|
|
 |
| العدد 35 و 36 > تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات > |
تشييد المراجعات
وتفنيد المكابرات
(1)
السيد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين .
وبعد :
فهذه بحوث وضعتها تشييدا للمراجعات ، بتوضيح أو تعليق أو تذييل ، وتفنيدا لما يكون حولها من مكابرات ، عن تعصب أو جهل أو تضليل ، والله أسأل أن ينفع بها كما نفع بأصلها ، وأن يجعلها وسيلة لهداية من كان أهلا لها ، إنه سميع مجيب .
(129)
تمهيد :
لا ريب في أن البحث وتبادل الآراء خير طريق لتبيين الواقع ، وكشف الحقيقة ، وتنوير الفكر ، ونشر العقيدة . . . وقد كان السنة الجارية لدى الأنبياء والأولياء وسائر المصلحين والعقلاء . . . وله أصول وقواعد وآداب ، كانوا ولا يزالون يلتزمون بها ويمشون عليها في كافة مجالات المناظرة والجدل .
وإن من أولى تلك القواعد والأصول ـ بعد رعاية الأدب واجتناب الهوى والتعصب ـ هو التكلم على ضوء الأدلة المقبولة عند الطرفين ، واستدلال كل منهما بما ورد عند الطرف المقابل وما جاء عن طريقه وكان مقبولا لديه . . . لأن هذا أقوى حجة على الخصم ، وأمتن استدلالا في العقل السليم والمنطق الصحيح .
ولقد دأب علماؤنا الأعلام منذ قديم الأيام على اتباع هذا الأسلوب في مؤلفاتهم ومناظراتهم ، كما لا يخفى على الباحث الخبير ، وكان ذلك من أهم عوامل تقدم المذهب الحق وإقبال الأمم عليه ، كما كان من أهم أسباب عجز الآخرين عن الجواب والرد ، فما كان منهم إلا التسليم والإذعان ، أو الكذب والشتم والبهتان .
لينظر المنصف إلى استدلالات مشايخ الطائفة وأساطين المذهب ، كالشيخ المفيد البغدادي ، والسيد المرتضى الموسوي ، والشيخ الطوسي ، والعلامة الحلي . . . ونظرائهم . . . ليجد صدق النية ، ونزاهة البحث ، ومتانة الاحتجاج القائم على الأسس القويمة من الكتاب العزيز ، والسنة الثابتة ، والعقل السليم . . .
وكانت هذه طريقة السيد شرف الدين في آثاره الخالدة . . .
(130)
شخصية السيد شرف الدين :
وهو ـ كما هو معروف ـ علم من أعلام الأمة ، ومن كبار المجتهدين الأفذاذ ، كما تشهد بذلك آثاره في الفقه والأصول وغيرهما .
وبطل من أبطال العلم ، المرجوع إليهم في المسائل المختلفة في شتى العلوم الإسلامية . . . من الفقه والأصول والتفسير والحديث والكلام . . .
وزعم من زعماء الاصلاح في المجتع الإسلامي ، كما تشهد بذلك مشاريعه الثقافية ومؤسساته الاجتماعية ، من مدارس وجوامع . . .
وقائد من قواد النضال والكفاح ضد الاستعمار الأجنبي ، حتى أنه شرد عن وطنه بأهله وذويه ، ثم تفرقوا في البلدان ، ونزل هو دمشق ففلسطين فمصر ، وصودر ثقله ، وأحرقت مكتبته ، في قضايا مفصلة سجلها له التاريخ .
وأما آثاره فكثيرة . . . لها المكانة المرموقة بين آثار علمائنا الأعلام في العصر الحاضر ، جمعت الدقة في البيان إلى المتانة في الأسلوب والاستيعاب الشامل ، فما تطرق إلى مسألة إلا وأشبعها بحثا وتحقيقا ، وما تعرض لمشكلة إلا وعالجها العلاج الناجع التام .
وتتجلى عظمته وإحاطته في مؤلفاته في المسائل الخلافية ، وفي تحقيقاته التاريخية والرجالية ، وفي ما كتبه في الدفاع عن الإسلام ومذهب أهل البيت عليهم السلام .
وقد وقوبل هذا المحقق العظيم بما قوبل به أسلافه ، فأكثر المسلمين يقدرون جهوده ، ويقرأون كتبه ، ويشكرون أياديه ، ويثمنون مساعيه ، حتى طبعت كتبه عشرات المرات ، وترجمت إلى شتى اللغات . . . وأقبلت عليها الجماهير من جميع الجهات . ومن الناس من لا يتحمل رواج تلك الكتب غير القابلة للرد ، وتأثيرها في القلوب المستعدة للهداية والرشاد ، فحاولوا إطفاء ذلك النور بالسب والشتم والكذب والزور . . .
(131)
أشهر مؤلفاته :
ومن أشهر كتبه القيمة الجامعة بين الموضوعية والدقة ، والأناقة والرقة ، والعمق والرفعة :
كتاب أبو هريرة : وهو كتاب فريد في بابه ، تناول أبا هريرة الدوسي وأحاديثه الكثيرة المروية في كتابي البخاري ومسلم وغيرهما من أسفار أهل السنة ، بالبحث والتحقيق الموضوعي . وقد أثار بعض كتاب القوم ضجة شديدة حوله ، لأنه في الحقيقة ينسف أهم أسسهم في الأصول والفروع ، أعني الأمرين المشهورين للذين لا أصل لهما ـ وكم من مشهور لا أصل له ـ وهما : مسألة عدالة الصحابة أجمعين ، ومسألة صحة أحاديث كتابي البخاري ومسلم ، الموسومين بالصحيحين .
وكتاب النص والاجتهاد : وهو كتاب فقهي ، أصولي ، حديثي ، كلامي ، تاريخي . . . جمع فيه موارد كثيرة من مفارقات ومعارضات جماعة من الصحابة ـ الذين يقتدي بهم أهل السنة في الأصول والفروع ـ للكتاب والسنة الثابتة ، معتمدا على أوثق كتب القوم وأهم مصادرهم .
وكتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة : وهو كتاب جليل من أحسن الكتب الكلامية ، استعرض فيه بعض المسائل الخلافية بين الشيعة والسنة ، موضحا أن السنة هم الذين خالفوا في معتقداتهم ما تقتضيه الأدلة ويقرره الكتاب والسنة ، وأنه إذا ما رجعوا إلى الله والرسول ، ونبذوا أتباع غير من أمروا بأتباعه ، عادت الأمة إلى الوئام واتفقت كلمة أهل الإسلام .
وكتاب المراجعات : فقد كانت للسيد ـ رحمه الله ـ في سنة 1329 ه رحلة علمية إلى مصر ، اجتمع خلالها برجالات العلم ، وأصحاب الفضيلة في تلك الديار ، وعقدت بينه وبين شيخ الأزهر يومذاك الشيخ سليم البشري المالكي اجتماعات متوالية ، تداولا فيها جوانب الحديث في أمهات المسائل
(132)
الدينية ، وكان من نتاجها (المراجعات) وطبعت سنة 1355 ه .
كلام السيد في مقدمة المراجعات :
ويقول السيد في مقدمة هذا الكتاب :
(هذه صحف لم تكتب اليوم ، وفكر لم تولد حديثا ، وإنما هي صحف انتظمت منذ زمن يربو على ربع قرن ، وكادت يومئذ أن تبرز بروزها اليوم ، لكن الحوادث والكوارث كانت حواجز قوية عرقلت خطاها . . .
أما فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعاته سبقا بعيدا ، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب ، التماع البرق في طيات السحاب ، وتغلي في دمي غليان الغيرة ، تتطلع إلى سبيل سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم . . .
ضقت ذرعا بهذا ، وامتلأت بحمله هما ، فهبطت مصر أواخر سنة 1329 مؤملا في (نيله) نيل الأمنية التي أنشدها ، وكنت ألهمت أني موفق لبعض ما أريد . . .
وهناك ـ على نعمى الحال ، ورخاء البال ، وابتهاج النفس ـ جمعني الحظ السعيد بعلم من أعلامها البارزين ، بعقل واسع ، وخلق وادع ، وفؤاد حي ، وعلم عيلم ، ومنزل رفيع ، يتبوأه بزعامته الدينية ، بحق وأهلية . . .
فكان مما اتفقنا عليه . . . أن أعظم وقع بين الأمة : اختلافهم في الإمامة . . . ولو أن كلا من الطائفتين نظرت في بينات الأخرى ـ نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم ـ لحصحص الحق وظهر الصبح لذي عينين .
وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذا المسألة ، بالنظر في أدلة الطائفتين ، فنفهمها فهما صحيحا ، من حيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد ، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات ، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته ، فنلمسها لمسا ، فلعل ذلك يلفت
(133)
أذهان المسلمين ، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق ، فيكون حدا ينتهي إليه إن شاء الله تعالى .
لذلك قررنا أن يتقدم هو بالسؤال خطا عما يريد ، فأقدم له الجواب بخطي ، على الشروط الصحيحة ، مؤيدا بالعقل أو بالنقل الصحيح عند الفريقين .
وجرت بتوفيق الله عز وجل على هذا مراجعاتنا كلها ، وكنا أردنا يومئذ طبعها لنتمتع بنتيجة عملنا الخالص لوجه الله عز وجل ، لكن الأيام الجائرة ، والأقدار الغالبة اجتاحت العزم على ذلك ، ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي .
وأنا لا أدعي أن هذه الصحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ بيننا ، ولا أن شيئا من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي ، فإن الحوادث التي أخرت طبعها فرقت وضعها أيضا كما قلنا .
غير أن المحاكمات في المسائل التي جرت بيننا موجودة بين هاتين الدفتين بحذافيرها ، مع زيادات اقتضتها الحال ، ودعا إليها النصح والإرشاد ، وربما جر إليها السياق على نحو لا يخل بما كان بيننا من الاتفاق) .
أقول :
والنقاط الأساسية في هذه المقدمة هي :
1 ـ إن هذه المراجعات وقعت بين السيد والشيخ ، وأنهما قررا أن يتقدم الشيخ بالسؤال خطا عما يريد ، فيقدم له السيد الجواب بخطه ، على الشروط الصحيحة المقررة بينهما .
2 ـ إن هذه المراجعات كانت معدة للطبع يومذاك ، وكادت أن تبرز بروزها اليوم ، لكن الحوادث والكوارث هي التي حجزت عن ذلك .
3 ـ إن الحوادث التي أخرت طبع هذه المراجعات فرقت وضعها أيضا ، فألفاظها كلها بقلم السيد ، حاكية للمحاكمات التي جرت بينه وبين الشيخ
(134)
بحذافيرها .
وذكر قدس سره سفره إلى مصر بترجمته لنفسه حين شرح أسفاره :
(في مصر :
. . . كنت أحب ـ فيما أحب ـ أن أزور مصر وأقف على أعلامها لأخذ العلم عنهم ، ولأبلو ما يبلغني عن الجامع الأزهر ذلك المعهد الجليل . وظلت هذه الأمنية كامنة في نفسي حتى حفزها خالي المرحوم السيد محمد حسين في أواخر سنة 1329 ، حين زارنا في عاملة . . .
وقد بدأت هذه الجولة بالحضور في دورة الشيخ سليم البشري المالكي ـ شيخ الأزهر يومذاك ـ وكان يشرف على طلابه من منبره وهو منطلق في درسه انطلاقا يلحظ فيه توفره وضلاعته فيما هو فيه . وكان يلقي درسا في مسند الإمام الشافعي . . . حضرت درسه لأول مرة . . . وعرض لي أثناء الدرس ما يوجب المناقشة فناقشته ، ثم علمت بعدئذ أن المناقشة وقت المحاضرة ليست من الدراسة الأزهرية ، فكنت بعدها أفضي إليه بعد الدرس بما عندي من المسائل الجديرة بالبحث والمذاكرة .
وقد كانت مناقشتي الأولى ـ في كل حال ـ سببا في اتصال المودة بيني وبينه ، وسبيلا إلى الاحترام المتبادل ، ثم طالت الاجتماعات بيننا ، وتشاجنت الأحاديث وتشعب البحث بما سجلناه في كتابنا : المراجعات . ولو لم يكن من آثار هذه الزيارة إلا هذا الكتاب لكانت جديرة بأن تكون خالدة الأثر في حياتي على الأقل .
ولعل الكتاب يصور بعض الأجواء العلمية التي تفيأناها يومئذ مطلقين في آفاقها ، منطلقين من القيود الكثيرة التي كانت توثق الأفكار آنذاك برجعيات يضيق صدرها حتى بالمناقشة البريئة والتفكير الصحيح .
ومهما يكن من أمر ، فقد نعمنا بمصر في خدمة هذا الشيخ ، واتصلنا بغيره من أعلام مصر المبرزين ، إذ زارونا وزرناهم ، أخص منهم العلامتين :
(135)
الشيخ محمد السملوطي والشيخ محمد بخيت . وقد نجمت هذه الاجتماعات الكريمة عن فوائد جمة . . .
وعلى كل حال ، فقد غادرت مصر وأنا أحن إليها ، وأتزيد من اللبث فيها ، ولم أغادرها قبل أن يتحفني أعلامها الثلاثة ـ البشري بخيت والسملوطي ـ بإجازات مفصلة عامة عن مشايخهم أجمع ، بطرقهم كلها المتصلة بجميع أرباب الكتب والمصنفات من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، في جميع العلوم ، عقلية ونقلية ، ولا سيما الصحاح الستة وموطأ مالك ومسند أحمد ومستدرك الحاكم ، وسائر المسانيد ، وكتب تفسير والكلام والفقه ، وبقية العلوم الإسلامية مطلقا .
وممن نعمنا بخدمته في مصر ، وتبادلنا معه الزيارات ، وكانت بيننا وبينه محاضرات ومناظرات ، في مسائل فقهية وأصولية وكلامية ، دلت على غزارة فضله ورسوخ قدمه في العلم والفضيلة : شيخنا الشيخ محمد عبد الحي ابن الشيخ عبد الكريم الكتاني الإدريسي الفاسي . وقد أجازني أيضا إجازة عامة وسعت طرقي في الرواية والحديث .
واطردت المراسلة بعد العودة إلى البلاد بيني وبين شيخنا البشري زمنا ، ثم طغت عليها الشواغل وكوارث الحرب العامة الأولى (1) .
وكان رجوعنا من مصر في جمادى الأولى سنة 1330) (2) .
وقال شارحا قصة (المراجعات) حين ذكر مؤلفاته :
(كتاب المراجعات ، أو : المناظرات الأزهرية والمباحثات المصرية . مجلد واحد ، يثبت رأي الإمامية في الإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ألفناه في مصر ، إذ أتيناها سنة 1329 ، فجمعنا الحظ السعيد
(1) أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1332 ه ، أي بعد رجوعه بسنتين فقط .
(2) بغية الراغبين 2 / 199 .
(136)
بإمامها الوحيد : الشيخ سليم البشري المالكي ، شيخ الجامع الأزهر في ذلك العهد ، حضرت درسه ، وأخذت عنه علما جما ، وكان عيلم علم ، وعلم حلم ، وكنت أختلف إلى منزله أخلو به في البحث عما لا يسعنا البحث عنه إلا في الخلوات ، وكان جل بحثنا هذا في الإمامة ، التي ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل عليها ، وقد فرضنا على أنفسنا أن نمعن النظر في البحث عن أدلتها ، متجردين من كل عاطفة سوى انتجاع الحقيقة والوصول إلى من طريقها المجمع على صحته .
وعلى هذا جرت مناظراتنا ومراجعاتنا ، وكانت خطية تبادلنا بها المراسلة إبراما ونقضا ، فجئته بالحجج الساطعة لا تترك خليجة ولا تدع وليجة ، فقابلها بالذود عن حياضها ، لا يألو في ذلك جهدا ولا يدخر وسعا . لكن الله عز وجل بهدايته وتوفيقه يسر لي ـ وله الحمد ـ درء كل شبهة ودحض كل إشكال ، حتى ظهر الصبح لذي عينين . . .
وكنت أردت يومئذ طبع تلك المراجعات ، وهي 112 مراجعة ، لكن الأقدار الغالبة أرجأت ذلك ، فلما نكبنا في حوادث سنة 1338 ـ كما سنفصله في محله ـ انتهبت مع سائر مؤلفاتي يوم صيح نهبا في دورنا .
وما أن فرج الله تعالى عنا ـ بفضله وكرمه ـ حتى استأنفت مضامينها بجميع مباحثاتها التي دارت بيننا ، فإذا هي بحذافيرها مدونة بين دفتي الكتاب ، مع زيادات لا تخل بما كان بيننا من المحاكمات ، على ما أوضحناه في مقدمة الكتاب ، والحمد لله ـ باعث من في القبور ـ على بعث هذا السفر النافع ونشره) (3) .
(3) بغية الراغبين في سلسة آل شرف الدين 2 / 98 . في ذكر مؤلفاته .
(137)
إهداء السيد كتاب المراجعات :
ثم إن السيد ـ رحمه الله ـ يهدي كتابه قائلا :
(وإني لأهدي كتابي هذا إلى أولي الألباب ، من كل علامة محقق ، وبحاثة مدقق ، لابس الحياة العلمية فمحص حقائقها ، ومن كل حافظ محدث جهبذ حجة في السنن والآثار ، وكل فيلسوف متضلع في علم الكلام ، وكل شاب حي مثقف حر قد تحلل من القيود وتملص من الأغلال ، ممن نؤملهم للحياة الجديدة والحرة .
فإن تقبله كل هؤلاء واستشعروا منه فائدة في أنفسهم ، فإني على خير وسعادة) .
رجاء السيد من القراء :
وذكر السيد كتاب (المراجعات) في المورد الأول من كتاب (النص والاجتهاد) فقال :
(ومن أراد التفصيل فعليه بكتابنا (المراجعات) إذ استقصينا البحث ثمة عن تلك النصوص ، وعن كل ما هو حولها مما يقوله الفريقان في هذا الموضوع ، تبادلنا ذلك مع شيخنا شيخ الإسلام ، ومربي العلماء الأعلام ، الشيخ سليم البشري المالكي ، شيخ الجامع الأزهر يومئذ ، رحمه الله تعالى ، أيام كنا في خدمته ، وكان إذ ذاك شيخ الأزهر ، فعني بي عنايته بحملة العلم عنه ، وجرت بيننا وبينه حول الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصوصها مناظرات ومراجعات خطية ، بذلنا الوسع فيها إيغالا في البحث والتمحيص ، وإمعانا فيما يوجبه الإنصاف والاعتراف بالحق ، فكانت تلك المراجعات ـ بيمن نقيبة الشيخ ـ سفرا من أنفع أسفار الحق ، يتجلى فيها الهدى بأجلى مظاهره ، والحمد لله على التوفيق .
(138)
وها هي تلك منتشرة في طول البلاد وعرضها ، تدعو إلى المناظرة بصدر شرحه الله للبحث ، وقلب واع لما يقوله الفريقان ، ورأي جميع ، ولب رصين ، فلا تفوتنكم أيها الباحثون .
نعم ، لي رجاء أنيطه بكم فلا تخيبوه ، أمعنوا في أهداف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراميه في أقواله وأفعاله ، التي هي محل البحث بيننا وبين الجمهور ، ولا تغلبنكم العاطفة على أفهامكم وعقولكم ، كالذين عاملوها معاملة المجمل أو المتشابه من القول ، لا يأبهون بشيء من صحتها ، ولا من صراحتها ، والله تعالى يقول : (إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون) (فأين تذهبون) أيها المسلمون (إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى)) (4) .
أقول :
لقد حقق أبناء الأمة الإسلامية رجاء السيد رحمه الله ، وتقبله الذين أهدى إليهم المراجعات بقبول حسن ، وأقبلوا عليها خير إقبال ، واستضاء بنورها الكثير منهم ، ورجعوا ببركتها إلى الأصل الديني المفروض عليهم .
وها هي ـ ولا تزال ـ منتشرة في طول البلاد وعرضها ، تدعو إلى المناظرة بصدر رحب شرحه الله للبحث ، كل طالب للحق ، باحث عن الحقيقة ، يريد الخير والصلاح والفلاح لنفسه وللأمة .
لكن (السنة) التي رسمها ابن تيمية في (منهاجه) لها أتباع في كل زمان ، تعلموا منه منطق السب والشتم والبهتان ـ وإن خالفوها في بعض الجهات ، وفي بعض الأحيان ـ (5) ولم نجد في كلامهم ـ هنا ـ كلمة تستحق الاصغاء والذكر ،
(4) النص والاجتهاد ـ الطبعة الثانية ـ : 54 .
(5) أعتقد أنه لو كان ابن تيمية في هذا العصر ، وانبرى للجواب عن (المراجعات) لأنكر قبل كل شيء سفر السيد إلى مصر ! والتقائه بالشيخ هناك ! بل أنكر وجود السيد والشيخ في هذا العالم !
(139)
إلا كلمة واحدة ، وهي : ما هي الحوادث والكوارث التي حالت دون نشر المراجعات في حياة الشيخ ؟ لماذا لم يذكر السيد منها ولو واحدة ؟ وهذا سؤال وجيه ، ولكن ليتهم طرحوه بأدب ووقار . . .
قال قائل منهم :
يقول قائلهم مفتتحا ما كتبه بعد البسملة والحمدلة :
(وبعد ، يعتبر كتاب المراجعات من أهم كتب الرافضة التي عرض فيها مؤلفه : عبد الحسين الموسوي ، مذهبه مذهب الرفض ، بصورة توهم الكثير من أهل السنة بصدق ما جاء فيها ، لا سيما أولئك الذين لم يسبق لهم معرفة عقيدة الرافضة وأصولهم ، وأساليبهم الخبيثة الماكرة ، والتي ترتكز على الأدلة الكاذبة الموضوعة ، والتلاعب بالأدلة الصحيحة ، سواء بالزيادة فيها أو الانقاص منها ، أو بتحميلها من المعاني ما لا تحتمله ، كل هذا يفعلون نصرة لمذهبهم ، وتأييدا لباطلهم . وهذا ما درج عليه الموسوي في كتابه (المراجعات) .
ولما كانت هذه المراجعات لا أصل لها من الصحة ، بل هي محض كذب وافتراء ، ولما مر على ظهور هذا الكتاب قرابة الثلاثين عاما (6) ، ولم نجد أحدا من علماء السنة قد رد على هذه المراجعات المكذوبة جملة وتفصيلا .
ولما كان هذا الكتاب قد أثر في بسطاء المسلمين وعامتهم ، جهلا منهم بعقيدة الرافضة وأصولهم المخالفة لأصول الإسلام الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة ، وظنا منهم بصدق هذه المراجعات ، غير مدركين تدليس وكذب صاحبها ، حيث أظهر موافقة شيخ الأزهر على كل ما عرضه من أدلة مكذوبة ، وفي الوقت نفسه لم يجدوا من يكشف لهم كذب هذه المراجعات ، ويبين لهم
ووجود مصر على وجه الأرض !
(6) المراجعات طبعت عام 1355 ه ، فقد مر على ظهورها حتى تاريخ ما كتبه هذا الرجل ـ وهو سنة 1406 ه ـ قرابة الخمسين عاما .
(140)
ما اشتملت عليه من زيغ وضلال .
ولما كان تحذير المسلمين من عدوهم ، وفضح كل الطوائف والفرق الخارجة على الإسلام أمرا واجبا على كل داعية ، بل هو من أعظم القربات إلى الله حتى يميزوا الخبيث من الطيب ، ويبينوا سبيل المجرمين .
لهذا كله نرى أنفسنا مضطرين لرد على كتاب المراجعات ، سائلين الله أن يجعل هذا خالصا لوجهه ، ودفاعا عن أوليائه ، ونصرة لدينه ، وغيرة على سنة نبيه).
أقول :
أولا : إننا عندما ننقل هذه المراجعات نرجو المعذرة من كل مسلم غيور متأدب بآداب الإسلام ، بل من كل إنسان متخلق بالأخلاق الفاضلة ، وخاصة من سيدنا (شرف الدين) قدس الله نفسه ، فإننا إنما أوردناها :
1 ـ ليتضح أن الذين يعادون الشيعة ، والتشيع إنما يعادون المسلمين والإسلام ، ولا يفرقون في الطعن بين أهل السنة وبين الشيعة ، وذلك لأن هذا الأسلوب من الكلام يشوه سمعة الدين والإسلام ، لدى أبناء الأديان الأخرى ، إذ يتوقعون أن هذا هو الخلق الإسلامي المحمدي ، وأن المسلمين ـ سواء الشيعة أو السنة ـ بمعزل عن الآداب الإنسانية والأخلاق الفاضلة .
على أنه ـ في نفس الوقت الذي يتهجم فيه على الشيعة ـ يطعن في علماء مذهبه ، وينسبهم إلى التهاون في أمر الدين والدفاع عن أولياء الله وسنة الرسول ، إذ لم يردوا على هذا الكتاب الذي أثر في بسطاء المسلمين وعامتهم ـ على حد تعبيره ـ ولم يكشفوا لهم كذب هذه المراجعات ! كما قال . . .
فهؤلاء ـ في الواقع ـ أناس يريدون الوقيعة بين المسلمين ، وإيجاد التباغض بينهم ، وضرب بعضهم ببعض ، حتى يكون الأعداء في راحة . . . فكونوا على حذر من هؤلاء ، وانتبهوا أيها المسلمون ! !
(141)
2 ـ للاستشهاد على ما ذكرنا ممن قبل ، من أن في الناس من لا يروقه قول الحق وبيان الحقيقة ، وحين لا يمكنه الرد المتين المستند إلى العقل والدين ، يتفوه بهذه الكلمات ، اقتداء بشيخ إسلامه ابن تيمية المشحون منهاجه بالأباطيل والافتراءات .
3 ـ للعلم بأن فيمن ينسب نفسه إلى السنة المحمدية ، ويزعم كونه (داعية) إليها (مدافعا) عنها (غيورا) عليها . . . أناسا غير منصفين بأدنى شيء من آدابها ، وليقارن بين كتابات هؤلاء وبين كتابات الشيعة .
4 ـ للتنبيه على أن من يفتتح ما كتبه بالتكفير والشتم والتضليل وغير ذلك لطائفة من المسلمين . . . لا يستبعد منه الكذب والخيانة والتدليس في أثناء ما كتبه وخلال البحوث .
5 ـ ولأنا سوف نعرض عن التعرض بشيء لأمثال هذه العبارات ـ وما أكثرها ـ في الكتاب .
وثانيا : إن السيد من كبار فقهاء الأمة الإسلامية ، ومن أعاظم علماء الطائفة الشيعية ، وكتابه (المراجعات) من المصادر المعتبرة لدى المسلمين حتى أن بعض علماء السنة المحققين ينقلون عنه ويعتمدون عليه ، قال العلامة الشيخ محمود أبو رية ـ من كبار علماء الأزهر المشاهير المحققين ـ في كلام له حول بعض الروايات : (وإذا أردت الوقوف على هذه الروايات فأرجع إلى كتاب المراجعات التي جرت بين العلامة شرف الدين الموسوي ـ رحمه الله ـ وبين الأستاذ الكبير الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر سابق) (7) .
وقد وصف الأستاذ عمر رضا كحالة السيد ومؤلفه بقوله :
(عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي . عالم فقيه مجتهد . ولد بالمشهد الكاظمي مستهل جمادى الآخرة ، وأخذ عن طائفة من علماء العراق ،
(7) أضواء على السنة المحمدية ، 404 .
|
|
|