|
|
 |
| 39-العدد 38 > هوية التاريخ الإسلامي عيون التاريخ الاتجاه . . . وأجواء التدوين > |
هوية التاريخ الإسلامي
عيون التاريخ
الاتجاه . . . وأجواء التدوين
صائب عبد الحميد
عيون التاريخ
نعني بعيون التاريخ : الكتب الأولى التي عينت بتدوين أحداث التاريخ الإسلامي حتى صارت في ما بعد المصادر المعول عليها في معرفة تاريخ الإسلام وسير رجاله .
ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى قسمين : اختص الأول بتدوين حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعصر الرسالة .
فيما اتسع الثاني لعهود الخلفاء بعد الرسول وحتى عصر المؤرخ غالبا .
مصادر القسم الأول :
اتسمت مصادر هذا القسم بسمة بارزة تمثلت بالعناية الفائقة بأمر الحروب والمغازي ، حتى قصر الكثير منها على هذا الباب ، ومن هنا غلب اسم (المغازي) على هذه المصادر ، فيما كان اسم (السيرة) أقل ظهورا .
وأبرز من عرف من مؤرخي هذا القسم :
1 ـ عروة بن الزبير بن العوام (93 ه) : كان من فقهاء المدينة ، وقد
(14)
اعتزل الحياة السياسية في عهد أخيه عبد الله بن الزبير ، وقد أكثر الرواية عن أم المؤمنين عائشة (1) .
2 ـ أبان بن عثمان بن عفان (105 ه) : عمل واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين (2) .
3 ـ وهب بن منبه (110 ـ أو 114 ه) : لم يكن معتمدا في الحديث وأخبار الإسلام ، وإنما كانت غزارة علمه في الاسرائيليات ، وعمل قاضيا على صنعاء (3) .
4 ـ عاصم بن عمر بن قتادة (120 ه) : تابعي حدث عن أبيه وجابر بن عبد الله وأنس ، ومن التابعين الإمام علي بن الحسين والحسن بن محمد بن الحنفية وعبيد الله الخولاني ، وحدث عند ابن إسحاق والأسود ربيب عروة . أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في المسجد الأموي بدمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة (4) .
5 ـ شرحبيل بن سعد (123 ه) : كان من أعلم الناس بالمغازي ، إلا أنه كان يجعل لمن لا سابقة له سابقة ، فأسقطوا مغازيه وعلمه (5) . لكن سفيان ابن عيينة قال فيه : لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه . ووثقه يحيى بن معين وابن حبان ، وخرج له ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما (6) .
6 ـ ابن شهاب الزهري (124 ه) : له كتاب المغازي ، حفظت أجزاء منه في كتاب (المصنف) لعبد الرزاق الصنعاني . وكان الزهري صاحب شرطة بني
(1) الطبقات الكبرى 5 / 178 ، سير أعلام النبلاء 4 / 421 .
(2) الطبقات الكبرى 5 / 151 ، سير أعلام النبلاء 4 / 351 .
(3) سير أعلام النبلاء 4 / 544 ، معجم الأدباء 19 / 259 .
(4) سير أعلام النبلاء 5 / 240 ، تهذيب التهذيب 5 / 47 .
(5) سير أعلام النبلاء 6 / 116 ضمن ترجمة موسى بن عقبة .
(6) تهذيب التهذيب 4 / 282 ، الثقات 4 / 365 .
(15)
أمية ، ولم يزل مع عبد الملك بن مروان وأولاده : هشام وسليمان ويزيد ، ثم استعمله يزيد بن عبد الملك على القضاء (7) .
7 ـ يزيد بن رومان الأسدي المدني (130 ه) : له كتاب المغازي ، منه قطع في طبقات ابن سعد ، وجل اعتماده على عروة والزهري ، وروى عنه ابن إسحاق (8) .
8 ـ أبو الأسود الأسدي (131 ه) : ربيب عروة بن الزبير ، ومعظم روايته عنه ، له كتاب المغازي ، منه قطع في (الإصابة) (9) .
9 ـ عبد الله بن أبي بكر بن حزم (135 ه) : صاحب المغازي ، أخذ عن أبيه وعروة بن الزبير ، وحدث عنه الزهري وابن إسحاق (10) .
10 ـ داود بن الحصين الأموي (135 ه) : تلميذ عكرمة ، يذهب مذهب الخوارج ، حدث عنه ابن إسحاق (11) .
11 ـ موسى بن عقبة (141 ه) : له كتاب المغازي ، اعتمد فيه رواية الزهري بالدرجة الأولى (12) .
12 ـ محمد بن إسحاق بن يسار (151 ه) : صاحب السيرة ، وهو أتم ما كتب في هذا القسم وأحسنه ترتيبا ، وبه صار ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة ، وصار من جاء بعده عيالا عليه .
ولم يصلنا كتاب ابن إسحاق كاملا بل وصلت منه أجزاء فقط ، وأما الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام في (السيرة النبوية) فحذف منه أشياء
(7) وفيات الأعيان 3 / 371 ، ميزان الاعتدال 1 / 625 .
(8) تهذيب التهذيب 11 / 284 ، تاريخ التراث العربي 2 / 81 .
(9) سير أعلام النبلاء 6 / 150 ، تاريخ التراث العربي 2 / 81 .
(10) سير أعلام النبلاء 5 / 314 .
(11) تهذيب التهذيب 3 / 157 .
(12) سير أعلام النبلاء 6 / 114 .
(16)
كثيرة ، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الحذف ، وسيأتي ذكره لاحقا .
13 ـ محمد بن عمر الواقدي (207 ه) : صاحب (المغازي) وقد عمل الواقدي قاضيا بشرقي بغداد لهارون الرشيد وللمأمون من بعده ، ثم تولى قضاء العسكر للمهدي أربع سنوات . وأكثر اعتماده في مغازيه على موسى بن عقبة ومعمر بن راشد ، وهما تلميذا الزهري ، وأخذ كثيرا من كتاب ابن إسحاق دون أن يذكر اسمه (13) .
وهناك أعلام آخرون كانوا أقل أثرا في التاريخ المحفوظ ، وسيأتي ذكر بعضهم أثناء البحث .
مصادر القسم الثاني :
أما القسم الثاني من عيون التاريخ فيبرز فيه :
1 ـ تاريخ محمد بن جرير الطبري (310 ه) : ويعد أكبر موسوعة تاريخية جمعت أحداث القرون الأولى من تاريخ الإسلام ، إذ ختم الطبري تاريخه بذكر أحداث سنة 302 ه .
فكان تاريخ الطبري المصدر الأول والأساس لمن جاء بعده ، ومنهم من توقف عنده في أخبار القرون الثلاثة ولم يتعداه إلى غيره ، كما فعل ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) وابن خلدون في تاريخه ، وغيرهما .
هذا مع أنه لم تخل تلك الفترة من كتابات مهمة جديرة بالعناية ، وربما كانت أكثر دقة وأصدق نقلا لكثير من الأحداث على الرغم من إيجازها بالنسبة إلى تاريخ الطبري ، ومن تلك المصادر :
2 ـ الإمامة والسياسة ـ أو تاريخ الخلفاء لابن قتيبة الدينوري ، المتوفى سنة 276 ه .
(1) معجم الأدباء 18 / 277 ، تاريخ التراث العربي 2 / 100 .
(17)
3 ـ تاريخ اليعقوبي : لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب ، من أعلام القرون الثالث الهجري .
4 ـ فتوح البلدان : للبلاذري ، المتوفى سنة 279 ه .
5 ـ الفتوح : لابن أعثم الكوفي ، المتوفى سنة 304 ه .
6 ـ مروج الذهب : للمسعودي ، المتوفى سنة 346 ه .
7 ـ أخبار الزمان : للمسعودي أيضا ، وهو كتاب كبير كما وصفه صاحبه في (مروج الذهب) غير أنه مفقود ، وهو الكتاب الوحيد المفقود من هذه المجموعة .
أما كتب التاريخ الأخرى فقد أضافت أحداث السنين اللاحقة التي لم يدركها الطبري ولم يدونها .
نتيجة :
من هنا يمكن أن نخلص إلى القول بأنه قد انتظمت للتاريخ الإسلامي عينان ، هما :
سيرة ابن إسحاق .
تاريخ الطبري .
(18)
الاتجاه وأجواء التدوين
بين المنتمي واللامنتمي ، أين وقفت عيون التاريخ الإسلامي ؟
هل كان القدر المنتمي منها هو هذه النسبة إلى الإسلام وحسب ؟
تلك نسبة طبيعية صيغت من الموضوع الذي تناوله الكتاب من غير أن تكون هناك ضرورة لهيمنة هذا الموضوع على مادة الكتاب ، فكتاب التاريخ الذي يعني بأحداث حقبة زمنية ينسب إليها .
والذي يعني بأخبار طائفة من الطوائف أو أمة من الأمم ينسب إليها ، والذي يعني بأحداث بلد من البلدان ينسب إليه ، وكلها نسب لا تتعدى التعريف بموضوع الكتاب .
لكن حين ينحصر الأمر بتاريخ أمة وقد ظهرت فيها الاختلافات ، وتوزعت أبناءها الفرق والطوائف ، وتغلبت الأهواء التي تفرض هيمنتها في صياغة أفكار الناس ورؤيتهم للأحداث . . . عندئذ أين سيقف التاريخ ؟
هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والأهواء ، منفصلا عن قيود الزمان والمكان ليسجل الأحداث والأخبار كما هي تماما ، وبكامل أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة ، ثم بكامل تفاصيلها وما خلفته من آثار كما هي قبل أن تنفعل معها الميول والأهواء ؟
لا شك أن هذا هو الأمل المنشود ، وهو الذي تقتضيه الأمانة للتاريخ وللحقيقة .
ولكن لا شك أيضا أن التاريخ لم يكتب في الفضاء ، ولا كان المؤرخ يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه ومكانه .
إنه يكتب من على الأرض ، وفي زمان ما ومكان ما . .
وإنه يكتب ما يسمع ، لا ما يرى . .
(19)
وإنما يحدثه رجال لهم حيال الأحداث مواقف وميول ، فهو لم يسمع في الحقيقة حدثا مجردا ، وإنما سمع الحدث ممزوجا له أو مضافا إليه انفعالات الناقلين . . .
وأيضا فإن المؤرخ نفسه هو واحد من أولئك البشر ، يعيش في عصر من الأعصار . . وللبشر ميول ، ولكل عصر لونه ونغماته التي ميزته عن غيره من العصور ، فهو ينفر من كل لون ونغمة لا تنسجم معها .
وفرق بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولأصحابه الذين يتابعونه ويوافقونه ، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين أيدي الناس ، كل الناس ، علمائهم وعامتهم ، فإذا كان الأول قد يجد نفسه في مأمن ومعزل عن الرقباء ، فإن الثاني يرى عيون الناس وكأنها ترصد أفكاره وتحصي عليه حتى ما لم يرد بحسبانه ! فهي لا تكتفي بقراءة ما سطره على الورق ، بل تتعدى إلى ما وراء ذلك لتقرأ دوافعه وميوله أيضا ، لتصدر أحكامها عليه بحق وبغير حق .
وحين يكون عصر من العصور قاسيا في مواجهة النغمات التي لا توافق نغماته ، فإنما جاءت قسوته من أناسه ، لا من أرضه ولا سمائه . .
ففي حال كهذه هل يبعد أن يكون المؤرخ مسوقا من حيث يدري أو لا يدري ، ومن حيث يريد أو لا يريد لمجاراة تلك النغمات ، أو مداراتها ؟
إنه عندئذ سوف يقطع من الحقيقة التاريخية أجزاء مساوية لمقدار ذلك الانسياق .
ولعل هذا هو الأقل الأخطار الثلاثة التي قد تتعرض لها الحقيقة التاريخية . . .
أما الخطر الثاني : فيتمثل في الانسياق التام لنغمات العصر وأهواء أهله ، والسير مع تياره الجارف الذي سيجرف معه أهم الحقائق التاريخية التي تعاكس اتجاه سيره .
وأما الخطر الثالث : فهو أن يكون المؤرخ نفسه من أصحاب الأهواء
(20)
الذين لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم ، ولا ينظرون إلى الأحداث والحقائق إلا بمنظار الهوى .
ثم إن هذا الكتاب أو ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح مصدرا لثقافة الأجيال ، تستقي منه رؤيتها للتاريخ التي ستساهم مساهمة فعالة في صياغة عقائدها .
فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التي نسجت فيها الأحداث تحت إحدى المؤثرات الثلاثة المتقدمة ، على حساب الحقيقة التاريخية ، فمن البديهي أن تحمل أذهانهم برؤى مغايرة للحقيقة .
ومن هنا تتسرب العقائد الدخيلة إلى الأذهان ، فيعتقد الناس بأشياء ومفاهيم ليست هي من الإسلام ومفاهيمه الحقة ، وهم يظنون أنها الحق الذي لا تشوبه شائبة لكثرة ما يرونه من تسطير المؤرخين لما وربما دفاعهم عنها .
وسوف لا يكون العوام وحدهم ضحية هذه الخطيئة ، بل العلماء أيضا يقعون في ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع من المصادر ، وحين يكونون هم أيضا منفعلين بتلك المؤثرات الثلاثة أو بعضها .
فكيف اجتازت عيون التاريخ الإسلامي تلك الأجواء لتحفظ لنا حقائقه ؟
لا شك أن الوقوف على المشاهد الحية لإثبات حقيقة ما هو أهم بكثير من البحوث النظرية والبراهين الفلسفية .
مشاهد حية من عيون التاريخ
أولا : مع مصادر القسم الأول :
1 ـ قال الزبير بن بكار (14) : قدم سليمان بن عبد الملك إلى مكة حاجا
(14) الزبير بن بكار : هو أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر ـ ويسمى : بكار ـ بن عبد الله بن مصعب بن =
(21)
سنة 82 ه ، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه . فقال له أبان : هي عندي ، قد أخذتها مصححة ممن أثق به .
فأمر سليمان عشرة من الكتاب بنسخها ، فكتبوها في رق ، فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وفي بدر ، فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل ، فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم ، وإما أن يكونوا ليس هكذا !
فقال أبان : أيها الأمير ، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا .
فقال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين ، لعله يخالفه .
ثم أمر بالكتاب فخرق ، ورجع فأخبر أباه عبد الملك بن مروان بذلك الكتاب ، فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها ؟ !
قال سليمان : فلذلك أمرت بتخريق ما نسخته (15) .
ومن هذه الواقعة تظهر عدة ملاحظات هامة :
* لم يكن أهمها تخريق الكتاب . . .
* ولا كلمة عبد الملك بن مروان ـ وهو الخليفة ـ التي تعد دستورا نافذا في تحديد المنهج الثقافي إبان الحكم الأموي .
* بل أهم من ذلك اختفاء أهم مناقب الأنصار ، وفي الوقائع الحاسمة في تاريخ الإسلام : بيعة العقبة الأولى ، والعقبة الثانية ، ومعركة بدر ! غابت عن
= ثابت بن عبد الله بن الزبير ، صاحب النسب ، تولى القضاء بمكة للمعتصم العباسي ، وبقي على القضاء حتى توفي سنة 356 ه . (وفيات الأعيان 2 / 311) .
(15) الموفقيات ـ للزبير بن بكار ـ : 222 ، عنه السيد الجلالي في تدوين السنة الشريفة : 420 .
(22)
السواد الأعظم من المسلمين ، وحتى عن سليمان بن عبد الملك الذي سيصبح عن قريب خليفة المسلمين ، هذا وما زال الناس في القرون الأول من عمر الإسلام !
* وأهم من هذا : البعد الذي انطوت عليه كلمة أبان بن عثمان المؤرخ وهو يحاول إقناع سليمان بن عبد الملك ، فيقول له : أيها الأمير ، لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق !
لا شك أن جناية الأنصار الذين كانوا أنصار رسول الله والمجاهدين معه وأنصار دين الله ، هي أنهم لم يكونوا فيما بعد أنصارا لبني أمية . وهذه وحدها حجة كافية في غلق أبواب الجدال فيهم ، وفي تخريق الكتاب ! ! هذا إن لم نعطف عليه ما سيراه الأمويون إذن في الأنصار من نظرة عداء قديم ثبت ظاهرا على مدى عشر سنين ، ابتداء ببيعة العقبة الأولى ، ومرورا بمعركة بدر وأحد والخندق ، وانتهاء بفتح مكة !
* وثمة ملاحظة أخرى خفية لم تتطرق إليها نصوص هذه الواقعة ، لكن الناظر الفطن يراها ظاهرة ظهور النصوص الجلية . .
فماذا لو وقف سليمان بن عبد الملك في تلك الصحف على مواقف علي ابن أبي طالب وبني هشام ومناقبهم ، ألم يكن سينكرها أشد من إنكاره لمواقف الأنصار ؟
إن هذه الواقعة لتنطق بصوت خفي بأن تلك الصحف التي حفظت من حق الأنصار ما أثار انتباه الأمير ودهشته ثم استنكار الخليفة من بعده ، لم تكن تحفظ شيئا من حق علي وبني هاشم الذين هم لبني أمية خصوم العقيدة والتاريخ .
ولهذه الملاحظة ما يؤيدها من سيرة أبان بن عثمان ، إذ كان هواه على الدوام مع خصوم علي ، ففي مستهل شبابه في السادسة عشرة من عمره خرج مع أصحاب الجمل لقتال علي ، ثم كان هواه من الأمويين وعمل لهم واليا على
(23)
المدينة المنورة سبع سنين .
وإذا كانت هذه الملاحظة قد جاءت هنا خفية ، فإنها قد استولت بالكامل على المشهد الآتي :
2 ـ قال المدائني :
أخبرني ابن شهاب بن عبد الله ، قال : قال لي خالد القسري (16) : اكتب لي السيرة .
فقلت له : فإنه يمر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب ، فأذكره ؟
قال : لا ، إلا أن تراه في قعر الجحيم ! (17) .
فهذا القول الصريح لا يقصر عن أن يكون برهانا على ما نسبناه إلى تاريخ أبان بن عثمان آنفا .
3 ـ من أصحاب التاريخ :
الذين عرفناهم في القسم الأول : عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ، فكيف كان موقفهم من سير علي بن أبي طالب عليه السلام ؟
كان عروة بن الزبير واحدا من كبار علماء المدينة ، هذا حق ، وكان قد اعتزل السياسة أيام النزاع بين أخيه عبد الله وبين الأمويين ، هذا ما حفظه له التاريخ ، ولكن هل اعتزل أيضا إزاء النزاع الذي حصل حول الخلافة ؟
الذي ثبت عنه يفيد القطع بأنه لم يكن معتزلا ذلك النزاع .
فالذي ثبت عنه أن أكثر حديثه كان عن أم المؤمنين عائشة ، ولا شك أنها
(16) الدمشقي ، والي مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان بن عبد الملك ، ووالي العراق لهشام ابن عبد الملك (سير أعلام النبلاء 5 / 425) .
(17) الأغاني 22 / 21 أخبار خالد بن عبد الله القسري .
|
|
|