وبعث المجرم ابن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى طاغيته يزيد بن معاوية ، فلما وضعت بين يديه استشهد بالأبيات المشهورة لابن الزبعرى وهو أحد شعراء العصر الجاهلي (أنظر : شعر ابن الزبعرى : 42) : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القرن من سادتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل ثم بعد ذلك توجه المجرم ابن عقبة لقتال ابن الزبير - وقد كان في مكة - فهلك لعنه الله وهو في طريقه إليها . وتأمر بعده الحصن بن نمير بعهد من يزيد ، فتوجه نحو مكة المكرمة ، ونصب عليها المجانيق ، وفرض على جيشه أن يرموا عشرة آلاف صخرة في يوم واحد على البيت الحرام ، فحاصر الكعبة عدة أشهر ، وهي محرم الحرام وصفر وشهري ربيع الأول والثاني ، فمات الطاغية يزيد وكانت المجانيق قد أصابت الكعبة فهدمت البيت وشب فيها الحريق . أنظر : النص والاجتهاد : 319 ، تاريخ ابن الأثير 4 / 111 ، تاريخ الطبري 5 / 482 ، أنساب الأشراف ج 1 ق 4 ص 333 .


(311)
[80] ومذ أراد الرجس هدم الكعبه * قضى برغم الأنف منه نحبه *
     [80] كان توجيه الجند إلى الكعبة بعد وقعة الحرة ، توجه إليها مسلم بجنده لحرب ابن الزبير ، وكان مسلم مريضا فمات بالمشلل قبل وصوله إلى مكة المعظمة ، واستخلف على الجند الحصين بن نمير ، ودامت الحرب بينهم






(312)
[81] وكفره مذ نعب الغراب [82] وكيف لا يكفر من تمثلا [83] ويحك هل هذا ولي الأمر بان وعنه انكشف الحجاب (23) في لعبت هاشم بالملك فلا ؟ ! (24) من وجبت طاعته في الذكر

     بقية محرم وصفر من سنة 64 ، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من ربيع الأول رموا البيت الحرام بالمجانيق وأحرقوه بالنار وهم يقولون : خطارة مثل الفنيق المزبد * نرمي به أعواد هذا المسجد حتى إذا أهل ربيع الثاني هلك يزيد وتوادعوا ، فكان من فعله - لعنه الله - في السنة الأولى أنه قتل الحسين عليه السلام ، وفي الثانية أوقع وقعة الحرة ، وفي الثالثة هدم البيت . وسيأتي إن شاء الله تعالى عند التعرض لرواية " الخلفاء بعدي اثنا عشر " ما يدلك على أنموذج من أفعال غيره .
     [83] هذا الذي ذكره السيد مضمون ما ورد في بعض الروايات عن



(23) وهما بيتان من الشعر قالهما يزيد بن معاوية لعنه الله عند وضع رأس الحسين عليه السلام ورؤوس الأصحاب من آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعند دخول السبايا عليه ، فقال هذين البيتين لإظهار الشماتة والتشفي بهم : لما بدت تلك الحمول وأشرقت * تلك الشموس على ربى جيروني نعب الغراب فقل : نح أو لا تنح * فلقد قضيت من الغريم ديوني أنظر : وقعة الطف - لأبي مخنف - في هامش الصفحة 268 ، وغيره من كتب التاريخ .
(24) وهما بيتان من الشعر تمثل بهما يزيد بن معاوية عند دخول السبايا إلى مجلسه ، وذلك لإظهار حقده على بني هاشم ، وما فعل في ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل أنظر : وقعة الطف - لأبي محنف - في هامش الصفحة 268 ، وغيرها من كتب التاريخ والمقاتل الحسينية على اختلاف طبعاتها .
.


(313)

سفيان الثوري ، أنه قال لرجل من أهل مكة : اذهب بنا إلى جعفر بن محمد عليه السلام .
     قال الرجل : فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته فقال له سفيان : يا أبا عبد الله ، حدثنا بحديث خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الخيف . قال عليه السلام : دعني حتى أذهب في حاجتي فإني قد ركبت ، فإذا جئت حدثتك . فقال : أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حدثتني . قال : فنزل ، فقال : سفيان مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته . فدعا به . ثم قال : اكتب :
بسم الله الرحمن الرحيم

     خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الخيف نضر لله عبدا سمع مقالتي فوعاها ، وبلغها من لم تبلغه ، . . . ثم مر فيها إلى أن ذكر منها : ثلاثة لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم . ثم أتمها . قال الرجل : فلما كنا في بعض الطريق قلت لسفيان : إنه ألزمك شيئا لا ينفك من رقبتك . قال : وما ذاك ؟ ! قلت : من هؤلاء الأئمة الذين يجب نصحهم ، معاوية وابنه ومروان وكل


(314)

[84] مقرونة بطاعة الله ومن [85] وكم تولى الأمر غير اللائق [86] فانظر إلى وليدهم كيف اعترف [87] يقول : قل مزقني الوليد قام بتبليغ الفروض والسنن من ملحد منافق وفاسق بالكفر لما نصب الذكر هدف (25) مستهزئا فليخسأ العنيد

     من لا تجوز شهادته عندنا ؟ ! وأي الجماعة المراد الذي أمرنا بلزومها ؟ ! مرجي يقول : من لم يصل ، لم يصم ، ولم يغتسل من جنابة ، وهدم الكعبة ، ونكح أمه ، فهو على إيمان جبرئيل ؟ ! أو قدري يقول : لا يكون ما شاء الله ، ويكون ما شاء إبليس ؟ ! أو حروري يبرأ من علي عليه السلام ويشهد عليه بالكفر . أو جهمي يقول : إنما هي معرفة الله وحده ؟ ! قال سفيان : وأي شئ يقولون ؟ ! قلت : يقولون : علي بن أبي طالب الإمام ، والجماعة أهل بيته . قال الرجل : خرق الكتاب وقال : اكتمها علي !



(25) إشارة إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . يكنى أبا العباس ، وهو أحد الخلفاء الأمويين ، حيث بويع بالخلافة سنة خمس وعشرين ومائة ، وذلك بعد موت عمه هشام بن عبد الملك ، وقد اشتهر الوليد باللهو وشرب الخمر والفسق والفجور والنساء الغانيات ، وروي عنه في أكثر من مصدر أنه ذات يوم دعا الوليد بن يزيد بمصحف فلما فتحه وافق ورقة فيها الآية الكريمة : (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد) . فقال لعنه الله : اسجعا سجعا ! علقوه . ثم أخذ القوس والنبل فرماه حتى مزقه ، ثم قال هذين البيتين الذين استشهد بهما السيد الطباطبائي - رحمه الله - على كفره وفسوق الأمويين : أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا لاقيت ربك يوم حشر * فقل لله مزقني الوليد ومما تجدر الإشارة إليه أنه كان يخاطب في هذين البيتين القرآن الكريم بكل وقاحة وصلافة ، وما لبث بعد هذه الحادثة إلا يسيرا إذ قتل لعنه الله سنة ست وعشرون ومائة . أنظر : الأغاني 7 / 49 ، أمالي المرتضى 1 / 130 ، خزانة الأدب 2 / 228 .


(315)
[88] فلا وأيم الله لا يليق [89] وقد كفانا حجة في الرد [90] فالنص فرض لازم وليس من من قام للفسوق فيه سوق نص الكتاب (لا ينال عهدي) (26) فيه ادعوا نصا سوى أبي الحسن (27)

     [90] البيت تفريع على ما تقدم ، فإنه لما ثبت وجوب نصب إمام ، وأنه لا بد أن يكون معصوما ، وأن معرفة عصمته لا تكون إلا من قبل الله تعالى ، فطريق بيانه حينئذ منحصر بالنص أو بالمعجزة ، وحيث إن المعجز - ونحوه من أسباب البيان - مما يدخله الوهم ، ويحتاج ثبوته إلى تكلف ومشقة ، لأنها حينئذ تكون كابتداء نبوة ، فانحصر الطريق بالنص ، ولذا لم يتعرض - قدس سره - لغيره ، ولما سبرنا أحوال الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجدناهم مختلفين في الإمام بعده : ويبطل القول بإمامة العباس : أنه لم يدعها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ادعاها أحد له ، ولا كان لذلك في بدء الأمر عين ولا أثر ، وإنما هو قول حدث في أيام خلافة بنيه . ويبطل دعوى أبي بكر : عدم الاستدلال به في يوم السقيفة ، واستند هو



(26) إشارة إلى قوله تعالى : (قال لا ينال عهدي الظالمين) (سورة البقرة ، آية 124) .
(27) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من كنت مولاه فعلي مولاه . . . " . أنظر : مسند أحمد 4 / 281 ، سنن الترمذي 5 / 633 ح 3713 ، سنن ابن ماجة 1 / 45 ح 121 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 109 ، حلية الأولياء 4 / 23 ، البداية والنهاية 7 / 346 - 349 ، ذخائر العقبى : 67 ، الرياض النضرة 3 / 126 ، مجمع الزوائد 9 / 103 ، خصائص النسائي : 99 ح 81 و 82 و 83 ، مصنف ابن أبي شيبة 12 / 83 ، المناقب للخوارزمي - : 99 ، المعجم الكبير - للطبراني - 5 / 229 ، أخبار أصبهان 1 / 107 ، الصواعق المحرقة : 188 ح 4 .
.


(316)
[91] وابن أبي قحافة لكن بطل [92] به وما احتاج لما لا ينجع [93] وهل ترى معنى للاستقالة ثبوته فيه وإلا لاستدل ولا رووا حديث : لا تجتمع (28) لو تم نص خاتم الرسالة

     وأصحابه إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " الخلافة في قريش " وما يتمسك به بعضهم على النص عليه موهون سندا ودلالة ، إذ لو كان شئ منه صادرا لكان في استدلالهم به غنى عن ذلك الكلام ، ولكان مستندا لمن رام إثبات حق لهم فيها ، ممن تجنب العناد والعصبية من علماء أهل السنة ، ولم يحتاجوا إلى تصحيح ذلك بالاستناد إلى الاجماع الذي لم يتم ولا يتم في زمن من الأزمان على أحد من الخلفاء . والاكتفاء باجتماع كل فرقة من فرق الإسلام لا مستند لها إلا خبر واحد نقله بعضهم محرفا عن أصل الحديث الدال على صحة إجماع كافة فرق الإسلام في عصر من الأعصار على أمر من الأمور الدينية الذي هو عندنا لأجل دخول الإمام فيهم .
     [93] المراد : أنه لو كان منصوصا عليه لم يجز أن يرقى المنبر بمحضر من المسلمين ويقول : أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ، لأن المنصوب بأمر الله عز وجل أو بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينخلع إلا بأمرهما وإن رضي الناس ، ولرد عليه أحد ممن حضر فقال : وما تثمر إقالتنا وأنت منصوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ !



(28) إشارة إلى ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث القائل : " لا تجتمع أمتي على ضلال " ، وذلك لتبرير موقفهم من خلافة أبي بكر ، على أن الأمة لا تجتمع على الضلالة . .


(317)
[94] أو ما رووه عن أبي حفص عمر [95] قد قال فيها : إنها لفلته (29) [96] هذا وليس باتفاق الأمه [97] فاختص نص المصطفى خير البشر (30) في بيعة الأول فاتبع الأثر لا ترجعوا لمثلها البته صديقهم من أهل بيت العصمه بالمرتضى قسم طوبى وسقر (31)

     [94] المراد : أنه لو كان منصوصا عليه لم يصح لعمر أن يقول في بيعته : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، أي أنها بغير ترو ولا مشورة . ولو كان منصوصا عليه لرد عليه المسلمون وقالوا له : إن ذلك لم يكن منا لنشاور فيه ، وإنما هو من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه نص عليه .
     [97] المراد : أنه إذا بطلت الدعاوى المذكورة ، كان النص المدعى وروده مخصوصا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام دون غيره إجماعا ممن قال بالنص . فإن قال قائل : إن جميع ما ذكرت أولا جاز هنا أيضا ، لأنه لم ينقل عنه



(29) إشارة إلى قول عمر بن الخطاب من أن بيعة أبي بكر كانت فلتة . أنظر : السيرة النبوية لابن هشام - 4 / 208 ، السيرة النبوية - لابن كثير - 4 / 487 ، تاريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين : 6 ، تاريخ الطبري 3 / 205 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 327 وفيه " فتنة " بدل " فلتة " .
(30) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي خير البشر فمن أبى فقد كفر " . أنظر : تاريخ بغداد 7 / 421 ، 9 / 391 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 444 - 449 ، الرياض النضرة 3 / 198 ، ذخائر العقبى : 96 ، فضائل الخمسة 2 / 100 ، مائة منقبة - لابن شاذان - : 123 ، كفاية الطالب : 245 .
(31) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا علي ، أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة " . أنظر : المناقب - لابن شاذان - : 56 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 244 ، المناقب - لابن المغازلي - : 67 ، المناقب - للخوارزمي - : 209 ، الصواعق المحرقة : 195 .



(318)
[98] صهر الرسول أزهد الأنام (32) [99] أحب مخلوق إلى الله وفي وأشجع الورى بلا كلام رواية الطائر شاهد وفي (33)

     أنه استدل به في ذلك اليوم ، ولا استدل له به أحد ممن تأخر معه ، ولأنه لما أرادوه على البيعة بعد من تقدمه أبى وصرح في كثير من خطبه بأنه أبى عليهم وامتنع . قلنا : إن دعوى عدم استدلاله واستدلال أصحابه له ممنوعة كيف ؟ ! وقد استفاض نقله في أخبارنا عنه ، وعن عدة من المهاجرين والأنصار ، وأنهم خاطبوا أبا بكر بذلك وهو يخطب على المنبر ، ثم إنهم هددوا فسكتوا ، على أن السكوت عن إظهار الحجة للعلم بعدم تأثيرها لعلمهم بها وإقدامهم على مخالفتها ، وعدم السامع الناصر ، بخلاف ما تم لأبي بكر من قيام أكثر الناس معه ، فكان الواجب عليه ذكر حجته ، خصوصا وقد التوى عليه جماعة قليلون يكون إيراد الحجة عليهم مسموعا . وأما خبر استقالته عليه السلام فقد أوضح وجهه ، وبينه في كثير من خطبه وكلماته ، وهو عدم استقامة من بايعه على البيعة ، ونكثهم ، كما هو ظاهر لكل من راجع التاريخ والسيرة .
     [99] رواه من أهل السنة جماعة : كالترمذي ، ورزين ، والخوارزمي ، وابن مردويه ، والحاكم ، وابن عبد البر ، وابن الأثير ، والبغوي ، وصاحب (المشكاة) .



(32) في بيان زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، أنظر : مسند أحمد 1 / 87 ، حلية الأولياء 1 / 80 و 81 ، مجمع الزوائد 9 / 131 ، الرياض النضرة 3 / 210 - 211 ، كفاية الطالب : 191 .
(33) إشارة إلى " حديث الطير " المشهور . أنظر : سنن الترمذي 5 / 737 ح 3721 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 130 ، المعجم . الكبير - للطبراني - 1 / 226 ، أنساب الأشراف 1 / 323 ، حلية الأولياء 6 / 339 ، تاريخ بغداد 8 / 382 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 105 ح 609 ، البداية والنهاية 7 / 350 - 353 ، تذكرة الحفاظ 3 / 1112 ، لسان الميزان 5 / 69 ، تاريخ الإسلام 2 / 197 ، تهذيب التهذيب 12 / 268 ، أسد الغابة 4 / 30 ، مجمع الزوائد 9 / 125 ، المناقب - لابن المغازلي - : 156 ، الرياض النضرة 3 / 114 ، تاريخ جرجان : 169 .



(319)
[100] وأعلم الناس بلا تأمل [101] قد رجعوا إليه في الوقائع [102] هل غيره قال : سلوني قبل أن [103] وأفضل الأنام بعد من صدع [104] كم نطقت بفضله الأخبار فقد روى الجمهور أقضاكم علي (34) وهو إلى سواه غير راجع وهل لها أهل سوى أبي الحسن (35) بالشرع ناهضا وضل من منع وصدقت أخباره الآثار

     وقال صاحب كتاب " فتح المطالب " منهم : رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا . وخلاصة مضمون الكل : أن أنسا قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طير مشوي ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير " فجاء علي عليه السلام فأكله معه .



(34) وفي قضاء أمير المؤمنين عليه السلام ، أنظر : مسند أحمد 1 / 77 ، 4 / 372 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 135 - 136 ، سنن البيهقي 8 / 111 ، المناقب - للخوارزمي - : 38 - 56 ، الرياض النضرة 3 / 167 - 169 ، ذخائر العقبى : 84 ، الصواعق المحرقة : 189 ح 10 .
(35) إشارة إلى خطبة له عليه السلام يستشهد بها الجميع على فضله ، وغزارة علمه ، يقول في مطلعها : " أما بعد حمد الله والثناء عليه ، أيها الناس ، فإني فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري بعد أن ماج غيهبها ، واشتد كلبها ، فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة . . . " . أنظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 36 خطبة 93 ، ذخائر العقبى : 83 ، الرياض النضرة 3 / 166 .
.


(320)
[105] ولنكتفي بالخبر المحقق [106] وسبق مفضول على ذي الفضل [107] يا عمرو كيف يترك الأمر سدى [108] فيترك الناس على الجهاله [109] ويهمل الدين الذي به صدع [110] ويحك ما أتعس من قد نطقا في ضربة الوصي يوم الخندق (36) مما أباه النقل بعد العقل خير نبي شارع نهج الهدى منغمرين في دجى الضلاله بتركه نصب إمام متبع بكفر قوم لبسوا ثوب التقى (37)

     [105] فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال فيها : " لمبارزة علي لعمرو ابن عبد ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة " بل في بعضها : " ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين " بل قال في أمير المؤمنين عليه السلام : " خرج الإيمان كله إلى الكفر كله " وناهيك في هذا من الجلالة والرفعة التي لا تضاهى ، والدلالة على الأفضلية .
     [107] وقد جاء هو بذلك كما في صحيح مسلم بعدة طرق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : " ما حق امرئ مسلم أن يبيت إلا ووصيته عنده مكتوبة " . ورواه البخاري أيضا ، مضافا إلى تصريح القرآن ، واتفاق الأخبار على لزوم الوصية ، فكيف يجوز في العقل أن يأتي شخص حكيم بأمر يحث عليه ويلزم به ويترك هو الالتزام به في وقت الحاجة إليه ، مع إفضاء تركه إلى فساد ذريته أو أصحابه ، مع كونه شفيقا عليهم رؤوفا بهم ؟ !



(36) راجع المغازي - للواقدي - 2 / 470 ، سيرة ابن هشام 3 / 235 - 236 ، دلائل النبوة - للبيهقي - 3 / 436 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 32 - 33 ، تاريخ بغداد 13 / 19 ، المناقب - للخوارزمي - : 104 ، نور الأبصار : 97 - 98 .
(37) لم يرد البيت في نسخة " ن " .
.


(321)
[111] فقل له والجرح لما يندمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل (38) (39) .
     [111] ما هكذا تورد يا سعد الإبل ، مثل قاله مالك بن زيد بن تميم ، في حق أخيه سعد ، وكان مالك أحسن الناس قياما على الإبل ، إلا أنه كان من أحمق الناس ، فزوجه أخوه سعد بامرأة من قومه ، فأدخله عليها ، فظل واقفا على الباب ، فلما رأى سعد ذلك قال : لج لا ولجت الرجم . فدخل وقعد في الحجرة ، ثم التفت إلى امرأته وعليها برد فقال : لمن هذا البرد ؟ فقالت : هو لك بما فيه .
     فقال : لا أريد ما فيه ، ولكن البرد هاتيه . فقالت له : ضع شملتك . قال : ظهري أحفظ لها . فقالت ضع العصا . فقال : يدي أحفظ لها . فقالت : اخلع نعليك . فقال : رجلي أولى بهما . فلما رأت حمقه وثبت فجلست إلى جنبه ، فلما شم الطيب قضى حاجته منها . فأعطته من طيبها فطلى به استه ، فقالت : دونك لحيتك ، فقال : استي أخبث .



(38) كما هو مشار إليه في شرح المنظومة برقم 111 ، وانظر تفصيل ذلك في : العقد الفريد 3 / 108 ، جمهرة الأمثال 1 / 93 .
(39) لم يرد البيت في نسخة " ن "
.


(322)

فصل
[112] يا عمرو هل يكفر من قد اقتفى [113] ومن سفينة النجاة ركبا [114] ومن بحبل الله في الدين اعتصم [115] ومن هداه الله آخذا غدا بعد النبي بالهداة الشرفا ؟ ! واتخذ الدين الحنيف مذهبا (40) مواليا عترة سيد الأمم بحجزة الآل مصابيح الهدى (41)

     وكان أخوه يقوم على الإبل في أيام عرسه ، فلما قضى مدة العرس خرج يوما فرأى سعدا وقد أورد الإبل مشتملا فقال : أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل فصار كلامه مثلا لكل من أورد حجة يعلم بطلانها وعدم فائدتها في المورد .
     [114] المراد بحبل الله هو علي عليه السلام كما جاءت الرواية به منا ومن علماء أهل السنة : كالطبراني ، والحافظ أبي نعيم ، والعز الحنبلي ، وابن حجر عن الثعلبي ، ورواها العنبري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأنه لما رأى أن العالم بالنسبة إلى الله تعالى كالهوة بالنسبة إلى أعلاها ، ولا شك أن من وقع في هوة يحتاج في خروجه منها وارتقائه إلى أعلاها إلى الحبل ، ولما كان علي والأئمة عليهم السلام من ولده هم المنقذون بعد النبي من هوة الضلال والكفر ، استعار لهم لفظ الحبل ، لأن الارتقاء إلى أعلى درجات الكرامة لا يحصل إلا بهم .
     [115] أشار بالبيت إلى المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه



(40) سبقت الإشارة إليه في البيت رقم 26 ، فراجع .
(41) في نسخة " م " : الدجى .



(323)
[116] ومن تولى بعلي من أتى [117] وقد كفى فيه حديث المنزله في شأنه التنزيل فاقرأ (هل أتى) (42) فما لهارون جميعا فهو له (43)

     قال : يا علي ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله ، وأخذت أنت بحجزتي ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم ، فترى أين يؤخذ بنا ! رواه الزمخشري في ربيع الأبرار ، والديلمي في الفردوس . والحجزة - بالضم - : مقعد الأزرار ، ومن السراويل موضع شده ، ووجه الاستعارة للاستجارة بالله وبالنبي وآله ظاهر ، ويمكن أن يكون المراد به الكناية عن ذلك .
     [116] وقد روى الجم الغفير من المفسرين ، كأبي صالح ، ومجاهد ، والضحاك ، والحسن البصري ، وعطاء ، وقتادة ، ومقاتل ، والليث ، والنقاش ، والقشري ، والثعلبي ، والواحدي ، والبغوي ، والزمخشري ، والبيضاوي ، والشيرازي ، والنيسابوري ، والمزني ، والغزالي ، والخوارزمي ، والمكي ، والسيوطي ، وابن مردويه : أن نزول هذه السورة كان في حق علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، ويكفي ما فيها من التنصيص على فضلهم ، وأنهم قد استجمعوا صفات الجلال والكمال ، وأنهم خالصون عن شوب النقص ، وأن ذلك دائم لهم في الأخرى كما هو صريح الآية .
     [117] عبارة الخبر عن سعد : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم



(42) إشارة إلى قوله تعالى : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) سورة الإنسان ، آية : 1 . أنظر : كفاية الطالب : 345 - 348 ، المناقب للخوارزمي - : 188 - 192 ، المناقب - لابن المغازلي - : 272 ، أسد الغابة 5 / 530 ، الرياض النضرة 3 / 208 .
(43) إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . أنظر : مسند أحمد 1 / 175 ، صحيح البخاري 5 / 24 ، 6 / 3 ، صحيح مسلم 4 / 1870 ، سنن الترمذي 5 / 638 ح 3724 ، فضائل أحمد : 110 ، سنن ابن ماجة 1 / 45 ح 121 ، تاريخ بغداد 3 / 406 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 1 / 123 ، حلية الأولياء 7 / 149 ، فرائد السمطين 1 / 377 ، كفاية الطالب : 281 ، المناقب - للخوارزمي - : 83 ، المناقب - لابن المغازلي - : 27 - 36 ، الرياض النضرة 3 / 117 ، ذخائر العقبى : 63 ، خصائص النسائي : 77 - 79 ، الإستيعاب 3 / 34 ، مجمع الزوائد 9 / 110 ، الصواعق لمحرقة : 187 ح 1 .



(324)

     يقول لعلي عليه السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . وفي بعض الأخبار : عن سعد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : إلا أنه لا نبوة بعدي . وجه الاستدلال بهذا الخبر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي عليه السلام منزلة هارون من موسى ، ومنزلة هارون من موسى الشركة معه في النبوة ، فيثبت له جميع لوازمها كما تثبت هي له لولا الاستثناء . وكما إذا قيل : زيد مثل عمرو إلا في الشجاعة ، فإن المماثلة بينهما يلزمها الاشتراك في جميع اللوازم إلا المستثنى منها . وهنا وجه ثان لإثبات دلالة الخبر على إمامته :
     أن يقال : إنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل عليا بمنزلة نبي من أنبياء الله تعالى ، فيكون جامعا لجميع صفات النبوة ، بحيث لو ساغت النبوة بعده صلى الله عليه وآله وسلم لكان علي عليه السلام هو المتعين لها ، وحيث كانت النبوة ممتنعة بحكم الاستثناء علمنا أنه هو القابل للإمامة وفرض الطاعة دون غيره ، لأن لكل نبي إمام ، ووجود العلة فيه قاض بذلك ، وهذا أحد أنواع التعيين . ولم نجد لأحد ممن دفع دلالة الخبر على الإمامة وجها يستند إليه سوى


(325)

     ما يحكى عن بعض من جعل الاستثناء منقطعا ، ويراد به رفع توهم ثبوت النبوة لعلي عليه السلام . ويرده : أنه لا يكاد أن يتوهم أحد ذلك لعلي عليه السلام مع وضوح كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، على أن الاستثناء المنقطع شرطه مخالفة ما بعد إلا لما قبلها ، لأنه على ما عرفوه ما لا يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه ، أو ما لا يكون من جنسه ، أو ما كان مخرجا من دلالة المفهوم ، بخلاف المتصل ، فإنه مخرج من دلالة المنطوق . وعلى جميع التقادير لا يتم هنا كما هو واضح ، ومما يؤيد اتصاله ما ورد في بعض الروايات عن سعد أيضا ، قال : خرج علي عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول : تخلفني مع الخوالف ؟ !
     فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة ؟ ! فإن ظاهره بل الصريح منه : إنك تفارق هارون في هذه الجهة خاصة دون غيرها . ويؤيده أيضا قوله عليه السلام في بعضها : " إلا إنك لست بنبي " على أن قطع الاستثناء مع كونه على خلاف الأصل لا يضر فيما نحن بصدده ، لأن رفع هذا التوهم يقضي بكون علي عليه السلام حاو لمرتبتها ، فيكون أحق من غيره بالإمامة ، إذ لا تكون النبوة إلا لمن جمع الصفات المقتضية لها ، فكأنه بهذا ذكر العلة وأراد معلولها ، وهذا أحد طرق التعيين كما لا يخفى . والحاصل : إن دلالة الخبر على العموم مما لا ريب فيه ، ولذا قال ابن أبي الحديد : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق المسلمين : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . فثبت له جميع مراتب هارون ومنازله من موسى .


(326)
[118] إلا النبوة التي استثناها [119] وآية العموم الاستثناء [120] حملا على المعنى بوجه سالم [121] وكم لهذا الحمل من نظائر [122] واجعله وصلا إن أبيت حمله [123] وقيل : الاستثناء راجع إلى [124] والانقطاع شرطه المخالفه [125] فدعوى الانقطاع من أهل الأدب [126] وشاهد الوصل الروايات التي [127] بل قطع الاستثناء غير قادح [128] ومجمل القول العموم ظاهر [129] بل الحديث لو خلا عن إلا [130] وهو حديث قاله بين الملا عنه النبي فهو منتهاها وليس في اتصاله خفاء من ذكر ملزوم وقصد اللازم فانظر إلى الأشباه والنظائر بحذف معلول وذكر العله مبتدأ الكلام كي يتصلا وليس من وجه هنا مخالفه فيه وما ضاهاه تورث العجب أضافت الأداة للنبوة لما استفدناه بوجه واضح منه ومن أنكر مكابر وتلوها على العموم دلا مكررا خير نبي أرسلا

     فإذن هو وزير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشاد أزره ، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره .
     [130] روي عن سعد أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مرة ولا مرتين ، وقد عينت جملة من الروايات موارده ، ففي بعضها ذكرت قوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قصة تبوك ، وفي بعضها عند سد الأبواب ، وفي ثالثة عند النهي عن النوم في المسجد ، وفي رابعة يوم فتح خيبر ، وفي خامسة أنه قاله في منى ، وفي سادسة عند ولادة الحسن عليه السلام ، وفي سابعة عند المؤاخاة بين الصحابة وعقد المؤاخاة بينه وبين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام ، وفي ثامنة عند سؤال صخر بن حرب عن الأمر


(327)
[131] بل قوله يوم خروجه إلى [132] إذ لا يخصص المحل ما ورد [133] بل إن أراد مدة الغيبة لا [134] بل إن يكن منه الخصوص قصدا [135] وموت هارون وإن تقدما تبوك واف عند من تأملا (44) بما اقتضى العموم في الرأي الأسد غير فالاستثناء يبقى مهملا لم يبق للتنزيل وقع أبدا لا يوجب الوهن كما توهما .

     بعده ، وفي تاسعة أنه قال ذلك في حجته ، وفي عاشرة أن جبرئيل هبط بهذا إلى رسول الله . على أن قوله عليه السلام ذلك ولو مرة واحدة ، سواء كان في تبوك أو غيرها ، كاف في ثبوت المطلوب لما هو معلوم من أن ورود حكم عام في مورد خاص لا يقضي بتخصيص الحكم لأجل خصوصية المورد ، وربما أمكن ذلك في الاطلاق ، إلا أنه لا يمكن ذلك في العموم ، ولو أريد تخصيصه بخصوص تلك الواقعة كان الاستثناء لغوا ، إذ لا يتوهم أحد النبوة لعلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلا عن حياته . على أنه ليس لتلك الإمارة كبير وقع وأثر في النفوس ، فقد ذكروا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يولي عليها رجالا غير علي عليه السلام ، كابن أم مكتوم الأعمى ونحوه ، وهذا وجه ثان لدفع دلالة الخبر على العموم .
     [135] هذا وجه ثالث لدفع دلالة الخبر على العموم ، وهو أن هارون لم يل أمر الأمة بعد موسى لموته في زمانه ، وإنما ولي ذلك يوشع ، وهذا لا يوجب وهنا في دلالة الخبر ، لما هو واضح من أن المنصوب لأمر من الأمور لا ينعزل إلا بأمر ممن نصبه ، وموته في أثناء ولايته ليس بعزل له حتى يتوهم المتوهم قصور الخبر عن الإفادة مع لزوم لغو الاستثناء أيضا .



(44) سبقت الإشارة إلى حديث المنزلة في البيت رقم 118 ، فراجع . .


(328)

[136] إذ هو لو دام لدام الأمر له [137] ولو على حال الحياة حسب دل [138] وقد كفى تمسك الجمهور [139] قبال من أنكرها رأسا ولا [140] وهو حديث أثبتوا شياعه قطعا فلا عزل لهذي المنزله لم يبق لاستثناء ما استثنى محل به على أهلية الأمير مجال للسبط فراع المجملا من طرق السنة والجماعه

     ويكفي لدلالته تمسك الجمهور به على أهلية الأمير للخلافة في قبالة من أنكر أهليته عليه السلام كبعض العثمانية .
     [140] الحديث المذكور رواه جماعة من أهل السنة غير من عددهم - قدس سره - كأبي داود ، والحميدي ، والبزاز ، والطبراني ، وابن المغازلي ، والديلمي ، والخركوشي ، والتنوخي ، وابن عبد البر ، والخطيب البغدادي ، وعبد الملك العكبري ، والعصامي ، وأبو بكر بن مالك ، وابن الثلاج ، وابن فياض ، وابن عقدة ، والحاكم ، ومحمد بن إسحاق ، وابن الأثير ، والبغوي ، وابن النجار ، والشيرازي ، والحسن بن بدر ، والنطنزي ، والخوارزمي ، وأبو نعيم ، والعقيقي ، وابن مردويه ، وصاحب كتاب الوسيلة ، وصاحب بشارة المصطفى ، وعبد الغني ، وابن عساكر ، والدار قطني ، والبيهقي ، وغيرهم ممن لم نذكرهم . بل قال في المشكاة : إنه متفق على روايته ، وقال ابن أبي الحديد : إنه مجمع عليها ، وهو مما يحصل القطع بوروده عنه صلى الله عليه وآله وسلم لو أغمضنا النظر عن تواتره . ومع هذا كله فقد أنكر الآمدي صحته ! إلا أنه لا يجدي إنكاره مع رواية أصحابه له ، وقول بعض أصحابه بأنه متواتر ، أو : مجمع عليه ، أو : صحيح السند ، أو قوي ، أو نحو ذلك لكفاية الخصم في مقام إيراد الحجة بثبوته في روايتهم ولو من طرق الآحاد وتلقي الجمهور له بالقبول .


(329)
[141] ونحن في غنى عن الإكثار [142] ومسلم (46) وأحمد (47) والترمذي (48) [143] كيف ؟ ! وقد نص الجلال المعتمد [144] فهي رواية تزيح العلة [145] وآية الأنفس في التنزيل من بعد ما أخرجه البخاري (45) فلا نبالي بمقال الآمدي (49) وغيره على تواتر السند وتدحض الشك وتروي الغلة مما به قد اشتفى غليلي (50)

     ولذا لما لم يسع البعض إنكاره تشبث بعضهم : بأنه من طرق الآحاد ، والشيعة لا يرونه حجة ، وقد ظهر ما فيه .
     [145] آية الأنفس مر ذكرها عند قول السيد في الفصل الثاني في إثبات الإمامة : " فآية الأنفس بالمماثله " ومر هناك ذكر بعض من روى من أهل السنة سبب نزولها ، وبيان اجتماع الرواة على انحصار المباهلة بعلي [وفاطمة] والحسن والحسين عليهم السلام ، فينبغي هنا ذكر الفضيلة التي خص بها أهل المباهلة ، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على الجميع



(45) إشارة إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه لحديث المنزلة ، أنظر : صحيح البخاري 5) 24 ، و ج 6 / 3 .
(46) إشارة إلى ما ذكره مسلم في صحيحه ، أنظر : صحيح مسلم 4 / 1870 ح 2404 .
(47) إشارة إلى ما ذكره أحمد في مسنده لحديث المنزلة ، أنظر : مسند أحمد 1 / 175 .
(48) إشارة إلى ما ذكره الترمذي في سننه لحديث المنزلة ، أنظر : سنن الترمذي 5 / 641 ح 3730 و 3731 .
(49) لقد نفى الآمدي صحة خبر حديث المنزلة بالرغم من إقرار كافة أئمة الحديث بصحته ، وهذا ما نقله ابن حجر في الصواعق المحرقة ص : 73 .
(50) إشارة إلى قوله تعالى : (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) سورة آل عمران ، آية 61 . أنظر : مسند أحمد 1 / 185 ، سنن الترمذي 5 / 638 ح 3724 ، صحيح مسلم 4 / 1871 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 150 ، سنن البيهقي 7 / 63 ، كفاية الطالب : 141 ، فرائد السمطين 1 / 377 ح 307 ، الصواعق المحرقة : 187 .
.


(330)

     حاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والدلالة في القصة كما عن الكشاف : أنه صلى الله عليه وآله وسلم عرض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لدعاء الخصم ، وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، بحيث ربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل . قال : وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ، واختصاصهم بحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم دون غيرهم في مقام الدعاء ، والاستدلال على صدق الحجة برهان واضح على كونهم من أفضل نفوس أمته ، وأقربهم إلى الله تعالى ، وأنهم من تمام الحجة ، لأن الله تعالى جعل في المباهلة بهذه الجماعة الخاصة دليل صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقيقة ما أنزل عليه من الكتاب ، ومقتضى الحكمة أن يكون الاحتجاج على الجاحد بأبلغ الحجج وأتمها وأرهبها في قلوبهم .
     فظهر أن هذا الابتهال - كما عن " بحر المناقب " للخوارزمي - عديل لكل نبي وكتاب في إظهار الحق والاحتجاج على الخصم ، ومصحح لكل ذلك ، حيث كان مصححا للقرآن المصحح لذلك ، فكان الاتباع لهم أتم في الهداية وأبلغ ، وما كان أتم كان ألزم في الحجة ، وما كان ألزم فيها كان واجبا مضيقا لا يسع الإخلال به ، وما لا يسع الإخلال به وجب كوجوب معرفة الله والرسول كما يدل عليه قوله تعالى في آية التصدق الدالة على وجوب ولايته كولاية الله ورسوله ، وأن سيرة الأنبياء عليهم السلام في مقام الدعاء والابتهال إلى الله تعالى عند مهام الأمور اختيار صلحاء أمتهم للتأمين على دعائهم وحصول مراداتهم كما لا يخفى على من راجع أحوالهم . [*]


(331)
[146] كآية الإيتاء للزكاة * لسائل الصلات في الصلاة (51)
     [146] آية الإيتاء للزكاة هي قوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) في المائدة ج 6 ح 4 . ونزولها في أمير المؤمنين عليه السلام ، لا ريب فيه ، بل الروايات من الخاصة وجمهور العامة متواترة ، بل زادت على التواتر ، فلا نطيل الكلام بذكر من ذكرها أو رواها ، لما عرفت سابقا من كفاية اعتراف الخصوم بها في الجملة ، وإنما المهم ذكر الرواية وبيان مدلولها ثم الكلام في دلالة الآية . فنقول : روى الثعلبي في تفسيره ، والأعمش ، والحسكاني ، على ما نقله أصحابنا عنهم ، عن عباية بن ربعي ، قال :
     بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول : قال رسول الله ، إلا قال الرجل : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال ابن عباس : سألتك لله من أنت ؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، أنا جندب بن جنادة البدري ، أبو ذر الغفاري ، سمعت رسول الله بهاتين وإلا فصمتا ، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول : " علي قائد البررة وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله " .



(51) إشارة إلى قوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) سورة المائدة ، آية 55 . أنظر : كفاية الطالب : 228 ، الرياض النضرة 3 / 207 ، ذخائر العقبى : 102 ، مجمع الزوائد 7 / 16 - 17 ، التفسير الكبير - للرازي - 12 / 26 ، والكشاف - للزمخشري - 1 / 623 ، جامع البيان 4 / 186 ، الدر المنثور 3 / 105 .


(332)

     أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : " اللهم اشهد أني سألت في مجسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني أحد شيئا ، وكان علي عليه السلام في الصلاة راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى ، وكان يتختم فيها ، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بمرأى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي ، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال : " اللهم إن أخي موسى سألك فقال : (رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا : (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا) .
     اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك ، اللهم فاشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليا اشدد به ظهري . قال أبو ذر : فما استتم كلامه صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل جبرئيل من عند الله عز وجل وقال : يا محمد اقرأ . قال : وما أقرأ ؟ قال : اقرأ : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) .
     ورواها الرازي أيضا في تفسيره . وتخالف الروايات في النقل لا يؤول إلى المنافاة غالبا ، والاستدلال بالآية يتوقف على أمور ثلاث : أحدها : الاختصاص بمن آمن وأقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع ، وعدم


(333)

     اتصاف جميع المؤمنين بذلك ظاهر ، والمتفق عليه من الروايات اجتماع هذه الصفات عند نزول الآية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذا بناء على كون (وهم راكعون) حالا ، ومنع كونه حالا بدعوى كونه كالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، أو الذين من شأنهم وعادتهم ذلك ، ظاهر البطلان ، لأن قوله : (يقيمون الصلاة) قد دخل فيه الركوع ، فلو لم يحمل (وهم راكعون) على الحالية لكان كالتكرار لذلك ، وأن أول الركوع بمعنى الخضوع ، يلزم اتحاد المضاف والمضاف إليه ، وكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه ، لأن الذين آمنوا هم الذين أضيفت إليهم الولاية ، وهم المخاطبون بها على أن تعسف التخريجات لا يوجب رفع اليد عن ظاهر الآية وسوقها ، ورفع اليد عن جملة الأخبار الصريحة في المراد . ثانيها : إرادة الأولى بالتصرف من الولي ، كما في حكاية الغدير ، وهذا ظاهر لمن أعطى النظر حقه في الروايات ، ونظر في القرائن الدالة على ذلك ، كمحمد النبي وشكره ، وككون سبب النزول هو سؤال الوزارة من الرسول ، وكقيام حسان بعد ذلك منشدا بمحضر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجل الصحابة قائلا :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي أيذهب مدح من محبك ضائعا فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا فأنزل فيك الله خير ولاية وكل بطئ في الهدى ومسارع وما المدح في جنب الإله بضائع فدتك نفوس القوم يا خير راكع وبينها في محكمات الشرائع

     وقيل : إنها لخزيمة بن ثابت ، مع ما في الحصر من الدلالة إذ المعاني المتوهمة في المقام لا يختص شئ منها ببعض دون بعض ، والمختص منها غير مراد قطعا .


(334)

     الحاصل : أن استعظام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ذلك حتى نقل أن بعضهم تصدق أربعين مرة راكعا لينزل فيه ما نزل في علي عليه السلام فما نزل ، مما يدل جميعه على إرادة الأولى بالتصرف من الولي .
     ثالثها : انحصار ذلك في علي عليه السلام وعدم مشاركة غيره له من المؤمنين ، وهذا قد علم فيما تقدم . وإذا تمت الأمور الثلاثة اتجه الاستدلال بها على الإمامة لدلالة (إنما) على الحصر ، ومعناه : حصر الحكم في مدخولها ونفيه عما عداه ،
     كقول الأعشى : ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر ومتى كان ذلك ، وجب كون المنحصر في الآية هو ولاية أمر الإمامة ، لأنه المنحصر حقيقة في الله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو حمل على غير ذلك لم يكن الحصر حقيقيا ، وهو على خلاف الأصل . بل لو قلنا : بأن الحصر الحقيقي إنما يختص بما فيه تردد ونزاع وإنكار ، ولا تردد ولا نزاع ولا إنكار عند نزول الآية فلا يضر ذلك ، لأن من اعتبر ذلك فيه لم يعتبر وجوده حين الخطاب ، بل لو علم وقوع النزاع فيه ولو بعد حين - كما في المقام - جاز له إرادة الحقيقي منه ، ووجب حمل كلامه عليه مع عدم القرينة على إرادة غيره من المعاني الممكنة ، فضلا عن مثل المقام الذي يمتنع إرادة غيره من المعاني . على أنا نمنع اعتبار وقوع النزاع فيه والتردد ، بل يكفي كونه في معرض الإنكار وتوهمه كما في قوله :
     أنا الذائد الحامي الجوار وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي


(335)
[147] فإنها قد نزلت في المرتضى [148] إذ هو بالخاتم قد تصدقا [149] فهو ولي المؤمنين أجمعا [150] ولا خفاء ثم في الولي في [151] فالحصر إن فسرته بالناصر [152] وهو حقيقي فلا يعتبر [153] بل إن يكن حصرا إضافيا فلا [154] بأنه في معرض الإنكار [155] والجمع في الآية للتبجيل [156] ولا ينافي المحو في الصلاة كما روى الجمهور والوصف اقتضى حال الركوع مؤمنا مصدقا والذكر حجة علي من منعا إرادة الأحق بالتصرف أو المحب لم يكن بحاصر تردد السامع فيما يحصر قدح لعلم الله جل وعلا بعد النبي أحمد المختار وشاع ذا الاطلاق في التنزيل توجه القلب إلى الزكاة .

     [155] وربما اعترض على التخصيص : بأن الآية وردت بلفظ الجمع الظاهر في الشمول لعموم المؤمنين ، فكيف يخص بواحد منهم ؟ ! والجواب : إن الوارد في اللغة استعمال العرب من هذا كثير ، وقد وقع في الكتاب العزيز في عدة مواضع لا ينازع أحد في إرادة المفرد منه تعظيما وتجليلا ، مع إمكان إرادة الأمير عليه السلام ومن شاركه في الإمامة من ولده ، لورود بعض الروايات بأن مشاركيه في الإمامة صدر منه أيضا مثل فعله .
     [156] وربما توهم بعض ، فاعترض من أن الالتفات إلى السائل في تلك الحال يوجب شغل القلب عن الصلاة ، وهو مناف للخشوع الذي هو روح الصلاة . وجوابه : إن هذا الحال من مثله عليه السلام هو عين الخشوع لله ، فإنه لما سمع السائل خشع قلبه لله تعالى خوفا من رده ، فكان هو عين الاشتغال بالله لا الاشتغال عن الله تعالى .


(336)
[157] فهو إلى الله من الله وفي [158] وكم له في طاعة الرحمان [159] من وحدة وصحوة وخلوة [160] وآية التبليغ أجلى آيه (52) مرضاته سرى ولم ينحرف على اصطلاح الكشف والعرفان في كثرة وسكرة وجلوة دلالة لصاحب الدرايه

     [160] آية التبليغ هي قوله تعالى : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) في سورة المائدة ، الجزء السادس ، الحزب الرابع . إعلم أن هذا الآية نزلت في حجة الوداع ، وقد روى نزولها في علي عليه السلام جماعة من علماء العامة ، كابن جرير الطبري في كتاب الولاية ، وصاحب كتاب النشر والطي ، والواحدي في كتاب أسباب نزول القرآن ، والسيوطي في تفسيره ، وفي كتاب الإتقان ، وابن أبي حاتم ، وابن عساكر ، والرازي في تفسيره الكبير ، وأبي بكر الشيرازي في كتاب ما نزل في علي من القرآن ، والمرزباني ، والحسكاني ، وابن حنبل ، والثعلبي في تفسيره ، والسجستاني في الدراية ، ومسلم ، والبخاري ، وابن مردويه ، والكليني ، وأبي نعيم الأصبهاني ، وصاحب المناقب .
     بل عن ابن مردويه يرويه بإسناده عن ابن مسعود ، قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) أن عليا ولي المؤمنين (وإن لم يفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) .



(52) إشارة إلى قوله تعالى : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) سورة المائدة ، آية 67 . أنظر : أسباب النزول - للواحدي - : 114 ، التفسير الكبير - للرازي - 12 / 49 ، الدر المنثور 3 / 117 ، شواهد التنزيل - للحسكاني - : 187 . .


(337)
[161] فأي أمر يقتضي التأكيدا [162] وأي أمر يتقي النبي عن [163] غير الذي نحن به نقول [164] يوم الغدير قائلا بين الملا : فيه بما يشابه التهديدا تبليغه حذار إيقاع الفتن وهو الذي بلغه الرسول ألست أولى بكم ؟ قالوا : بلى (53)

     والذي يظهر من جميع رواياتهم أنها نزلت في تبليغ ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام وفي ولايته ، أو نحو ذلك مما يرجع إليها .
     فإذا تم هذا فنقول : أي أمر من أمور الدنيا والدين يحتاج إلى هذا التأكيد العظيم الذي يخرج المؤكد فيه عن الجهة التي أرادها إلى التهديد عليه بهذا النوع الموجب لانتفائه عن الرسالة ؟ ! ثم أي أمر يتقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه إلى هذا الحد ولم يتق مع طواغيت قريش وجبابرتها ومعاداتهم معه سرا وجهرا ، وهو فرد لا ناصر له ولا معين ؟ ! فهل يصح أن يقول عاقل : إن ذلك الأمر غير ولاية العهد والإمارة ؟ ! اللهم إلا أن يكون تحليل ما حرم في جميع الشرائع مما يوجب فتح باب الكلام عليه من المنافق والكافر وأمثالهم ممن يتستر بالإسلام ، وليس لأحد أن يجري أمر الولاية والإمارة بعده مجرى تبليغ الحكم في عدم حصول الخوف ، لأن الإمارة بالخصوص في هذا المورد - وهو أخذ العهد لابن عمه وصهره وأبي ولديه - مما يفتح للمنافق والكافر باب الكلام والطعن ، بل فيما دون هذا قد طعن الطاعن وأبدى ما يخفي صدره ، فراجع تغنم .
     [164] يوم الغدير : هو الثامن عشر من ذي الحجة ، وكان ما وقع فيه بعد



(53) إشارة إلى حديث الغدير : " ألست أولى بكم من أنفسكم . . . " أنظر : السنة - لابن أبي عاصم - : 1361 ، مسند أحمد 4 / 370 ، خصائص النسائي 100 ، المعجم الكبير - للطبراني - 3 / 200 ح 3052 ، المناقب - لابن المغازلي - : 18 تاريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 74 ح 571 .


(338)

     أن أتته العزيمة من الله تعالى بما سمعت من التهديد والوعيد ، وبعد أن أتته العصمة من الناس . وقصة الغدير أمر لا يرتاب فيه جاهل فضلا عن عاقل ، فإنها قد بلغت حد التواتر ، بل تجاوزته ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك إجمالا . وقد نقل أخبار الغدير جماعة من أهل السنة مجملين ومفصلين ، ولا يسع المقام ذكر الجميع ، فلنذكر بعض الروايات الدالة على المقصود وإن رووا ما هو أبسط منه . فنقول : روى محمد بن جرير الطبري في كتاب " الولاية " بإسناده إلى زيد ابن أرقم ، قال : لما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع - وكان في وقت الضحى والحر شديد - أمر بالدوحات فقمت ونادى الصلاة جامعة ، فاجتمعنا وخطب خطبة بليغة ، ثم قال : إن الله تعالى أنزل إلي : (بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد ، وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي ، فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي والقائلين ، لكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذنا ، فقال تعالى : (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم) ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت ، ولكن بسترهم قد تكرمت فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه .


(339)

     فاعلموا معاشر الناس ذلك ، فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما ، وفرض طاعته على كل أحد ، ماض حكمه ، جائز قوله ، ملعون من خالفه ، مرحوم من صدقه ، اسمعوا وأطيعوا ، فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ، ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة ، لا حلال إلا ما أحله الله ورسوله وهم ، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله وهم ، فما من علم إلا وقد أحصاه الله في ونقلته إليه ، فلا تضلوا عنه ، ولا تستنكفوا منه ، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ، لن يتوب الله على أحد أنكره ، ولن يغفر له حتما ، على الله أن يفعل ذلك ، وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الآبدين ، فهو أفضل الناس بعدي ، ما نزل الرزق وبقي الخلق ، ملعون من خالفه .
     قولي عن جبرئيل عن الله ف‍ (لتنظر نفس ما قدمت لغد) افهموا محكم القرآن ، ولا تتبعوا متشابهه ، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذ بيده ، وشائل بعضده ، ومعلمكم أن من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، وموالاته من الله عز وجل أنزلهما علي ، ألا وقد أديت ، ألا وقد بلغت ، ألا وقد أسمعت ، ألا وقد أوضحت ، لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره .
     ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : معاشر الناس ، هذا أخي ووصيي وداعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي .
     وفي رواية : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، والعن من أنكره ، واغضب على من جحد حقه ، اللهم إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي : (اليوم أكملت لكم دينكم) بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة ، فأولئك حبطت أعمالهم ، وفي النار هم خالدون ، أن إبليس أخرج آدم من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد ، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم


(340)
وتزل أقدامكم .
     في علي نزلت سورة (والعصر * إن الإنسان لفي خسر) إلى آخرها . معاشر الناس ، آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ، ونلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ، النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي .
     معاشر الناس ، سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ، وإن الله وأنا بريئان منهم ، وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار ، وسيجعلونها ملكا واغتصابا ، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان ، ويرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . معاشر الناس ، عدونا كل من ذمه الله ولعنه ، وولينا كل من أحبه الله ومدحه . ثم ذكر عليه السلام الأئمة من ولده ، وذكر قائمهم وبسط يده ، وأوصاهم بشعائر الإسلام ، ودعاهم إلى مصافقة البيعة للإمام ، وقال : إنه بأمر الملك العلام .
     فقال : معاشر الناس ، قولوا : أعطيناك على ذلك عهدا من أنفسنا ، وميثاقا بألسنتنا ، وصفقة بأيدينا ، نؤديه إلى أولادنا وأهلينا ، لا نبتغي بذلك بدلا ، وأنت شهيد علينا وكفى بالله شهيدا ، قولوا ما قلت لكم ، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين ، وقولوا : الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، فإن الله يعلم كل صوت وخائنة كل نفس ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ، قولوا ما يرضي الله منكم فإن تكفروا فإن الله غني عنكم . قال زيد : فعند ذلك بادر الناس بقولهم : نعم ، سمعنا وأطعنا على ما أمر


(341)
[165] فقال تبليغا عن الله العلي [166] فيا إلهي وال من والاه [167] فقال تسليما ولما يشمخ من كنت مولاه فمولاه علي من أمتي وعاد من عاداه فاروقكم يومئذ بخ بخ (54)

     الله ورسوله بقلوبنا ، وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليا عليه السلام : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وباقي المهاجرين والأنصار ، وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد ، وامتد ذلك إلى أن صلى العشاءين في وقت واحد ، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا . وفي مسند أحم ، والمصابيح للبغوي ، والبيضاوي ، والثعلبي ، وابن الجوزي ، والسمعاني ، وابن بطة ، والخوارزمي ، والخطيب البغدادي ، وابن المغازلي ، والترمذي ، وابن مردويه ، والخركوشي ، بعدما رووا عن زيد بن أرقم ، وأبي هريرة ، والبراء بن عازب ، وأبي سعيد الخدري ، حديث الغدير والموالاة ، ذكروا بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " أنه قال : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " وأنه لقيه عمر بعد ذلك فقال : هنيئا لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وفي بعضها : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم . وبخ كبل كما في (مخ) ، ومبنية على الكسر والتنوين كما في (مص) ، وفي الأول إن وصلت خفضت ونونت ، وفي (ق) تستعمل مفردة ومكررة مسكنة ومنونة فيهما ، والأولى منونة ، والثانية ساكنة ، كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشئ ، أو الفخر والمدح .



(54) إشارة إلى قول عمر بن الخطاب لأمير المؤمنين عليه السلام في غدير خم : " بخ بخ لك يا بن أبي طالب . . . " . أنظر : المصنف - لابن أبي شيبة - 12 / 78 ح 12167 ، مسند أحمد 4 / 281 ، فضائل أحمد : 111 ح 164 ، أنساب الأشراف 1 / 315 ، تاريخ بغداد 8 / 290 ، تفسير الرازي 12 / 49 - 50 ، مناقب الخوارزمي : 94 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 3 / 81 ح 12167 ، كفاية الطالب : 62 ، فرائد السمطين 1 / 71 ح 38 ، تذكرة الخواص : 64 . .


(342)
[168] أصبحت مولاي ومولى كل من [169] وهو حديث أثبتوا تواتره آمن بالله العلي ذي المنن منهم ولا مجال للمكابره

     [169] بل قد أفرد له جماعة من علماء أهل السنة خاصة به ، فممن صنف في ذلك محمد بن جرير الطبري وسماه كتاب " الولاية " ، وهو على ما نقل عنه ابن كثير الشامي ، كتاب في مجلدين ضخمين ، ومنهم محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة ، ومنهم الشيخ محمد الجزري ، ومنهم مسعود بن ناصر السجستاني ، ومنهم علي بن هلال المهلبي ، ومسعود الشجري ، ومنصور الرازي . وعن ابن شهرآشوب أنه قال : سمعت الهمداني يقول : أروي هذا الحديث على مائتين وخمسين طريقا . قال :
     وقال جدي سمعت الجويني يقول متعجبا : شاهدت مجلدا عند صحاف ببغداد في رواة هذا الخبر ، مكتوب عليه : المجلد الثامن والعشرين من " طرق من كنت مولاه فعلي مولاه " ويتلوه المجلد التاسع والعشرون . وعن برهان الدين القزويني : أنه سمع ذلك من بعض أصحاب أبي حنيفة . وفي " ضياء العالمين " نقل عن عدة من علماء أهل السنة - تزيد على ستين رجلا - أنهم رووه في كتبهم ، ومن جملتهم أصحاب الصحاح الستة ، فلا مجال للقدح في ثبوته ورده كما حكي عن أبي داود السجستاني ، والجاحظ ، على أن إجماع الأمة وإطباقهم على قبوله لأن الشيعة جعلته الحجة في النص على علي عليه السلام بالإمامة ، ومخالفوهم أولوه على اختلاف


(343)
[170] فالويل للمنكر قائلا بأن [171] ورافع إجمال لفظ المولى قد كان إذ ذاك علي في اليمن تقديم قوله : ألست أولى

تأويلاتهم ، وما علم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو اعتقدت بطلانه وامتنعت من قوله ، ومن شكك فيه أو في تواتره نسب إلى الجهل والعناد والعصبية ، ولهذا فر بعضهم إلى إنكار بعض مقدماته ولواحقه كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست أولى بكم من أنفسكم " أو إنكار " اللهم وال من والاه " استنادا إلى عدم ذكر جملة من أهل الكتب ذلك ، ولكن لا يخفى أن الأكثر منهم نقل ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
     [171] هذا البيت وما بعده من الأبيات إلى قوله - قدس سره - : " وقل له هلا أتى بالناصر " بيان لدلالة الخبر ، وكيفية الاستدلال به تتوقف على ثبوته أولا ، وقد تقدم ، وعلى ثبوت خصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الخبر المذكور : " ألست أولى بكم من أنفسكم " وقد نقله جملة من علماء أهل السنة كابن المغازلي ، وابن عقدة ، وابن حنبل ، وابن الجوزي ، وابن بطريق ، وابن مردويه ، وابن أبي الحديد ، وابن بطة ، والطبراني ، والسيوطي ، والبغوي ، والبيضاوي ، والثعلبي ، والترمذي ، والخوارزمي ، والبخاري ، والسجستاني ، والسمعاني ، والعصامي ، ومسلم ، ورزين ، والخطيب ، وصاحب كتاب النشر والطي .
     ويروون ذلك عن حذيفة ، وابن عباس ، وأبي أيوب ، وجابر ، وعائشة . وأنس ، والبراء ، وزيد ، وابن أبي أوفى ، وأبي سعيد الخدري ، فهي حينئذ كأصل الحديث مما لا يسع إنكاره . وحينئذ فيتعين إرادة (أولى) من لفظ (مولى) لو فرض كونه مشتركا بين عدة معان كما نقله جماعة من الخصوم ، ولم يمكن القول بكونه مشتركا معنويا ، وإن سلمنا وقوع الاستعمال في بعض المعاني المذكورة ، إلا أن الاستعمال


(344)

* [شرح] * وحده غير كاف في إثبات الحقيقة بل المنسبق إلى الذهن عند التجرد عن القرائن هو الأولى ، وفهم غيره في الغالب لا يكون إلا بقرينة . ولو سلم تردد الذهن بين المعاني المذكورة ، فمن أين حكم بكونه مشتركا لفظيا ، بل يجوز كونه مجازا وحقيقة ، إلا أن كثرة الاستعمال صيرته كذلك وإن لم يبلغ حد الحقيقة .
     أو أنه مشترك معنوي ، والجامع هو الأولوية ، وعند التعارض فالاشتراك المعنوي مقدم على الاشتراك اللفظي ، لأن اللفظي على خلاف الأصل ، بل لو حمل على الناصر أو على المحب مما يصح إرادته في المقام مع قطع النظر عن قرينة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست أولى " لقضى أيضا بالمطلوب ، لأنه حينئذ قد ذكر العلة وأراد معلولها ، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة " فإنه أشار إلى تعيينه بذكر العلة وهو كونه كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون هو المستحق دون غيره .
     ومن يقل : هلا أتى ب‍ (أولى) أو ما يفيد فائدته مما هو صريح الدلالة على المطلوب وهو الإمامة ؟ ! فيرده : أنه يلزم على هذا سقوط التمسك بالظواهر ، لجريان الكلام المذكور ، مع أن الأولى في المقام أن يعكس للكلام المذكور ، ويقال : لو أراد غير منصب الخلافة وجب عليه أن يستعمل لفظا صريحا أو ظاهرا فيه رفعا لاحتمال الخلاف ، لعلمه صلى الله عليه وآله وسلم بالأخذ بالظهور مع الاطلاق ، كيف ؟ ! وهو محفوف بهذه القرائن الكثيرة المخرجة للفظ عن ظهوره وتصييره نصا في المطلوب . ولنا في طريق إثبات المطلوب وجه آخر لم أجد من سبقني إليه ، وهو :


(345)
[172] بل ليس يأتي سائر المعاني [173] بل هو الأولى لو اللفظ خلا [174] بل قيل مرجع الجميع الأولى [175] بل لو حملناه على الناصر أو [176] إذ مقتضاه إن يكون كالنبي [177] ومن يقل : هلا أتى بأولى [178] إذا أراد منصب الخلافه هنا فلا حاجة للبيان عن صارف يصرف عنه استعملا والاشتراك المعنوي (55) أولى على المحب لقضى بما نفوا فيه وفي هذا تمام المطلب أو ما كأولى بدلا عن مولى منه له كي لا نرى خلافه

أن معرفة المعاني للألفاظ إنما هو بالتلقي عن أهل اللسان ، ومع فهم أهل اللسان لا مجال لدفع دلالة الكلام على المعنى ، فلو فرض كون اللفظ الذي هو محل النزاع مشتركا لفظيا بين عدة معان كما يدعيه الخصوم ، وأنه مع قطع النظر عن فهم أهل اللسان كان محتملا ، إلا أنه مع فهمهم منه معنى معينا فلا مجال لرده وقول : إنه مشترك .
     وقد صرح جماعة من أهل السنة بما صدر من حسان من المدح لأمير المؤمنين عليه السلام ، وما صدر من قيس بن سعد من المدح ، وهذا بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ، وما رد على حسان ولا على قيس تلك المقالة ، فلولا أنهم فهموا كما فهمنا لردوا عليهم ، ولا أقل من الاستفسار عن الأمر . وممن ذكر شعر حسان بمحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ابن مردويه ، والخركوشي ، والحسكاني ، وأبو نعيم ، وأبو بكر الشيرازي ، وسليم بن قيس ، والمرزباني ، بعضهم عن ابن عباس ، وبعضهم عن ابن سعد ، بل في بعضها أنه خاطب مشيخة قريش وقال : اسمعوا ، بمحضر النبي ، وأنشد .



(55) في نسخة " م " : المعنى . .


(346)
[179] قلنا (56) : إذا لانسد باب الظاهر [180] فهو حديث واضح المحجه [181] وقوله : (اليوم أكملت) نزل وقل له : هلا أتى بالناصر لم يبق للخصم الألد حجه كما رووا يوما به الدين اكتمل (57)

     [181] هذا ، مع ما في عدة من الروايات : أن هذه الآية وهي قوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) في سورة المائدة (ج 6 ح 2) نزلت بعد أخذ العهد له ، وإعلان ولايته ، ومنهم : الحافظ ، وأبو بكر الشيرازي ، وسليم بن قيس ، والمرزباني ، والنطنزي ، ومحمد بن أبي الثلج ، والسجستاني ، والسيوطي ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، والخطيب ، والواحدي ، وابن أبي حاتم ، وصاحب كتاب النشر والطي ، يروونه عن أبي هريرة ، وأبي سعيد ، وجابر الأنصاري ، وابن عباس ، وسلمان ، والمقداد ، وأبي ذر ، وعمار ، والباقر والصادق عليهما السلام ، والأكثر منهم صرح بأن إكمال الدين وإتمام النعمة بولايته .
     ويزيد ذلك وضوحا ودلالة ما ورد أيضا من قصة الفهري ، التي رواها الحسكاني ، وأبو عبيد ، والثعلبي ، والنقاش ، والرازي ، والقزويني ، والنيسابوري ، وسفيان بن عيينة ، والفضل بن دكين ، والأوزاعي ، وصاحب كتاب النشر والطي ، عن حذيفة وغيره : أنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " فشاع ذلك في كل موضع ، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله على ناقة له وهو في ملأ من أصحابه ، فقال : يا محمد ، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه ، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه ، وأمرتنا بالصوم والحج فقبلناه ، ثم لم ترض



(56) في نسخة " ن " : قلت .
(57) في نسخة " م " : كمل .



(347)
[182] بنصه ثم لنا إماما [183] عن النبي عن أمين الوحي عن [184] مفصلا ما جاء (58) منها (59) مجملا [185] يفتي بما أوحى به الله على [186] يعلم بالتنزيل والتأويل [187] يقاتل القوم على تأويله [188] فلم يكن مبلغا إن أهملا [189] يقوم في مقامه مبينا [190] لا يصدر الخطأ عنه أصلا مبلغا من بعده الأحكاما من فرض الفرض جميعا والسنن لحكمة وناشرا ما فصلا قلب محمد على ما نزلا من غير تحريف ولا تبديل قتال مولاه على تنزيله (60) نصب ولي عنه يتلو ما تلا ما كان عند الله حكما بينا يحكم عدلا ويقول فصلا

     بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : " من كنت مولاه فعلي مولاه " أهذا شئ من عندك أم من الله ؟ ! فقال : والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله .
     فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا ، فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره .



(58) في نسخة " م " : كان .
(59) في نسخة " م " : منه .
(60) إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " على يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . راجع : مسند أحمد 3 / 31 و 33 و 82 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 123 ، حلية الأولياء 1 / 67 ، خصائص النسائي : 166 ، تاريخ دمشق 3 / 127 ، المناقب - لابن المغازلي - : 298 ، المناقب للخوارزمي - : 183 ، أسد الغابة 3 / 282 ، و ج 4 / 33 ، الرياض النضرة 3 / 157 ، فرائد السمطين 1 / 159 ، البداية والنهاية 7 / 360 ، الصواعق المحرقة : 190 ح 19 .
.


(348)
[191] الله ! ما بالهم هل يكمل [192] قد قال : (أكملت) وقالوا : أهملا [193] وفي علي آية الرحمن [194] وهل ترى يا عمرو للمشايخ [195] وآية الغار فلا دلاله دين وركن الدين بعد مهمل ؟ ! فخالفوا فيه الكتاب المنزلا (61) قد نزلت كرائم القرآن (62) آية فضل في الكتاب الراسخ فيها على التعظيم والجلاله (63)

     [193] كما صرح به جماعة من أهل السنة ، فعن عبد العزيز الجلودي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال : نزلت في علي عليه السلام ثمانون آية صفوا من كتاب الله ، ما شركه فيها أحد من هذه الأمة . وعن مجاهد أنه قال : نزلت في علي سبعون آية ، ما شركه في فضلها أحد .
     ورواه ابن مردويه عن مجاهد . وعن ابن عباس أنه قال : ما نزل في أحد من كتاب الله مثل ما نزل في علي . وعن ابن حجر أنه قال : روي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي ثلاثمائة آية .



(61) إشارة إلى قوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) سورة المائدة ، آية 3 ، والتي نزلت في فضل أمير المؤمنين عليه السلام . راجع : شواهد التنزيل - للحسكاني - : 156 - 160 ، تاريخ بغداد 8 / 290 ، تاريخ دمشق / ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام 2 / 85 .
(62) إشارة إلى قوله تعالى : (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) سورة مريم ، آية 96 ، والتي نزلت في فضل أمير المؤمنين عليه السلام . راجع : الكشاف - للزمخشري - : 2 / 527 ، الدر المنثور 5 / 544 ، المستدرك على الصحيحين 2 / 481 ، المناقب - لابن المغازلي - : 327 ، ذخائر العقبى : 89 ، المناقب - للخوارزمي - : 197 ، الرياض النضرة 3 / 179 ، فرائد السمطين 1 / 80 .
(63) أشار الناظم - رحمه الله - الى قوله تعالى : (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) سورة التوبة ، آية 40 . وهنا أراد السيد - رحمه الله - القول بأن جميع الضمائر الموجودة في الآية الكريمة هي عائدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النصر والتأييد وليست إلى أبي بكر ، وباتفاق المفسرين . أنظر تفصيل ذلك في : اختيار معرفة الرجال - المعروف ب‍ - : رجال الكشي - : 130 .



(349)
[196] إذ صاحب المرء الذي قد صحبه [197] وثاني اثنين حكاية العدد [198] وذكره في موجبات الضعف [199] وقيل : كانت آية الغار على [200] إذ حوت الحرمان عما أنزلا [201] وأنبأت بحزنه فما ترى [202] فمن تولى بعلي سعدا [203] فانظر إلى الرواية المتبعه [204] نحبه وحبه إيمان وإن خلا عن رتبة ومنقبه وليس فيما يقتضي الفضل يعد سر على النيقد غير مخفي رغمك في ذم عتيق أمثلا فيها على من اصطفاه مرسلا لحزنه بين يدي خير الورى ؟ ! فهو إمام ناطق ومقتدى لم يجز الصراط إلا من معه (64) وبغضه كفر فذا الميزان (65)

     [204] كما وردت بذلك أخبار عديدة رواها جماعة من علماء أهل السنة ، ففي بعضها أن : حب علي إيمان وبغضه نفاق . رواه في الدر النظيم . وقريب منه في : صحيح مسلك ، وصحيح الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وأحمد ، والبغوي ، وابن الأثير ، وابن حجر ، وصاحب المشكاة



(64) إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة من أمير المؤمنين . . . " . أنظر : المناقب - لابن المغازلي - : 242 ، الرياض النضرة 3 / 137 ، فرائد السمطين 1 / 292 ، الصواعق المحرقة : 195 .
(65) إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حب علي إيمان وبغضه نفاق " . أنظر : مسند أحمد 1 / 84 و 95 و 128 ، صحيح مسلم 1 / 86 ، سنن الترمذي 5 / 635 ح 3717 و 3736 ، المصنف - لابن أبي شيبة - 12 / 56 ، سنن النسائي 8 / 117 ، سنن ابن ماجة 1 / 42 ح 114 ، المعجم الأوسط - للطبراني - 3 / 89 ح 2177 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 129 ، تاريخ بغداد 2 / 255 ، 14 / 426 ، حلية الأولياء 4 / 185 ، الدر المنثور 7 / 504 ، المناقب - لابن المغازلي - : 190 ، ذخائر العقبى : 92 ، الرياض النضرة 3 / 189 ، مجمع الزوائد 9 / 132 ، الصواعق المحرقة : 188 ح 8 .



(350)
[205] وقول خير الخلق فيه : سلموا * عليه بالإمرة ، نص محكم .
والاستيعاب .
     وروى الخوارزمي وابن مردويه ، عن علي عليه السلام : أنه احتج على أهل الشورى فقال : أنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق كافر " ؟ ! قالوا : اللهم لا . وأمثال هذه الروايات كثيرة . ووجه آخر لهذه القسمة ، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله . ولا شك أن بغضهما كفر .
     [205] هذا الحديث رواه : ابن مردويه ، وابن عقدة ، والنطنزي ، وأبو العلاء الهمداني ، والثقفي ، وغيرهم ، عن بريدة : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بإمرة المؤمنين . وقد روى التسليم عليه بإمرة المؤمنين في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة ، وفي غيره ورد منها بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم :