العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
42-العدد 41 > أساس نظام الحكم التي دارت حولها (1) >




(105)

أساس نظام الحكم في الإسلام
بين الواقع والتشريع
رؤية في التراث الفكري
(1)

    

صائب عبد الحميد


(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه . . ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . . ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون) (1) .
     الذي يعرفه علماء الاجتماع ومتكلمو المسلمين أن وجود النظام ضرورة لازمة لحفظ الاجتماع ، وعدمه يعني الفوضى التامة . وقد عبر ابن خلدون عن هذا النظام بأنه : قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها ، فإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) (2) .
     ورأى ابن حزم أن ذلك معلوما بضرورة العقل وبديهته ، وأن قيام الدين ممتنع غير ممكن إلا بالإسناد إلى واحد - (إمام) (خليفة) - يكون على رأس هذا النظام (3) .



(1) سورة الأنعام 6 / 153 .
(2) مقدمة ابن خلدون : 210 ، فصل 25 .
(3) الفصل 4 / 87 .



(106)
فما هو موقف الإسلام من هذه الضرورة ؟ إنها لمن دواعي الاستغراب أن تكون (الضرورة) و (سنة الله في خلقه) هي مفترق الطرق بين المسلمين ! هل تفاعل الإسلام - كدين ومنهج للحياة - مع هذه الضرورة ، سنة الله في خلقه ؟ ! الإسلام الذي تشعبت أحكامه وتشريعاته حتى استوعبت الجزئيات الصغيرة في حياة الإنسان ، هل نتوقع أنه أهمل أول الضرورات وأهمها ، ضرورة حفظ المجتمع وحفظ الدين وإقامة حدوده وأحكامه ؟ ! إن فريقا كبيرا منا يقول : نعم ، أهمل الإسلام ذلك . عندئذ أوقف هذا الفريق نفسه أمام الحاجة الملحة إلى ملء هذا الفرغ الكبير في النظام الإسلامي . فالإسلام الذي أخذ على عاتقه تنظيم حياة بني الإنسان كافة إلى يوم القيامة سيأتي بفراغ كبير حين لا يقدم جوابا محددا لأول أسئلة الحياة والمجتمع والشريعة (4) .
     وأمام هذه الحاجة الملحة قالوا : نعم ، إن الإسلام قد ترك هذا الأمر للأمة ، تختار لنفسها ما تراه الأصلح لحفظ نظامها وحفظ الشريعة ، فعندئذ لا يعد هذا إهمالا . وهنا يتصدر سؤال جديد ، يقول : ما هي الضوابط اللازم توفرها لضمان شرعية ما تختاره الأمة ؟ ! فمن البديهي أن " نظام الحكم " موضوع مشترك بين الإسلام وغيره من الأنظمة ، سماوية كانت أو أرضية ، إنما الذي يميزه عن غيره هو هذه النسبة



(4) وهذا الفراغ هو الذي دفع الشيخ علي عبد الرزاق أن ينفي أي صلة للدين الإسلامي بالسياسة والدولة المدنية . علي عبد الرزاق / الإسلام وأصول الحكم : الكتاب الثالث .


(107)
الملحقة به . . (إسلامي) .
     فكونه إسلامي يعني بالضرورة أن يكون محددا بمبادئ الإسلام وأحكامه ، فمن هنا فقط يستمد إسلاميته ، لا من هوية الشخص الحاكم . أمام هذا السؤال برز أفق جديد ، حين أسند الأمر هنا بالكامل إلى الواقع التاريخي للأمة في عصر الصحابة ، ورغم أن الكلام هنا سيدور على نفسه ، إذ يصبح اختيار بعض الأمة هو الدليل على شرعية ما اختاروه ، رغم ذلك فهو قول لا مناص منه ! وبهذا أصبح الواقع التاريخي للأمة جزءا من الدين ، ومصدرا من مصادر العقيدة . وأصبح الواقع الذي يسود في الأمة ، والقرار النافذ الذي يتخذه الخليفة ، جزءا من الشريعة يجب أن ننظر إليه كما ننظر إلى السنة النبوية . وهذا المبدأ هو الذي شكل السبب المباشر - ولو ظاهرا - في إقصاء علي ابن أبي طالب عليه السلام عن الخلافة يوم الشورى ، إذ عرض علته عبد الرحمن بن عوف البيعة على كتاب الله وسند رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ، فلما أظهر علي عليه السلام اعتقاده بالالتزام بكتاب الله وسنة رسوله وحسب ، وبأنه غير ملزم باتباع سيرة الشيخين لأنها ليست من مصادر الشريعة ، عندئذ رأي ذلك الفريق أن هذا الاعتقاد يعد مبررا كافيا في إقصاء صاحبه عن الخلافة وإسنادها إلى رجل آخر يتعهد بالتزام ذلك الشرط مصدرا ثالثا مع الكتاب والسنة (5) .



(5) راجع : تاريخ اليعقوبي 2 / 162 ، تاريخ الطبري 4 / 238 ، الكامل في التاريخ 3 / 71 ، البداية والنهاية 7 / 146 - 147 . تعقيب : أرى على دعاة السلفية أن يقفوا أمام هذه المسألة بجد ، فإنها تناقض أصل دعوتهم التي ترفض الالتزام التام بأي مصدر آخر غير الكتاب والسنة ، فدخول هذا الشرط الجديد في البيعة باطل إذن ، فإما أن تكون هذه البيعة باطلة ، أو أن يكون أصل دعوتهم بحاجة إلى إعادة نظر . . إن عليهم وفق مبدئهم أن ينضموا إلى شيعة علي ، أو أن يذعنوا للشيعة بأنهم هم السلفيون حقا !


(108)

     إذن دخلت سياسة الأمر الواقع في التقسيم العملي لمصادر التشريع ، وبالخصوص في مجال النظام السياسي الإسلامي ، كما في المثال السابق ، وكما في الأعم الأغلب من تفاصيل هذا النظام كما سنرى . . . فحين جعل اختيار الإمام - رأس النظام السياسي وفاتحة مساره المقبل - منوطا بالأمة ، فلا بد من مزيد بيان وتحديد ، فما معنى أن الأمر منوط بالأمة ؟ ! هل يعني أن تجتمع الأمة بكامل أفرادها على رجل واحد في وقت واحد لتتم له البيعة فتصح خلافته ؟ ! * ذهب إلى هذا بعض المعتزلة - كأبي بكر الأصم والهشامية - ولكن لم يوافقهم عليه أحد ، لأنه أمر لم يتحقق قط ، ولا يمكن تحققه في الواقع بحال من الأحوال ، فهو تكليف ما لا يطاق .
     لذا خفف آخرون من شدة ذلك ، فقالوا : إن المراد بالأمة هنا فضلاؤها من كل بلد ومدينة ، لا سائر أفرادها . * لكن هذا الرأي هو الآخر لم يحظ بالقبول ، لأنه لم يكن له في الواقع مصداق ، بل رأي البعض فساد هذا الرأي ، لأنه لا بد من ضياع أمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مئة جزء من فضلاء أهل البلاد الإسلامية المتعددة الأطراف (6) .
     وإلى هنا لم يكن لهذه الآراء دليل من الشرع ولا من الواقع * أما الجمهور فذهبوا إلى أن الإمامة تنعقد باختيار أهل الحل والعقد فقط ، لا جميع الأمة ولا جميع فضلائها .



(6) الفصل 4 / 168 .


(109)

من هم أهل الحل والعقد ؟
     سؤال كبير يواجه النظرية الأخيرة ، تتفرع منه أسئلة أخرى : فمن هم أهل الحل والعقد ؟ ما هي مواصفاتهم ؟ ومن الذي يتولى اختيارهم ؟ وكيف يتم اختيارهم ؟ وكم يكون عددهم ؟ وما هي حدود صلاحياتهم ؟ وما هو الأسلوب الذي سيعتمدونه في انتخاب الخليفة ؟ ليس هناك نص من الشرع ولا شئ من السيرة النبوية يمكن الرجوع إليه في الإجابة عن شئ من هذه الأسئلة . من هنا تعددت الإجابات وتناقضت ، ومع ذلك فإن أيا منها لم يقدم حلا شافيا لتلك الأسئلة . .
     فبعضهم قال : لا تنعقد الإمامة إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ، ليكون الرضا بهم عاما ، والتسليم لإمامته إجماعا . * ورده الآخرون ، فقالوا : هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ، ولم ينتظر قدوم غائب عنها . * ومن هؤلاء من قال : أقل ما تنعقد به الإمامة خمسة من أهل الحل والعقد يجتمعون على عقدها ، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة . واستدلوا لذلك بأمرين :
     الأول : أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها . والخمسة هم : عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأسيد بن حضير . وبشير بن سعد . والثاني : أن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة .
     ومنهم من قال : بل تنعقد بثلاثة ، يتولاها أحدهم برضا الاثنين ، ليكونوا حاكما وشاهدين ، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين .


(110)

     ومنهم من قال : بل تنعقد بواحد ، لأن العباس قال لعلي عليه السلام : امدد يدك أبايعك ، فيقول الناس : عم رسول الله بايع ابن عمه ، فلا يختلف عليك اثنان . ولأنه حكم ، وحكم واحد نافذ (7) .
     والاضطراب واضح في هذه الإجابات ، ومصدره رجوعها إلى الأمر الواقع في وجوهه المختلفة ، وإلى أقيسة غير صحيحة ، لاختلاف الموضوع بين عقد الخلافة وعقد النكاح أو حكم الواحد . * وقد كشف ابن حزم عن فساد هذه الآراء في أثناء عرضه لها ، وقال : كل قول في الدين عري عن دليل من القرآن أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو من إجماع الأمة المتيقن فهو باطل بيقين ، قال تعالى : (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (8) فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه (9) .
     ثم قال : فإذ قد بطلت هذه الأقوال كلها فالواجب النظر في ذلك على ما أوجبه الله تعالى في القرآن والسنة وإجماع المسلمين ، كما افترض علينا عز وجل إذ يقول : (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) (10) .
     ولكن ابن حزم حين أبطل هذه الآراء كلها لأنها كانت عرية عن الدليل الشرعي ، لم يفلح في إيجاد البديل المتماسك كما سنرى ذلك في محله من هذا البحث .



(7) راجع : الأحكام السلطانية - للماوردي - : 6 - 7 .
(8) سورة النمل 27 : 64 .
(9) الفصل 4 / 168 .
(10) الفصل 4 / 169 ، والآية من سورة النساء 4 : 59 .



(111)

وجوه تعيين الخليفة :
     هذه المسألة الكبرى في نظام الدين والدنيا كيف تجد لها حلا حين يغفلها التشريع بمصدرية الرئيسين - القرآن والسنة - ويفوض أمرها إلى الأمة ؟ ! هل هناك قاعدة ثابتة تستند إليها الأمة في تعيين الخليفة ؟ ! وما مدى شرعية هذه القاعدة ؟ ! الحق أننا لم نقف في إطار هذه النظرية على قاعدة واحدة محددة المعالم اعتمدتها الأمة في اختيار الإمام لتكتسب شرعيتها من الإجماع . وإنما وجدنا أساليب مختلفة لا يترجح أحدها على الآخر بدليل شرعي . عندئذ وجدنا أنفسنا مضطرين إلى قبول تلك الأساليب كلها ، لا لكونها مؤيدة بدليل من الشرع ، بل لأنها قد حصلت في الفترة المتقدمة من تاريخ الأمة ، أي في عهد الصحابة ، مع أنها كانت عرية عن دليل الإجماع أيضا . . فقالوا : هناك ثلاثة وجوه لتعيين الخليفة :
     الوجه الأول : اختيار أهل الحل والعقد ، ويطلق عليه (نظام الشورى) أيضا . لكن نظام الشورى هذا لم يتخذ شكلا واحدا عند الصحابة ، لذا فقد فصلوا فيه تبعا لذلك الاختلاف ، فقالوا : الشورى على شكلين :
     الأول : نظام الشورى ابتداء ، كما حدث في بيعة أبي بكر وعلي بن أبي طالب .
     والثاني : نظام الشورى بين عدد يعينهم الخليفة السابق ، كما صنع عمر . الوجه
     الثاني : العهد . وهو أن ينص الخليفة قبل موته على من يخلفه . وقد اتخذ هذا العهد أشكالا ثلاثة :


(112)

     الأول : أن يعهد الخليفة إلى واحد ، كما صنع أبو بكر في عهده إلى عمر .
     الثاني : أن يعهد إلى جماعة يكون الخليفة واحد منهم ، كما صنع عمر في عهده إلى ستة نفر ينتخبوا الخليفة القادم من بينهم . الثالث : أن يعهد إلى اثنين فأكثر ويرتب الخلافة فيهم بأن يقول : الخليفة بعدي فلان ، فإذا مات فالخليفة بعده فلان . وفي هذا النظام تنتقل الخلافة بعده على الترتيب الذي رتبه ، كما عهد سليمان بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز بعده ثم إلى يزيد بن عبد الملك ، وكذلك رتبها هارون الرشيد في ثلاثة من بنيه : الأمين ، ثم المأمون ، ثم المؤتمن (11) .
     الوجه الثالث : القهر والاستيلاء ، أو الغلبة بالسيف (12) .
     قال الإمام أحمد : " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما ، برا كان أو فاجرا " . وعند وجود إمام مستقر ثم يخرج عليه آخر طلبا للملك ، فقد قال الإمام أحمد : " الإمامة لمن غلب " واحتج لذلك بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة وقال : " نحن مع من غلب " (13) .
     والأمر مطرد ، فلو ثبتت الإمامة لواحد بالقهر والاستيلاء ، فيجئ آخر ويقهره ويستولي على الأمر ، ينعزل الأول ويصير الإمام هو الثاني (14) .
     وظاهر جدا أن هذه النظرية إنما هي نظرية تبرير ، لا نظرية تشريع .



(11) راجع الأحكام السلطانية - للماوردي - : 6 - 14 ، الأحكام السلطانية - للفراء - : 23 ، مآثر الإنافة 1 / 39 - 58 .
(12) الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 ، مآثر الإنافة 1 / 58 ، شرح المقاصد 5 / 233 .
(13) الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 و 22 و 23 .
(14) مآثر الإنافة 1 / 71 .



(113)

     إنها نظرية تبرير الأمر الواقع وإضفاء الشرعية عليه ، والدافع الوحيد إلى هذا التبرير هو إعفاء الصحابة من تهمة العمل في هذا الأمر الخطير بدون دليل من الشرع ، وإعفاؤهم مما ترتب على ذلك من نتائج . لأجل هذا ظهر في هذه النظرية من التكلف والتعسف ما لا يخفى ، ومن ذلك :
     1 - إن أيا من هذه الوجوه الثلاثة لا يستند إلى دليل شرعي البتة ، ولم يكن يعرفه حتى فقهاء الصحابة قبل ظهوره على الواقع . ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلها كما تقدم .
     2 - إن مبدأ الشورى المذكور في الوجه الأول والمأخوذ من بيعة أبي بكر لم يكن قد تحقق في تلك البيعة ، وليس لأحد أن يدعي ذلك بعد أن وصفها عمر - في خطبته التي رواها البخاري وغيره وأصحاب السير - بأنها كانت فلتة ، عن غير مشورة ! ولم يكن هذا قول عمر وحده ، بل كان يقينا في أذهان الصحابة وعلى ألسنتهم ، لذا قال بعضهم : لئن مات عمر لأبايعن لفلان ، فما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة . فلما بلغ عمر ذلك لم ينكره بل أكده ، فقال : " لا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا إنها قد كانت كذلك ، ولكن وقى الله شرها " (15) !
     وشتان بين الشورى والفلتة ! والغريب أن عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعة ، وحذر من العودة لمثلها تحذيرا شديدا خشية أن يكون عاقبتها القتل ، " فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " .



(15) صحيح البخاري - كتاب الحدود 8 / 302 ح 25 ، مسند أحمد 1 / 56 ، سيرة ابن هشام 4 / 308 ، تاريخ الطبري 3 / 200 .


(114)
إنه يقول : " من عاد لمثلها فاقتلوه " ! ! (16) .
     وفي هذا وحده دليل كاف على إلغاء صفة الشرعية عن تلك البيعة ، فإنما هي بيعة ساقتهم إليها الأحداث ، فلا يصح العودة لمثلها بحال . وهكذا دافع عنها أبو علي الجبائي والقاضي عبد الجبار ، فقالا : إن الفلتة ليست هي الذلة والخطيئة ، وإنما تعني البغتة من غير رؤية أو مشاورة ، ويقصد عمر بقوله " من عاد إلى مثلها فاقتلوه " أن من عاد إلى الطريقة التي تمت بها البيعة لأبي بكر من غير مشاورة أو عذر ولا ضرورة ، ثم طلب من المسلمين البيعة ، فينبغي قتله (17) .
     هذا ما كان يعرفه الصحابة وكثير غيرهم عن تلك البيعة إذن . . . . أما عامة المتأخرين فكأنهم قد عز عليهم أن ينظروا إليها بتلك النظرة ، فأضفوا عليها صبغة الشورى ليجعلوا منها - في ثوبها الجديد - الوجه الشرعي الأول في اختيار الخليفة . ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتى أضفى عليها صبغة الإجماع ابتداء ، كما فعل ابن تيمية ! (18) .
     غير أنها دعوى لا يؤيدها شئ من النقل الصحيح ، بل حتى غير الصحيح ، فليس في شئ من أخبار تلك البيعة ما يشير إلى ذلك الإجماع من قريب أو بعيد . والذي دعا ابن تيمية إلى هذا هو عقيدته في شرط صحة البيعة ، إذا كان يرى - وفقا للمذهب الحنبلي - أنه يشترط لصحة البيعة اجتماع جمهور أهل



(16) الملل والنحل 1 / 30 ، شرح المواقف 8 / 358 .
(17) المغني 20 / 340 ، وعنه الدكتور مصطفى حلمي / نظام الخلافة بين أهل السنة والشيعة : 46 .
(18) أنظر : منهاج السنة - لابن تيمية - 3 / 215 و 217 و 218 .



(115)
الحل والعقد في بلد الخليفة (19) .
     لكن الآخرين ردوا هذا الشرط تصحيحا لبيعة أبي بكر خاصة ، فقالوا : هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر ، فقد تمت بعقد رجل واحد ورضا أربعة ، ولم ينتظر فيها حضور من لم يحضرها (20) .
     وهذا الكلام الأخير هو الموافق لما صح عن عمر في خطبته المتقدمة ، والموافق لسائر ما ورد من النقل في أخبار السقيفة . 3 - الخوف من وقوع الفتنة ، كان هو العذر المنتخب في تبرير أول بيعة لأول خليفة حين تمت عن غير مشورة ، ولم ينتظر فيها حضور الكثير من كبار المهاجرين والأنصار ممن ينبغي أن يكون في طليعة أهل الحل والعقد . فالعذر في هذا التعجل هو خوف الاختلاف والفتنة ، وهذا ظاهر أيضا في نص خطبة عمر . لكن الغريب أن (الفتنة) قد عادت لتصبح طريقا شرعيا من طرق تعيين الخليفة ! ففي الوجه الثالث يرون القهر والاستيلاء والتغلب بالسيف طريقا إلى الخلافة ،
     والمتغلب دائما هو الخليفة الشرعي الواجب الطاعة ! وما يزال الطريق مفتوحا أمام كل طامح ! وهل الفتنة شئ غير هذا ؟ ! ثم كيف يقول بهذا من يعتقد بمبدأ الشورى ، واختيار أهل الحل والعقد ؟ ! إن المضي على طريقة تبرير الأمر الواقع هو الذي أدى إلى ظهور هذا التناقض وأمثاله . 4 - هل يستدعي قبول الأمر الواقع كل هذا القدر من التنظير والتبرير ؟ !



(19) الأحكام السلطانية - للفراء - : 23 .
(20) الأحكام السلطانية - للماوردي - : 6 - 7 .



(116)

     أليس من الأولى أن تكون هناك نظرية ثابتة محددة المعالم تبنى باعتماد نصوص الشريعة ومفاهيم الإسلام وروح الإسلام ، ثم بعد ذلك توزن عليها عقود الخلافة التي تمت بالفعل ، فكل عقد وافق هذه النظرية وانسجم معها فهو عقد شرعي صحيح ، يكون عنده الخليفة الذي تمت له البيعة إماما وأميرا للمؤمنين وخليفة من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحق ، وكل عقد لم يوافق تلك النظرية فهو عقد غير صحيح ؟ وعندئذ يكون قبول الأمر الواقع المخالف للشروط الصحيحة حالة من حالات الضرورة ما دامت الأمة عاجزة عن إصلاحه . وهذا القول هو الذي تؤيده السنة ، إذا أطلقت على هذا النوع من الحكم اسم " الملك العضوض " أي الذي فيه عسف وظلم ، فكأنهم يعضون فيه عضا ! وروي أيضا " ملوك عضوض " وهي صيغة جمع ، مفردها : ملك عض ، وهو الخبيث الشرس (21) .
     فكيف يجتمع هذا مع الخلافة الشرعية ؟ !

إمامة المفضول :
     هل تعد الأفضلية شرطا في الإمامة ؟ قالوا : نعم . ثم قالوا : لا . وفي كلا القولين غاب الدليل الشرعي . والأمر الذي جاء ب‍ (لا) محل (نعم) هو القبول بشرعية التغلب بالسيف طريقا إلى الخلافة ، بعد أن كان طريقها الشورى والعهد ! فحين كان لزاما تبرير خلافة معاوية بن أبي سفيان وتقديمه على سائر الصحابة ، كان لزاما أن يلغى القول باشتراط الأفضلية في الإمامة ! هذا ، فيما كان الرأي أن الإمامة لا تكون إلا للأفضل (22) ، حتى اشتد



(21) لسان العرب - مادة (عضض) .
(22) شرح المقاصد - للتفتازاني - 5 / 291 .



(117)

النزاع وطال في تفضيل بعض الصحابة على بعض تثبيتا لهذا المبدأ ، وحتى ظهرت العقيدة بأن الخلفاء الراشدين هم أفضل الأمة ، وأن ترتيبهم في الفضل موافق لترتيبهم في الخلافة ، فأفضل الأمة : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي (23) .
     وشدد بعضهم في التزام هذه القاعدة حتى قال : من فضل عليا على عثمان فقد أزرى على المهاجرين والأنصار ! (24) ليصور في ذلك أن المهاجرين والأنصار لم يقدموا عثمان في الخلافة إلا لاعتقادهم أنه أفضل من علي عليه السلام . لكن لما أريد تبرير قبول خلافة معاوية ومن بعده ، كان لا بد من ظهور قول آخر . . * قال الجويني إمام الحرمين : والذي صار إليه معظم أهل السنة أنه يتعين للإمامة أفضل أهل العصر ، إلا أن يكون في نصبه هرج وهيجان فتن ، فيجوز نصب المفضول إذ ذاك ! وقال : مسألة امتناع إمامة المفضول ليست بقطعية . ثم علل ذلك بأن الشرع لا يمنع منه ، كيف ؟ ! ولو تقدم المفضول في إمامة الصلاة لصحت الصلاة وإن ترك الأولى (25) ؟ * وبرر الرازي ذلك بأن دخول الفاضل تحت إمامة المفضول مما يسهل على من هو أنقص فضلا من الأمير الدخول تحت طاعته ، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل وكسر ما فيه من نخوة ! ! (26) .



(23) شرح المقاصد - للتفتازاني - 5 / 290 ، العقيدة - لأحمد بن حنبل - : 123 ، الاقتصاد في الاعتقاد - للغزالي - : 153 .
(24) العقود الدرية : 209 عن ابن تيمية .
(25) الإرشاد - للجويني - : 363 .
(26) الرازي / نهاية العقول ، عنه نظرية الإمامة : 159 .



(118)

     ودافع ابن حزم عن إمامة المفضول من عدة وجوه :
     الأول : أنه لا يمكن معرفة الأفضل إلا بالظن ، والظن لا يعني من الحق شيئا .
     الثاني : أن قريشا قد كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى الغرب ، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم .
     والثالث : إجماع الأمة على بطلان شرط الأفضلية في الإمامة ، فإن جميع الصحابة ممن أدرك ذلك العصر أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية ، وقد كان في الناس أفضل منهما ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وابن عمر ! فلو كان ما قاله الباقلاني - في وجوب إمامة الأفضل - حقا ، لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة ! (27) .

ملاحظات :
     ألا يظهر أن الموضوعية قد غابت بالكامل عن هذه النظرية ؟ ! أنظر في الملاحظات التالية :
     1 - إن الخوف من وقوع الهرج وهيجان الفتن الذي كان مبررا لقبول خلافة معاوية وفي الناس من هو أفضل منه ، هذا العذر نفسه قد جرى على لسان عمر بن الخطاب في تقديم أبي بكر على علي عليه السلام !
     قال عمر في حديث له مع ابن عباس يذكر فيه أمر الخلافة وحق علي . عليه السلام فيها ، قال : لقد كان في رسول الله من أمره ذرو من قول (28) . . ولقد



(27) الفصل 4 / 11 . ونقله عنه الدكتور أحمد محمود صبحي ثم عقب عليه فقال : وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر هذه الأمة قهرا وبالسيف ، أما إمامة الحسن فهذا هو رأيه الشخصي في الحسن ، وإن لم يكن رأي جميع من بايعوه حيث اعتقدوا بأفضليته بعد علي . (نظرية الإمامة : 259) .
(28) أي : طرف من قول .



(119)

أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام ! ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ! (29) .
     ومرة أخرى قال عمر لابن عباس : أتدري ما منع الناس منكم ؟ . قال : لا . قال عمر : لكني أدري . . كرهت قريش أن نجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجخفوا جخفا (30) ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت (31) .
     وفي ثالثة قال : ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه (32) .
     وفي رابعة قال فيه : والله ولولا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمة ، وذو سابقتها ، وذو شرفها . فقيل له : فما منعكم عنه يا أمير المؤمنين ؟ !
     قال : حداثة السن ، وحبه بني عبد المطلب (33) .
     وفي خامسة قال : استصغرناه ، وخشينا ألا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها (34) .
     وفي سادسة . . في خطبته التاريخية في وصف قصة السقيفة ، إذ قال في ختامها : " فارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده ، فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار ، . . . خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما



(29) شرح ابن أبي الحديد 12 / 21 .
(30) الجخف : التكبر .
(31) تاريخ الطبري 5 / 31 ، الكامل في التاريخ 3 / 63 - 65 . شرح ابن أبي الحديد 12 / 53 - 54 .
(32) الموفقيات - للزبير بن بكار - ، عنه شرح ابن أبي الحديد 6 / 45 و 12 / 46 . (33) أمالي أبي بكر الأنباري ، عنه شرح ابن أبي الحديد 12 / 82 . (34) محاضرات الأدباء - للراغب الأصبهاني - 2 / 428 .



(120)
أن نتابعهم على ما لا نرضى ، أو نخالفهم فيكون فساد ! ! (35) .
     إذن لماذا لا يقال : إن تقديم أبي بكر كان لهذه الأعذار أو بعضها ، وليس على أساس التفضيل ؟ ! إن الإغضاء عن كل هذه النصوص ، وعن غيرها مما ثبت عن كثير من الصحابة في تفضيلهم عليا عليه السلام على غيره أمر لا يقره البحث الموضوعي .
     2 - أغرب من ذلك أنهم استدلوا على جواز إمامة المفضول بجواز إمامته في الصلاة ، فكما تصح إمامة المفضول في الصلاة تصح إمامته على الأمة ! هذا ، مع أن الإمامة في الصلاة كانت هي الدليل الأول على تفضيل أبي بكر وعلى إمامته ، فحين قلنا بتفضيل أبي بكر وأحقيته في الخلافة ، قلنا : إن أول الأدلة على ذلك تقدمه في الصلاة ! فلماذا لا يقال : إنه قدم في الصلاة لجواز تقديم المفضول على الفاضل ؟ ! إنه تناقض ظاهر . . .
     3 - إن طريقة انتخاب أبي بكر كانت صريحة تماما بغياب مبدأ التفضيل ، وكلمة عمر المتفق على صحتها : " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، ولكن وقى الله شرها " من أهم الأدلة على ذلك . فلا يستطيع أحد أن يدعي إذن أن الصحابة قد أجمعوا على أن الإمام لا يكون إلا الأفضل ، ثم أجمعوا على تفضيل أبي بكر فبايعوه على هذا الأساس ! إن أي دعوى من هذا القبيل تنهار أمام كلمة عمر المتقدمة ، كما تنهار أمام تفاصيل أحداث السقيفة والبيعة .



(35) صحيح البخاري - كتاب المحاربين باب 16 ح 6442 .


(121)

     4 - قول أبي بكر في أول خطبة له : " وليتكم ولست بخيركم " إنما كان - كما رأى الباقلاني - لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل " (36) .
     إذن لماذا لا نذهب إلى أن المفضول هنا هو أبو بكر ، مع تصريحه بذلك ، ثم نجتهد في تبرير العارض الذي منع من نصب الفاضل ؟ !

نتيجة :
     ألا يظهر من هذه الملاحظات أمران مهمان :
     الأول : أن هذه النظرية قد تقلبت مع تقلب الأحداث متابعة للأمر الواقع ، وأنها لم تستند على دليل شرعي ثابت لتكتسب منه الثبات ؟ !
     والثاني : أن هذه العقيدة في ترتيب الخلفاء في الفضل بحسب ترتيبهم في الخلافة إنما هي عقيدة ظهرت متأخرة عن عهد الخلفاء من أجل تثبيت طرق البيعة وإضفاء الشرعية عليها ؟ ! وإلى مثل هذا خلص الدكتور أحمد محمود صبحي ، حيث قال : الواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم لم يسلموا بجواز إمامة المفضول مستندين إلى أصل من أصول الدين ، ولكنهم جوزوا ذلك إما تبريرا لسلطان الخلفاء ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم ، وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة (37) .
     والأمران معا - تبرير الواقع ، ومعارضة الخصوم - كانا أصلا في ولادة مبدأ جديد رافق هذه النظرية ، ألا وهو مبدأ " إعذار السلف " .



(36) التمهيد - للباقلاني - : 195 ، عنه : نظام الخلافة بين أهل السنة والشيعة : 46 .
(37) نظرية الإمامة : 158 .



(122)

إعذار السلف :
     لا شك أنه مبدأ حسن وجذاب ، فمن الجميل المستحسن أن نذكر سلفنا المتقدم بكل بخير ، ونعرف لهم حقوقهم ، ونذب عنهم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا . لكن الحق أن الناظر إلى هذا المبدأ بتجرد لا يراه إلا مبدأ متهافتا قد صيغ أصلا لتبرير الواقع ومعارضة الخصوم . .
     فمثلا : حين كان ينبغي لهذا المبدأ أن يتسع للسلف الصالح قاطبة ، نراه قد توجه توجها منحازا إلى الفئة المتنفذة وصاحبة القرار السياسي . . . فلا يتردد أصحاب هذا المبدأ في صب اللوم على رجال من كبار الصحابة حين أظهروا خلافا ، أو أبدوا رأيا معارضا للخلافة في بعض عهودها ، دون أن يراعى فيهم مبدأ " إعذار السلف " .
     فيقع اللوم على المقداد وعمار حين تكلما في أمر الخلافة بحجة أنهما ليسا من قريش فلا يحق لهما التدخل في اختيار الخليفة ، فهذا الأمر من حق قريش وحدها ! ولكن حين تدخل فيه سالم مولى أبي حذيفة أصبح سالم معدودا في أهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم البيعة ! هذا ، ولم يكن سالم قرشيا ! بل لم يكن عربيا أيضا ! ! والسر في هذا التناقض أن سالما كان أحد الخمسة الذين انعقدت بهم البيعة لأبي بكر ، بينما كان المقداد وعمار يدعوان إلى حق علي عليه السلام في الخلافة . ولما نجمت الخلافات أيام عثمان ، كان ينصب اللوم على عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار وعبادة بن الصامت ومحمد بن أبي حذيفة وعمرو بن الحمق الخزاعي دون خصومهم .


(123)
لكن هذا المجرى لم يمض مطردا ، بل توقف عن دورته هذه مرة ، وفي مرحلة واحدة من مراحل الخلافة . . فلم يكن الصحابة الذين أظهروا خلافا على علي عليه السلام - في عهد خلافته - محل لوم وتعنيف ، بل ولا محل عتاب ! ففي هذا العهد وحده فتح مبدأ إعذار السلف بابه على مصراعيه ، فخصوم علي عليه السلام كانوا دائما مجتهدين مأجورين على خلافهم ذاك حين أخطأوا في الاجتهاد ! وكل ما ثبت عنهم من الخلاف فلا بد أن " يستنبط له تأويلا ، فما تعذر عليك تأويله ، فقل : لعل له تأويلا وعذرا لم أطلع عليه " ! ! (38) .
     وهكذا مع من قاتل عليا عليه السلام من الصحابة جميعا . . فمعاوية ومن معه مخطئون ، مجتهدون ، مأجورون أجرا واحدا (39) ، حتى وإن تواتر الحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " ! وحتى مع أبي الغادية قاتل عمار ، رغم أنه قد صح الحديث في عمار " قاتله وسالبه في النار " ! (40) .
     يقول ابن حزم : " فأبو الغادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه ، باغ عليه ، مأجور أجرا واحدا " ! ! (41) .
     لكن الأمر مع خصوم عثمان مختلف تماما ! ! يقول ابن حزم : " وليس هذا كقتله عثمان ، لأنه لا مجال للاجتهاد في قتله " ! ! (42) .



(38) النص للإمام الغزالي في كتابه : الاقتصاد في الاعتقاد : 153 .
(39) الفصل 4 / 161 و 163 ، الاقتصاد في الاعتقاد : 153 ، البداية والنهاية 7 / 290 .
(40) الطبقات الكبرى 3 / 361 ، أسد الغابة 4 / 74 ، سير أعلام النبلاء 1 / 420 و 425 و 426 . مجمع الزوائد 9 / 279 وقال : رجاله رجال الصحيح .
(41) الفصل 4 / 161 .
(42) الفصل 4 / 161 .



(124)

     وجاوز بعضهم الحد فعكس اتجاه دوران هذا المبدأ " إعذار السلف " في عهد علي عليه السلام بمقدار مئة وثمانين درجة عن اتجاهه في العهود السابقة ، فصار اللوم يقع هنا على الخليفة الحاكم ، لا على مخالفيه ! فابن تيمية يرى أن عليا عليه السلام لم يكن على شئ ! لأنه إنما كان يقاتل على الملك ، ولأجل أن يطاع هو ، ولم يكن يقاتل لله ! (43) .
     حتى إذا انقضى عهد علي عليه السلام عاد مبدأ إعذار السلف يستأنف دورته الأولى ، فكل من أظهر خلافا على الخلفاء فهو صاحب فتنة ! فلا الحسين السبط كان معذورا ، ولا مئات المهاجرين والأنصار من أهل المدينة المنورة كانوا معذورين في خلافهم ليزيد ! (44) .
     هذا هو مبدأ إعذار السلف ، يظهر مرة ، ويختفي مرة ، وينتقل من موقع إلى موقع ، دفاعا عن الواقع التاريخي النافذ ، لا دفاعا عن السلف . وهكذا يبدو بما لا يدع مجالا للشك أن هذه النظريات إنما استمدت أصولها وتفاصيلها من الواقع التاريخي للنظام السياسي الذي ظهر بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وحتى بدايات العهد الأموي .
     لقد أقصي التشريع الإسلامي هنا عن رسم مسار الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فيما أسند هذا الأمر كليا إلى الواقع التاريخي . فهل كان التشريع الإسلامي مفتقرا للمبادئ التي تساهم في تحديد مسار الإسلام ؟ !

الإسلام وضرورة النظام :
     يتفق المسلمون على أن الإسلام لم يكن مجرد طقوس عبادية ومآثر أخلاقية يتعاطاها الأفراد ، بل هو نظام حياة شامل قد استوعب أحكام



(43) منهاج السنة 2 / 202 - 205 و 232 - 233 .
(44) منهاج السنة 2 / 241 - 242 و 253 .



(125)

المعاملات كما استوعب أحكام العبادات ومآثر الأخلاق . . استوعب نظام حقوق الإنسان ، ونظام الأسرة ، ونظام المجتمع ، وأسس للقضاء نظامه وأرسى قواعده ، بل تعدى ذلك إلى حفظ حقوق الحيوان وحفظ البيئة . . كل هذا متفق عليه ، لكن السؤال هو :
     هل يمكن لهذه النظم أن تحيا بعيدا عن نظام سياسي يحقق للمجتمع الإسلامي وجوده المستقل ؟ المسلمون يتفقون على ضرورة وجود النظام السياسي الذي يحفظ للأمة كيانها ، متفقون على ضرورة وجود إمام على رأس هذا النظام . إن أحدا لا يستطيع أن يتصور أمة تحيا بلا نظام ، ونظاما يسود بلا قيادة . الإمام أحمد يعرف الفتنة بأنها : حال الأمة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس (45) .
     ويوجز الإمام الغزالي حجته بكلمة يقطع بها النزاع ، فيقول : إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع ، فهاتان مقدمتان ، ففي أيهما نزاع ؟ ! (46) .
     إذن أين كان موقع هاتين المقدمتين في التشريع الإسلامي ؟ ! يقول ابن خلدون : إن نصب الإمام واجب ، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر وتسليم النظر إليه في أمورهم ، وكذا في كل عصر بعد ذلك ، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار ، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام (47) .
     فالأمر إذن من إبداع المسلمين وصياغتهم حين وجدوا أنفسهم أمام الأمر



(45) الأحكام السلطانية - للفراء - : 19 .
(46) الاقتصاد في الاعتقاد : 148 .
(47) مقدمة ابن خلدون : 212 .



(126)
الواقع بعد غياب الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا شئ من الكتاب والسنة !
     لكن هذا الرأي يواجه سؤالا شديد الإحراج : فهل يصح لهذه الشريعة أن تغفل أولى ضرورات النظام وحفظ المجتمع ، ثم تكون هي شريعة الإنسان إلى يوم الدين ؟ ! لقد أظهر الغزالي بعبارة واضحة رده للرأي المتقدم ، فقال : لسنا نكتفي بما فيه من إجماع الأمة ، بل ننبه على مستند الإجماع ، ونقول : نظام أمر الدين مقصود لصاحب الشرع عليه السلام قطعا ، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها ، ونضيف إليها مقدمة أخرى : وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع . فيحصل من المقدمتين صحة الدعوى ، وهو وجوب نصب الإمام (48) .
     وهنا يبدو السؤال أكثر وضوحا ، فإذا كان نظام أمر الدين مقصود صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم قطعا ، وهذا النظام لا يحصل إلا بإمام مطاع ، فكيف نظن بصاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم أن يترك مقصوده عرضة للضياع ؟ ! لقد رأى بعضهم أن هذا الإجماع على وجوب نصب الإمام لم يكن مؤيدا بمقصد صاحب الشريعة وحسب ، بل بنصوص من القرآن والسنة أيضا ، فقالوا : الإمامة واجبة سمعا ، لقوله تعالى : * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (49) وطاعة أولي الأمر تقتضي وجوب نصبهم وإقامتهم ، فأولي الأمر هم الأئمة المتأمرون (50) .
     وزاد ابن حزم على ذكر الآية الشريفة فقال : مع أحاديث كثيرة في طاعة



(48) الاقتصاد في الاعتقاد : 147 .
(49) سورة النساء 4 : 59 .
(50) الأحكام السلطانية - للماوردي - : 5 .



(127)
الأئمة ، وإيجاب الإمامة أيضا (51) .
     إذن حين أسند وجوب نصب الإمام إلى الشريعة ، فهل هناك ما نلتمس منه أن الشريعة قد تقدمت خطوة أخرى لأجل التفصيل في هذا الوجوب ، كتعيين شرائط الإمامة وفي من تكون ، أم تركت ذلك للأمة تختار لنفسها ؟ ! إن النظرية التي نعيش معها تقول بأن الأمر متروك للأمة ! وهنا وقع اضطراب كبير عند البحث عن الدليل الشرعي في تفويض هذا الأمر إلى الأمة ، وعند محاولة إثبات شرعية الأسلوب الذي سوف تسلكه الأمة في الاختيار . لقد رأوا في قوله تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) (52) أفضل دليل شرعي يدعم هذه النظرية ، ومن هنا قالوا : إن أول وجوه انتخاب الخليفة هو الشورى . لكن ستأتي الصدمة لأول وهلة حين نرى أن مبدأ الشورى هذا لم يطرق أذهان الصحابة آنذاك . .
     فانتخاب أول الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدأ تماما ، فإنما كان " فلتة " كما وصفه عمر ، وهو الذي ابتدأه وقاد الناس إليه ! ثم كان انتخاب ثاني الخلفاء بمعزل أيضا عن هذا المبدأ ! نعم ، ظهر هذا المبدأ لأول مرة على لسان عمر في خطبته الشهيرة التي ذكر فيها السقيفة وبيعة أبي بكر فحذر من العودة إلى مثلها ، فقال : " فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تغرة أن



(51) الفصل 4 / 87 - 88 - وقد علق السنهوري على هذا قائلا : ومنهم من يضيف إلى إجماع الصحابة والأجيال اللاحقة مصادر أخرى لوجوب الخلافة ، كبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يفسرها البعض على وجوب الخلافة ، وإن كان الظاهر أن هذا الرأي ليس هو الراجح من مذهب أهل السنة . (فقه الخلافة وتطورها : 68) .
(52) سورة الشورى 42 : 38 .



(128)
يقتلا " (53) .
     لكنه حين أدركته الوفاة أصبح يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد إليه بالخلافة بنص قاطع بعيدا عن الشورى ! فقال : لو كان أبو عبيدة حيا لوليته (54) .
     ثم قال : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته (55) .
     ثم قال : لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته (56) .
     إذن لم يكن عمر يرى أن الأصل في هذا الأمر هو الشورى ، وإن كان قد قال بالشورى في خطبته الأخيرة إلا أنه لم يعمل بها إلا اضطرارا حين لم يجد من يعهد إليه ! لقد أوضح عن عقيدته التامة في هذا الأمر حين قال قبيل نهاية المطاف : " لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى " ! ! (57) .
     ثم كانت الشورى . . وأي شورى ! ! إنها شورى محاطة بشرائط عجيبة لا مجال للمناقشة فيها ! وجملتها :
     1 - إنها شورى بين ستة نفر ، وحسب ، يعينهم الخليفة وحده دون الأمة !
     2 - أن يكون الخليفة المنتخب واحدا من هؤلاء الستة ، لا من غيرهم !
     3 - إذا اتفق أكثر الستة على رجل وعارض الباقون ، ضربت أعناقهم !
     4 - إذا اتفق اثنان على رجل ، واثنان على آخر ، رجحت الكفة التي فيها عبد الرحمن بن عوف - أحد الستة - وإن لم يسلم الباقون ضربت أعناقهم !



(53) صحيح البخاري - كتاب المحاربين 6 ح 6442 ، مسند أحمد 1 / 56 ، سيرة ابن هشام 4 / 308 .
(54) الكامل في التاريخ 3 / 65 ، صفة الصفوة 1 / 367 .
(55) الكامل في التاريخ 3 / 65 ، صفة الصفوة 1 / 383 ، طبقات ابن سعد 3 / 343 .
(56) صفة الصفوة 1 / 494 .
(57) طبقات ابن سعد 3 / 248 .



(129)

     5 - ألا تزيد مدة التشاور على ثلاثة أيام ، وإلا ضربت أعناق الستة أهل الشورى بأجمعهم .
     6 - يتولى صهيب الرومي مراقبة ذلك في خمسين رجلا من حملة السيوف ، على رأسهم أبو طلحة الأنصاري (58) !
     فالحق أن هذا النظام لم يترك الأمر إلى الأمة لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى ، بل هو نظام حدده الخليفة ، ومنحه سمة الأمر النافذ الذي لا محيد عنه ، ولا تغيير فيه ، ولا يمكن لصورة كهذه أن تسمى شورى بين المسلمين ، ولا بين أهل الحل والعقل . ولقد كان فريق من كبار الصحابة يقدر نتائج تلك الشورى قبل انعقادها ويعلم أنها ستنتهي إلى ما انتهت إليه . . لقد استشفوا ذلك من تلك القيود التي أحيطت بتلك الشورى ! أدرك ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام والعباس رضي الله عنه . . * فأشار العباس على علي أن لا يدخل في هذه الشورى (59) .
     وقال علي لجماعة من بني هاشم : عدلت عنا ! قالوا له : وما علمك ؟ ! قال : قرن بي عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف . . فسعد لا يخالف ابن عمه (60) ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ! (61) .
     لقد كانت تلك الظروف إذن كفيلة بتعطيل أول شورى في تاريخ الإسلام



(58) الكامل في التاريخ 3 / 66 - 67 .
(59) الكامل في التاريخ 3 / 66 .
(60) سعد بن أبي وقاص ، وابن عمه عبد الرحمن بن عوف ، فهما من بني زهرة .
(61) تاريخ الطبري 4 / 229 - 230 ، الكامل في التاريخ 3 / 67 .



(130)

     عن محتواها ، فطعنت إذن في تلك القاعدة الأساسية المفترضة " قاعدة الشورى " . والحق أن هذه القاعدة معطلة من قبل . . فلم يكن أبو بكر مؤمنا بمبدأ الشورى قاعدة للنظام السياسي وأصلا في انتخاب الخليفة ، ولا مارس ذلك بنفسه ، بل غلق دونها الأبواب حين سلب الأمة حق الاختيار وممارسة الشورى إذ نص على عمر خليفة له ، ولم يصغ إلى ما سمعه من اعتراضات بعض كبار الصحابة على هذا الاختيار . علما أن هؤلاء الصحابة المعترضين لم يعترضوا على طريقة اختيار الخليفة التي مارسها أبو بكر ، ولا قالوا : إن الأمر ينبغي أن يكون شورى بين الأمة ، ولا احتج أحدهم بقوله تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) ، وإنما كان اعتراضهم على اختياره عمر بالذات ، فقالوا له : استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلا بهم ؟ ! وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك ! (62) .
     فلا كانت خلافة أبي بكر فقد تمت وفق مبدأ الشورى ، ولا خلافة عمر ، ولا خلافة عثمان كما رأينا تفاصيلها ، ولا كان الصحابة قد احتجوا بهذا المبدأ في عهد من العهود . فإذا تجاوزنا عن خلافة أبي بكر وقلنا ما قاله عمر فيها : " إنها فلتة وقى الله شرها " فماذا يقال في خلافة عمر ؟ ! لو كان الخليفتان يعتقدان بأن مبدأ الشورى هو الأصل في انتخاب الخليفة لما حصل من ذلك شئ ، ولدعوا الصحابة للتشاور في الأمر تشاورا حرا ، لكن الذي حصل من نص أبي بكر على عمر ، وقبول عمر بذلك ، ثم تمنيه في عهده أن لو كان أبو عبيدة ، أو سالم ، أو معاذ حيا ، كل ذلك ليدل



(62) الكامل في التاريخ 2 / 425 .


(131)
بوضوح على عدم اعتقادهما بصلاحية الشورى لحل هذا الأمر ، في ذلك الزمان على الأقل . بل كان عمر صريحا كل الصراحة في ذلك حين قال : " لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى " ! ! (63) .
     إن عهدا كهذا ليلغي رأي الأمة بالكامل ، وحتى الجماعة التي يطلق عليها (هل الحل والعقد) ! * قالوا : إذا عهد الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده ، فهل يشترط في ذلك رضى الأمة ؟ فأجابوا : إن بيعته منعقدة ، وإن رضى الأمة بها غير معتبر ، ودليل ذلك : أن بيعة الصديق لعمر لم تتوقف على رضى بقية الصحابة ! (64) .
     لم يكن إذن لقاعدة الشورى أثر في تعيين الخليفة . نعم ، كان للشورى أثر في ما هو دون ذلك ، فربما لجأ الخليفة إلى الشورى في بعض ما ينتابه من أمور طارئة لا يملك لها حلا عاجلا أو تاما ، أما أن تكون الشورى على رأس النظام السياسي وقد اتفق المسلمون على اعتمادها في تعيين الخليفة ، فهذا ما لم يتحقق في عهود الخلافة الأولى ولا بعدها ، إلا ما كان بعد مقتل عثمان ، إذ حصل شبه الإجماع لدى أهل المدينة المنورة بالبيعة لعلي عليه السلام ، ولكن حتى هذا لم يأخذ أول الأمر شكل الشورى ، ثم هو لم يدم آخر الأمر غير ليال حتى خرج عليه كبار الداعين إليه ، طلحة والزبير . لعل هذه الملاحظات هي التي دفعت ابن حزم إلى تأخير مبدأ الشورى وتقديم النص والتعيين الصريح من قبل الخليفة السابق ، فقال : " وجدنا عقد



(63) طبقات ابن سعد 3 / 248 .
(64) مآثر الإنافة 1 / 52 ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : 10 ، الأحكام السلطانية - للفراء - : 25 و 26 .



(132)

الإمامة يصح بوجوه ، أولها وأصحها وأفضلها : أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إماما بعد موته " (65) .
     إبرام ونقض : لقد أدركنا جيدا هبوط مبدأ الشورى في الواقع عن المرتبة التي احتلها في النظرية ، فتنازلنا عنه تنازلا صريحا - بعد إقراره - حين ذهبنا إلى تصحيح واعتماد كل ما حدث في الواقع رغم منافاته الصريحة لمبدأ الشورى .
     ولم نكتف بهذا ، بل ذهبنا إلى تبرير تلك الوجوه المتناقضة بلا استثناء ، وبدون الرجوع إلى أي دليل من الشرع ، ودليلنا الوحيد كان دائما : " فعل الصحابة " رغم أننا نعلم علم اليقين أن الصحابة لم يجتمعوا على رأي واحد من تلك الآراء والوجوه . كما أننا نعلم علم اليقين أيضا أن خلاف المخالفين منهم وإنكار المنكرين كان ينهار أمام الحكم الغالب .
     ورغم ذلك فقد عمدنا إلى القرار الغالب والنافذ في الواقع ، فمنحناه صبغة الإجماع ، بحجة أنه لم يكن لينفذ في عهدهم إلا بإجماعهم عليه ، أو إقرارهم إياه . وبهذا تنكرنا لحقيقة أن القرار النافذ كان يبتلع كل ما صادفه من أصوات المخالفين والمنكرين ، ولا يلقي لها بالا ، وهذا هو الغالب على كل ما يتصل بالخلافة والمواقف السياسية الكبرى . . فماذا أغنى اعتراض بني هاشم ومن معهم من المهاجرين والأنصار على نتائج السقيفة ؟ ! وما أغنى إنكار الصحابة على أبي بكر يوم استخلف عمر ؟ !



(65) الفصل 4 / 169 .


(133)
وما أغنى إنكار الصحابة سياسة عثمان في تقديمه بني أمية على خيار الصحابة مع ما كان عليه أولئك من حرص على الدنيا وبعد عن الدين ؟ ! ثم لم يشتد هذا الإنكار ويعلو صداه حتى تغلب على شؤون الأمة والخليفة غلمان بني أمية ممن لم يكن معه كثير دين وورع ، كمروان بن الحكم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح والوليد بن عقبة ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية . ومع هذا فلم يكن إنكارهم عندنا حجة ، بل كانوا به ملومين ! فمتى إذن كان إنكار الصحابة حجة ، ليكون سكوتهم إقرارا ؟ !
     فإذا كانت الخطوة الأولى في التراجع عن مبدأ الشورى هي القبول بتسليم الأمر إلى الخليفة القائم ليستخلف بعده من يشاء ، فإن الخطوة الثانية كانت خطوة مرة حقا . فلما تجنب الخلفاء مبدأ الشورى ومبدأ النص والاستخلاف معا ، واختاروا مبدأ القهر والاستيلاء والتغلب بالسيف ، قبلنا به واحدا من طرق الخلافة ! فكم بين الشورى ، والتغلب بالسيف ؟ ! إن إقرار مبدأ التغلب بالسيف ليعد أكبر انتكاسة لمبدأ الشورى ! وإذا كانت الشورى مستمدة من القرآن ، فمن أين استمدت قاعدة التغلب بالسيف ؟ ! وثم سؤال أشد إحراجا من هذا : فإذا كانت الشورى هي القاعدة الشرعية المستمدة من القرآن ، فماذا عن عهود الخلافة التي لم تتم وفق هذه القاعدة ؟ ! وحين لم يتوفر الجواب الذي ينقذ هذه النظرية من هذا المأزق الكبير ، رأينا أن المهرب الوحيد هو أن نبرر جميع صور الخلافة التي تحققت في الواقع : فمرة بعقد رجل واحد ومتابعة أربعة ، ومرة بنص من الخليفة السابق ، ومرة في ستة يجتمعون لانتخاب أحدهم ، ومرة بالقهر والاستيلاء ، حتى أدى


(134)
هذا المبدأ الأخير إلى أن تصبح الخلافة وراثة بحتة لا أثر للدين فيها .

مصير شروط الإمامة :
     يقول الشيخ محمد رشيد رضا : بنو أمية هم الذين زحزحوا بناء السلطة الإسلامية عن أساس الشورى ، إذ كونوا لأنفسهم عصبية بالشام هدموا بها سلطة أولي الأمر بالحيلة والقوة (66) .
     لكن هذه الطريقة لم تسقط الشورى وحدها ، بل أسقطت معها أهم شروط الإمامة الواجبة لصحة عقدها ، والتي منها : 1 - العدالة : إذ قالوا أولا في بناء نظرية الخلافة : لا تنعقد إمامة الفاسق ، لأن المراد من الإمام مراعاة النظر للمسلمين ، والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه ، فكيف ينظر في مصلحة غيره ؟ ! (67) .
     وقالوا : إن هذا الفسق يمنع من انعقاد الإمامة ، ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها (68) .
     2 - الاجتهاد : إذ عدوا في شروط الإمام : أن يكون من أفضلهم في العلم والدين ، والمراد بالعلم هو العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام ، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك ، لأنه محتاج لأن يصرف الأمور على النهج القويم ويجريها على السراط المستقيم ، ولأن يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس ، وإذا لم يكن عالما مجتهدا لم يقدر على ذلك (69) .



(66) تفسير المنار 5 / 198 .
(67) مآثر الإنافة 1 / 36 ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : 6 ، الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 .
(68) الأحكام السلطانية - للماوردي - : 17 .
(69) مآثر الإنافة 1 / 37 ، الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 .



(135)

     لكن سرعان ما انهارت هذه الشروط حين تغلب على الخلافة رجال لم يكن فيهم شئ منها ، لا العدالة ، ولا العلم المؤدي إلى الاجتهاد . . قال الفراء : قد روي عن الإمام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل ، فقال : " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه ، برا كان أو فاجرا ، فهو أمير المؤمنين " ! (70) .
     وقال القلقشندي : إن لم يكن الخليفة المتغلب بالقهر والاستيلاء جامعا لشرائط الخلافة ، بأن كان فاسقا أو جاهلا ، فوجهان لأصحابنا الشافعية ، أصحهما : انعقاد إمامته أيضا ! (71) .

التبرير :
     إن مثل هذا الرأي الذي ينقض شرائط الخلافة بعد أن نقض أساسها ، لا بد له من تبرير مقبول . والتبرير الذي قدمته نظريتنا هنا هو : " الاضطرار " ! لأنا لو قلنا : لا تنعقد إمامته ، لزم ذلك بطلان أحكامه كلها المالية والمدنية ، فيتعين على الخليفة الذي يأتي بعده وفق الشروط الشرعية أن يقيم الحدود ثانيا ، ويستوفي الزكاة والجزية ثانيا ، وهكذا (72) .
     والضرورة أيضا تقتضي صحة خلافته : لحفظ نظام الشريعة ، وتنفيذ أحكامها (73) ، ولأنه لا بد للمسلمين من حاكم (74) .



(70) الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 .
(71) مآثر الإنافة 1 / 58 .
(72) أنظر : مآثر الإنافة 1 / 58 .
(73) مآثر الإنافة 1 / 71 .
(74) الأحكام السلطانية - للفراء - : 24 .



(136)

     إذن قبولها على هذه الصورة ألا يستدعي السعي الدائم لإزاحتها وإرجاع الأمر إلى صيغته الشرعية ؟ هذا ما ذهب إليه الشيخ محمد رشيد رضا وقد استعرض هذه الآراء ، فقال : معنى هذا أن سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة ، تنفذ بالقهر ، وتكون أدنى من الفوضى ! ومقتضاه أنه يجب السعي دائما لإزالتها عند الإمكان ، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها ، ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلبين يتقاذفونها ، ويتلقفونها كما فعلت الأمم التي كانت مظلومة وراضية بالظلم (75) .
     لكن الواقع كان على العكس من ذلك ، فقد حرموا دائما الخروج على السلطان الجائر والفاسق ، وعدوا أي محاولة من هذا القبيل من الفتن التي نهى عنها الدين وحرم الدخول فيها . . يقول الزرقاني : أما أهل السنة فقالوا : الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عادلا محسنا ، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه ، لما فيه من استبدال الخوف بالأمن ، وإهراق الدماء ، وشن الغارات ، والفساد ، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه ! (76) .
     كما ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال : " الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ، ولا يخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا " (77) .
     استعرض الشيخ أبو زهرة هذين القولين ، ثم قال : وهذا هو المنقول عن أئمة أهل السنة ، مالك ، والشافعي ، وأحمد (78) .



(75) الخلافة : 45 ، عنه : نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 126 .
(76) شرح الموطأ 2 / 292 ، عنه : المذاهب الإسلامية : 155 .
(77) المذاهب الإسلامية : 155 .
(78) المذاهب الإسلامية : 155 .



(137)

     فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع أحكام الاضطرار والإكراه ؟ !
     لقط طعن الشيخ محمد رشيد رضا هذه العقيدة في الصميم حين قال بوضوح وبكل يقين : إن توسيد الأمة الإسلامية أمرها إلى غير أهله لا يمكن أن يكون باختيارها وهي عالمة بحقوقها قادرة على جعلها حيث جعلها كتاب الله تعالى ، وإنما يسلبها المتغلبون هذا الحق بجهلها وعصبيتهم التي يعلو نفوذها نفوذ أولي الأمر حتى لا يجرؤ أحد منهم على أمر ولا نهي ، أو يعرض نفسه للسجن أو النفي أو القتل . . هذا ما كان ، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعة وذهاب تلك الدولة العظيمة .
     وقد عني الملوك المستبدون بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضة والرتب والمناصب ، وكان غيرهم أشد انجذابا ، ووضع هؤلاء العلماء الرسميون قاعدة لأمرائهم ولأنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمر الدين والدنيا في الإسلام ، وهي : أنه يجوز أن يكون أولياء الأمور فاقدين للشروط الشرعية التي دل على وجوبها واشتراطها الكتاب والسنة ، وإن صرح بها أئمة الأصول والفقه ، فقالوا : يجوز ، إذ فقد الحائزون لتلك الشروط . مثال ذلك : إنه يشترط فيهم العلم المعبر عنه بالاجتهاد ، وقد صرح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل ، وعدوه من الضرورة ، وأطلق الكثيرون هذا القول ، وجرى عليه العمل . وذلك من توسيد الأمر إلى غير أهله الذي يقرب خطوات ساعة هلاك الأمة ، ومن علاماتها : ذهاب الأمانة ، وظهور الخيانة . . ولا خيانة أشد من توسيد الأمر إلى الجاهلين . .
     روى مسلم وأبو داود حديث ابن عباس : " من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه ، فقد


(138)
خان الله ورسوله وجميع المسلمين " (79) .
     وطعنها أيضا في قوله : ما أفسد على هذه الأمة أمرها وأضاع عليها ملكها إلا جعل طاعة هؤلاء الجبارين الباغين واجبة شرعا على الإطلاق ، وجعل التغلب أمرا شرعيا كمبايعة أهل الحل والعقد للإمام الحق ، وجعل عهد كل متغلب باغ إلى ولده أو غيره من عصبته حقا شرعيا وأصلا مرعيا لذاته ! (80) .
     وهذه حقيقة تاريخية ، وليست دعوى مجازف أو متهاون .

صور ثلاثة :
     صور نقف عندها يسيرا بعد هذا الشوط المضني ، لنواصل بعدها المشوار . .

     الصورة الأولى : لماذا أسقط مذهب أبي حنيفة ؟ !
     حين نقل أبو زهرة كلمات بعض الأئمة في وجوب إطاعة الخليفة الفاسق والجاهل والجائر ، قال : هذا هو المنقول عن أئمة أهل السنة ، مالك ، والشافعي ، وأحمد (81) .
     فأسقط ذكر أبي حنيفة ، وهكذا فعل سائر المتكلمين في هذه المسألة ، وكأن أبا حنيفة ليس من أئمة أهل السنة ! وعلة ذلك أن أبا حنيفة كان على خلاف هذه العقيدة ، فهو لا يرى صحة الخلافة للمتغلب الفاقد للشرائط ، بل كان يسميهم : " اللصوص " ! وكان يحرم إطاعتهم حتى في المعروف ، فكان يقول : " لو أرادوا بناء مسجد ، وأرادوني على عد آجره ، لما فعلت " !



(79) تفسير المنار 5 / 215 - 216 باختصار .
(80) الخلافة : 51 ، عنه : نظرية الحكم والإدارة في الإسلام : 126
(81) المذاهب الإسلامية : 155 ، وقد تقدم آنفا .



(139)
وكان يرى وجوب الثورة عليهم ، فناصر ثورة زيد الشهيد بكل ما يستطيع ، حتى أصدر فيه فتواه الشهيرة : " لقد ضاهى خروجه رسول الله في بدر " . وبعد استشهاد زيد ونهوض محمد ذي النفس الزكية بايعه أبو حنيفة وناصره سرا وعلانية ، وبقي على بيعته حتى مات في سجن المنصور (82) .
     لأجل هذا أسقطت رؤية أبي حنيفة بالكامل عن نظرية أهل السنة ، وكأن هذه النظرية قد قامت على أساس قبول إمامة الفاسق والجائر والجاهل ، وكل قول لا ينسجم مع هذا فلا يحسب على أهل السنة ، ولا يعد قائله في أئمة أهل السنة الذين يرجع إليهم في مثل هذه المسألة !

     الصورة الثانية : ومذهب عظماء السلف ؟ !
     لم يكن هذا شأن أبي حنيفة وحده . بل هو شأن عظماء السلف أيضا ، فلا يذكر لهم اسم ، ولا يشرك لهم قول في هذه النظرية . فلا ذكر للسبط الشهيد الإمام الحسين بن علي وثورته (83) . . ولا لمئات المهاجرين والأنصار وبقية الصحابة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهضتهم على يزيد بن معاوية (84) . . ولا عبد الله بن الزبير . . ولا الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين . . ولا الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي



(82) أنظر : الملل والنحل 1 / 140 ، الكشاف - للزمخشري - : تفسير الآية 124 من سورة البقرة : * (لا ينال عهدي الظالمين) * .
(83) قتل الإمام الحسين عليه السلام مع نيف وسبعين من أهل البيت والتابعين وفيهم الصحابي أنس بن الحارث الذي روى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد منكم ذلك فلينصره " البداية والنهاية 8 / 201 ، أسد الغابة ، والإصابة / ترجمة أنس بن الحارث .
(84) قتل منهم ثمانون صحابيا ولم يبق بدري بعد ذلك ، وقتل من قريش والأنصار سبع مئة ، ومن التابعين والعرب والموالي عشرة آلاف ، وأبيحت المدينة ثلاثة أيام وانتهكت الأعراض حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن !



(140)
ومن معه أصحاب ثورة التوابين . . ولا القراء في الكوفة وثورتهم !
     كل أولئك أسقطوا من هذه النظرية ، فأخرجوا عن دائرة أهل السنة ! ! لقد بالغ بعض كبار المتكلمين باسم أهل السنة في النيل من أولئك العظماء الأشراف ، ووجوه القوم وكبارهم ، ولعل من أشهرهم ابن تيمية الذي وصف نهضة سيد شباب أهل الجنة سبط الرسول وريحانته بأنها فساد كبير ! ولا يرضى بها الله ورسوله ! وكذا وصف نهضة بقية المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة ، ثم بالغ في إعذار يزيد في التصدي لهم وقتلهم جميعا لأجل حفظ ملكه ، ولم ينكر على يزيد إلا أنه أباح المدينة ثلاثة أيام ! (85) ولم يقل عنه : إنه قاتل الناس ليطاع هو لا الله ! وقال في هذا الأمر أيضا : مما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، أهل البيت وغيرهم ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفي ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتيقن ، ومثل هذا إذا وقع صار فتنة ! ! (86) .
     ترى لماذا كان ابن تيمية أعلم بمداخل الفتنة وأبعد عن الهوى الخفي من أولئك العظماء من الصحابة وأهل البيت ؟ ! هل لأنه رضي إمامة الفاجر والجاهل ، ورفضها أولئك ؟ ! هكذا تلقي هذه النظرية بنفسها في مأزق حرج حين تعرض عن ذلك الأثر الضخم من آثار عظماء السلف وأئمتهم . الصورة الثالثة : الخارج المأجور : ما زال إظهار الخلاف للإمام محرما ، والخروج عليه فتنة وفسادا كبيرا ،



(85) أنظر : منهاج السنة 2 / 241 - 243 و 253 ، الوصية الكبرى : 54 .
(86) منهاج السنة 2 / 245 .



(141)
ما زال هذا الحكم ثابتا لا يتزحزح . .
     إذن لماذا أصبح الخارج على الإمام ، مرة واحدة فقط في تاريخ الإمامة مأجورا ؟ ! حين كان الإمام هو علي بن أبي طالب ، أخص الناس برسول الله وأكثرهم علما وجهادا وأولادهم بالعدل ، عندئذ فقط حق الناس أن يخرجوا على الإمام ! وسوف لا يكون خروجهم - هذه المرة - فتنة وفسادا ، بل هو اجتهاد ، وهم مأجورون عليه ، مثابون لأجله وإن أخطأوا ! ! إنها صور لو عرضت أيا منها على تلك النظرية لوجدت فتقا لا يرتق إلا بتكلف ظاهر ، والتواء سافر . ولنعد الآن إلى دعائم هذه النظرية . .

ضرورة النص بين الخليفة والنبي :
     لا نزاع في ثبوت حق الخليفة في النص على من يخلفه ، ولا في نفوذ هذا النص ، لأن الإمام أحق بالخلافة ، فكان اختياره فيها أمضى ، ولا يتوقف ذلك على رضا أهل الحل والعقد (87) .
     وإنما صار ذلك للخليفة خوفا من وقوع الفتنة واضطراب الأمة (88) .
     فمن أجل ذلك كان بعض الصحابة يراجع عمر ويسأله أن ينص على من يخلفه (89) .
     هذا كله حق ، ولكن أليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالتفكير في ذلك ، وبرعاية هذه المصلحة ؟ !



(87) الأحكام السلطانية - للفراء - : 10 ، الأحكام السلطانية - للبغوي - : 25 و 26 .
(88) الفصل 4 / 169 ، تاريخ الأمم الإسلامية - للخضري - 1 / 196 .
(89) الكامل في التاريخ 3 / 65 .



(142)

     إنه الرحمة المهداة ، بلا شك . . أليس من تمام الرحمة وجمالها أن يجنب أمته المحذور من الاختلاف بعده ؟ ! لقد أحب أمته وحرص عليها (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (90) .
     وأيضا : فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أننا سوف لا ننتظر بعده نبيا يعيد نظم أمرنا ! لقد بصر ابن حزم بذلك ، فحاول أن يتداركه ، فقال : وجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه : أولها وأصحها وأفضلها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إماما بعد موته ، سواء جعل ذلك في صحته أو عند موته ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بأبي بكر ، وكما فعل أبو بكر لعمر ، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز . قال : وهذا هو الوجه الذي نختاره ، ونكره غيره ، لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة ، وانتظام أمر الإسلام وأهله ، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ، ومن انتشار الأمر وحدوث الأطماع (91) .
     لقد لحظ ابن حزم أكثر من ثغرة في تلك النظرية ، فأظهر مهارة في محاولة رتقها ، بأن جمع بين الضرورات الدينية والعقلية والاجتماعية وبين الأمر الواقع ، ليخرج بصيغة أكثر تماسكا . * فترك الأمة دون تعيين ولي الأمر الذي يخلف زعيمها يعني بقاء الأمة فوضى ، وتشتت أمرها ، وظهور الأطماع في الخلافة لا محالة . . وهذا مما ينبغي أن يدركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيبادر إلا تلافيه ، ولو في مرضه الذي توفي فيه .



(90) سورة التوبة 9 : 128 .
(91) الفصل 4 / 169 .



(143)

     وتعيين الخليفة بهذه الطريقة سيضمن اتصال الإمامة ، وانتظام أمر الإسلام .
     وإذا كان أبو بكر قد أدرك ذلك فنض على من يخلفه ، وأدركه أيضا عمر ، وأدركه سليمان بن عبد الملك ، فكيف نظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أغفل ذلك ؟ ! إنها إثارات جادة دفعته إلى حل وحيد يمكنه أن ينقذ هذه النظرية ، كما ينقذ الأمر الواقع بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وتمثل هذا الحل عنده بنص النبي على أبي بكر بالخلافة ! إذن فلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك هذا الأمر للأمة ، أو تركها فوضى ، ولا كانت بيعة أبي بكر فلتة ! إنها أطروحة متينة ، كفيلة بقطع النزاع ، لو تمت . . !
     ولكنها - للأسف - لم تكن سوى مجازفة ، فمن البديهي عندئذ أن تكون عاجزة عن تحقيق الأمل المنشود منها ! فلا هي تداركت تلك النظرية وعالجت ثغراتها ، ولا هي أنقذت الأمر الواقع ! وذلك لسبب بسيط ، وهو أن النص على أبي بكر لم يثبت ، بل لم يدع وجوده أحد ، بل تسالمت الأئمة على عدمه . فمن أراد أن يثبت مثل هذا النص على أبي بكر بالخصوص ، فعليه أن ينفي حادثة السقيفة جملة وتفصيلا . عليه أن يكذب بكل ما ثبت نقله في الصحاح من كلام أبي بكر وعمر وعلي والعباس والزبير في الخلافة . . عليه أن يهدم بعد ذلك كل ما قامت عليه نظرية أهل السنة في الإمامة ، فلم تبن هذه النظرية أولا إلا على أصل واحد ، وهو البيعة لأبي بكر بتلك الطريقة التي تمت في السقيفة وبعدها ! !


(144)

فمن تلك الواقعة أولا جاءت نظرية الشورى بين أهل الحل والعقد . عليه أن ينفي " الإجماع على أن النص منتف في حق أبي بكر " (92) !
     لقد ساق الغزالي كلاما موافقا لهذا الإجماع قوض فيه ما بنى عليه ابن حزم قوله . . قال الغزالي متسائلا : فهلا قلتم : إن التنصيص واجب من النبي والخليفة ، كي يقطع ذلك دابر الاختلاف ؟ ! ثم أجاب قائلا : قلنا إنه لو كان واجبا لنص عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ينص هو ، ولم ينص عمر أيضا (93) .
     وحين يواصل ابن حزم عرض نظريته تراه يلغي بالكامل مبدأ الشورى واختيار أهل الحل والعقد ، ويسند أمر اختيار الخليفة إلى النص ! ولم يكن هذا الطرح منسجما مع هذه المدرسة ومبادئها ، وإنما هو محاولة لسد ثغراتها ، ومقابلة للإلحاح الذي تقدمه النظرية الأخرى القائمة على أساس النص ، ولقطع دابر النزاع ، كما ذكر هو ، وكما أشار الغزالي في تساؤله . أنه كان مقتنعا بضرورة النص ، ولكنه أراد نصا منسجما مع الأمر الواقع ، وإن لم يسعفه الدليل ! !

إقرار بقدر من النص :
     لم يختف النص إلى الأبد في هذه النظرية ، والشورى هنا ليست مطلقة العنان ، فليس لأهل الحل والعقد أن ينتخبوا من شاءوا بلا قيد . إن هناك حدا تلتزمه الشورى ، وهذا الحد إنما رسمه النص الثابت . قالوا : إن من شرط الإمامة : النسب القرشي ، فلا تنعقد الإمامة بدونه . . وعللوا ذلك بالنص الثابت فيه ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم



(92) شرح المقاصد 5 / 255 .
(93) الاقتصاد في الاعتقاد : 151 .



(145)

أنه قال : " الأئمة من القريش " . وقال : " قدموا قريشا ولا تتقدموها " . وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع ، ولا قول لمخالف (94) .
     واشترطوا لهذا القرشي أن يكون قرشيا من الصميم ، من بني النضر بن كنانة ، تصديقا للنص (95) .
     وقال الإمام أحمد : " لا يكون من غير قريش خليفة " (96) .
     واستدلوا على تواتر هذا النص بتراجع الأنصار وتسليمهم الخلافة للمهاجرين القرشيين حين احتجوا عليهم بهذا النص في السقيفة (97) .
     وقال ابن خلدون : بقي الجمهور على القول باشتراطها - أي القريشية - وصحة الخلافة للقرشي ولو كان عاجزا عن القيام بأمور المسلمين (98) .
     وهكذا ثبت النص الشرعي ، وثبت تواتره ، وثبت الإجماع عليه . وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النص - كأبي بكر الباقلاني - فسر ابن خلدون سر تراجعه ، ورد عليه ، فقال : لما ضعف أمر قريش ، وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم ، وبما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الأرض ، عجزوا بذلك عن أمر الخلافة وتغلبت عليهم الأعاجم ، فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية ، وعولوا على ظواهر في ذلك مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي " (99) .



(94) الأحكام السلطانية - للماوردي - : 6 .
(95) الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 ، الفصل 4 / 89 ، مآثر الإنافة 1 / 37 ، مقدمة ابن خلدون : 214 فصل 26 .
(96) الأحكام السلطانية - للفراء - : 20 .
(97) الفصل 4 / 89 .
(98) المقدمة : 215 .
(99) والخوارج أيضا احتجوا بهذا حين لم يجدوا بينهم قرشيا يسندون إليه الزعامة فيهم !



(146)
قال : وهذا لا تقوم به حجة في ذلك ، لأنه خرج مخرج التمثيل ، للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة (100) .
     وثبت النص واستقر ، ولا غرابة ، فهو نص صحيح ، بل متواتر . وهو فوق ذاك ينطوي على فائدة أخرى ، فهو النص الذي يعزز أركان هذه النظرية ، إذ يضفي الشرعية على الخلافة في كافة عهودها ، ابتداء من أول عهود الخلافة الراشدة ! وانتهاء بآخر خلفاء بني العباس ، فهذا كل ما يتسع له لفظ القرشية هنا . لما تغلب معاوية بالسيف بلغه أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان ، فهب معاوية غضبا فجمع الناس وخطبهم قائلا : أما بعد ، فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله ، أولئك جهالكم ! فإياكم والأماني التي تضل أهلها ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " إن هذا الأمر في قريش . لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه " (101) .

وقفة مع هذا النص :
     عرف المهاجرون القرشيون الثلاثة - أبو بكر وعمر وأبو عبيدة - هذا النص فاحتجوا به على الأنصار في السقيفة ، فأذن الأنصار ، وعاد القرشيون بالخلافة ، أبو بكر ، ثم عمر ، ثم مالت عن عبيدة ، لا لعدم كفاءته وهو القرشي المهاجر ، بل لأنه قد توفي في خلافة عمر ، فلما حضرت عمر الوفاة تأسف عليه ، وقال : " لو كان أبو عبيدة ، حيا لوليته " (102) . . والأمر ماض مع



(100) مقدمة ابن خلدون : 214 - 215 فصل 26 .
(101) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب 2 ح 6720 .
(102) مسند أحمد 1 / 18 ، الكامل في التاريخ 3 / 65 ، صفة الصفوة 1 / 367 ، سير أعلام النبلاء 1 / 10 .



(147)
النص .
     ولكن حين لم يكن أبو عبيدة حيا كاد ذلك المبدأ - النص - أن ينهار ، وكاد ذلك النص المتواتر أن ينسى ، كل ذلك على يد الرجل الذي كان من أول المحتجين به على الأنصار ، عمر بن الخطاب ! إنه لما لم يجد أبا عبيدة حيا ، قال : " لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته " (103) .
     ولما لم يكن سالم حيا ، قال : " لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته " (104) . . فهل كان سالم قرشيا ؟ ! أم كان معاذ كذلك ؟ ! أما سالم : فأصله من إصطخر ، من بلاد فارس ، وكان مولى لأبي حذيفة ! (105) .
     وأما معاذ : فهو رجل من الأنصار ! هذا في وقت تزدحم فيه المدينة بشيوخ المهاجرين القرشيين ، وفيهم من هو أفضل من هذين الرجلين بالإجماع . ورغم أن ابن خلدون قد دافع عن النظرية القائمة على هذا النص " الأئمة من قريش " ورد قول عمر هذا بأنه قول صحابي واحد ، ومذهب الصاحبي ليس بحجة (106) ، إلا أن هذا لا يقطع دابر الأسئلة التي يثيرها هذا الموقف . . فلو قدر لأحد الرجلين أن يكون حيا لتولى الخلافة ، ولعطل النص الذي كان حجة في انتزاع الخلافة من غير القرشي ! ومما يدعم هذا الفرض أن أحدا من الصحابة لم يرد على عمر ، ويذكره



(103) الكامل في التاريخ 3 / 65 ، صفة الصفوة 1 / 283 ، طبقات ابن سعد 3 / 343 .
(104) مسند أحمد 1 / 18 ، صفة الصفوة 1 / 494 ، طبقات ابن سعد 3 / 590 ، سير أعلام النبلاء 1 / 10 .
(105) سير أعلام النبلاء 1 / 167 .
(106) مقدمة ابن خلدون : 215 فصل 26 .



(148)
بأن الإمامة في قريش دون سواهم ، بذلك النص الذي أجمعوا عليه من قبل ، وبشرط السقيفة أيضا ! ! * فيما أن يكون سكوتهم إقرارا بعدم اشتراط القرشية ، وهذا مخالف للنص الذي أجمعوا عليه من قبل !
     أو أنهم سكتوا هيبة للخليفة ، وهذا لا ينبغي أن يكون مع وجود النص ! * أو أنهم سكتوا حين لم يجدوا هناك حاجة للتسرع في بحث الموضوع ما دام الرجلان قد ماتا ، وما دام الخليفة لم يبت بالأمر بعد ، ثم رأوا أن الحاجة إلى ذلك قد انتفت حين أسند الأمر إلى ستة كلهم من قريش ، وهذا أحسن الأعذار لو يتم ! وأيا كان ، فإن هذه الوجوه جميعا تثير الشكوك حول قيمة الاحتجاج بسكوت الصحابة على أنه دائما يمثل الإجماع الإقراري ! أما حين يتوجه السؤال إلى عقيدة عمر نفسه في هذه النظرية فإنه يحتاج إلى توجيه آخر ، وقد حاول ذلك ابن خلدون ، فقال : " إن مولى القوم منهم ، وعصبية الولاء حاصلة لسالم مولى أبي حذيفة في قريش ، وهي الفائدة في اشتراط النسب ! ولما استعظم عمر أمر الخلافة ورأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبية ، ولم يبق إلا صراحة النسب ، فرآه غير محتاج إليه ، إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية ، وهي حاصلة من الولاء ، فكان ذلك حرصا من عمر على النظر للمسلمين " ! (107) .
     ولا يعدوا هذا الكلام أن يكون اجتهادا في مقابلة النص ، أما تأويل النسب بالعصبية فهو من صياغة ابن خلدون ، ومن خصوصيات نظريته في السياسة ، وليس من الضروري أن يكون هو المراد من النص على قريش ، فثمة



(107) مقدمة ابن خلدون : 215 .


(149)
أحاديث صحيحة ميزت قريشا بمنزلة ليست لغيرها ، كحديث : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة . . . " الحديث (108) .
     وذهب آخرون إلى تبرير آخر ، فاحتجوا بالحديث : " مولى القوم منهم ، ومن أنفسهم ، وابن أخت القوم منهم " فاعتمدوا نصا جديدا في توسيع دائرة النص الأول ، بدلا من اللجوء إلى التأويل والاجتهاد في مقابلة النص . لكن هذا أيضا لم يقع موقع الرضا لدى الجمهور ، إذ هو مخالف للإجماع . . قال ابن حزم : إن الإجماع قد تيقن وصح على أن حكم الحليف والمولى وابن الأخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن أخت . فإذا صح البرهان بأن لا تكون - الخلافة - إلا في قريش ، لا في من ليس قرشيا ، صح بالإجماع أن حليف قريش ومولاهم وابن أختهم كحكم من ليس قرشيا (109) .
     هذا كله عن سالم مولى أبي حذيفة ، ولكن ليس ثم جواب عن اختيار معاذ ، وهو من الأنصار الذين أغار عليهم القرشيون الثلاثة في السقيفة ، وفيهم عمر ، واحتجوا عليهم بأن الأئمة من قريش ، وهيهات أن ترضى العرب بغير قريش ! هذا الكلام قاله عمر في خطابه للأنصار في السقيفة ، ثم واصل خطابه قائلا : " ولنا بذلك الحجة الظاهرة ، من نازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة ؟ ! " (110) .
     إن تعدد هذه المواقف المختلفة أضفى كثيرا من الغموض على عقيدة عمر في الخلافة ، مما يزيد في إرباك نظرية الخلافة والإمامة إذا ما أرادت أن تساير جميع المواقف ، من هنا اضطروا إلى الضرب على اختلافات عمر حفاظا على صورة أكثر تماسكا لهذه النظرية ، كل ذلك لأجل تثبيت هذا المبدأ القائم



(108) صحيح مسلم - كتاب الفضائل ح 1 . (109) الفصل 4 / 89 - 90 .
(110) راجع : الكامل في التاريخ 2 / 329 - 330 ، الإمامة والسياسة : 12 - 16 .



(150)
على النص الشرعي : " الأئمة من قريش " .
     واضح إذن كيف تم الانتصار للنص على الرأي المخالف ! وواضح أيضا كيف كان قد تم الانتصار لمبدأ النص على مبدأ الشورى . وذلك حين رأى الخليفة ضرورة النص على من يخلفه . فدخل النص إذن في قمة النظام السياسي ، رغم أنه يلغي قاعدة الشورى بالكامل . ومرة أخرى ، تمشيا مع النص النبوي الشريف " الأئمة من قريش " ينهزم مبدأ الشورى أمام السيف ! فمن تغلب على الأمة وانتزع الخلافة بالسيف وكان قرشيا ، صحت خلافته ، لأنها لا تخرج عن النص المتقدم ! بل أمام هذا النص قد انهارت جميع الشروط الواجب توفرها في الخليفة ، كالاجتهاد والعدل والتقوى ، فإذا كان الخليفة قرشيا صحت خلافته وإن كان ظالما جاهلا فاسقا ، بل عاجزا عن أمر الخلافة !
     هذه هي حقيقة موقع النص ، أما النظرية فما زالت تتنكر له ، وتتبنى مبدأ الشورى ابتداء في المرتبة الأولى ، ولكن ينبغي لهذه الشورى ألا تخرج عن دائرة هذا النص ، فلا تنتخب إلا قرشيا من الصميم . أما ابن حزم فقد تبنى مبدأ النص أولا ، ثم ادعى نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي بكر ، قطعا للنزاع ، لكنه لم يفلح حين خالف حقيقة معلومة بالإجماع وبشواهد التاريخ . إذن ، ثبت لدينا نص صريح صحيح وفاعل في هذه النظرية ، وهو الحديث الشريف " الأئمة من قريش " وقد أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والسير بألفاظ مختلفة ، وهذا هو محصلها .

ضرورة التخصيص في النص :
     1 - إن قراءة سريعة في تاريخنا السياسي والاجتماعي توقفنا على حقيقة


(151)

أن النص المتقدم " الأئمة من قريش " بمفرده لا يحقق للإمامة الأمل المنشود منها في حراسة الدين والمجتمع . وأول من لمس هذه الحقيقة هم الصحابة أنفسهم منذ انتهاء الخلافة الراشدة ، ثم أصبحت الحقيقة أكثر وضوحا لدى من أدرك ثاني خلفاء بني أمية - يزيد بن معاوية - ومن بعده .
     ففي صحيح البخاري : لما كان النزاع دائرا بين مروان بن الحكم وهو بالشام ، وعبد الله بن الزبير وهو بمكة ، انطلق جماعة إلى الصحابي أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - فقالوا له : يا أبا برزة ، ألا ترى ما وقع فيه الناس ؟ ! فقال : إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش ، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا ، وإن الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا ! ! (111) .
     2 - وأهم من هذا أنه ثمة نصوص صحيحة توجب تضييق دائرة النص المتقدم . . لقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاغترار بالنسب القرشي وحسب ، وأنذر بأن ذلك سيؤدي إلى هلاك الأمة وتشتت أمرها ! ففي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش " (112) .



(111) صحيح البخاري - الفتن - باب 20 ح 6695 .
(112) صحيح البخاري - الفتن باب 3 ح 6649 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 / 7 - 8 . ومما يثير الدهشة أن تجد هذه الأحاديث وأكثر منها في آل أبي سفيان وآل مروان ، تجدها في كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير تحت عنوان " إخباره صلى الله عليه وآله وسلم لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته " ! ! ج 6 / 255 - ط . دار التراث العربي - سنة 1992 ، و ج 6 / 227 - ط . مكتبة المعارف - سنة 1988 . علما أنه وضعها وفق ترتيبه التاريخي في أحداث العهد الأموي ! ! ولعل المتهم في هذا ناسخ أموي الهوى غاظه ذكر بني أمية في هذا العنوان فقلبه على بني هاشم ! .



(152)
كيف إذن سيتم التوفيق بين النصين : " الأئمة من قريش " و " هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش " ؟ !
     أليس لقائل أن يقول : ما هو ذنب الأمة ؟ ! إنها التزمت نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم " الأئمة من قريش " فقادها هذا النص إلى هذا المصير حين ذبح خيار الأمة بسيوف قريش أنفسهم ! أليس النص هو المسؤول ؟ !
     حاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع أمته على حافة هاوية ، وهو الذي كان قد استنقذها من الهاوية . إنهم أرادوا أن يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابة وإضفاء الشرعية حتى على المواقف المتناقضة تجاه القضية الواحدة ، فوقعوا في ما فروا منه ! بل وقعوا في ما هو أكبر منه حين صار النص النبوي هو المسؤول عما آل إليه أمر الأمة من فتن ، ثم هلكة ! إن العقيدة التي تؤكد على تبرئة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وتصفه دائما بالعصمة والكمال وأداء الأمانة ، ينبغي لها أن لا تنزلق في هذا المنزلق الخطير . إنه ينبغي لها وفق هذه العقيدة في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولا ، ومما بين أيديها من السنة الصحيحة ثانيا ، ومن شواهد الواقع ثالثا ، ينبغي لها أن تلتزم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يكتفي بهذا القدر من النص ، فيقول : " الأئمة من قريش " ويقف عند هذا القدر ، ثم يقول مرة أخرى : " هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش " ! فهؤلاء الغلمة إنما يكون هلاك الأمة على أيديهم عندما يملكون أمر


(153)
الأمة ، لكن الأمة لم ترض بهم إلا اتباعا للنص الأول " الأئمة من قريش " فهل يكون هذا إلا إغراء ؟ ! حاشا لرسول الله أن يكون ذلك منه ، وإنما هو من علامات التهافت في هذه النظرية التي أغضت عن كل ما ورد في السنة مما يفيد تخصيص ما ورد في حق قريش .

نوعان من التخصيص :
     ورد في السنة نوعان من التخصيص في أمر قريش ، تخصيص سلب ، وتخصيص إيجاب .
     1 - تخصيص السلب : ثمة نصوص صريحة تستثني قوما من قريش ، فتبعدهم عن دائرة التكريم ، ناهيك عن التقديم : قال ابن حجر الهيتمي : في الحديث المروي بسند حسن أنه صلى الله عليه وآله وسلم : " شر قبائل العرب : بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف " . قال : وفي الحديث الصحيح - قال الحاكم - على شرط الشيخين - عن أبي برزة - رضي الله عنه - أنه قال : كان أبغض الأحياء - أو الناس إلى رسول الله بنو أمية (113) .
     والذي ورد في ذم آل الحكم - أبو مروان - خاصة كثير ومشهور . فهل يصح أن تسند الإمامة إلى شر قبائل العرب ، وأبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! ومن دقائق النص الأول إقرانه بني أمية ببني حنيفة ، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الكذاب ! ! فإذا أصبح هؤلاء هم الحكام في الواقع فعلينا أن نشهد أن هذا الواقع



(113) تطهير الجنان واللسان : 30 .


(154)
منحرف عن النص ، بدلا من أن نسعى لتبريره وإخضاعه للنص .
     2 - تخصيص الإيجاب : الحديث الذي ميز قريشا بالاصطفاء على سائر القبائل لم يقف عند دائرة قريش الكبرى ، بل خص منها طائفة بعينها ، فقال : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " (114) .
     وهذا تقديم لبني هاشم على سائر قريش . . . ساق ابن تيمية هذا الحديث الصحيح ، وأضاف قائلا : " وفي السنن أنه شكا إليه العباس أنه بعض قريش يحقرونهم ! فقال صلى الله عليه وآله : " والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي " وإذا كانوا أفضل الخلائق ، فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال . . ففاضلهم أفضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب ، بل وبني إسرائيل وغيرهم " (115) .
     وليس المقام مقام تفضيل وحسب ، بل إن قريشا لا يصح لها إيمان ما لم تحب بني هاشم حبين : لله ، ولقرابة الرسول ! فهل يصح أن تكون قريش كلها سواء في حق التقدم والإمامة ، وفيها بنو هاشم الذين رفعهم النص إلى أعلى منزلة ، وفيها بنو أمية الذين خفضهم النص إلى أردى الرتب ؟ ! إذا كان الواقع قد آل إلى هذه الحال ، فعلينا أن نشهد أنه واقع منحرف عن النص ، لا أن نسعى إلى تبريره .

نتيجة البحث :
     مما تقدم يبدوا بكل وضوح أننا هنا قد أخفقنا في تحقيق نظرية منسجمة



(114) صحيح مسلم - كتاب الفضائل - ح 1 .
(115) ابن تيمية / رأس الحسين : 200 - 201 مطبوع مع استشهاد الحسين - للطبري - .



(155)
متماسكة في موضوع الإمامة ، وأن السبب الحقيقي لهذا الإخفاق هو متابعة الأمر الواقع والسعي لتبريره وجعله مصدرا رئيسا في وصف النظام السياسي . إن تناقضات الأمر الواقع في أدواره المتعددة قد ظهرت جميعها في هذه النظرية ، مما أفقدها قيمتها كنظرية إسلامية في معالجة واحدة من قضايا الإسلام الكبرى . . * فالقول بالنص الشرعي لم يقف عند جوهر النص ، ولا التزام شروطه وحدوده . * والقول بالشورى تقهقر أمام نص الخليفة السابق ، وصلاحيات الشورى ، والقهر والاستيلاء ، والتغلب بالسيف . * أما نظام أهل الحل والعقد فهو أشد غموضا . فمرة يكون أهل الحل والعقد رجلا واحدا نصب نفسه فتابعه اثنان كما في عقد الزواج ، أو تابعه أربعة أو يكونوا ستة يعينهم الخليفة السابق دون الأمة ، بل " تطور " الأمر عن هذا كثيرا ، حتى " إن فيلسوفا مدققا كابن خلدون قد جعل حاشية الخليفة وبطانته وأقاربه - بصرف النظر عن مدى علمهم واجتهادهم وتقواهم - هم أهل الحل والعقد الذين عارضوا الخليفة المأمون أن ينقل الخلافة إلى علي الرضا من بعده " ! (116) والحقيقة التي نرجو أن لا تصدم أحدا أن هذا قد ظهر من قبل ، في النصف الثاني من خلافة عثمان ، حيث برز على رأس أصحاب الرأي والمشورة رجال من قرابته - بني أمية - خاصة ، لم يكونوا من أولي الفضل والاجتهاد والسابقة في الدين ، مع كثرة من اجتمعت فيهم هذه الخصال في ذلك الوقت ! وكان أهل الحل والعقد هؤلاء هم : عبد الله بن عامر ، وعبد الله بن سعد ابن أبي سرح (117) ، وسعيد بن العاص ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومروان بن



(116) نظرية الإمامة - الدكتور أحمد محمود صبحي - : 26 .
(117) وهو الذي ارتد مشركا في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فهدر الرسول دمه يوم فتح مكة ، وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة ! راجع ترجمته في : الإستيعاب ، وأسد الغابة ، والإصابة .



(156)
الحكم !
     نقل الطبري من طريقين : أن عثمان أرسل إلى معاوية وعبد الله بن سعد ابن أبي سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر ، فجمعهم ليشاورهم في أمره ، فقال لهم : إن لكل امرئ وزراء ونصحاء ، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي . . وقد صنع لناس ما قد رأيتم ، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي ، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون ، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي . فلما أشاروا عليه عمل بما رآه من مجموع مشوراتهم ، فردهم على أعمالهم ، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث (118) ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه (119) .
     هذه الوجوه المتناقضة كلها من المستحيل أن تجتمع في نظرية واحدة ، فتكون نظرية منسجمة وذات تصور واضح ومحدد ومفهوم . هذا كله ، وبقدر ما يثيره من شكوك حول صلاحية هذه النظرية ، فإنه يرجح الرأي الآخر الذي يذهب إلى اعتماد النص الشرعي في تعيين خليفة الرسول . إلى هذه النتيجة أيضا خلص الدكتور أحمد محمود صبحي وهو يدرس نظرية الإمامة ، إذ قال : " أما من الناحية الفكرية فلم يقدم أهل السنة نظرية متماسكة في السياسة تحدد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحل والعقد ، فضلا عن هوة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق ، أو بين ما هو شرعي وبين ما يجري في الواقع .



(118) أي إرسالهم إلى أطراف البلاد بحجة حماية الحدود ، ومنعهم عن العودة إلى أهليهم .
(119) تاريخ الطبري - أحداث سنة 34 ه‍ - 4 / 333 - 335 .



(157)
لقد ظهرت نظريات أهل السنة في السياسة في عصر متأخر بعد أن استقر قيام الدولة الإسلامية على الغلبة . . كما جاء أكثرها لمجرد الرد على الشيعة . . والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أسلوب تولي الخلفاء الثلاثة الأوائل . وإن الهوة الساحقة بين تشريع الفقهاء وبين واقع الخلفاء ، فضلا عن تهافت كثير من هذه الآراء وإخفاقها في استنباط قاعدة شرعية ، هو ما مكن للرأي المعارض - القول بالنص - ممثلا في حزب الشيعة " (120) .

للبحث صلة . . .






(120) الزيدية : 35 - 37 .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007