العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
39-العدد 38 > هوية التاريخ الإسلامي عيون التاريخ الاتجاه . . . وأجواء التدوين >



هوية التاريخ الإسلامي
عيون التاريخ
الاتجاه . . . وأجواء التدوين

صائب عبد الحميد


عيون التاريخ
     نعني بعيون التاريخ : الكتب الأولى التي عينت بتدوين أحداث التاريخ الإسلامي حتى صارت في ما بعد المصادر المعول عليها في معرفة تاريخ الإسلام وسير رجاله .
ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى قسمين : اختص الأول بتدوين حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعصر الرسالة .
فيما اتسع الثاني لعهود الخلفاء بعد الرسول وحتى عصر المؤرخ غالبا .

مصادر القسم الأول :
     اتسمت مصادر هذا القسم بسمة بارزة تمثلت بالعناية الفائقة بأمر الحروب والمغازي ، حتى قصر الكثير منها على هذا الباب ، ومن هنا غلب اسم (المغازي) على هذه المصادر ، فيما كان اسم (السيرة) أقل ظهورا .
وأبرز من عرف من مؤرخي هذا القسم :
     1 ـ عروة بن الزبير بن العوام (93 ه‍) : كان من فقهاء المدينة ، وقد


(14)
     اعتزل الحياة السياسية في عهد أخيه عبد الله بن الزبير ، وقد أكثر الرواية عن أم المؤمنين عائشة (1) .
     2 ـ أبان بن عثمان بن عفان (105 ه‍) : عمل واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين (2) .
     3 ـ وهب بن منبه (110 ـ أو 114 ه‍) : لم يكن معتمدا في الحديث وأخبار الإسلام ، وإنما كانت غزارة علمه في الاسرائيليات ، وعمل قاضيا على صنعاء (3) .
     4 ـ عاصم بن عمر بن قتادة (120 ه‍) : تابعي حدث عن أبيه وجابر بن عبد الله وأنس ، ومن التابعين الإمام علي بن الحسين والحسن بن محمد بن الحنفية وعبيد الله الخولاني ، وحدث عند ابن إسحاق والأسود ربيب عروة . أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في المسجد الأموي بدمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة (4) .
     5 ـ شرحبيل بن سعد (123 ه‍) : كان من أعلم الناس بالمغازي ، إلا أنه كان يجعل لمن لا سابقة له سابقة ، فأسقطوا مغازيه وعلمه (5) . لكن سفيان ابن عيينة قال فيه : لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه . ووثقه يحيى بن معين وابن حبان ، وخرج له ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما (6) .
     6 ـ ابن شهاب الزهري (124 ه‍) : له كتاب المغازي ، حفظت أجزاء منه في كتاب (المصنف) لعبد الرزاق الصنعاني . وكان الزهري صاحب شرطة بني



(1) الطبقات الكبرى 5 / 178 ، سير أعلام النبلاء 4 / 421 .
(2) الطبقات الكبرى 5 / 151 ، سير أعلام النبلاء 4 / 351 .
(3) سير أعلام النبلاء 4 / 544 ، معجم الأدباء 19 / 259 .
(4) سير أعلام النبلاء 5 / 240 ، تهذيب التهذيب 5 / 47 .
(5) سير أعلام النبلاء 6 / 116 ضمن ترجمة موسى بن عقبة .
(6) تهذيب التهذيب 4 / 282 ، الثقات 4 / 365 .



(15)
أمية ، ولم يزل مع عبد الملك بن مروان وأولاده : هشام وسليمان ويزيد ، ثم استعمله يزيد بن عبد الملك على القضاء (7) .
     7 ـ يزيد بن رومان الأسدي المدني (130 ه‍) : له كتاب المغازي ، منه قطع في طبقات ابن سعد ، وجل اعتماده على عروة والزهري ، وروى عنه ابن إسحاق (8) .
     8 ـ أبو الأسود الأسدي (131 ه‍) : ربيب عروة بن الزبير ، ومعظم روايته عنه ، له كتاب المغازي ، منه قطع في (الإصابة) (9) .
     9 ـ عبد الله بن أبي بكر بن حزم (135 ه‍) : صاحب المغازي ، أخذ عن أبيه وعروة بن الزبير ، وحدث عنه الزهري وابن إسحاق (10) .
     10 ـ داود بن الحصين الأموي (135 ه‍) : تلميذ عكرمة ، يذهب مذهب الخوارج ، حدث عنه ابن إسحاق (11) .
     11 ـ موسى بن عقبة (141 ه‍) : له كتاب المغازي ، اعتمد فيه رواية الزهري بالدرجة الأولى (12) .
     12 ـ محمد بن إسحاق بن يسار (151 ه‍) : صاحب السيرة ، وهو أتم ما كتب في هذا القسم وأحسنه ترتيبا ، وبه صار ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة ، وصار من جاء بعده عيالا عليه .
     ولم يصلنا كتاب ابن إسحاق كاملا بل وصلت منه أجزاء فقط ، وأما الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام في (السيرة النبوية) فحذف منه أشياء



(7) وفيات الأعيان 3 / 371 ، ميزان الاعتدال 1 / 625 .
(8) تهذيب التهذيب 11 / 284 ، تاريخ التراث العربي 2 / 81 .
(9) سير أعلام النبلاء 6 / 150 ، تاريخ التراث العربي 2 / 81 .
(10) سير أعلام النبلاء 5 / 314 .
(11) تهذيب التهذيب 3 / 157 .
(12) سير أعلام النبلاء 6 / 114 .



(16)
كثيرة ، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الحذف ، وسيأتي ذكره لاحقا .
     13 ـ محمد بن عمر الواقدي (207 ه‍) : صاحب (المغازي) وقد عمل الواقدي قاضيا بشرقي بغداد لهارون الرشيد وللمأمون من بعده ، ثم تولى قضاء العسكر للمهدي أربع سنوات . وأكثر اعتماده في مغازيه على موسى بن عقبة ومعمر بن راشد ، وهما تلميذا الزهري ، وأخذ كثيرا من كتاب ابن إسحاق دون أن يذكر اسمه (13) .
     وهناك أعلام آخرون كانوا أقل أثرا في التاريخ المحفوظ ، وسيأتي ذكر بعضهم أثناء البحث .

مصادر القسم الثاني :
أما القسم الثاني من عيون التاريخ فيبرز فيه :
     1 ـ تاريخ محمد بن جرير الطبري (310 ه‍) : ويعد أكبر موسوعة تاريخية جمعت أحداث القرون الأولى من تاريخ الإسلام ، إذ ختم الطبري تاريخه بذكر أحداث سنة 302 ه‍ .
     فكان تاريخ الطبري المصدر الأول والأساس لمن جاء بعده ، ومنهم من توقف عنده في أخبار القرون الثلاثة ولم يتعداه إلى غيره ، كما فعل ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) وابن خلدون في تاريخه ، وغيرهما .
     هذا مع أنه لم تخل تلك الفترة من كتابات مهمة جديرة بالعناية ، وربما كانت أكثر دقة وأصدق نقلا لكثير من الأحداث على الرغم من إيجازها بالنسبة إلى تاريخ الطبري ، ومن تلك المصادر :
     2 ـ الإمامة والسياسة ـ أو تاريخ الخلفاء لابن قتيبة الدينوري ، المتوفى سنة 276 ه‍ .



(1) معجم الأدباء 18 / 277 ، تاريخ التراث العربي 2 / 100 .


(17)
     3 ـ تاريخ اليعقوبي : لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب ، من أعلام القرون الثالث الهجري .
     4 ـ فتوح البلدان : للبلاذري ، المتوفى سنة 279 ه‍ .
     5 ـ الفتوح : لابن أعثم الكوفي ، المتوفى سنة 304 ه‍ .
     6 ـ مروج الذهب : للمسعودي ، المتوفى سنة 346 ه‍ .
     7 ـ أخبار الزمان : للمسعودي أيضا ، وهو كتاب كبير كما وصفه صاحبه في (مروج الذهب) غير أنه مفقود ، وهو الكتاب الوحيد المفقود من هذه المجموعة .
     أما كتب التاريخ الأخرى فقد أضافت أحداث السنين اللاحقة التي لم يدركها الطبري ولم يدونها .

نتيجة :
من هنا يمكن أن نخلص إلى القول بأنه قد انتظمت للتاريخ الإسلامي عينان ، هما :
سيرة ابن إسحاق .
تاريخ الطبري .


(18)


الاتجاه وأجواء التدوين
بين المنتمي واللامنتمي ، أين وقفت عيون التاريخ الإسلامي ؟
هل كان القدر المنتمي منها هو هذه النسبة إلى الإسلام وحسب ؟
تلك نسبة طبيعية صيغت من الموضوع الذي تناوله الكتاب من غير أن تكون هناك ضرورة لهيمنة هذا الموضوع على مادة الكتاب ، فكتاب التاريخ الذي يعني بأحداث حقبة زمنية ينسب إليها .
والذي يعني بأخبار طائفة من الطوائف أو أمة من الأمم ينسب إليها ، والذي يعني بأحداث بلد من البلدان ينسب إليه ، وكلها نسب لا تتعدى التعريف بموضوع الكتاب .
لكن حين ينحصر الأمر بتاريخ أمة وقد ظهرت فيها الاختلافات ، وتوزعت أبناءها الفرق والطوائف ، وتغلبت الأهواء التي تفرض هيمنتها في صياغة أفكار الناس ورؤيتهم للأحداث . . . عندئذ أين سيقف التاريخ ؟
هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والأهواء ، منفصلا عن قيود الزمان والمكان ليسجل الأحداث والأخبار كما هي تماما ، وبكامل أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة ، ثم بكامل تفاصيلها وما خلفته من آثار كما هي قبل أن تنفعل معها الميول والأهواء ؟ لا شك أن هذا هو الأمل المنشود ، وهو الذي تقتضيه الأمانة للتاريخ وللحقيقة .
ولكن لا شك أيضا أن التاريخ لم يكتب في الفضاء ، ولا كان المؤرخ يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه ومكانه .
إنه يكتب من على الأرض ، وفي زمان ما ومكان ما . . وإنه يكتب ما يسمع ، لا ما يرى . .


(19)
وإنما يحدثه رجال لهم حيال الأحداث مواقف وميول ، فهو لم يسمع في الحقيقة حدثا مجردا ، وإنما سمع الحدث ممزوجا له أو مضافا إليه انفعالات الناقلين . . .
وأيضا فإن المؤرخ نفسه هو واحد من أولئك البشر ، يعيش في عصر من الأعصار . . وللبشر ميول ، ولكل عصر لونه ونغماته التي ميزته عن غيره من العصور ، فهو ينفر من كل لون ونغمة لا تنسجم معها .
وفرق بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولأصحابه الذين يتابعونه ويوافقونه ، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين أيدي الناس ، كل الناس ، علمائهم وعامتهم ، فإذا كان الأول قد يجد نفسه في مأمن ومعزل عن الرقباء ، فإن الثاني يرى عيون الناس وكأنها ترصد أفكاره وتحصي عليه حتى ما لم يرد بحسبانه ! فهي لا تكتفي بقراءة ما سطره على الورق ، بل تتعدى إلى ما وراء ذلك لتقرأ دوافعه وميوله أيضا ، لتصدر أحكامها عليه بحق وبغير حق .
وحين يكون عصر من العصور قاسيا في مواجهة النغمات التي لا توافق نغماته ، فإنما جاءت قسوته من أناسه ، لا من أرضه ولا سمائه . .
ففي حال كهذه هل يبعد أن يكون المؤرخ مسوقا من حيث يدري أو لا يدري ، ومن حيث يريد أو لا يريد لمجاراة تلك النغمات ، أو مداراتها ؟
إنه عندئذ سوف يقطع من الحقيقة التاريخية أجزاء مساوية لمقدار ذلك الانسياق .
ولعل هذا هو الأقل الأخطار الثلاثة التي قد تتعرض لها الحقيقة التاريخية . . .
أما الخطر الثاني : فيتمثل في الانسياق التام لنغمات العصر وأهواء أهله ، والسير مع تياره الجارف الذي سيجرف معه أهم الحقائق التاريخية التي تعاكس اتجاه سيره .
وأما الخطر الثالث : فهو أن يكون المؤرخ نفسه من أصحاب الأهواء


(20)
الذين لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم ، ولا ينظرون إلى الأحداث والحقائق إلا بمنظار الهوى .
ثم إن هذا الكتاب أو ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح مصدرا لثقافة الأجيال ، تستقي منه رؤيتها للتاريخ التي ستساهم مساهمة فعالة في صياغة عقائدها .
فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التي نسجت فيها الأحداث تحت إحدى المؤثرات الثلاثة المتقدمة ، على حساب الحقيقة التاريخية ، فمن البديهي أن تحمل أذهانهم برؤى مغايرة للحقيقة .
ومن هنا تتسرب العقائد الدخيلة إلى الأذهان ، فيعتقد الناس بأشياء ومفاهيم ليست هي من الإسلام ومفاهيمه الحقة ، وهم يظنون أنها الحق الذي لا تشوبه شائبة لكثرة ما يرونه من تسطير المؤرخين لما وربما دفاعهم عنها .
وسوف لا يكون العوام وحدهم ضحية هذه الخطيئة ، بل العلماء أيضا يقعون في ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع من المصادر ، وحين يكونون هم أيضا منفعلين بتلك المؤثرات الثلاثة أو بعضها .
فكيف اجتازت عيون التاريخ الإسلامي تلك الأجواء لتحفظ لنا حقائقه ؟
لا شك أن الوقوف على المشاهد الحية لإثبات حقيقة ما هو أهم بكثير من البحوث النظرية والبراهين الفلسفية .
مشاهد حية من عيون التاريخ


أولا : مع مصادر القسم الأول :
     1 ـ قال الزبير بن بكار (14) :
قدم سليمان بن عبد الملك إلى مكة حاجا



(14) الزبير بن بكار : هو أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر ـ ويسمى : بكار ـ بن عبد الله بن مصعب بن =


(21)
سنة 82 ه‍ ، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه . فقال له أبان : هي عندي ، قد أخذتها مصححة ممن أثق به .
فأمر سليمان عشرة من الكتاب بنسخها ، فكتبوها في رق ، فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وفي بدر ، فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل ، فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم ، وإما أن يكونوا ليس هكذا !
فقال أبان : أيها الأمير ، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا .
فقال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين ، لعله يخالفه .
ثم أمر بالكتاب فخرق ، ورجع فأخبر أباه عبد الملك بن مروان بذلك الكتاب ، فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها ؟ !
قال سليمان : فلذلك أمرت بتخريق ما نسخته (15) .
ومن هذه الواقعة تظهر عدة ملاحظات هامة :
* لم يكن أهمها تخريق الكتاب . . .
* ولا كلمة عبد الملك بن مروان ـ وهو الخليفة ـ التي تعد دستورا نافذا في تحديد المنهج الثقافي إبان الحكم الأموي .
* بل أهم من ذلك اختفاء أهم مناقب الأنصار ، وفي الوقائع الحاسمة في تاريخ الإسلام : بيعة العقبة الأولى ، والعقبة الثانية ، ومعركة بدر ! غابت عن



= ثابت بن عبد الله بن الزبير ، صاحب النسب ، تولى القضاء بمكة للمعتصم العباسي ، وبقي على القضاء حتى توفي سنة 356 ه‍ .
(وفيات الأعيان 2 / 311) .
(15) الموفقيات ـ للزبير بن بكار ـ : 222 ، عنه السيد الجلالي في تدوين السنة الشريفة : 420 .



(22)
السواد الأعظم من المسلمين ، وحتى عن سليمان بن عبد الملك الذي سيصبح عن قريب خليفة المسلمين ، هذا وما زال الناس في القرون الأول من عمر الإسلام !
* وأهم من هذا : البعد الذي انطوت عليه كلمة أبان بن عثمان المؤرخ وهو يحاول إقناع سليمان بن عبد الملك ، فيقول له : أيها الأمير ، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق !
لا شك أن جناية الأنصار الذين كانوا أنصار رسول الله والمجاهدين معه وأنصار دين الله ، هي أنهم لم يكونوا فيما بعد أنصارا لبني أمية . وهذه وحدها حجة كافية في غلق أبواب الجدال فيهم ، وفي تخريق الكتاب ! ! هذا إن لم نعطف عليه ما سيراه الأمويون إذن في الأنصار من نظرة عداء قديم ثبت ظاهرا على مدى عشر سنين ، ابتداء ببيعة العقبة الأولى ، ومرورا بمعركة بدر وأحد والخندق ، وانتهاء بفتح مكة !
* وثمة ملاحظة أخرى خفية لم تتطرق إليها نصوص هذه الواقعة ، لكن الناظر الفطن يراها ظاهرة ظهور النصوص الجلية . .
فماذا لو وقف سليمان بن عبد الملك في تلك الصحف على مواقف علي ابن أبي طالب وبني هشام ومناقبهم ، ألم يكن سينكرها أشد من إنكاره لمواقف الأنصار ؟
إن هذه الواقعة لتنطق بصوت خفي بأن تلك الصحف التي حفظت من حق الأنصار ما أثار انتباه الأمير ودهشته ثم استنكار الخليفة من بعده ، لم تكن تحفظ شيئا من حق علي وبني هاشم الذين هم لبني أمية خصوم العقيدة والتاريخ .
ولهذه الملاحظة ما يؤيدها من سيرة أبان بن عثمان ، إذ كان هواه على الدوام مع خصوم علي ، ففي مستهل شبابه في السادسة عشرة من عمره خرج مع أصحاب الجمل لقتال علي ، ثم كان هواه من الأمويين وعمل لهم واليا على


(23)
المدينة المنورة سبع سنين .
وإذا كانت هذه الملاحظة قد جاءت هنا خفية ، فإنها قد استولت بالكامل على المشهد الآتي :

2 ـ قال المدائني :
أخبرني ابن شهاب بن عبد الله ، قال : قال لي خالد القسري (16) : اكتب لي السيرة .
فقلت له : فإنه يمر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب ، فأذكره ؟
قال : لا ، إلا أن تراه في قعر الجحيم ! (17) .
فهذا القول الصريح لا يقصر عن أن يكون برهانا على ما نسبناه إلى تاريخ أبان بن عثمان آنفا .

3 ـ من أصحاب التاريخ :
الذين عرفناهم في القسم الأول : عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ، فكيف كان موقفهم من سير علي بن أبي طالب عليه السلام ؟
كان عروة بن الزبير واحدا من كبار علماء المدينة ، هذا حق ، وكان قد اعتزل السياسة أيام النزاع بين أخيه عبد الله وبين الأمويين ، هذا ما حفظه له التاريخ ، ولكن هل اعتزل أيضا إزاء النزاع الذي حصل حول الخلافة ؟
الذي ثبت عنه يفيد القطع بأنه لم يكن معتزلا ذلك النزاع .
فالذي ثبت عنه أن أكثر حديثه كان عن أم المؤمنين عائشة ، ولا شك أنها



(16) الدمشقي ، والي مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان بن عبد الملك ، ووالي العراق لهشام ابن عبد الملك (سير أعلام النبلاء 5 / 425) .
(17) الأغاني 22 / 21 أخبار خالد بن عبد الله القسري .




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007