العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 35 و 36 > إحياء التراث  >

إحياء التراث
لمحة تاريخية سريعة حول تحقيق التراث ونشره
وإسهام إيران في ذلك
(1)

الشيخ عبد الجبار الرفاعي

يختزن التراث إمكانات النهوض والإبداع في حياة الأمة ، لأن لكل أمة شروط نهضتها الخاصة المعبرة عن نسقها التاريخي الخاص ، ومقومات شخصيتها التي تأتلف في إطار مسيرتها التاريخية المحددة .
ويعبر تراثنا عن أمتنا وهويتها ، بل هو خير معبر عنها ، لأنه جزء منها ، وهكذا كل تراث هو جزء من الأمة التي أنجزته ، فلا يمكن أن نؤسس النهضة على تراث آخر غير تراث الأمة ، فالنهضة يحتضنها هذا التراث ، وتصبح فيما بعد أحد مكتسبات الأمة في حركتها التاريخية ، وتصير واحدة من الإنجازات الكبرى ، والقفزات المتميزة في سعي الأمة نحو التقدم والتكامل .
وللتراث وظيفة أساسية في تجلية الهوية الحضارية للأمة ، وتأكيد ذاتها ، وحماية هذه الذات من الذوبان والانكسار ، باعتبار أن التراث يستوعب مجموعة الرؤى والأفكار والخبرات والابتكارات ، مما أنتجته الأمة في طول تجاربها الحياتية الشاقة ، في حالات الانتصار والهزيمة ، وفي حالات الازدهار والركود ، وفي حالات التقدم والانحطاط ، ولذا فهو يجسد الذاكرة التاريخية للأمة ، ويمثل الزمن المتحرك المحيط بكل فعاليات الأمة ومكتسباتها .


(190)
فالتراث ليس أمرا ساكنا ميتا أفرزته هزائم الأمة ، وإنما هو تلك الحيوية المتدفقة في وجدان الأمة ، فتارة تتكشف فعاليته في روح المقاومة العنيدة ، حين يتعرض المجتمع الإسلامي لعدوان غادر من الكفر ، وتارة أخرى في تيارات التجديد والإصلاح ، وثالثة في ما يبرز من مواقف وإبداعات ، عندما يسعى المجتمع لمواكبة العصر ، ويحاول الاستجابة للتحديات الكبرى ، فلا يجد سبيل أمامه للتغلب على هذه التحديات ، سوى العودة إلى الذات ، والذات لا تتحق إلا بالتراث ، به تتحقق ، وبه تتكشف ، وبه تظل قادرة على مقاومة محاولات التذويب ، والتشويه ، والتدجين ، والتهجين .
من هنا يتبين أن النهضة تتقوم باكتشاف الذات وتحقيق الهوية أولا وقبل كل شيء ، لكي تتحدد المعالم المميزة لشخصية الأمة ، فتتلقى ما ينسجم وبنيتها الخاصة ، فيما تلفظ وتطرد كل ما من شأنه أن يفتت هذه البنية ويزعزع أركانها .
إن ما تنفرد به الأمة وتفتخر به كإرث حضاري تتفوق به على أمم أخرى ، هو تلك العناصر الحية الفاعلة الممتدة زمانيا ، من ما أنجزته من تراث ، في مراحلها التاريخية المختلفة ، وليس ما أنجز لحاجات زمنية خاصة ، وأفرزته دواع تاريخية معينة ، ولم يقو على الامتداد الزمني والحياة في عصور أخرى ، فما ولد في أروقة قصور السلاطين من أدب مبتذل منحل ، وما كتب في أفياء البلاط من فقه سلطاني يمجد الظلم وينفي الحق ، لا يعبر عن هوية الأمة ، ولا يعكس حقيقة شخصيتها .
وربما يتوهم البعض فيحسب أن هذا الكلام يعني الانغلاق والتقوقع على الذات ، وعدم الاستفادة من معطيات وتجارب الأمم الأخرى ، خصوصا في هذا العصر ، الذي خطا فيه الإنسان الغربي خطوات كبيرة ، بل حقق قفزات نوعية في التقنية ، واكتشاف قوانين الطبيعة ، ولم يعد بإمكان أي مجتمع أن يستغني عن هذه المكتشفات ، ويعيش لوحده .


(191)
إن ما نعنيه هو أن أية نهضة نريدها للأمة المسلمة ، لا يمكن أن تتحقق من خلال تراث غير تراثها ، فلا بد أن تنتظم الأمة في داخل تراثها الخاص ، ومن ثم تسعى لإغناء مسيرتها ، باستيعاب ما هو إنجاز إنساني عام ، من معطيات العلوم والمكتشفات الطبيعية للأمم الأخرى ، لأن العلم إرث إنساني عام لا يخص أمة دون أخرى ، ولا يملكه مجتمع ملكية خاصة ، فالعلم لا يرتبط بشعب معين ، ولا يعبر عن مرحلة تاريخية خاصة ، ولعل مراجعة سريعة لتاريخ العلم ، ترينا كيف أن البشرية بمجموعها كان لكل شعب فيها مساهماته الكبيرة في تطوير حركة العلوم والاكتشافات .
تأسيسا على ما سبق يتضح أن أية نهضة لا تتحقق إلا باحتضان الأمة لتراثها واكتشافها لذاتها ، ومحاولة التواصل مع الآخر ، واستيعاب ما هو إنجاز بشري عام ، لم تأطر بإطار قومي أو إقليمي خاص .
أما كيف يتاح للأمة أن تكتشف ذاتها وتحتضن تراثها ؟
فإن ذلك لن يتم إلا بأن تتعامل الأمة بشكل مباشر مع تراثها ، عبر إحياء هذا التراث ، ونفض الغبار الذي تراكم عليه سنوات مديدة ، ولا بد أن تتجنب أية محاولة للعبور إلى التراث بواسطة أطراف وأدوات أخرى غريبة عنه ، كما ربما يحاول البعض من المنبهرين بالغرب ، بتعاطي مقولات ونظريات التراث في ضوء أدوات غريبة عنه .
لقد تخلت أوروبا منذ عصر النهضة عن التعامل مع أرسطو من خلال ابن رشد ، وانفتحت على تراثها اليوناني القديم مباشرة ، وسعت سعيا حثيثا لاكتشاف الأصول اليونانية لكل ما لم يصلها مباشرة من التراث اليوناني ، أي ما وصلها بواسطة المسلمين ، وتلقت هذا التراث من دون وسيط ، وتخلت عن ابن رشد وغيره من المفكرين المسلمين كوسطاء في تلقي تراثها .
إن علامة ابن رشد الأمة ، وتوازن حركتها التاريخية ، هو قدرتها على قراءة تراثها ، واكتشافه ، واستنطاقه ، واستلهام منابع القوة والفعالية فيه ، بشكل مباشر


(192)
من دون وصي أو دليل يقودها إلى تراثها ، أو يدلها عليه ، لأن تراث الأمة ـ كما ألمحنا ـ هو ذاتها وهويتها ، ولا تحتاج الذات لكي تعي وتكتشف ذاتها إلى وسيط ، فكل ذات حاضرة لذاتها ، وإدراكها لذاتها أمر وجداني ، وربما تسبب الاعتماد على أي وسيط في وعي الذات لذاتها إلى التباس صورة الذات ، وتشوهها ، وتغييب المقومات الرئيسية لها ، كما يتجلى ذلك في الصورة التي غالبا ما يستعيرها بعض الكتاب المتغربين من الباحثين الغربيين المهتمين بالشرق والمجتمعات الشرقية ، فيعاينون أمتهم بواسطة ما رسمه الاستشراق التقليدي من صورة مشوهة للأمة المسلمة وتراثها ، فيغدو التراث وما يحفل به من عناصر فعالة في دفع مسيرة الأمة نحو التطور والكمال ، معيقا لا بد من الافلات منه ، فيما يضحى تاريخ الأمة ورموزها تركة ثقيلة ، أو بتعبير أحد هؤلاء (كومة أحجار) ! ويستنسخ كل شيء من التراث الغربي ، حتى الأساطير اليونانية القديمة ! في محاولة لتدمير هويتنا من خلال محاولة حذف تراثنا واستبداله بتراث غريب .
وعلى هذا تصير عملية إحياء تراثنا ونشره من المهام الحضارية العظمى التي تتوقف عليها نهضة الأمة ، وتحررها ، واستقلالها ، لأن النهضة تتقوم بالتراث ، وإحياء التراث هو الوسيلة الوحيدة لتقديم هذا التراث بين أيدي الناس ، وتحريره من الغرف المغلقة في خزائن المخطوطات ، ووضعه في متناول الجميع ، وتيسير الانتفاع به ، واستلهام ما يشتمل عليه من إرث حضاري كبير ، يقي الأمة من عمليات مسخ هويتها وتفتيت شخصيتها .
     دور القدماء في صيانة التراث وحفظه :
لقد بذل العلماء المسلمون منذ عصر التدوين الأول جهودا كبيرة في كراسة التراث ، وصيانته ، والمحافظة عليه ، ولولا تلك الجهود الرائدة المبذولة في هذا السبيل لتعرض هذا التراث للاضطراب ، والتبعثر ، والضياع التام ، كما


(193)
حصل مع تراث بعض الأمم .
وحين نلقي نظرة سريعة على آداب المتعلمين ورواة الحديث . . . وغيرهم من العلماء والباحثين في التاريخ الإسلامي ، نجد لديهم جملة تقاليد علمية تعارفوا عليها واشتهرت فيما بينهم ، كلها تعبر عن حرص واهتمام شديدين على الدقة في تلقي العلوم الإسلامية ، وبالذات الحديث الشريف ، والإتقان والضبط في نسخها ونقلها ، وتداولها ، فمثلا اشتهرت بينهم (الرحلة في طلب الحديث) ، حين يرحل الراوي من الكوفة إلى المدينة المنورة مثلا لأجل ذلك ، (وإجازة الرواية) وغيرها من طرق تحمل الحديث ، تلك الطرق التي تشير إلى الاهتمام الواسع بالحديث الشريف ، والعناية في نقله وروايته .
وقد بلغت الدقة في النقل درجة دأب معها هؤلاء الرواة على تفحص نسخ الكتب ، وتمييزها ما بين نسخ الكتاب الواحد من اختلاف ، وإن كان طفيفا ، كما يؤكد ذلك الشيخ النجاشي (372 ـ 450 ه‍) في حديثه عن نسختي (كتاب السنن والأحكام والقضايا) قائلا : (وذكر شيخنا أن بين النسختين اختلافا قليلا . . .) (1) .
وينقل الشيخ النجاشي قولا من ما كتبه له أبو العباس أحمد بن علي بن نوح السيرافي حول سؤاله عن الطرق إلى كتب الحسين بن سعيد الأهوازي ، بعد بيان هذه الطرق ، مشددا على الحذر من أي تصرف ـ مهما كان ـ في النسخ :
(فيجب أن تروي عن كل نسخة من هذا بما رواه صاحبها فقط ، ولا تحمل رواية على رواية ، ولا نسخة على نسخة ، لئلا يقع فيه اختلاف) (2) .



(1) النجاشي ، أبو العباس أحمد بن علي فهرست أسماء مصنفي الشيعة ، المشتهر برجال النجاشي ، تحقيق : السيد موسى الشبيري الزنجاني ، قم : مؤسسة النشر الإسلامي ، 1407 ه‍ ، ص 6 . (2) ن . م : ص 60 .


(194)
وحينما نقرأ كتاب (رجال النجاشي) مثلا ، نلاحظ وفاء صارما لمنهج علمي أصيل سبق فيه العلماء المسلمون غيرهم بقرون عديدة ، في أسلوب تدوين البيانات حول نسخ الكتب التي يرويها ، فهو يصرح غير مرة عندما لم ير تلك الكتب بقوله مثلا :
(له كتب ذكرها بعض أصحابنا في الفهرستات لم أر منها شيئا) (3) .
وقوله :
(له كتاب . . . ما رأيت هذا الكتاب ، بل ذكره أصحابنا وليس بمشهور أيضا (4) .
أو قوله :
(وإن له كتابا . . . لم أر هذا الكتاب) (5) .
بينما نجده في موارد أخرى يتحدث لنا عن كيفية وصول نسخة الكتاب له ، وطبعة هذه النسخة ، وصحة نسبتها إلى المؤلف ، كما في قوله :
(رفع إلي هذه النسخ نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الجندي ، شيخنا ، رحمه الله ، قرأتها عليه ، حدثكم أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن عامر ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الرضا علي ابن موسى عليه السلام . والنسخة حسنة) (6) .
وهكذا يوضح في مورد آخر بشكل صريح أن نسخة الكتاب الذي بيده مقروءة ، فيقول :
(رأيت أبا الحسين محمد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه (كتاب الغيبة) تصنيف محمد بن إبراهيم النعماني بمشهد العتيقة ، لأنه كان قرأه عليه ،



(3) ن . م : ص 15 .
(4) ن . م : ص 48 .
(5) ن . م : ص 87 .
(6) ن . م : ص 100 .



(195)
ووصى لي ابنه أبو عبد الله الحسين بن محمد الشجاعي بهذا الكتاب وبسائر كتبه ، والنسخة المقروءة (المقروة) عندي) (7) .
وربما صرح باسم ناسخ الكتاب أحيانا ، في محاولة للتأكيد على سلامة النسخة ، والوثوق من صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه ، وأنه تلقاه مباشرة من خط فلان ، فهو يقول عن نسخة لكتاب وصله للحسين بن عبيد الله السعدي :
(هذه أبواب الكتاب نقلتها من خط أبي العباس أحمد بن علي بن نوح) (8) .
ويمكن القول : إن هذا المنهج المعتمد لدى القدماء في تثبيت صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه ، من المناهج الدقيقة التي يقطع فيها الطريق على محاولات المنتحلين والوضاعين ، فإن النجاشي مثلا لم يكتف بذكر طريقه أو طرقه للكتاب التي تنتهي بمؤلفه ، وبيان وسائط وصول الكتاب إليه ، وإنما سعى في مرات كثيرة لوصف نوع النسخة أو النسخ ، وناسخها ، ومدى إمكانية الاعتماد عليها ، والاختلاف فيها الناشيء من اختلاف نسخها ، بل حاول أن يكشف لنا أحيانا ما إذا كان الاختلاف يرجع إلى أمر كاختلاف الرواة مثلا ، كما في قوله عن كتاب بكر بن صالح الرازي :
(وهذا الكتاب يختلف باختلاف الرواة عنه) (9) .
وهذا المنهج الذي التزم به النجاشي في تدوين كتابه ، هو نموذج تطبيقي لما تبناه العلماء المسلمون في تدوين مصنفاتهم ، وقد يحسب البعض خطأ أن التقاليد العلمية الحديثة المستخدمة في تحقيق ونشر النصوص التراثية لم تكن معروفة فيما مضى ، ولكن الخبير بالتراث الإسلامي يعرف أن الكثير من الأساليب العلمية في تقويم النصوص وضبطها ، كانت شائعة لدى القدماء ، فقد



(7) ن . م : ص 383 .
(8) ن . م : ص 44 .
(9) ن . م : ص 109 .



(196)
لاحظنا كيف أن القدماء لا يكتفون بذكر طرقهم المباشرة إلى مؤلفي الكتب ، وإنما يهتمون أيضا بذكر أحوال نسخ الكتب التي وصلتهم ، وأسماء نساخها .
كذلك اهتموا باحترام النصوص ، وعدم العبث فيها ، والحذر من أي تصرف فيها ، ونقلها بالشكل الذي وصلتهم ، وأضحت الأمانة العلمية من أوضح سماتهم في النقل ممن تقدموا عليهم .
     يقول القاضي عياض :
(الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية ، كما وصلت إليهم وسمعوها ، ولا يغيرونها في كتبهم ، حتى طردوا تلك في كلمات من القرآن ، استمرت الرواية في الكتب عليها ، بخلاف التلاوة المجمع عليها . . . لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة ، وفي حواشي الكتب ، ويقرأون ما في الأصول على ما بلغهم ، ومنهم من يجسر على الاصلاح) (10) .
وقد تجلت أمانتهم العلمية ، وصيانتهم لآثار من سبقهم ، في حرصهم على مقابلة ما وصلهم أو ما نسخوه من كتب بالأصل الذي سمعوه ، وكتاب الشيخ الذي يرويه ، وأكدوا على أن يكون هذا الأصل المنقول عنه صحيحا متقنا ، كما نص على ذلك القاضي عياض بقوله :
(فليقابل نسخته من الأصل بنفسه حرفا حرفا ، حتى يكون على ثقة ويقين من معارضتها به ، ومطابقتها له ، ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثفة العارف دون مقابلة ، نعم ، ولا على نسخ نفسه بيده ما لم يقابل ويصحح ، فإن الفكر يذهب ، والقلب يسهو ، والنظر يزيغ ، والقلم يطغى) (11) .
كما يؤكد العلموي على أن يقابل طالب العلم كتاب (بأصل صحيح



(10) القاضي عياض . الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع . تحقيق : السيد أحمد صقر . القاهرة : 1970 م ، ص 185 ـ 186 .
(11) ن . م : 159 .



(197)
موثوق به ، فالمقابلة متعينة للكتاب الذي يرام النفع به) (12) .
وهكذا يشير إلى ضرورة مقابلة النسخة مع الأصل ، والتدقيق في ذلك ، ابن الصلاح الشهرزوري ، حين يقول :
(على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه وكتاب شيخه الذي يرويه عنه وإن كان إجازة . روينا عن عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال لابنه هشام : كتبت ؟
قال : نعم .
قال : عرضت كتابك ؟
قال : لا .
قال : لم تكتب !
وروينا عن الشافعي الإمام ، وعن يحيى بن أبي كثير ، قال :
(من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج) .
وعن الأخفش ، قال :
(إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا) (13) .
أما في صورة اختلاف النسخ ، فيحاول القدماء أن ينتخبوا نسخة مقاربة لأصل المؤلف ، وهو أسلوب ربما لا يختلف كثيرا عن الأسلوب المتعارف عند المهتمين بنشر النصوص اليوم ، حين يعتبرون النسخة ذات المواصفات الجيدة هي النسخة الأم ، ويختارون نصا للمؤلف بالاستضاءة بالنسخ الأخرى ، كما يقول القاضي عياض ذلك في مسألة ضبط اختلاف الروايات :
(وأولى ذلك أن تكون [ النسخة ] الأم على رواية مختصة ، ثم ما كانت



(12) العلموي ، عبد الباسط بن موسى بن محمد . المعيد في أدب المفيد والمستفيد . دمشق : 1349 ه‍ ، ص 135 . (13) ابن الصلاح ، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري . علوم الحديث : تحقيق وشرح : نور الدين عتر . دمشق : دار الفكر ، 1406 ه‍ / 1986 م ، ص 190 ـ ص 191 .


(198)
من زيادة الأخرى ألحقت ، أو من نقص أعلم عليها ، أو من خلاف خرج في الحواشي ، وأعلم على ذلك كله بعلامة صاحبه ، من أسمه أو حرف منه للاختصار ، لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات) (14) .
ويبدو أن النسخة الأصح ، التي تكون بمثابة الأم كثيرا ما تكون معروفة ، إذا ما تعددت روايات نسخ الكتاب الواحد ، فمثلا يقول ياقوت عن كتاب (المفضليات) للمفضل بن محمد الضبي :
(المفضليات : وهي أشعار مختارة جمعها للمهدي ، وفي بعض نسخها زيادة ونقص ، وأصحها التي رواها عنه أبو عبد الله بن الأعرابي) (15) .
ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بنسخ الكتاب ، وانتقاء الأصح منها ، وإنما حاول القدماء معالجة بعض المشكلات التي يتعرض لها النساخ عندما ينسخون الكتاب ، فقد يغفل الناسخ ويحصل سقط من الكتاب المنسوخ ، أو قد يكون العكس فيدخل في الكتاب ما ليس فيه ، وربما التبس عليه الأمر في كتابة الحروف المتشابهة ، فماذا يعمل إزاء مثل هذه الحالات ؟
لقد ترك القدماء قواعد هامة تحدد ما ينبغي من مواقف في أمثال هذه الحالات ، فمثلا حينما يسقط من الكتاب شيء ، قرروا بأن (المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي ، ويسمى اللحق ـ بفتح الحاء ـ وهو : أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطا صاعدا إلى فوق ، ثم يعطفه بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق ، ويبدأ في الحاشية بكتبة اللحق مقابلا للخط المنعطف ، وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين ، وإن كانت تلي وسط الورقة إن اتسعت له ، وليكتبه صاعدا إلى أعلى الورقة لا نازلا به إلى



(14) القاضي عياض . مصدر سابق : ص 189 .
(15) ياقوت الحموي . معجم الأدباء . تحقيق : مرجليوث . القاهرة : مطبوعات دار المأمون ، 19 / 167 .



(199)
أسفل) (16) .
أما في حالة الزيادة ، فقد قرروا بأنه (إذا وقع في الكتاب ما ليس منه ، فإنه ينفى عنه بالضرب ، أو الحك ، أو المحو ، أو غير ذلك ، والضرب خير من الحك والمحو) (17) والمعروف بينهم أن (أجود الضرب أن لا يطمس المضروب عليه ، بل يخط من فوقه خطا جيدا بينا يدل على إبطاله ، ويقرأ من تحته ما خط عليه) (18) .
وفي مورد الحروف المتشابهة ، وغيرها من الموارد التي توجب الالتباس حين قراءة النص ، أكد القدماء على أن يعجم المعجم من الحروف ، ويضبط اللفظ ويشكل بعلامات الشكل المعروفة ، كما نص على ذلك العلموي بقوله :
(وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح ، أو على شيخ ، فينبغي أن يعجم المعجم ، ويشكل المشكل ، ويضبط الملتبس ، ويتفقد مواضع التصحيف) (19).
وخشية وقوع التصحيف والإبهام دأب القدماء في بعض مصنفاتهم على ضبط الأحرف المتشابهة بالكلمات ، فتجدهم يثبتون الفرق بين الحاء والجيم والخاء مثلا ، بقولهم عن الأولى ب‍ (المهملة) ، والثانية ب‍ (المنقوطة من تحت) ، والثالثة ب‍ (المنقوطة من فوق) وهو يمثل درجة عالية من الاحتراز عن الغموض والإبهام في قراءة النص .
وربما لجأ بعضهم إلى أساليب أخرى لتجنب أي شكل من أشكال عدم وضوح الكتابة ، فقد أفاد القاضي عياض ، بأنه ينبغي للناسخ أن يحدد برمز خاص الحرف المهمل أيضا ، باعتبار أن غير المهمل يتحدد من خلال النقاط



(16) ابن الصلاح . مصدر سابق : ص 193 ـ 194 .
(17) ن . م : 198 .
(18) ن . م : 199 .
(19) العلموي . مصدر سابق : ص 135 .



(200)
من فوق أو تحت ، إذ يقول :
(وكما نأمره بنقط ما ينقط للبيان ، كذلك نأمره بتبيين المهمل ، بجعل علامة الاهمال تحته ، فيجعل تحت الحاء حاء صغيرة ، وكذلك تحت العين عينا صغيرة ، وكذلك الصاد والطاء والدال والراء ، وهو عمل بعض أهل المشرق والأندلس . . . ومنهم من يقلب النقط في المهملات ، فيجعله أسفل ، علامة لإهماله) (20) .
تلك إشارات سريعة أفصحت عن بعض الملامح من منهج القدماء في صيانة التراث والحفاظ عليه ، والدقة والأمانة في نقله وتداوله ، وهذا المنهج الذي ولد في أحضان التراث ، استجاب في عصر الكتاب المخطوط وقبل ظهور الطباعة ، لحاجة ماسة في نفي التصحيف عن المخطوطات ، وتطابقها مع الأصل الذي كتبه المؤلف ، وحمايتها من أية محاولات غادرة للسطو ، أو التشويه ، أو لانتحال .
ومما لا شك فيه أن وصول عدد جيد من الكتب المخطوطة من تراث العصر الإسلامي الأول ، بصورة سالمة وصحيحة ، ما كان له أن يتم لولا العناية الفائقة المستندة إلى قواعد وتقاليد علمية دقيقة ، في نسخ الكتاب ، ومقابلته على الأصل ، والأمانة في تلقيه ونقله للآخرين .
     بداية نشر التراث العربي الإسلامي وصلنا عدد وفير من المخطوطات العربية ، قدرة البعض بنحو ثلاثة ملايين نسخة ، منتشرة في خزائن المخطوطات في مختلف أنحاء العالم ، وتشتمل هذه المخطوطات على مؤلفات في التفسير وعلوم القرآن ، والحديث



(20) القاضي عياض . مصدر سابق : ص 157 .



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007