|
|
 |
| العدد 37 > تشييد المراجعات
وتفنيد المكابرات > |
تشييد المراجعات
وتفنيد المكابرات
(2)
السيد علي الحسيني الميلاني
قد فرغنا من البحث حول كلام السيد شرف الدين ـ طاب ثراه ـ في مقدمة (المراجعات) .
وكتاب المراجعات يحتوي على مبحثين :
الأول : في إمامة المذهب.
والثاني : في الإمامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ويشتمل كل منهما على مراجعات . . .
ولا بد قبل الورود فيها من مقدمات :
إن (التشيع) مذهب كسائر المذاهب ، له أصوله وقواعده في الأصول والفروع ، والشيعة الإمامية الاثنا عشرية غير محتاجة ـ في إثبات حقية ما تذهب إليه ـ إلى روايات الآخرين وأخبارهم ، ولا إلى ما قاله علماء الفرق الأخرى في كتبهم وأسفارهم . . . فلا يتوهمن أحد أنهم ـ لاستدلالهم بشيء خارج عن نطاق أدلتهم وحججهم ـ يفقدون في ذلك المورد المستدل عليه الدليل المتقن على رأيهم ، فيلجأون إلى قول من غيرهم ، أو إلى خبر من غير طرقهم . . .
إلا أنهم لما كانوا واقعيين في بحوثهم ، منصفين في مناظراتهم مع أتباع
(109)
كل فرقة من الفرق ، يستندون إلى ما جاء في كتب تلك الفرقة وعلى لسان علمائها المعتمدين فيها ، وهذا ما تفرضه طبيعة المناظرة ، وتقتضيه آدابها وقواعدها المقررة .
فاستشهاد الشيعة بخبر من كتاب . . . أو استدلالهم بكلام عالم . . . لفرقة من الفرق . . . لا يعني القبول بكل ما جاء في ذلك الكتاب ، أو على لسان ذاك العالم . . . وإنما هو احتجاج على الطرف الآخر بما لا مناص له من الالتزام به ، بعد الاقرار بذلك الكتاب ، وبكون ذلك العالم من علماء مذهبه . . .
ويكفي للاحتجاج أن يكون ذلك الخبر المستدل به مقبولا لدى رواته ، وفي نظر المحدث الذي أورده في كتابه ، ولا يشترط أن يكون معتبرا عند جميع علماء تلك الطائفة ، وذلك :
لأن الغرض إثبات أن الذي تذهب إليه الشيعة مروي من طرق الخصم وموجود في كتبه ، وأن الراوي له موثوق به عنده ولو على بعض الآراء ، فيكون الخبر متفقا عليه ، والمتفق عليه بين الطرفين ـ في مقام المناظرة ـ لا ريب فيه .
ولان الخبر أو الراوي المقبول المعتبر لدى كل علماء تلك الطائفة نادر جدا .
نعم ، إذا كان ضعيفا عند أكثرهم لم يتم الاستدلال والاحتجاج به عليهم .
وعلى الجملة ، فإنه يكفي لصحة الاستدلال بكتاب أو بخبر أو بكلام عالم . . . ألا يكون معرضا عنه لدى أكثر أئمة الفرقة المقابلة ، وأما أن يرد الاحتجاج ـ بما رواه الراوي الموثق من قبل بعضهم ـ بجرح البعض . . . فهذا مما لا يسمع ، وإلا يلزم سقوط أخبار حتى مثل (البخاري) و (مسلم) في كتابيهما المعروفين ب (الصحيحين) لوجود الطعن فيهما وفي كتابيهما ، من غير
(110)
واحد من كبار الأئمة الحفاظ (1).
فقد ذكر كبار الحفاظ امتناع الإمامين الجليلين : أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الرواية عن (محمد بن إسماعيل البخاري) لأجل انحرافه في العقيدة في نظرهما ، وقال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن البخاري من أجل ما كان منه في المحنة .
ولأجل هذا ، فقد أورد ابن أبي حاتم الرازي البخاري في كتابه في (الجرح والتعديل) (2).
ولأجل تكلم أبي زرعة وأبي حاتم ، وما صنعه ابن أبي حاتم . . . فقد أورد الحافظ الذهبي البخاري في كتابه (المغني في الضعفاء) فقال : (حجة إمام ، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ) (3).
وأضاف الحافظ الذهبي بترجمة البخاري تكلم الإمام الكبير محمد بن يحيى الذهلي فيه ، وأنه كان يقول : (من ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه) (4).
بل ذكر الذهبي أن الإمام الذهلي أخرج البخاري ومسلما من مدينة نيسابور (5).
وقال بترجمة الذهلي : (كان الذهلي شديد التمسك بالسنة ، قام على محمد بن إسماعيل ، لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أن تلفظ
(1) هذا حال البخاري إمامهم في الحديث ، وسنشير إلى حال إمامهم في العقائد وهو : أبو الحسن الأشعري . ولعلنا نتعرض لحال أئمتهم في الفقه وهم : الأئمة الأربعة ! وإمامهم في التفسير وهو : الفخر الرازي . . . في المواضع المناسبة . إن شاء الله تعالى .
(2) وذكر ذلك الذهبي في : سير أعلام النبلاء 12 / 462 .
(3) المغني في الضعفاء 2 / 557 .
(4) سير أعلام النبلاء 12 / 453 .(5) سير أعلام النبلاء 12 / 455 .
(111)
القاري بالقرآن مخلوق . . . وسافر ابن إسماعيل مختفيا من نيسابور وتألم من فعل محمد بن يحيى (6).
وقد تألم غير واحد من أعلام القوم من موقف الذهبي من البخاري حين أورده في كتاب (الضعفاء) .
قال السبكي : (ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح في العقيدة فجرحه بذلك .
وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب ، خوفا من أن يحملهم على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة ، جرحوا بناء على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب .
وقد أشار شيخ الإسلام ، سيد المتأخرين : تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) إلى هذا وقال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدثون والحكام .
قلت : ومن أمثلته : قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ .
فيا لله والمسلمين ! أيجوز لأحد أن يقول : البخاري متروك ؟ ! وهو حامل لواء الصناعة ، ومقدم أهل السنة والجماعة) (7).
فهذه عبارة السبكي ، ولم يصرح باسم القائل بذلك وهو الذهبي ، لكن المناوي صرح باسمه ، واتهمه بالغض والغرض من أهل السنة ، وكأنه ليس الذهبي من أهل السنة ! ! فقال بترجمة البخاري :
(زين الأمة ، افتخار الأئمة ، صاحب أصح الكتب بعد القرآن ، ساحب
(6) سير أعلام النبلاء 12 / 283 .
(7) طبقات الشافعية 1 / 190 .
(112)
ذيل الفضل على مر الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم منه . وقال بعضهم : إنه آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض .
قال الذهبي : كان من أفراد العالم ، مع الدين والورع والمتانة . هذا كلامه في الكاشف .
ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في (كتاب الضعفاء والمتروكين) : ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ ، تركه لأجلها الرازيان .
هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى . نسأل الله السلامة ، ونعوذ به من الخذلان) (8).
ونستفيد من هذه القضية أمورا :
1 ـ ما ذكرناه سابقا من أنه لو اشترط ـ في صحة استدلالاتنا بأخبار القوم وأقوالهم ـ كون الخبر معتبرا عند جميعهم ، أو كون رواية موثقا عند كلهم . . . لانسد باب البحث ، لعدم وجود هكذا خبر أو راو فيما بينهم .
2 ـ إن البخاري ومسلما مجروحان عند جماعة من الأئمة ، فتكون رواياتهما في كتابيهما ـ كسائر الكتب والروايات ـ خاضعة لموازين الجرح والتعديل . . . إن لم نقل بأن مقتضى الطعن المذكور فيهما سقوط رواياتهما عن الاعتبار رأسا . . . وهناك أحاديث كثيرة في الكتابين قد نص العلماء المحققون الكبار على بطلانها ، يطول بنا المقام لو أردنا ذكرها ، فراجع بعض مؤلفاتنا (9).
3 ـ إن الذهبي ـ وهو من أكابر أئمة القوم في الجرح والتعديل ـ له مجازفات في تعديلاته وتجريحاته . . . فليس كل ما يقوله الذهبي في حق الرجال حقا ، وإلا كان ما قاله وفعله في حق (البخاري) صحيحا مقبولا ، وقد قال
(8) فيض القدير 1 / 24 .
(9) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : 293 ـ 336 .
(113)
المناوي بعد نقله : (نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان) .
4 ـ إنه ينبغي أن يتفقد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأن يكون المزكون والجارحون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب . وهذا ما أكده الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضا ، حين قال :
(وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم ، بلسان ذلقة وعبارة طلقة ، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية . فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق . . .) (10).
وقد تبع الجوزجاني بعض من كان على مسلكه من المتأخرين ، فأخذوا يطعنون في الرواي بمجرد روايته ما يدل على فضيلة لعلي وأهل البيت عليهم السلام ، أو ما يدل على قدح في واحد من مناوئيهم ، ويقولون عنه (شيعي) (رافضي) ونحو ذلك ، والحال أن التشيع ـ كما يقول الحافظ ابن حجر ـ : (محبة علي وتقديمه على الصحابة) (11).
والذين يقدمون عليا عليه السلام على غيره من الصحابة كثيرون حتى في الصحابة . . . قال الحافظ ابن عبد البر : (وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : إن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أول من أسلم . وفضله هؤلاء على غيره) (12).
فالتشيع لا يضر بالوثاقة عندهم ولا يمنع من الاعتماد . قال ابن حجر
(10) لسان الميزان 1 / 16 .
(11) هدي الساري : 460 .
(12) الاستيعاب 3 / 1090 .
(114)
بترجمته (خالد بن مخلد القطواني الكوفي) وهو من رجال البخاري :
(من كبار شيوخ البخاري ، روى عنه وروى عن واحد عنه . قال العجلي : ثقة وفيه تشيع . وقال ابن سعد : كان متشيعا مفرطا . وقال صالح جزرة : ثقة إلا أنه يتشيع . وقال أبو حاتم ، يكتب حديثه ولا يحتج .
قلت : أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره ، سيما ولم يكن داعية إلى رأيه) (13).
وقال ابن حجر بترجمة (عباد بن يعقوب الرواجني) من رجال البخاري :
(رافضي مشهور ، إلا أنه كان صدوقا ، وثقه أبو حاتم ، وقال الحاكم : كان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول : حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه : عباد ابن يعقوب . وقال ابن حبان : كان رافضيا داعية . وقال صالح بن محمد : كان يشتم عثمان رضي الله عنه .
قلت : روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثا واحدا مقرونا ، وهو حديث ابن مسعود : أي العمل أفضل ؟ وله عند البخاري طريق أخرى من رواية غيره) (14).
وقال الذهبي بترجمة (أبان بن تغلب) :
(شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم . وأورده ابن عدي وقال : كان غاليا في التشيع . وقال السعدي : زائغ مجاهر .
فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثقة العدالة والإتقان ؟ ! فيكف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ !
وجوابه : إن البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى ، كغلو التشيع ، أو
(13) هدي الساري : 398 .
(14) هدي الساري : 410 .
(115)
كالتشيع بلا غلو وتحرق ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة) (15).
أقول :
وعلى هذا الأساس أيضا تسقط مناقشات بعض الكتاب في أسانيد الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنا عشرية من كتب أهل السنة . . . لكن بعض المتعصبين يقدح في الرجل إذا كان شيعيا ـ أي يفضل عليا عليه السلام على غيره من الصحابة ـ ويكره الرواية عنه ، حتى وإن كان من الصحابة ، مع أن المشهور فيما بين أهل السنة عدالة الصحابة أجمعين ! قال الحافظ ابن حجر بترجمة (عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي المكي) :
(قال ابن عدي : كان الخوارج يرمونه باتصاله بعلي وقوله بفضله وفضل أهل بيته ، وليس بحديثه بأس . وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان المغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم . وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مكي ثقة . وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشيعا .
قلت : أساء أبو محمد بن حزم فضعف أحاديث أبي الطفيل وقال : كان صاحب راية المختار الكذاب . وأبو الطفيل صحابي لا شك فيه ، ولا يؤثر فيه قول أحد ، ولا سيما بالعصبية والهوى) (16).
قلت :
فالحمد لله الذي أجرى على لسان مثل ابن حجر العسقلاني أن ابن حزم
(15) ميزان الاعتدال 1 / 5 .
(16) هدي الساري : 410
(116)
يتكلم (بالعصبية والهوى) وقد حط على هذا الرجل أبو بكر ابن العربي .
وقال أبو العباس ابن العريف الصالح الزاهد : (لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان) .
وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حبان : (ومما يزيد في بغض الناس له تعصبه لبني أمية ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب) .
وقال ابن خلكان : (كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد يسلم أحد من لسانه . قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين . قاله لكثرة وقوعه في الأئمة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردوا قوله ، واجتمعوا على تضليله . . .) .
ووصفه الآلوسي عند ذكره ب (الضال المضل) .
انظر : لسان الميزان 4 / 189 ، وفيات الأعيان 3 / 325 ، تفسير الآلوسي 21 / 76 .
قلت :
ومما يشهد بنصبه قوله في المحلى 10 / 482 :(ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا رضي الله عنه إلا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطان شاعر الصفرية . . .) .
وقد كان على شاكلة ابن حزم في القول بالعصبية والهوى :
أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ، فقد أفرط هذا الرجل في كتبه لا سيما في كتابيه (العلل المتناهية) و (الموضوعات) حتى رد عليه كبار المحققين ، فنصوا على بطلان كثير من أقواله وآرائه .
قال الحافظ النووي : (وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو مجلدين ،
(117)
أعني أبا الفرج ابن الجوزي ، فذكر كثيرا مما لا دليل على وضعه . . .) .
وقال الحافظ السيوطي : (فذكر في كتابه كثيرا مما لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك : أن فيها حديثا من صحيح مسلم كما سأبينه .
قال الذهبي : ربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حسانا قوية .
قال : ونقلت من خط السيد أحمد بن أبي المجد قال : صنف ابن الجوزي كتاب (الموضوعات) فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل ما لم يصب فيه إطلاقه بالوضع على أحاديث ، بكلام بعض الناس في أحد رواتها ، كقوله : فلان ضعيف أو : ليس بالقوي أو : لين ، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع ، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في رواية . وهذا عدوان ومجازفة) (17).
وقال ابن عراق : (وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها كتاب جامع ، إلا أن عليه مؤاخذات ومناقشات . . .) (18).
وقد أورد ابن الجوزي في كتابه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) حديث : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي) فاعترضه بشدة كبار المحدثين المتأخرين عنه .
قال السخاوي : (وتعجبت من إيراد ابن الجوزي له في (العلل المتناهية) بل أعجب من ذلك قوله : إنه حديث لا يصح . مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم) (19).
(17) تدريب الراوي 1 / 235 .
(18) تنزيه الشريعة 1 / 3 .
(19) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط .
(118)
وقال السمهودي : (ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في (العلل المتناهية) فإياك أن تغتر به . وكأنه لم يستحضره حينئذ) (20).
وقال المناوي : (ووهم من زعم ضعفه كابن الجوزي) (21) .
بل هناك كلمات كثيرة في الحط على ابن الجوزي) نفسه :
قال ابن الأثير : (وفي هذه السنة ـ في شهر رمضان ـ توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي ، الواعظ ببغداد ، وتصانيفه مشهورة ، وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه) (22).
وقال أبو الفداء : (كان كثير الوقيعة في العلماء) (23).
وقال الذهبي : (له وهم كثير في تواليفه ، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحول إلى مصنف آخر ، ومن أن جل علمه من كتب وصحف ما مارس فيه أرباب العلم كما ينبغي) (24).
وقال ابن حجر : (. . . دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينتقد ما يحدث به) (25).
وقال السيوطي : (قال الذهبي في التاريخ الكبير : لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة ، بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه) (26).
وقال اليافعي : (وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس ،
(20) جواهر العقدين ـ مخطوط .
(21) فيض القدير 3 / 14 .
(22) الكامل في التاريخ ـ حوادث سنة 597 ه .
(23) المختصر من أخبار البشر ـ حوادث سنة 597 ه .
(24) تذكرة الحفاظ 4 / 1342 .
(25) لسان الميزان 2 / 84 ، ترجمة ثمامة بن أشرس .
(26) طبقات الحفاظ : 478 .
(119)
وبقي في المطمورة خمس سنين ، كذا ذكره الذهبي . . .) (27).
وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ، فقد طعن في كثير من الرجال وفي كثير من الأحاديث والأخبار ، وفي كثير من مصنفات أهل السنة لروايتها ما يتمسك به الإمامية . . . ولقد تمادى هذا الرجل في غيه حتى انبرى كبار علماء أهل السنة من أهل المذاهب الأربعة للفتوى ضده ، ثم أمر بأن ينادى بالحط عليه والمنع من اتباعه ، ثم حبس ، حتى مات في الحبس .
وشمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفات الكثيرة ، وتلميذ ابن تيمية الحراني والملازم له (28) فقد حكم على كثير من الأحاديث الصحيحة بالوضع ، وطعن في كثير من الرجال وأسقط رواياتهم عن درجة الاعتبار . . . وقد فعل ذلك بالنسبة إلى كثير من أئمة أهل السنة ومحدثيهم المشاهير في كتابيه (ميزان الاعتدال) و (المغني في الضعفاء) حتى أدرج في الثاني (محمد بن إسماعيل البخاري) كما تقدم .
وقال السبكي بترجمته : (كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة ، كثير الازدراء بأهل السنة ، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة ، فلذلك لا ينصفهم في التراجم ، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم . صنف (التاريخ الكبير) وما أحسنه لولا تعصب فيه ، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه) (29).
وقال : (وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنه ـ على حسنه وجمعه ـ مشحون بالتعصب المفرط ، لا واخذه الله . فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين
(27) مرآة الجنان ـ حوادث سنة 595 ه .
(28) وكم لقي الذهبي من الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيمية . قاله محقق كتاب (العبر) في المقدمة .
(29) طبقات الشافعية 2 / 22 .
|
|
|