|
|
 |
| العدد 35 و 36 > إحياء التراث > |
إحياء التراث
لمحة تاريخية سريعة حول تحقيق التراث ونشره
وإسهام إيران في ذلك
(1)
الشيخ عبد الجبار الرفاعي
يختزن التراث إمكانات النهوض والإبداع في حياة الأمة ، لأن لكل أمة شروط نهضتها الخاصة المعبرة عن نسقها التاريخي الخاص ، ومقومات شخصيتها التي تأتلف في إطار مسيرتها التاريخية المحددة .
ويعبر تراثنا عن أمتنا وهويتها ، بل هو خير معبر عنها ، لأنه جزء منها ، وهكذا كل تراث هو جزء من الأمة التي أنجزته ، فلا يمكن أن نؤسس النهضة على تراث آخر غير تراث الأمة ، فالنهضة يحتضنها هذا التراث ، وتصبح فيما بعد أحد مكتسبات الأمة في حركتها التاريخية ، وتصير واحدة من الإنجازات الكبرى ، والقفزات المتميزة في سعي الأمة نحو التقدم والتكامل .
وللتراث وظيفة أساسية في تجلية الهوية الحضارية للأمة ، وتأكيد ذاتها ، وحماية هذه الذات من الذوبان والانكسار ، باعتبار أن التراث يستوعب مجموعة الرؤى والأفكار والخبرات والابتكارات ، مما أنتجته الأمة في طول تجاربها الحياتية الشاقة ، في حالات الانتصار والهزيمة ، وفي حالات الازدهار والركود ، وفي حالات التقدم والانحطاط ، ولذا فهو يجسد الذاكرة التاريخية للأمة ، ويمثل الزمن المتحرك المحيط بكل فعاليات الأمة ومكتسباتها .
(190)
فالتراث ليس أمرا ساكنا ميتا أفرزته هزائم الأمة ، وإنما هو تلك الحيوية المتدفقة في وجدان الأمة ، فتارة تتكشف فعاليته في روح المقاومة العنيدة ، حين يتعرض المجتمع الإسلامي لعدوان غادر من الكفر ، وتارة أخرى في تيارات التجديد والإصلاح ، وثالثة في ما يبرز من مواقف وإبداعات ، عندما يسعى المجتمع لمواكبة العصر ، ويحاول الاستجابة للتحديات الكبرى ، فلا يجد سبيل أمامه للتغلب على هذه التحديات ، سوى العودة إلى الذات ، والذات لا تتحق إلا بالتراث ، به تتحقق ، وبه تتكشف ، وبه تظل قادرة على مقاومة محاولات التذويب ، والتشويه ، والتدجين ، والتهجين .
من هنا يتبين أن النهضة تتقوم باكتشاف الذات وتحقيق الهوية أولا وقبل كل شيء ، لكي تتحدد المعالم المميزة لشخصية الأمة ، فتتلقى ما ينسجم وبنيتها الخاصة ، فيما تلفظ وتطرد كل ما من شأنه أن يفتت هذه البنية ويزعزع أركانها .
إن ما تنفرد به الأمة وتفتخر به كإرث حضاري تتفوق به على أمم أخرى ، هو تلك العناصر الحية الفاعلة الممتدة زمانيا ، من ما أنجزته من تراث ، في مراحلها التاريخية المختلفة ، وليس ما أنجز لحاجات زمنية خاصة ، وأفرزته دواع تاريخية معينة ، ولم يقو على الامتداد الزمني والحياة في عصور أخرى ، فما ولد في أروقة قصور السلاطين من أدب مبتذل منحل ، وما كتب في أفياء البلاط من فقه سلطاني يمجد الظلم وينفي الحق ، لا يعبر عن هوية الأمة ، ولا يعكس حقيقة شخصيتها .
وربما يتوهم البعض فيحسب أن هذا الكلام يعني الانغلاق والتقوقع على الذات ، وعدم الاستفادة من معطيات وتجارب الأمم الأخرى ، خصوصا في هذا العصر ، الذي خطا فيه الإنسان الغربي خطوات كبيرة ، بل حقق قفزات نوعية في التقنية ، واكتشاف قوانين الطبيعة ، ولم يعد بإمكان أي مجتمع أن يستغني عن هذه المكتشفات ، ويعيش لوحده .
(191)
إن ما نعنيه هو أن أية نهضة نريدها للأمة المسلمة ، لا يمكن أن تتحقق من خلال تراث غير تراثها ، فلا بد أن تنتظم الأمة في داخل تراثها الخاص ، ومن ثم تسعى لإغناء مسيرتها ، باستيعاب ما هو إنجاز إنساني عام ، من معطيات العلوم والمكتشفات الطبيعية للأمم الأخرى ، لأن العلم إرث إنساني عام لا يخص أمة دون أخرى ، ولا يملكه مجتمع ملكية خاصة ، فالعلم لا يرتبط بشعب معين ، ولا يعبر عن مرحلة تاريخية خاصة ، ولعل مراجعة سريعة لتاريخ العلم ، ترينا كيف أن البشرية بمجموعها كان لكل شعب فيها مساهماته الكبيرة في تطوير حركة العلوم والاكتشافات .
تأسيسا على ما سبق يتضح أن أية نهضة لا تتحقق إلا باحتضان الأمة لتراثها واكتشافها لذاتها ، ومحاولة التواصل مع الآخر ، واستيعاب ما هو إنجاز بشري عام ، لم تأطر بإطار قومي أو إقليمي خاص .
أما كيف يتاح للأمة أن تكتشف ذاتها وتحتضن تراثها ؟
فإن ذلك لن يتم إلا بأن تتعامل الأمة بشكل مباشر مع تراثها ، عبر إحياء هذا التراث ، ونفض الغبار الذي تراكم عليه سنوات مديدة ، ولا بد أن تتجنب أية محاولة للعبور إلى التراث بواسطة أطراف وأدوات أخرى غريبة عنه ، كما ربما يحاول البعض من المنبهرين بالغرب ، بتعاطي مقولات ونظريات التراث في ضوء أدوات غريبة عنه .
لقد تخلت أوروبا منذ عصر النهضة عن التعامل مع أرسطو من خلال ابن رشد ، وانفتحت على تراثها اليوناني القديم مباشرة ، وسعت سعيا حثيثا لاكتشاف الأصول اليونانية لكل ما لم يصلها مباشرة من التراث اليوناني ، أي ما وصلها بواسطة المسلمين ، وتلقت هذا التراث من دون وسيط ، وتخلت عن ابن رشد وغيره من المفكرين المسلمين كوسطاء في تلقي تراثها .
إن علامة ابن رشد الأمة ، وتوازن حركتها التاريخية ، هو قدرتها على قراءة تراثها ، واكتشافه ، واستنطاقه ، واستلهام منابع القوة والفعالية فيه ، بشكل مباشر
(192)
من دون وصي أو دليل يقودها إلى تراثها ، أو يدلها عليه ، لأن تراث الأمة ـ كما ألمحنا ـ هو ذاتها وهويتها ، ولا تحتاج الذات لكي تعي وتكتشف ذاتها إلى وسيط ، فكل ذات حاضرة لذاتها ، وإدراكها لذاتها أمر وجداني ، وربما تسبب الاعتماد على أي وسيط في وعي الذات لذاتها إلى التباس صورة الذات ، وتشوهها ، وتغييب المقومات الرئيسية لها ، كما يتجلى ذلك في الصورة التي غالبا ما يستعيرها بعض الكتاب المتغربين من الباحثين الغربيين المهتمين بالشرق والمجتمعات الشرقية ، فيعاينون أمتهم بواسطة ما رسمه الاستشراق التقليدي من صورة مشوهة للأمة المسلمة وتراثها ، فيغدو التراث وما يحفل به من عناصر فعالة في دفع مسيرة الأمة نحو التطور والكمال ، معيقا لا بد من الافلات منه ، فيما يضحى تاريخ الأمة ورموزها تركة ثقيلة ، أو بتعبير أحد هؤلاء (كومة أحجار) ! ويستنسخ كل شيء من التراث الغربي ، حتى الأساطير اليونانية القديمة ! في محاولة لتدمير هويتنا من خلال محاولة حذف تراثنا واستبداله بتراث غريب .
وعلى هذا تصير عملية إحياء تراثنا ونشره من المهام الحضارية العظمى التي تتوقف عليها نهضة الأمة ، وتحررها ، واستقلالها ، لأن النهضة تتقوم بالتراث ، وإحياء التراث هو الوسيلة الوحيدة لتقديم هذا التراث بين أيدي الناس ، وتحريره من الغرف المغلقة في خزائن المخطوطات ، ووضعه في متناول الجميع ، وتيسير الانتفاع به ، واستلهام ما يشتمل عليه من إرث حضاري كبير ، يقي الأمة من عمليات مسخ هويتها وتفتيت شخصيتها .
دور القدماء في صيانة التراث وحفظه :
لقد بذل العلماء المسلمون منذ عصر التدوين الأول جهودا كبيرة في كراسة التراث ، وصيانته ، والمحافظة عليه ، ولولا تلك الجهود الرائدة المبذولة في هذا السبيل لتعرض هذا التراث للاضطراب ، والتبعثر ، والضياع التام ، كما
(193)
حصل مع تراث بعض الأمم .
وحين نلقي نظرة سريعة على آداب المتعلمين ورواة الحديث . . . وغيرهم من العلماء والباحثين في التاريخ الإسلامي ، نجد لديهم جملة تقاليد علمية تعارفوا عليها واشتهرت فيما بينهم ، كلها تعبر عن حرص واهتمام شديدين على الدقة في تلقي العلوم الإسلامية ، وبالذات الحديث الشريف ، والإتقان والضبط في نسخها ونقلها ، وتداولها ، فمثلا اشتهرت بينهم (الرحلة في طلب الحديث) ، حين يرحل الراوي من الكوفة إلى المدينة المنورة مثلا لأجل ذلك ، (وإجازة الرواية) وغيرها من طرق تحمل الحديث ، تلك الطرق التي تشير إلى الاهتمام الواسع بالحديث الشريف ، والعناية في نقله وروايته .
وقد بلغت الدقة في النقل درجة دأب معها هؤلاء الرواة على تفحص نسخ الكتب ، وتمييزها ما بين نسخ الكتاب الواحد من اختلاف ، وإن كان طفيفا ، كما يؤكد ذلك الشيخ النجاشي (372 ـ 450 ه) في حديثه عن نسختي (كتاب السنن والأحكام والقضايا) قائلا : (وذكر شيخنا أن بين النسختين اختلافا قليلا . . .) (1) .
وينقل الشيخ النجاشي قولا من ما كتبه له أبو العباس أحمد بن علي بن نوح السيرافي حول سؤاله عن الطرق إلى كتب الحسين بن سعيد الأهوازي ، بعد بيان هذه الطرق ، مشددا على الحذر من أي تصرف ـ مهما كان ـ في النسخ :
(فيجب أن تروي عن كل نسخة من هذا بما رواه صاحبها فقط ، ولا تحمل رواية على رواية ، ولا نسخة على نسخة ، لئلا يقع فيه اختلاف) (2) .
(1) النجاشي ، أبو العباس أحمد بن علي فهرست أسماء مصنفي الشيعة ، المشتهر برجال النجاشي ، تحقيق : السيد موسى الشبيري الزنجاني ، قم : مؤسسة النشر الإسلامي ، 1407 ه ، ص 6 .
(2) ن . م : ص 60 .
(194)
وحينما نقرأ كتاب (رجال النجاشي) مثلا ، نلاحظ وفاء صارما لمنهج علمي أصيل سبق فيه العلماء المسلمون غيرهم بقرون عديدة ، في أسلوب تدوين البيانات حول نسخ الكتب التي يرويها ، فهو يصرح غير مرة عندما لم ير تلك الكتب بقوله مثلا :
(له كتب ذكرها بعض أصحابنا في الفهرستات لم أر منها شيئا) (3) .
وقوله :
(له كتاب . . . ما رأيت هذا الكتاب ، بل ذكره أصحابنا وليس بمشهور أيضا (4) .
أو قوله :
(وإن له كتابا . . . لم أر هذا الكتاب) (5) .
بينما نجده في موارد أخرى يتحدث لنا عن كيفية وصول نسخة الكتاب له ، وطبعة هذه النسخة ، وصحة نسبتها إلى المؤلف ، كما في قوله :
(رفع إلي هذه النسخ نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الجندي ، شيخنا ، رحمه الله ، قرأتها عليه ، حدثكم أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن عامر ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الرضا علي ابن موسى عليه السلام . والنسخة حسنة) (6) .
وهكذا يوضح في مورد آخر بشكل صريح أن نسخة الكتاب الذي بيده مقروءة ، فيقول :
(رأيت أبا الحسين محمد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه (كتاب الغيبة) تصنيف محمد بن إبراهيم النعماني بمشهد العتيقة ، لأنه كان قرأه عليه ،
(3) ن . م : ص 15 .
(4) ن . م : ص 48 .
(5) ن . م : ص 87 .
(6) ن . م : ص 100 .
(195)
ووصى لي ابنه أبو عبد الله الحسين بن محمد الشجاعي بهذا الكتاب وبسائر كتبه ، والنسخة المقروءة (المقروة) عندي) (7) .
وربما صرح باسم ناسخ الكتاب أحيانا ، في محاولة للتأكيد على سلامة النسخة ، والوثوق من صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه ، وأنه تلقاه مباشرة من خط فلان ، فهو يقول عن نسخة لكتاب وصله للحسين بن عبيد الله السعدي :
(هذه أبواب الكتاب نقلتها من خط أبي العباس أحمد بن علي بن نوح) (8) .
ويمكن القول : إن هذا المنهج المعتمد لدى القدماء في تثبيت صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه ، من المناهج الدقيقة التي يقطع فيها الطريق على محاولات المنتحلين والوضاعين ، فإن النجاشي مثلا لم يكتف بذكر طريقه أو طرقه للكتاب التي تنتهي بمؤلفه ، وبيان وسائط وصول الكتاب إليه ، وإنما سعى في مرات كثيرة لوصف نوع النسخة أو النسخ ، وناسخها ، ومدى إمكانية الاعتماد عليها ، والاختلاف فيها الناشيء من اختلاف نسخها ، بل حاول أن يكشف لنا أحيانا ما إذا كان الاختلاف يرجع إلى أمر كاختلاف الرواة مثلا ، كما في قوله عن كتاب بكر بن صالح الرازي :
(وهذا الكتاب يختلف باختلاف الرواة عنه) (9) .
وهذا المنهج الذي التزم به النجاشي في تدوين كتابه ، هو نموذج تطبيقي لما تبناه العلماء المسلمون في تدوين مصنفاتهم ، وقد يحسب البعض خطأ أن التقاليد العلمية الحديثة المستخدمة في تحقيق ونشر النصوص التراثية لم تكن معروفة فيما مضى ، ولكن الخبير بالتراث الإسلامي يعرف أن الكثير من الأساليب العلمية في تقويم النصوص وضبطها ، كانت شائعة لدى القدماء ، فقد
(7) ن . م : ص 383 .
(8) ن . م : ص 44 .
(9) ن . م : ص 109 .
(196)
لاحظنا كيف أن القدماء لا يكتفون بذكر طرقهم المباشرة إلى مؤلفي الكتب ، وإنما يهتمون أيضا بذكر أحوال نسخ الكتب التي وصلتهم ، وأسماء نساخها .
كذلك اهتموا باحترام النصوص ، وعدم العبث فيها ، والحذر من أي تصرف فيها ، ونقلها بالشكل الذي وصلتهم ، وأضحت الأمانة العلمية من أوضح سماتهم في النقل ممن تقدموا عليهم .
يقول القاضي عياض :
(الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية ، كما وصلت إليهم وسمعوها ، ولا يغيرونها في كتبهم ، حتى طردوا تلك في كلمات من القرآن ، استمرت الرواية في الكتب عليها ، بخلاف التلاوة المجمع عليها . . . لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة ، وفي حواشي الكتب ، ويقرأون ما في الأصول على ما بلغهم ، ومنهم من يجسر على الاصلاح) (10) .
وقد تجلت أمانتهم العلمية ، وصيانتهم لآثار من سبقهم ، في حرصهم على مقابلة ما وصلهم أو ما نسخوه من كتب بالأصل الذي سمعوه ، وكتاب الشيخ الذي يرويه ، وأكدوا على أن يكون هذا الأصل المنقول عنه صحيحا متقنا ، كما نص على ذلك القاضي عياض بقوله :
(فليقابل نسخته من الأصل بنفسه حرفا حرفا ، حتى يكون على ثقة ويقين من معارضتها به ، ومطابقتها له ، ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثفة العارف دون مقابلة ، نعم ، ولا على نسخ نفسه بيده ما لم يقابل ويصحح ، فإن الفكر يذهب ، والقلب يسهو ، والنظر يزيغ ، والقلم يطغى) (11) .
كما يؤكد العلموي على أن يقابل طالب العلم كتاب (بأصل صحيح
(10) القاضي عياض . الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع . تحقيق : السيد أحمد صقر . القاهرة : 1970 م ، ص 185 ـ 186 .
(11) ن . م : 159 .
(197)
موثوق به ، فالمقابلة متعينة للكتاب الذي يرام النفع به) (12) .
وهكذا يشير إلى ضرورة مقابلة النسخة مع الأصل ، والتدقيق في ذلك ، ابن الصلاح الشهرزوري ، حين يقول :
(على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه وكتاب شيخه الذي يرويه عنه وإن كان إجازة . روينا عن عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال لابنه هشام : كتبت ؟
قال : نعم .
قال : عرضت كتابك ؟
قال : لا .
قال : لم تكتب !
وروينا عن الشافعي الإمام ، وعن يحيى بن أبي كثير ، قال :
(من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج) .
وعن الأخفش ، قال :
(إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا) (13) .
أما في صورة اختلاف النسخ ، فيحاول القدماء أن ينتخبوا نسخة مقاربة لأصل المؤلف ، وهو أسلوب ربما لا يختلف كثيرا عن الأسلوب المتعارف عند المهتمين بنشر النصوص اليوم ، حين يعتبرون النسخة ذات المواصفات الجيدة هي النسخة الأم ، ويختارون نصا للمؤلف بالاستضاءة بالنسخ الأخرى ، كما يقول القاضي عياض ذلك في مسألة ضبط اختلاف الروايات :
(وأولى ذلك أن تكون [ النسخة ] الأم على رواية مختصة ، ثم ما كانت
(12) العلموي ، عبد الباسط بن موسى بن محمد . المعيد في أدب المفيد والمستفيد . دمشق : 1349 ه ، ص 135 .
(13) ابن الصلاح ، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري . علوم الحديث : تحقيق وشرح : نور الدين عتر . دمشق : دار الفكر ، 1406 ه / 1986 م ، ص 190 ـ ص 191 .
(198)
من زيادة الأخرى ألحقت ، أو من نقص أعلم عليها ، أو من خلاف خرج في الحواشي ، وأعلم على ذلك كله بعلامة صاحبه ، من أسمه أو حرف منه للاختصار ، لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات) (14) .
ويبدو أن النسخة الأصح ، التي تكون بمثابة الأم كثيرا ما تكون معروفة ، إذا ما تعددت روايات نسخ الكتاب الواحد ، فمثلا يقول ياقوت عن كتاب (المفضليات) للمفضل بن محمد الضبي :
(المفضليات : وهي أشعار مختارة جمعها للمهدي ، وفي بعض نسخها زيادة ونقص ، وأصحها التي رواها عنه أبو عبد الله بن الأعرابي) (15) .
ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بنسخ الكتاب ، وانتقاء الأصح منها ، وإنما حاول القدماء معالجة بعض المشكلات التي يتعرض لها النساخ عندما ينسخون الكتاب ، فقد يغفل الناسخ ويحصل سقط من الكتاب المنسوخ ، أو قد يكون العكس فيدخل في الكتاب ما ليس فيه ، وربما التبس عليه الأمر في كتابة الحروف المتشابهة ، فماذا يعمل إزاء مثل هذه الحالات ؟
لقد ترك القدماء قواعد هامة تحدد ما ينبغي من مواقف في أمثال هذه الحالات ، فمثلا حينما يسقط من الكتاب شيء ، قرروا بأن (المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي ، ويسمى اللحق ـ بفتح الحاء ـ وهو : أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطا صاعدا إلى فوق ، ثم يعطفه بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق ، ويبدأ في الحاشية بكتبة اللحق مقابلا للخط المنعطف ، وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين ، وإن كانت تلي وسط الورقة إن اتسعت له ، وليكتبه صاعدا إلى أعلى الورقة لا نازلا به إلى
(14) القاضي عياض . مصدر سابق : ص 189 .
(15) ياقوت الحموي . معجم الأدباء . تحقيق : مرجليوث . القاهرة : مطبوعات دار المأمون ، 19 / 167 .
(199)
أسفل) (16) .
أما في حالة الزيادة ، فقد قرروا بأنه (إذا وقع في الكتاب ما ليس منه ، فإنه ينفى عنه بالضرب ، أو الحك ، أو المحو ، أو غير ذلك ، والضرب خير من الحك والمحو) (17) والمعروف بينهم أن (أجود الضرب أن لا يطمس المضروب عليه ، بل يخط من فوقه خطا جيدا بينا يدل على إبطاله ، ويقرأ من تحته ما خط عليه) (18) .
وفي مورد الحروف المتشابهة ، وغيرها من الموارد التي توجب الالتباس حين قراءة النص ، أكد القدماء على أن يعجم المعجم من الحروف ، ويضبط اللفظ ويشكل بعلامات الشكل المعروفة ، كما نص على ذلك العلموي بقوله :
(وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح ، أو على شيخ ، فينبغي أن يعجم المعجم ، ويشكل المشكل ، ويضبط الملتبس ، ويتفقد مواضع التصحيف) (19).
وخشية وقوع التصحيف والإبهام دأب القدماء في بعض مصنفاتهم على ضبط الأحرف المتشابهة بالكلمات ، فتجدهم يثبتون الفرق بين الحاء والجيم والخاء مثلا ، بقولهم عن الأولى ب (المهملة) ، والثانية ب (المنقوطة من تحت) ، والثالثة ب (المنقوطة من فوق) وهو يمثل درجة عالية من الاحتراز عن الغموض والإبهام في قراءة النص .
وربما لجأ بعضهم إلى أساليب أخرى لتجنب أي شكل من أشكال عدم وضوح الكتابة ، فقد أفاد القاضي عياض ، بأنه ينبغي للناسخ أن يحدد برمز خاص الحرف المهمل أيضا ، باعتبار أن غير المهمل يتحدد من خلال النقاط
(16) ابن الصلاح . مصدر سابق : ص 193 ـ 194 .
(17) ن . م : 198 .
(18) ن . م : 199 .
(19) العلموي . مصدر سابق : ص 135 .
(200)
من فوق أو تحت ، إذ يقول :
(وكما نأمره بنقط ما ينقط للبيان ، كذلك نأمره بتبيين المهمل ، بجعل علامة الاهمال تحته ، فيجعل تحت الحاء حاء صغيرة ، وكذلك تحت العين عينا صغيرة ، وكذلك الصاد والطاء والدال والراء ، وهو عمل بعض أهل المشرق والأندلس . . . ومنهم من يقلب النقط في المهملات ، فيجعله أسفل ، علامة لإهماله) (20) .
تلك إشارات سريعة أفصحت عن بعض الملامح من منهج القدماء في صيانة التراث والحفاظ عليه ، والدقة والأمانة في نقله وتداوله ، وهذا المنهج الذي ولد في أحضان التراث ، استجاب في عصر الكتاب المخطوط وقبل ظهور الطباعة ، لحاجة ماسة في نفي التصحيف عن المخطوطات ، وتطابقها مع الأصل الذي كتبه المؤلف ، وحمايتها من أية محاولات غادرة للسطو ، أو التشويه ، أو لانتحال .
ومما لا شك فيه أن وصول عدد جيد من الكتب المخطوطة من تراث العصر الإسلامي الأول ، بصورة سالمة وصحيحة ، ما كان له أن يتم لولا العناية الفائقة المستندة إلى قواعد وتقاليد علمية دقيقة ، في نسخ الكتاب ، ومقابلته على الأصل ، والأمانة في تلقيه ونقله للآخرين .
بداية نشر التراث العربي الإسلامي
وصلنا عدد وفير من المخطوطات العربية ، قدرة البعض بنحو ثلاثة ملايين نسخة ، منتشرة في خزائن المخطوطات في مختلف أنحاء العالم ، وتشتمل هذه المخطوطات على مؤلفات في التفسير وعلوم القرآن ، والحديث
(20) القاضي عياض . مصدر سابق : ص 157 .
|
|
|