العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 37 > من ذخائر التراث  >

من ذخائر التراث


عروض البلاء
على الأولياء


تأليف الفقيه المحقق
آية الله العظمى
السيد محمد هادي الحسيني الخراساني الحائري
(1297 ـ 1368 ه‍)

ملاحظة
السيد محمد صادق بحر العلوم تقديم
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


(214)


(215)


المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة المؤلف




اسمه ولقبه ونسبه :
سماه أبوه (علي نقي) وعرف ب‍ : (هادي) ويذكر ب‍ : (الميرزا هادي) و (محمد هادي) .
الحسيني ، الخراساني ، البجستاني ، الحائري . ابن العالم العامل التقي ، العلامة الورع الجليل السيد الأمير علي الحسيني ، البجستاني ، ابن السيد محمد ، بن الأمير أبي طالب ، بن الأمير كلان ، وهذا الجد الأعلى هو من الشخصيات المرموقة في مدينة (بجستان) من توابع محافظة خراسان .

ولادته ومنشؤه :
ولد السيد المؤلف في كربلاء المقدسة ، في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1297 ه‍ .
نشأ في مسقط رأسه ، ودخل الكتاب ، فأتقن القراءة والكتابة ، وهو ابن سبع سنين ، وانتهى في سنة 1309 من دراسة أوليات الأدب من النحو والصرف ، حيث هاجر به والده إلى خراسان .


(216)


دراسته :
ومكث في مشهد الإمام الرضا عليه السلام من سنة 1309 ـ 1314 ه‍ ، مكبا على تحصيل المقدمات لدى أساتذتها ، وإكمال الكتب الأدبية كالألفية والكافية والشافية وشروحها ، والمغني والمطول ، وعلوم المنطق والأصول ، والرياضيات ، والأخلاق والآداب ، في كتبها المتداولة ، ومن بين أساتذته : السيد والده ، والأديب النيشابوري الكبير .
ورجع سنة 1314 ه‍ إلى كربلاء ، وانقطع إلى دراسة الفقه والأصول ، وفي شوال سنة 1315 ه‍ هاجر إلى النجف الأشرف ، حاضرة العلم ، فاشتغل بتكميل كتب السطوح العالية ، مضافا إلى حضور دروس المعقول عند أساتذته ، منهم : الشيخ ميرزا محمد باقر الاصطهباناتي ، الشهيد سنة 1326 في شيراز .
ثم بدأ بحضور دروس الخارج في الفقه والأصول على أعلام النجف من الفقهاء والأصوليين ، منهم : شيخ الشريعة فتح الله الغروي الأصفهاني الشيرازي (ت 1339 ه‍) ، والمحقق الآخوند الخراساني المولى محمد كاظم ، صاحب (الكفاية) ت (1329 ه‍) ، والفقيه المرجع السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1338 ه‍) .
وجد في التحصيل في النجف طيلة خمس سنوات من دون انقطاع ، حتى هاجر في سنة 1320 ه‍ إلى سامراء ، فبقي هناك بطلب من كبير علمائها الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين ، والسيد ميرزا علي آقا نجل السيد المجدد ، فأقام في سامراء مشتغلا بالحضور لدى الشيخ الشيرازي ، وكان يعد من أفاضل تلامذته المرموقين ، وقام بتدريس الخارج فقها وأصولا ، كما درس المعقول الكلام .


(217)


جهاده :
وقد اشترك مع شيخه التقي المجاهد في عدة قضايا اجتماعية أدت به إحداها سنة 1330 ه‍ إلى السجن في بغداد ، بصفته الناطق عن الشيخ .
ولما استعر أوار الحرب العالمية الأولى سنة 1333 ه‍ انتدبه أستاذه الشيخ التقي ليمثله في بعض المهمات الخاصة ، وأوفده إلى إيران .
وفي شهر شوال من سنة 1335 ه‍ خرج بصحبة الشيخ الأستاذ مهاجرين من سامراء ، وأقاموا مدة في الكاظمية ، والسيد يلازمه ملازمة الظل ، حتى وردوا كربلاء في 18 صفر 1336 ه‍ .
ولما دخل الشيخ التقي معمعة الجهاد المقدس ، دفاع عن حوزة الإسلام وكرامة المسلمين ، ضد الإنكليز الكفرة المحتلين ، كان السيد إلى جانبه ، طول المدة التي وقف فيها علماء الإسلام ، حتى توفي زعيم الثورة الشيخ التقي في الثالث من ذي الحجة سنة 1338 ه‍ .
وفي ما خلفه السيد من أوراق ومؤلفات نتف من المذكرات الهامة حول ذلك الجهاد المقدس .

مرجعيته :
وعندما استقرت الأوضاع ، انقطع السيد إلى التدريس والتأليف ، والإفتاء ، وقضاء أمور المؤمنين ، فكانت له الزعامة العلمية في كربلاء ، وقلده جماعة من أهلها ، كما قلده جمع من أهالي بغداد وخراسان وطهران ، وكان يعد من كبار فقهاء الطائفة وأصولييها ، مع التبحر في العلوم العقلية ، والكلامية ، وعلوم القرآن والحديث .
وله مواقف نضالية في مواجهة الحكومة العراقية ، في قضايا خاصة ، مذكورة في تاريخ حياته .


(2148)
وكذلك في الدفاع عن حريم أهل البيت عليهم السلام عندما أقدم الوهابيون الجهلة على هدم قبورهم في المدينة المنورة ، فكان للسيد المؤلف سعي بليغ في إثارة الأمة لاستنكار هذه الجريمة النكراء ، كما جد في فضح القائمين بها بالكتب التي ألفها ردا عليها ، ومنها كتاب (دعوة الحق إلى أئمة الخلق) .
ووقف من تصرفات شاه إيران الأسبق ، المشبوهة ، والهادفة لمحو آثار الديانة ، ومسخ الشعب الإيراني المسلم ، وعلمنة البلد ، وقفة حازمة ، فكانت له مساجلات ومناقشات حادة مع الشاه نفسه ، ومع جلاوزته وأعوانه ، كما كان يثير الأمة وعلمائها للتحرك ضد تلك الإجراءات الفاسقة .

كلمات الأعلام في حقه :
قد مر ذكر أغلب ما قيل في حقه من هذه الكلمات ص 87 ـ 89 من مقالنا المنشور في أول هذا العدد ، وفيما يلي نثبت منها ما لم نذكره هناك :
قال السيد الأصفهاني : الإمام (1).
وقال الإمام الشيخ الشيرازي : الورع البارع الهادي المهدي (2).

وفاته :
وبعد عمر مبارك قضاه السيد بين التحصيل ، والتأليف ، والجهاد ، والفتوى ، والعمل لله ، قضى نحبه في 12 ربيع الأول 1368 ه‍ عن عمر يناهز السبعين عاما .
ورثاه الشعراء والخطباء ، وأبنه العلماء ، وممن أرخ وفاته العالم المرحوم



(1) أنوار الكاظمين : 125 .
(2) إجازة الإمام الشيخ الشيرازي للسيد ، طبع نصها في سيرة آية الله الخراساني : 106 ـ 107



(21)
الشيخ عبد الحسين الحويزي في قوله :
عن هذه الدنيا مضى سيد نواحسا أيامها أصبحت إذ كان نورا ومنارا به والعلم أضحى جيده عاطل أروع في تاريخه : (ماجد ساد الورى بالجد والجد مذ غاب نجم اليمن والسعد للخلق يزهو منهج الرشد وأنبت سمط جوهر العق هاد البرايا قر في الخلد)
مشايخه في العلم والرواية :
     1 ـ السيد والده ، العلامة التقي السيد علي البجستاني ، أخذ منه بعض مقدمات العلوم .
     2 ـ الأديب النيشابوري الكبير ، در عنده الكتب الأدبية في مشهد .
     3 ـ الشيخ محمد كاظم الخراساني الآخوند ، صاحب كفاية الأصول ، وقد شرحها السيد بشروح ثلاثة ، حضر عليه في النجف الأشرف .
     4 ـ السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ، صاحب العروة الوثقى ، حضر عليه برهة في النجف الأشرف ، وشرح كتابه العروة .
     5 ـ الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري ، زعيم ثورة العشرين العراقية ، وقد أجازه بالاجتهاد ، والرواية المدبجة .
     6 ـ الشيخ فتح الله الغروي ، شيخ الشريعة الأصفهاني ، الشيرازي ، وقد أجازه برواية الحديث .
     7 ـ الشيخ محمد حسن ، الشهير بكبة ، البغدادي ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث .
     8 ـ السيد حسن الصدر العاملي الكاظمي ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث .


(220)
9 ـ السيد إبراهيم الرواي الشافعي البغدادي ، وهو من علماء العامة ، وقد أجازه برواية الحديث من طرقهم .
     10 ـ الشيخ فضل الله المازندراني ، من أفاضل علماء كربلاء ، وقد أجازه بالاجتهاد والرواية .
     تلامذته والراوون عنه : 1 ـ الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت 1389 ه‍) وهو زميل السيد المؤلف في الدراسة ، وإنما تبادلا الإجازة لرواية الحديث ، فهي بينهما مدبجة .
     2 ـ السيد محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي ، من علماء الكاظمية والمؤلفين المكثرين ، وقد حضر على السيد المؤلف برهة في كربلاء ، وحصل منه على إجازة الحديث .
     3 ـ السيد محمد طاهر البحراني البوشهري ، من علماء كربلاء وأئمة الجماعة فيها .
     4 ـ السيد مهدي بن السيد حبيب الشيرازي ، من علماء كربلاء وأئمتها في الجماعة ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة ، كما ذكره المجاز في إجازته لسماحة السيد الكاشاني دام ظله .
     5 ـ الشيخ محمد علي سيبويه اليزدي ، من أئمة كربلاء في الجماعة .
     6 ـ الشيخ محمد علي الأوردبادي الغروي ، من علماء النجف وأدبائها والمحققين البارعين ، توفي سنة 1380 ه‍ .
     7 ـ السيد علي نقي اللكنوي الهندي ، استجاز السيد المؤلف في رواية الحديث .
     8 ـ السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي ، من العلماء المحققين ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة .
     9 ـ السيد محسن الحسيني الجلالي الكشميري (ت 1396 ه‍) ، من


(221)
مدرسي الفقه في كربلاء ، وكان إمام الحرمين الحسيني والعباسي ، وهو صهر السيد المؤلف .
     10 ـ السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (ت 1411 ه‍) ، من علماء مدينة قم ومراجعها ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة . هذا الكتاب وعملي فيه :
أحتفظ في مكتبتي بمجلد مخطوط يحتوي على عدة كتب كلها بخطي ، وأكثرها من مؤلفات جدي ـ أبي والدتي ـ سماحة آية الله العظمى السيد الخراساني رحمه الله ، وهي :
     1 ـ مرقاة الثقات في تمييز المشتركات . وهو أوسع مؤلف يعالج مشكلة التمييز بين الأسماء الرجالية المشتركة بين أكثر من واحد ، بتعيين الراوي والمروي عنه .
وقد انتهيت من استنساخه في شهر رمضان سنة 1386 ه‍ .
     2 ـ علم الإنسان بخلق القرآن .
رسالة تعالج موضوع خلق القرآن في نظر الشيعة الإمامية ، وهو من نوادر الرسائل في هذا الموضوع ، وهو قيد الإعداد من قبل كاتب هذه السطور .
     3 ـ إفراط الغم والهمة في إفراد العم وجمع العمة . يبحث عن حكمة إفراد كلمة (عم) وجمع كلمة (عمة) في آية : (وبنات عمك وبنات عماتك . . .) .
وقد ألف السبكي من العامة رسالة في ذلك باسم : (بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة) .
     4 ـ الأسئلة اللطيفة من الذروة الشريفة .
إجابة لخمسة أسئلة عن مواضيع متفرقة بطرز ظريف ، ألفها المصنف في ذي القعدة الحرام سنة 1349 ه‍ .


(222)
     5 ـ رسالة في البحث عن (عرض الجنة) والجمع بين آياتها الواردة في القرآن الكريم .
     6 ـ عروض البلاء على الأولياء .
وهي الرسالة التي نقدمها ، ونقدم لها بهذه الأسطر . ملاحظة السيد بحر العلوم :
إن فضيلة العلامة المحقق الحجة السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله ، اطلع على هذه المجموعة فاستعارها مني ، واستنسخ هذه الرسائل الصغار من خطي ليضيفها في آخر مجموعة من مجاميعه التي كان يرغب ويتمنى أن تبلغ أربع عشر ، بعدد المعصومين عليهم السلام ، وقد وفق إلى ذلك بحصوله على هذه الرسائل .
ولما أعاد إلي المجموعة وجدتها موشحة بملاحظات تصحيحية بقلمه الشريف وبخطه الجميل ، وفي هذه الرسالة بالخصوص كثير من ذلك .
وقد التزمت بتلك الملاحظات في طبع هذا الكتاب ، اعتزازا بها ، وتثمينا لجهده ، وسجلنا ذلك هنا تخليدا لذكره ، رحمه الله وتغمده بالمغفرة والرضوان .
وكنت قد اتصلت به في سنة 1394 ه‍ بغرض الاستفادة من نسخة كانت عنده من (المكاسب) للشيخ الأنصاري ، وكانت مصححة على خط الشيخ نفسه رحمه الله ، وذلك أثنا تدريسي للكتاب .
فلما عرفني ، وعرفت أنه من المجازين من سماحة جدي السيد الخراساني رحمه الله ، استجزته ، فأجازني ب‍ (الإجازة الجلالية) المبسوطة ، وهي محفوظة بخطه عندي .
وتوطدت علاقتي بالسيد ، بعد أن ضعفت قواه وفقد بصره ، وانقطعت زيارة الآخرين إياه ، فكنت لوحدي ، أستفيد من مكتبته العامرة ، ويبث إلي أحزانه وشجونه ، وقد أجازني في آخر عمره بإجازة فريدة تحتوي على تطبيق


(223)
(الطرق الثمانية) بأسرها .
وقد توفي السيد الصادق في الحادي والعشرين من شهر رجب المرجب سنة 1399 ه‍ ، خلال الأزمة العاصفة بالعراق ، فلم يؤد له ما يستحق من التبجيل والتكريم ، وفي العزم أن نسجل له (ذكرى) تخلده .
رحمه الله وجزاه خيرا بما قدم من خدمات للعلم والتراث .
عملي في الكتاب :
     1 ـ قمت بتقطيع الكتاب ، وتنقيطه بالعلامات ، وضبطه بالحركات ، تسهيلا لقراءته .
     2 ـ بما أن المصنف لا يلتزم بوضع النقط في الكتابة ، ويستعمل الاختزال في كثير من الكلمات ، فيما لم يعهد فيه مثل ذلك ، فقد حاولت تعديل كل ذلك وفك الاختزال ، وإثبات الصورة المتداولة للكلمات .
كما عدلت ما وقع في الكتاب من التأنيث والتذكير والإشارة طبقا للقواعد العربية ، وابتعادا عن العجمة التي قد تحدث على أثر السرعة أو المسامحة أو الغفلة .
ومما عملته في الكتاب هو إظهار بعض الضمائر ، التي كان وجودها مؤديا إلى تعقيد العبارة ، وكذلك بعض التقديم والتأخير ، فرارا عن الإرباك .
كل ذلك من دون إخلال بالمعاني ، ولا تحريف أو تصحيف في الألفاظ ، ولا نقص في شيء منها . أما ما أضفناه للضرورة فقد وضعناه بين المعقوفين ، تمييزا له ، ومحافظة على الأمانة العلمية .
     3 ـ وكانت لي تعليقات معدودة ، غرضي منها توضيح المقصود ، ومساعدة القارئ على المطالعة الواضحة ، والتنبيه على المعاني العميقة التي تختفي وراء عبارة الكتاب .


(224)
وبعد :
فهذا ما ساعدني التوفيق على تقديمه لهذه الرسالة الشريفة ، الفريدة في بابها .
ولم أتحدث هنا عن موضوع الكتاب اكتفاءا بما كتبته في في دراسة موسعة عنه بعنوان : (علم الأئمة بالغيب والاعتراض عليه بالإلقاء إلى التهلكة والإجابات عنه عبر التاريخ) المنشور في هذا العدد ، ص 7 ـ 107 .
وأنا أرجو بما أكتبه الزلفى عند الله يوم نلقاه .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
حرر في العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة خمسة عشر وأربعمائة وألف .

وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
في قم المقدسة




(225)
عروض البلاء على الأولياء
بسم الله الرحمن الرحيم
إنما أذن الله تعالى ، ورضي أولياؤه بعروض البلايا ، ووقع المظالم عليهم ، وصبروا ، وسلموا أنفسهم ، حتى تسلط الأشرار والكفار عليهم ، ولم يسببوا الموانع والمدافع ، حتى أنهم لم يسألوا الله تبارك وتعالى في كشف الكروب وهلاك الأعداء .
بل قال الخليل عليه السلام ـ بعد سؤال جبرئيل ـ : (علمه بحالي يكفي عن سؤالي) .
وأعظم من ذلك قول الحسين عليه السلام : (هون ما نزل بي أنه بعين الله) .
كل ذلك لوجوه :


(226)


الأول
وهو أفضلها
للفناء المحض ، وكمال العبودية لله تعالى ، وعدم الاعتناء بما سواه ، وأنه (1) لا يرى نفسه شيئا ، وذهل عن نفسه مع كمال قربه ، فكيف يتوجه إلى عدوه مع كمال بعده ؟ !
فيعد الشكوى ، والانضجار ، والدعاء عليه ، توجها إلى ما سوى الواحد الأحد المحبوب الصمد ، وذلك انحطاطا لمرتبته الشامخة ، بل منقاضة لفنائه المحض .

الثاني
لأن الرضا والتسليم لمشيئة الله تعالى من أعلى مراتب العبادة . وذلك مناف للمعالجة في الدفع .

الثالث
للعلم بعموم قدرته ، وكمال حكمته ، وأنه تعالى لا يعزب عن عمله مثقال ذرة ، ولا يتصرف أحد من سلطانه أقل من رأس إبرة ، وأن الملك له ، لا شريك له ، وأنه لولا المصلحة التامة لا يوجد شيء في العالم ، لأنه



(1) الضمير يعود إلى الشخص المبتلى .


(227)
بشراشره (2) في حيطة تصرفه ، ومداره على وفق حكمته .
فكل ما يقع من الكائنات لا بد وأن يكون بعلم سابق من الله ، وتقدير أزلي ، وقضاء حتمي ، وخيره أكثر من شره .
وإلا ، لكانت الحكمة الإلهية ، والقوة الربانية مانعة عن وجوده .
وهذا ، من غير أن يلزم جبر في أفعال العباد ، أو بطلان الثواب والعقاب (3).

الرابع
إظهار عظمة الله تعالى ، وصفاته الجمالية والجلالية ، وأنه مستحق لكل ما يمكن من العبد من الفناء والتسليم (4).



(2) الشراشر : الأثقال ، والمراد هنا : جميع شؤون العالم .
(3) يعني أن الإرادة الربانية ، والحكمة الإلهية مهيمنة على كل ما يقع ، ولله أن يفعل ما يشاء ، إلا أنه بحكمته جعل الاختيار لعباده ، ولمصلحة خلقه قرر لهم شريعة ومنهاجا ، ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، من دون أن ينقص من هيمنته شيء ، فهو القاهر فوق عباده ، وبإمكانه سلب ما أعطاهم من الاختيار ، إلا أنه لا يظلم أحدا ، ولا يعاقب عبدا إلا على ما اختار من السوء .
(4) فإن التوغل في مشاغل الحياة ، والانهماك في مشاكلها ، أو الانغماس في ملذاتها ، قد تلهي الإنسان عن عظمة الله ، وقد تصرف المؤمن عن التفكير في هذه العظمة وعن واجبه في التسليم المطلق ، وعن مقام الرب في استحقاق ذلك !



(228)


الخامس
ظهور علو مقام ذلك العبد ، وسمو مرتبة تلك العبادة (5).
حتى يتأسى به المتأسون (كما قال الله تعالى :) (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الآية (21) من سورة الأحزاب (33)) .

السادس
حتى يهون الخطب والكرب على سائر الخلق في عالم الكون والفساد ، فهذا لطف من الله تعالى ومن أوليائه ، بل أعظم نعمة على العباد .
ولذلك قد اجتمع للحسين عليه السلام ، من كل ما يتصور ـ من أنواع البليات والمصيبات ـ أعظم الأفراد ، حتى يتسلى بملاحظته أرباب المصائب (6)، ويتوجه كل مكروب إلى الله تعالى ، ويبكي بتذكر ما يوافق كربه وشدته من مصائب الحسين عليه السلام ، فيسأل الله كشف كربه ، فيقضي حاجته ألبتة ، وقد جربنا ذلك .
وهذه غنيمة أهديت إليك ، فاحتفظ بها ، بعون الله .



(5) المراد بالعبادة ، ذلك البلاء الذي يتحمله العبد قربة إلى الله ، وفي سبيل الله ودينه . (6) وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الحسين الأعسم (ت 1247 ه‍) :
أنست رزيتكم رزايانا التي          سلفت وهونت الرزايا الآتيه
انظر : شعراء الغري 5 / 82 .



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007