العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
42-العدد 41 > وصية العلامة الحلي إلي ولده فخر المحققين >




(405)

وصية
العلامة الحلي
إلى ولده فخر المحققين

تحقيق
حامد الطائي



(406)







(407)
مقدمة التحقيق :

بسم الله الرحمن الرحيم

     والصلاة والسلام على من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، وعلى آله حملة علم العلي الأعلى ، وسادات الورى ، والعروة الوثقى ، والحجة على أهل التقى ، واللعن الدائم على أعدائهم من الآن إلى يوم العدى . عندما شرعت في تحقيق هذه الوصية الميمونة للعلامة - قدس سره رأيت لزاما علي أن أفرد شيئا من الروايات والأخبار والأحاديث الواردة في استحباب أو وجوب كتابة الوصية قبل حلول الأجل .
باب في الوصية

     الوصية لغة : ما أوصيت به ، وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت (1) . والوصي : الذي يوصي ، والذي يوصى له

(1) الصحاح 6 / 2525 ، ولسان العرب 15 / 394 ، مادة وصي .


(408)

     الوصي : الموصي ، والأنثى وصي ، وجميعا : أوصياء ، ومن العرب من لا يثني الوصي ولا يجمعه . أوصى الرجل ووصاه : عهد إليه ، وأوصيت له بشئ وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك . والاسم ، الوصاية ، والوصاية بالكسر والفتح ، وتواصى القوم ، أي أوصى بعضهم بعضا (2) .
     الوصية شرعا : تمليك عين ، أو منفعة ، أو تسلط على تصرف بعد الوفاة (3) .
     وتستحب الوصية لذوي القرابة ، وارثا كان أم غيره لقوله تعالى : (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) (4) .
     ولأن فيه صلة الرحم (5) .
     فقد روى المشايخ الثلاثة - الكليني والصدوق والطوسي ، قدس الله أسرارهم - عن الكناني ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : (الوصية حق على كل مسلم) (6) .
     وروي في التهذيب ، عن الشحام ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوصية فقال : (هي حق على كل مسلم) (7) .
     وروي في الفقيه ، عن محمد بن مسلم ، قال : قال أبو جعفر عليه السلام : (الوصية حق ، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فينبغي للمسلم أن يوصي) (8) .

(2) الصحاح 6 / 2525 ، ولسان العرب 15 / 394 ، مادة (وصي) .
(3) اللمعة الدمشقية 5 / 11 .
(4) سورة البقرة 2 : 180 .
(5) اللمعة الدمشقية 5 / 55 .
(6) الكافي 7 / 3 ح 4 ، الفقيه 4 / 134 ح 462 ، التهذيب 9 / 172 ح 702 .
(7) التهذيب 9 / 172 ح 703 .
(8) الفقيه 4 / 134 ح 463 .



(409)

     وروي في الكافي والتهذيب ، عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قال له رجل : إني خرجت إلى مكة فصحبني رجل وكان زميلي ، فلما أن كان في بعض الطريق مرض وثقل ثقلا شديدا فكنت أقوم عليه ، ثم أفاق حتى لم يكن عندي به بأس ، فلما أن كان اليوم الذي مات فيه أفاق فمات في ذلك اليوم فقال أبو عبد الله عليه السلام : (ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد الله تعالى عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية ، أخذ الوصية أو ترك وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت ، فهي حق على كل مسلم) (9) .
     وروي في الكافي ، عن وليد بن صبيح ، قال : صحبني مولى لأبي عبد الله عليه السلام يقال له أعين ، فاشتكى أياما ثم برأ ، ثم مات فأخذت متاعه وما كان له فأتيت به أبا عبد الله عليه السلام ، وأخبرته أنه اشتكى أياما ثم برأ ثم مات . قال (تلك راحة الموت ، أما إنه ليس من أحد يموت حتى يرد الله تعالى من سمعه وبصره وعقله للوصية أخذ أو ترك) (10) .
     وروى المشايخ الثلاثة - عطر الله مراقدهم - عن سليمان بن جعفر ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته . قيل : يا رسول الله وكيف يوصي الميت ؟ قال : إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس إليه ، قال : اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم . اللهم إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك

(9) الكافي 7 / 3 ح 5 - التهذيب 9 / 172 ح 704 .
(10) الكافي 7 / 3 ح 2 .



(410)

لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن البعث حق ، والحساب حق ، والصراط حق ، والقبر حق ، والميزان حق وأن الدين كما وصفت ، وأن الإسلام كما شرعت ، وأن القول كما حدثت ، وأن القرآن كما أنزلت ، وأنك أنت الله الحق المبين ، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء ، وحيا الله محمدا وآل محمدا بالسلام . اللهم يا عدتي عند كربتي ، ويا صاحبي عند شدتي ، ويا وليي في نعمتي ، إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا ، فإنك إن تكلني إلى نفسي طرفة عين أقرب من الشر وأبعد من الخير فآنس في القبر وحشتي ، واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا . ثم يوصي بحاجته وتصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي تذكر فيها مريم في قوله عز وجل : (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) (11) .
     فهذا عهد الميت ، والوصية حق على كل مسلم ، وحق عليه أن يحفظ هذه الوصية ويعلمها . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : علمنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علمنيها جبرئيل عليه السلام (12) .
     وروي في الفقيه ، عن العباس بن عامر ، عن أبان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : (من لم يحسن عند الموت وصيته كان نقصا في مروته وعقله . وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إلى علي وأوصى علي

(11) سورة مريم 19 : 87 .
(12) الكافي 7 / 2 ح 1 ، الفقيه 4 / 138 ح 482 ، التهذيب 9 / 174 ح 711 .



(411)

عليه السلام إلى الحسن ، وأوصى الحسن عليه السلام إلى الحسين وأوصى الحسين عليه السلام إلى علي بن الحسين ، وأوصى علي بن الحسين عليه السلام إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام (13) .
     وروي في التهذيب والفقيه ، عن السكوني ، عن جعفر بن محمد ، عن أبي جعفر عليهما السلام ، قال : (من لم يوص عند موته لذوي قرابة ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصية) (14) .
     هذه جملة من الروايات والأحاديث والأخبار الدالة على وجوب الوصية أو استحبابها ، أوردناها لتفيد ذكرا للمؤمنين ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، والحمد لله رب العالمين .

(13) الفقيه 4 / 134 ح 467 .
(14) الفقيه 4 / 135 ح 469 و ص 134 ح 466 ، التهذيب 9 / 174 ح 708 و 710 .



(412)

ترجمة المؤلف

     لم يكن المترجم له إنسانا مغمورا حتى يحتاج إلى التعريف به والإشادة بمآثره ، بل هو طود شامخ وعلم معروف ، انتشرت آثاره العلمية في المكتبات الإسلامية ، وعرفت مآثره الدينية في الأوساط كافة . إنه حي تتجدد ذكراه على مر العصور والدهور . نعم ، سيبقى حي الذكر أولئك الذين أدركوا مغزى (خلقتهم للحياة لا للفناء) ، واتجهوا بكنه وجودهم إلى الحي القيوم ، واستضاؤا في مسيرتهم العلمية بأنوار الأنبياء ، وجعلوا سيرة أولياء الحق دستورهم المتبع . هؤلاء سيبقى ذكرهم حيا خالدا ، ولا يجد الفناء إليهم سبيلا وليس المترجم له ممن يتباهى به الشيعة فقط ، بل يتباهى به المسلمون ، لما أحسوا فيه من الشخصية المسهمة في إعلاء كلمة الله تعالى ، وبذل الجهد لنشر الأسس الإسلامية المتينة ، كما تشهد بذلك كتبه القيمة ، فجزاه الله عن الإسلام خير جزاء المحسنين .
     وبما أنه قد ترجمت شخصية المؤلف في معظم كتبه ومؤلفاته ، التي رأت النور حديثا ترجمة وافية وغزيرة ، وفي معظم كتب علمائنا الأعلام ، أمثال : رياض العلماء ، وروضات الجنات ، والذريعة ، وغيرها . . ارتأينا أن نتناول نبذة وجيزة عن حياته الشريفة .

اسمه ونسبه :
     هو : الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر - بالميم المضمومة والطاء


(413)
غير المعجمة والهاء المشددة والراء - أبو منصور ، الحلي مولدا ومسكنا (15) .
     فاسمه : الحسن ، كما ذكره هو بنفسه واتفق عليه أكثر المؤرخين . لكن بعض مؤرخي العامة ذكروا أن اسمه الحسين ، كالصفدي (16) ، وابن حجر (17) ، وغيرهما (18) .

مولده ونشأته :
     اتفقت المصادر على أن ولادته كانت في شهر رمضان عام 648 ه‍ . وما ذكره السيد الأمين في الأعيان نقلا عن خلاصة العلامة من أنه ولد سنة 647 (19) ، فهو خطأ بين لمخالفته للمصادر كافة ، ولجميع نسخ (الخلاصة) التي نقل عنها الأصحاب ، فما ذكره إما سهو من قلمه الشريف ، أو خطأ مطبعي ، أو تصحيف من نسخة (الخلاصة) التي نقل عنها .
     نشأ علامتنا في حجر أبوين صالحين رؤوفين ، فتربى في حضن المرأة الصالحة بنت الحسن بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي ، وتحت رعاية والده الإمام الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر ، وشارك في تربيته مشاركة فعالة خاله المعظم المحقق الحلي ، فكان له الأب الشفيق من كثرة رعايته له والاهتمام به وهكذا فقد درج هذا المولود المبارك في محيط علمي مملوء بالتقوى

(15) الخلاصة : 45 .
(16) الوافي بالوفيات 13 / 85 .
(17) ذكره في الدرر الكامنة 2 / 94 باسم : الحسن ، وفي 2 / 71 باسم : الحسين .
(18) كخير الدين الزركلي في الأعلام 2 / 227 بأسم : الحسن ، قال : ويقال الحسين بن يوسف ابن علي بن المطهر الحلي ، جمال الدين ، ويعرف بالعلامة ، من أئمة الشيعة وأحد كبار العلماء . نسبة إلى الحلة (في العراق) وكان من سكانها . مولده ووفاته فيها .
(19) أعيان الشيعة 5 / 396 .



(414)

والعلم ، وبين أسرتين شريفتين تعدان من أبرز أسر الحلة علما وتقوى وإيمانا ، ألا وهما : أسرة بني المطهر ، وأسرة بني سعيد . فحظي المولود الميمون برعاية خاصة من قبل الأسرتين - لما شاهدوا استعداده الكبير لتحصيل العلم والتقى ، وذهنيته الوقادة - حتى أحضروا له معلما خاصا ليعلمه القرآن والكتابة .

أقوال العلماء فيه :
     أستاذه نصير الدين الطوسي ، قال : عالم إذا جاهد فاق (20) .
     ابن داود معاصره ، قال : شيخ الطائفة ، وعلامة وقته ، وصاحب التحقيق والتدقيق ، كثير التصانيف ، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول (21) .
     ابن حجر العسقلاني ، قال : عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم ، وكان آية في الذكاء (22) .
     الشيخ المامقاني ، قال : وضوح حاله ، وقصور كل ما يذكر عن أداء حقه وبيان حقيقته ، وإن كان يقضي بالسكوت عنه كما فعل القاضي التفرشي حيث قال : يخطر ببالي أن لا أصفه ، إذ لا يسع كتابي هذا علومه وتصانيفه وفضائله ومحامده . انتهى . لكن حيث إن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، والمسك كلما كررته يتضوع ، لا بد من بيان شطر من ترجمته فنقول : اتفق علماء الإسلام على وفور علمه في جميع الفنون وسرعة التصنيف ،

(20) وذلك عندما سئل بعد زيارته الحلة قال : رأيت خريتا ماهرا وعالما إذا جاهد فاق ، أعيان الشيعة 5 / 396 .
(21) رجال ابن داود : 78 .
(22) لسان الميزان 2 / 317 .



(415)

وبالغوا في وثاقته (23) .
     المحدث النوري ، قال : الشيخ الأجل الأعظم ، بحر العلوم والفضائل والحكم ، حافظ قاموس الهداية ، كاسر ناقوس الغواية ، حامي بيضة الدين ، ماحي آثار المفسدين ، الذي هو بين علمائنا الأصفياء كالبدر بين النجوم ، وعلى المعاندين الأشقياء أشد من عذاب السموم ، وأحد من الصارم المسموم ، صاحب المقامات الفاخرة ، والكرامات الباهرة ، والعيادات الزاهرة ، والسعادات الظاهرة ، لسان الفقهاء والمتكلمين والمحدثين والمفسرين ، ترجمان الحكماء والعارفين والسالكين المتبحرين ، الناطق عن مشكاة الحق المبين ، الكاشف عن أسرار الدين المتين ، آية الله التامة العامة ، وحجة الخاصة على العامة ، وعلامة المشارق والمغارب وشمس سماء المفاخر والمناقب والمكارم والمآرب (24) .

وفاته ومدفنه :
     توفي - رحمة الله - ليلة السبت 21 من المحرم سنة 726 ه‍ - كما هو موجود بخط الشيخ بهاء الدين محمد بن علي بن الحسن العودي العاملي الجزيني - تلميذ الشهيد الثاني - على هامش نسخة من (الخلاصة) (25) .
     وفي (اللؤلؤة) يكون عمره 77 سنة وثلاثة أشهر تقريبا ، وذلك على القول بأن ولادته كانت سنة 648 ه‍ (26) .
     وكانت وفاته بالحلة المزيدية ونقل إلى النجف الأشرف حيث دفن في حجرة عن يمين الداخل إلى الحضرة العلوية - على مشرفها آلاف التحية

(23) تنقيح المقال 1 / 314 .
(24) خاتمة المستدرك : 459 .
(25) أعيان الشيعة 5 / 496 .
(26) لؤلؤة البحرين : 212 .



(416)

والسلام - من جهة الشمال ، وقبره ظاهر معروف مزور إلى اليوم (27) .
     وللمزيد أنظر ترجمته - قدس سره - في : رجال ابن داود : 78 ، خلاصة الأقوال : 45 نقد الرجال : 99 ، مجالسي المؤمنين 2 / 359 ، منهج المقال : 109 ، رياض العلماء 1 / 358 ، أمل الآمل 2 / 81 ، لؤلؤة البحرين : 210 ، مقباس الأنوار : 13 ، خاتمة المستدرك : 459 ، بهجة الآمال 3 / 217 ، الفوائد الرضوية : 126 ، الكنى والألقاب 2 / 436 ، هداية الأحباب : 202 ، أعيان الشيعة 5 / 396 ، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 270 ، الوافي بالوفيات 13 / 85 ، لسان الميزان 2 / 317 ، النجوم الزاهرة 9 / 267 ، الأعلام 2 / 227 .

نبذة مختصرة عن حياة فخر المحققين :
     هو أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي - رحمه الله ، وجه من وجوه هذه الطائفة وثقاتها ، جليل القدر ، عظيم الشأن ، كثير العلم ، وحيد عصره ، جيد التصانيف ، حاله في علو قدره وسمو مرتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر ، وكفى في ذلك أنه فاز بدرجة الاجتهاد وهو في السنة العاشرة من عمره الشريف ، وكان والده - رحمه الله - يعظمه ويثني عليه ويعنى بشأنه كثيرا حتى أنه ذكره في صدر جملة من مصنفاته الشريفة ، وأمره في وصيته - هذه التي نحن بصدد تعريفها وتحقيقها ، والتي ختم بها كتابه (قواعد الأحكام) - بإتمام ما بقي ناقصا من كتبه بعد حلول الأجل ، وإصلاح ما وجد فيها من الخلل .
     له رحمه الله من المؤلفات - غير ما أتم من مصنفات والده العلامة - كتب جليلة ، منها : شرح القواعد ، سماه : إيضاح الفوائد ، والفخرية في النية ،

(27) أعيان الشيعة 5 / 396 .


(417)
وحاشية الإرشاد والكافية الوافية في علم الكلام ، وشرح نهج المسترشدين ، وشرح تهذيب الأصول الموسوم : بغاية السؤول ، وشرح مبادئ الأصول ، وشرح خطبة القواعد ، إلى غير ذلك من المصنفات النافعة ، يروي عن أبيه العلامة - رحمه الله - وغيره ، ويروي عنه شيخنا الشهيد - رحمه الله - وأثنى عليه في بعض إجازاته ثناء بليغا . ولد رحمه الله في 20 جمادى الأولى سنة 628 ه‍ - وتوفي ليلة 25 جمادى الآخرة سنة 771 ه‍ (28) .

النسخ المعتمدة في التحقيق :
     اعتمدت في عملي على نسختين ، هما :
     1 - مصورة لمخطوطة كتاب (قواعد الأحكام) للعلامة الحلي - قدس سره - ، وقد كتب عليها إنهاء في ليلة 9 شهر رمضان سنة 699 ه‍ - في 337 ورقة ، وهي من محفوظات مكتبة مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث ، مأخوذة عن صورة النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم ، والمصنفة ضمن : (الكتب المتفرقة) .
     2 - النسخة الحجرية لكتاب (قواعد الأحكام) ، نشر : منشورات الرضي - قم (أوفسيت) . وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، لنشرها هذه الرسالة على صفحات نشرتها الغراء (تراثنا) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

(28) المقدمة على رجال العلامة - للسيد محمد صادق بحر العلوم - : 8 ، الفوائد الرجالية 2 / 261 .


(418)



صورة الورقة الأولى من المخطوطة .





(419)



صورة الورقة الأخيرة من المخطوطة .





(420)





صورة الورقة الأولى من الرسالة من الطبعة الحجرية .



(421)




صورة الورقة الأخيرة من الرسالة من الطبعة الحجرية .



(422)
كتب العلامة - رحمه الله - وصية لولده فخر المحققين في آخر كتابه (قواعد الأحكام) فقال :
وصية

     إعلم يا بني - أعانك الله تعالى على طاعته ، ووفقك الله لفعل الخير وملازمته ، وأرشدك إلى ما يحبه ويرضاه ، وبلغك ما تأمله من الخير وتتمناه ، وأسعدك الله في الدارين ، وحباك (1) بكل ما تقر به العين ، ومد لك في العمر السعيد ، والعيش الرغيد ، وختم أعمالك بالصالحات ، ورزقك أسباب السعادات ، وأفاض عليك من عظائم البركات ، ووقاك الله كل محذور ، ودفع عنك الشرور - أني قد لخصت لك في هذا الكتاب (2) لب فتاوى الأحكام وبينت لك فيه قواعد الإسلام ، بألفاظ مختصرة ، وعبارة محررة ، وأوضحت لك فيه نهج الرشاد ، وطريق السداد ، وذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين ، ودخلت في عشر الستين ، وقد حكم سيد البرايا ، بأنها : مبدأ اعتراك المنايا (3) ، فإن حكم الله تعالى علي فيها بأمره ، وقضى فيها بقدره . وأنفذ ما حكم به على العباد ، الحاضر منه والباد . فإني أوصيك - كما افترضه الله تعالى علي من الوصية ، وأمرني به

(1) حباه يحبوه : أي أعطاه . والحباء : العطاء . الصحاح 6 / 2308 باب (حبى) .
(2) أي كتاب : قواعد الأحكام .
(3) المجازات النبوية : 336 ح 260 . وفيه : قوله عليه الصلاة والسلام (معترك المنايا بين الستين والسبعين) ، و : (أعمار أمتي بين الستين والسبعين) .
.


(423)

حين إدراك المنية (4) - بملازمة تقوى الله تعالى ، فإنها السنة القائمة ، والفريضة اللازمة ، والجنة الواقية ، والعدة الباقية ، وأنفع ما أعده الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار ، ويعدم عنه الأنصار . وعليك باتباع أوامر الله تعالى ، وفعل ما يرضيه ، واجتناب ما يكرهه والانزجار عن نواهيه ، وقطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسانية ، وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية ، والارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال ، والارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهال ، وبذل المعروف ، ومساعدة الإخوان ، ومقابلة المسئ بالإحسان ، والمحسن بالامتنان . وإياك ومصاحبة الأرذال ، ومعاشرة الجهال ، فإنها تفيد خلقا ذميما ، وملكة رديئة . بل عليك بملازمة العلماء ومجالسة الفضلاء ، فإنها تفيد استعدادا تاما لتحصيل الكمالات ، وتثمر لك ملكة راسخة لاستنباط المجهولات وليكن يومك خيرا من أمسك (5) .
     وعليك بالصبر والتوكل والرضا . وحاسب نفسك في كل يوم وليلة وأكثر من الاستغفار لربك . واتق دعاء المظلوم ، خصوصا اليتامى والعجائز ، فإن الله لا يسامح بكسر كسير . وعليك بصلاة الليل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله حث عليها .

(4) إشارة إلى معنى الآية : 180 من سورة البقرة وهي قوله تعالى : (وكتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) .
(5) إشارة إلى معنى الحديث الوارد في أمالي الصدوق : 321 ح 4 ومعاني الأخبار : 189 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : (من اعتدل يوماه فهو مغبون ، . . .) .



(424)
وندب إليها ، وقال : (من ختم له بقيام الليل ثم مات فله الجنة) (6) وعليك بصلة الرحم ، فإنها تزيد في العمر (7) .
     وعليك بحسن الخلق ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) (8) .
     وعليك بصلة الذرية العلوية ، فإن الله تعالى قد أكد الوصية فيهم ، وجعل مودتهم أجر الرسالة والإرشاد ، فقال تعالى : (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (9).
     وقال رسول الله صلى الله عليه وآله (إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤا بذنوب أهل الدنيا : رجل نصر ذريتي ، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق ، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب ، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا) (10) .
     وقال الصادق عليه السلام : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أيها الخلائق أنصتوا ، فإن محمدا يكلمكم ، فينصت الخلائق .
     فيقوم النبي صلى الله عليه وآله فيقول : يا معشر الخلائق ، من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافئه . فيقولون : بآبائنا وأمهاتنا ، وأي يد وأي منة وأي معروف لنا ؟ ! بل اليد

(6) الفقيه 1 / 475 ح 1373 ، التهذيب 2 / 122 ح 465 ، عوالي الآلي 2 / 51 ح 11 و 4 / 8 ح 11 وسائل الشيعة 8 / 154 باب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 24 . والمراد منه أن من مات وهو مواظبا على قيام الليل فجزاؤه الجنة .
(7) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المروي في معاني الأخبار : 264 ، وفيه : (صلة الرحم تزيد في العمر . . .)
(8) أمالي الصدوق : 362 ح 9 وسائل الشيعة 12 / 161 باب 107 ح 15954 .
(9) سورة الأنعام 6 : 90 .
(10) الكافي 4 / 60 ح 9 الفقيه 2 / 36 ح 2 الخصال : 196 عوالي اللآلي 4 / 80 ح 79 .



(425)
والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق .
     فيقول : بلى ، من آوى أحدا من أهل بيتي ، أو برهم ، أو كساهم من عري ، أو أشبع جائعهم ، فليقم حتى أكافئه . فيقوم أناس قد فعلوا ذلك ، فيأتي النداء من عند الله : يا محمد يا حبيبي ، قد جعلت مكافأتهم إليك ، فأسكنهم من الجنة حيث شئت فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم) (11) وعليك بتعظيم الفقهاء ، وتكرمة العلماء ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : (من أكرم فقيها مسلما لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عنه راض ، ومن أهان فقيها مسلما لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان) (12) وجعل النظر إلى وجه العلماء عبادة (13) ، والنظر إلى باب العالم عبادة (14) ومجالسة العلماء عبادة (15) .
     وعليك بكثرة الاجتهاد في ازدياد العلم والفقه في الدين ، فإن أمير المؤمنين عليه السلام قال لولده : (تفقه في الدين ، فإن الفقهاء ورثة

(11) الفقيه 2 / 36 - 37 ح 3 عوالي اللآلي 4 : 80 ح 80 وسائل الشيعة 16 / 333 باب 17 ح 21691 .
(12) عوالي اللآلي 1 / 359 ح 31 و 4 / 59 - 60 ح 4 وسائل الشيعة 2 / 44 باب 10 ح 13 .
(13) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المروي في بحار الأنوار 1 / 195 . كتاب العلم ح 14 .
(14) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله المروي في بحار الأنوار 1 / 204 كتاب العلم ح 24 عن كشف الغمة وفيه (النظر إلى البيت عبادة . . .
(15) إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله المروي في بحار الأنوار 1 / 204 كتاب العلم ح 24 عن كشف الغمة .



(426)
الأنبياء ، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الطير في جو السماء والحوت في البحر ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به) (16) وإياك وكتمان العلم ومنعه عن المستحقين لبذله ، فإن الله تعالى يقول : (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (17) .
     وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) (18) وقال عليه السلام : (لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم) (19)
     وعليك بتلاوة الكتاب (20) العزيز ، والتفكر في معانيه ، وامتثال أوامره ونواهيه وتتبع الأخبار النبوية والآثار المحمدية ، والبحث عن معانيها ، واستقصاء النظر فيها ، وقد وضعت لك كتبا متعددة في ذلك كله . هذا ما يرجع إليك . وأما ما يرجع إلي ويعود نفعه في :

(16) الفقيه 4 / 387 باب 2 ضمن الحديث 5834 .
(17) سورة البقرة 2 : 9 15 .
(18) أصول الكافي 1 / 54 ح 2 المحاسن 231 باب إظهار الحق ح 176 وفيه : (البدعة) يدل (البدع) عوالي اللآلي 4 : 70 - 71 ح 39 .
(19) أمالي الصدوق : 251 المجلس الخمسون ضمن الحديث 11 عوالي اللآلي 4 : 80 - 81 ح 81 . والمراد منه أن الجهال غير مؤهلين لحمل الحكمة ، فبيانها لهم وضعها في غير موضعها ومحلها .
(20) في النسخة الحجرية : القرآن .



(427)

     فأن تتعهدني بالترحم في بعض الأوقات ، وأن تهدي إلي ثواب بعض الطاعات ، ولا تقلل من ذكري فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر ، ولا تكثر من ذكري فينسبك أهل الغرم إلى العجز ، بل أذكرني في خلواتك وعقيب صلواتك ، واقض ما علي من الديون الواجبة والتعهدات اللازمة ، وزر قبري بقدر الإمكان ، واقرأ عليه شيئا من القرآن .
     وكل كتاب صنفته وحكم الله تعالى بأمره قبل إتمامه ، فأكمله وأصلح ما تجده من الخلل والنقصان والخطأ والنسيان . هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته والله أعلم بالصواب


(428)

مصادر المقدمة والتحقيق

     1 - القرآن الكريم .
     2 - الأعلام لخير الدين الزركلي (ت 6 139 ه‍) دار العلم للملايين ، بيروت .
     3 - أعيان الشيعة ، للسيد محسن الأمين (ت 1371 ه‍) دار التعارف ، بيروت .
     4 - الأمالي ، لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت 381 ه‍) مؤسسة الأعلمي ، بيروت .
     5 - بحار الأنوار ، لمحمد بن باقر المجلسي (ت 1110 ه‍) مؤسسة الوفاء ، بيروت .
     6 - تنقيح المقال ، لعبد الله بن محمد المامقاني (ت 1351 ه‍) دار الكتب الإسلامية ، طهران .
     7 - تهذيب الأحكام ، للشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه‍) دار الكتب الإسلامية ، طهران .
     8 - خاتمة المستدرك ، للميرزا حسين النوري (ت 1320 ه‍) دار الكتب الإسلامية طهران .
     9 - الخصال ، لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت 381 ه‍) جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم .
     10 - الخلاصة ، للحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلي (ت 726 ه‍) منشورات المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف .
     11 الدرر الكامنة ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 582 ه‍) دار الجيل ، بيروت .
     12 - رجال ابن داود ، للحسين بن علي بن داود الحلي (ت 707 ه‍) المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف .
     13 - صحاح اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393 ه‍) دار العلم للملايين ، بيروت .


(429)

     14 - عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهور الأحسائي (ت 940 ه‍) نشر مطبعة سيد الشهداء عليه السلام ، قم . -
     15 - الفوائد الرجالية ، لمحمد إسماعيل بن الحسين بن محمد رضا المازندراني الخواجوئي (ت 1173 ه‍) تحقيق مهدي الرجائي ، نشر الروضة الرضوية المقدسة ، مشهد .
     16 - الكافي ، لمحمد بن يعقوب الكليني (ت 328 ه‍) المطبعة الحيدرية ، طهران .
     17 - لسان العرب ، لابن منظور (ت 711) نشر أدب الحوزة ، قم .
     18 - لسان الميزان ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 582 ه‍) مؤسسة الأعلمي ، بيروت .
     19 - المجازات النبوية ، للسيد الشريف الرضي (ت 406 ه‍) دار الكتب الإسلامية ، قم .
     21 - اللمعة الدمشقية ، للشهيد محمد بن جمال الدين مكي العاملي (ت 786 ه‍) دار العالم الإسلامي ، بيروت .
     22 - لؤلؤة البحرين ، ليوسف بن أحمد البحراني (ت 1186 ه‍) نشر مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث ، قم .
     23 - الوافي بالوفيات ، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت 764 ه‍) انتشارات جهان ، طهران .
     24 - معاني الأخبار ، لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت 381 ه‍) دار المعرفة ، بيروت .
     25 - من لا يحضره الفقيه ، لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت 381 ه‍) دار صعب ، بيروت .
     26 - وسائل الشيعة ، لمحمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104) تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث ، قم .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007