|
|
 |
| العدد 32 و 33 > الإعراب في اصطلاح النحاة > |
(255)
الإعراب في اصطلاح النحاة
السيد علي حسن مطر
الإعراب لغة .
ذكر اللغويون والنحاة (1) للإعراب معاني كثيرة ، نورد منها ما يلي :
1 - الإبانة والإفصاح . يقال : أعرب الرجل عن نفسه ، إذا بين وأوضح ، ومنه الحديث : الثيب تعرب عن نفسها ، أي : تفصح .
2 - التغيير . يقال : فعلت كذا فما عرب علي أحد ، أي : فما غير علي أحد (2) .
3 - التحبب . ومنه العروب : المرأة المتحببة إلى زوجها ، وبه فسر قوله
(1) أ - لسان العرب ، ابن منظور محمد بن مكرم ، مادة (عرب) . ب - تاج العروس ، الزبيدي ، مادة (عرب) . ج - حاشية الصبان على شرح الأشموني 1 / 47 . د - همع الهوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبد السلام هارون ، عبد العال سالم مكرم ، 1 / 40 . (2) هكذا أورده في لسان العرب ، وفي تاج العروس : ما عير علي أحد ، وهو اشتباه ، إذ الفعل عير يتعدى لمفعوله الأول بنفسه لا بعلى ، قال في مختار الصحاح : وعيره كذا ، من التعيير ، أي التوبيخ ، والعامة تقول : عيره بكذا .
(256)
تعالى : * (عربا أترابا) * (3) .
4 - الإجالة . يقال : عربت الدابة ، أي : جالت في مرعاها . وأعربها صاحبها : أجالها .
5 - إزالة الفساد . يقال : أعربت الشئ إذا أزلت عربه ، أي فساده . " فكان كقولك : أعجمت الكتاب ، إذا أزلت عجمته " (4) .
6 - ويأتي مصدرا للفعل اللازم (أعرب) بمعنى تكلم بالعربية ، أو صارت له خيل عراب ، أو ولد له ولد عربي اللون ، أو تكلم بالفحش ، أو أعطى العربون .
ss="m">الإعراب اصطلاحا .
استعمل النحاة كلمة (الإعراب) في ثلاثة معان اصطلاحية ، وهي :
1 - ما يرادف النحو .
2 - تحليل الكلام نحويا .
3 - ما يقابل البناء . وسوف نتكلم على كل من هذه المصطلحات تباعا .
(3) سورة الواقعة - الآية 37 . (4) جمل الإعراب في شرح ملحة الإعراب ، ق 14 ، نقلا عن المصطلح النحوي لعوض حمد القوزي ، ص 15 .
(257)
أولا - الإعراب بالمعنى المرادف للنحو .
يبدو أن كلمة (الإعراب) كان مستعملة بمعنى النحو اصطلاحا في القرن الثالث للهجرة (5) ، لما وصلنا من قول الزجاج (ت 337 ه) : " ويسمى النحو إعرابا ، والإعراب نحوا سماعا ، لأن الغرض طلب علم واحد " (6) .
وهو ظاهر في أن استعمالها بهذا المعنى متقدم على زمن الزجاج . وقد استدل بعض الباحثين (7) بما روي من قول عمر بن الخطاب : : " وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب " (8) ، لإثبات تقدم استعمال (الإعراب) بهذا المعنى الاصطلاحي على (النحو) . ولو صحت هذه الرواية ، فلا بد من حمل كلمة (الإعراب) فيها على معناها اللغوي ، للقطع بتأخر ظهور علم النحو عن زمن عمر بن الخطاب . ومن المصادر القديمة التي وردت فيها كلمة (الإعراب) بمعنى (النحو) كتاب " ملحة الإعراب " للحريري صاحب المقامات (ت 576 ه) ، واستعملها ابن معطي (ت 628 ه) في كتابه " الفصول الخمسون " ، إذ قال : " إن غرض المبتدئ الراغب في علم الإعراب حصرته في خمسين فصلا " (9) .
(5) وقد ذكرت - اشتباها - في بحث " النحو في اللغة والاصطلاح النحوي " المنشور في العدد السابق على هذا العدد ، أن أقدم مصدر وردت فيه كلمة (الإعراب) بمعنى النحو هو كتاب " سر صناعة الإعراب " لابن جني (392 ه) . هذا مع الإشارة إلى أن هذا الكتاب يبحث في علم الصرف ولا يتعرض للمباحث النحوية إلا قليلا . (6) الايضاح في علل النحو ، أبو القاسم الزجاجي ، تحقيق الدكتور مازن المبارك ، ص 91 . (7) أ - المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري ، عوض حمد القوزي ، ص 14 . ب - أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي ، الدكتور فتحي عبد الفتاح الدجني ، ص 14 . (8) إنباه الرواة على أنباه النحاة ، القفطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 1 / 15 . (9) الفصول الخمسون ، يحيى بن معطي ، تحقيق محمود محمد الطناحي ، ص 149 .
(258)
ولم يعتن النحاة بصياغة تعريف للإعراب بهذا المعني ، ولعل ذلك اكتفاء منهم بتعريف مرادفه (النحو) .
ثانيا - الإعراب بمعنى تحليل الكلام نحويا .
أقدم من استعمل كلمة (الإعراب) بهذا المعنى - في حدود اطلاعي - هو الفراء (ت 207 ه) الذي استهل تفسيره للقرن الكريم بقوله : " تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانيه " (10) .
وتلاه النحاس (ت 238 ه) في كتابه " إعراب القرآن " ، ثم ابن خالويه (ت 370 ه) في كتابه " إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم " ، ومكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 ه) في كتابه " مشكل إعراب القرآن " . وثمة تفاوت بين القدماء والمتأخرين في عملية التحليل النحوي ، فقد كان اهتمام المتقدمين منصبا على الناحيتين الصرفية والنحوية معا ، كما نجده لدى ابن خالويه في إعرابه الاستعاذة ، إذ يقول : " أعوذ : فعل مضارع ، علامة مضارعته الهمزة ، وعلامة رفعه ضم آخره ، وهو فعل معتل ، لأن عين الفعل واو ، والأصل (أعوذ) على مثال (أفعل) فاستثقلوا الضمة على الواو ، فنقلت إلى العين ، فصارت أعوذ . . . إلى آخره " (11) .
أما المتأخرون فإنهم اقتصروا في عملية التحليل على بيان المعاني النحوية ، وما يعرض للمفردات والتراكيب من أحوال البناء والإعراب (بمعنى تعيير أواخر الكلم) والتقديم والتأخير إلى آخره .
(10) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفراء ، تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار 1 / 1 . (11) إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم ، الحسين بن أحمد بن خالويه ، ص 3 .
(259)
ولم يهتم المتقدمون بتعريف الإعراب بهذا المعنى رغم ممارستهم لعملية التحليل النحوي ، ولعل الدماميني (ت 837 ه) أول من عرفه بأنه " إجراء الألفاظ المركبة على ما تقتضيه صناعة العربية ، كما يقال : أعرب القصيدة ، إذا تتبع ألفاظها ، وبين كيفية جريها على علم النحو " (12) .
وتبعه على ذلك الشمني (ت 872 ه) فقال : الإعراب " تطبيق المركب على القواعد النحوية " (13) .
وقال الخضري : " ويطلق [ الإعراب ] على تطبيق الكلام على قواعد العربية . . . ومنه قولهم : أعرب (جاء زيد) ، وهذا الاطلاق اصطلاحي أيضا ، لأن العرب لم تكن تعرف تلك القواعد ، ولا تطبيق الكلام عليها ، وإنما تنطق به مطابقا لها سجية " (14) .
ثالثا - الإعراب بالمعنى المقابل للبناء . للنحاة اتجاهان في تعريف الإعراب بهذا المعنى ، فبعضهم يذهب إلى أن الإعراب أمر (معنوي) والعلامات دالة عليه ، والبعض الآخر يرى أنه أمر (لفظي) يتمثل في العلامات المتعاقبة على أواخر الكلم (15) .
(12) تحفة الغريب بشرح مغني اللبيب ، محمد بن أبي بكر الدماميني ، مطبوع على هامش المنصف من الكلام على مغني ابن هشام 1 / 9 . (13) المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ، أحمد بن محمد الشمني 1 / 9 . (14) حاشية محمد الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 36 . وانظر أيضا حاشية محمد الأمير الأزهري على المغني 1 / 3 ، وحاشية مصطفى الدسوقي على المغني 1 / 5 . (15) أ - شرح اللمحة البدرية في علم العربية ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر 1 / 235 236 . ب - حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 47 - 49 . ج - شرح كافية ابن الحاجب ، الرضي الأسترآبادي ، 1 / 18 . د - شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري ، 1 / 59 - 60 .
(260)
وسوف نعرف لكل من هذين الاتجاهين لنتعرف بداياته ، والمراحل التي قطعها حتى انتهى إلى صياغته الأخيرة .
تعريف الإعراب على الاتجاه الأول .
تمتد جذور هذا التعريف إلى سيبويه (ت 180 ه) ، فإنه عبر عن علامات الإعراب والبناء ب (مجاري أواخر الكلم) وقال : إنها ثمانية " يجمعهن في اللفظ أربعة أضرب : فالنصب والفتح في اللفظ ضرب واحد ، والجر والكسر فيه ضرب واحد ، وكذلك الرفع والضم ، والجزم والوقف . وإنما ذكرت لك ثمانية مجار ، لا فرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل - وليس شئ منها إلا وهو يزول عنه - وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه ، لغير شئ أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف ، وذلك الحرف حرف الإعراب " (16) .
والذي نستفيده من هذا الكلام .
أولا - أن القول بنظرية (العامل) في تفسير ظاهرة الإعراب ، كان موجودا لدي سيبويه والنحاة قبله ، ذلك لأن كتابه كان حصيلة الدراسات التي قام بها أساتذته أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي يونس بن حبيب البصري ، وغيرهما . ثانيا - أنه يستعمل كلمة (الإعراب) بوصفها عنوانا اصطلاحيا مقابلا للبناء ، لقوله : (وذلك الحرف حرف الإعراب) ، أي أنه يطلق لفظ الإعراب على
(16) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال سالم مكرم ، ، 1 / 13 .
(261)
الحركات العارضة على أواخر الكلم بسبب العوامل .
ثالثا - صحة ما نسب إلى سيبويه (17) من أن ظاهر كلامه أنه يعد الإعراب أمرا معنويا هو ما يحدثه العامل ، وأن الحركات تدل عليه . وواضح بن كلامه أنه يميز حركات الإعراب عن حركات البناء ، بأن الأولى تطرأ بسبب العامل ، إلا أن بعض النحاة ذكروا أن المراد بعروض الحركات بسبب العامل هو الاحتراز " مما قد يتحرك من المبنيات على السكون بغير حركة ، لالتقاء الساكنين ، أو لإلقاء حركة غيره عليه " (18) .
ولا مانع من تعميم قيد العروض بسبب العامل ، للاحتراز من الأمرين معا ، بل اعتبره المتأخرون قيدا احترازيا من جميع ما عدا حركات الإعراب ، قال السيوطي : " وقولنا (يجلبه العامل) ، احتراز من حركة الاتباع ، ومن حركة البناء ، ومن سائر الحركات " (19) .
وقد استعمل المبرد (ت 285 ه) : " الإعراب أن يتعاقب آخر الكلمة حركات ثلاث : ضم وفتح وكسر ، أو حركتان منهما فقط ، أو حركتان وسكون باختلاف العوامل " (21) . وهذا التعريف أقرب للصياغة الفنية من كلام سيبويه ، إضافة إلى أنه لا
(17) أ - شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق الدكتور عبد الله البركاتي ، 1 / 113 . ب - حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 48 . (18) شرح المفصل ، ابن يعيش ، 1 / 50 . (19) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، 1 / 41 . (20) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق الدكتور محمد عبد الخالق عصيمة ، 1 / 3 - 4 . (21) الموجز في النحو ، محمد بن السراج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي ، ص 28 .
(262)
يقصر مقتضى العامل على الحركات ، بل يضيف إليها السكون بوصفه علامة لجزم المضارع .
ولابن السراج تعريف ثان للإعراب (22) يوافق تعريفه المذكور مضمونا ، وإن خالفه لفظا ، إلا أنه لم يذكر فيه العامل ، ولم يصرح بأن ما يلحق المعرب من التغيير قد يكون سكونا . وعرفه أبو علي الفارسي (ت 377 ه) بقوله : " الإعراب : أن تختلف أواخر الكلمات لاختلاف العوامل " (23) .
وهذا التعريف يمثل الصياغة النهائية التي التزم بها من جاء بعده من أصحاب هذا الاتجاه ، وإن اختلفت تعريفاتهم لفظيا . فعبارة الجرجاني (ت 471 ه) : " الإعراب أن يختلف آخر الكلمة باختلاف العوامل في أولها " (24) .
ويلاحظ أن قوله (في أولها) ليس قيدا يحترز به عن شئ ، وإنما هو مجرد بيان لموضع العامل ، هذا إذا قصرنا العوامل على اللفظية ، وإلا فهناك العامل المعنوي كالابتداء ، بل هناك من يرى أن العامل قد يتأخر ، كمن يذهب إلى أن المبتدأ والخبر يرتفع كل منهما بالآخر ، فينبغي حذف العبارة المذكورة من آخر التعريف . وأما الزمخشري (ت 538 ه) فقد عرف الاسم المعرب بأنه " ما اختلفت آخره باختلاف العوامل ، لفظا - بحركة أو حرف - أو محلا " (25) .
وهو ظاهر في ذهابه إلى كون الإعراب أمرا معنويا هو اختلاف الآخر باختلاف العوامل ، لكنه يتميز بإشارته إلى أن الإعراب كما يكون بالحركات ،
(22) الأصول في النحو ، ابن السراج ، 1 / 56 . (23) الايضاح العضدي ، أبو علي الفارسي ، 1 / 11 . (24) الجمل ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر ، ص 6 . (25) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري ، ص 16 .
(263)
يكون بالحروف أيضا ، وإلى أن الإعراب قد لا يكون ظاهرا ، بل يكون محليا ، " فاحترز بذلك من الأسماء [ والأفعال ] التي لا يتبين فيها الإعراب ، وإنما يدرك البيان من العوامل قبلها " (26) ، وإن لوحظ عليه أنه لم يشر إلى اختلاف الآخر بالسكون أو الحذف . وقال ابن الخشاب (567 ه) : " وحده أنه تغير يلحق آخر الكلمة المعربة بحركة أو سكون لفظا أو تقديرا بتغير العوامل في أولها " (27) .
وقوله (بحركة أو سكون لفظا أو تقديرا) بيان للتعريف . وأما قوله (المعربة) فلا حاجة له ، لأن التغيير لا يلحق غيرها ، وأما قوله (في أولها) فيرد عليه ما لاحظناه عند التعقيب على تعريف الجرجاني ، على أنه لم يذكر الحرف ضمن علامات الإعراب . وقال ابن معطي (ت 628 ه) الإعراب تغير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها عند التركيب ، بحركات ظاهرة أو مقدرة ، أو بحروف ، أو بحذف الحركات ، أو بحذف الحروف " (28) .
وهو يمتاز بذكره للحذف ضمن علامات الإعراب ، وقوله (عند التركيب) توضيحي ، إذ لا وجود للعوامل دون تحقق التركيب . وقال ابن يعيش (ت 643 ه) : " الإعراب : الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم ، لتعاقب العوامل في أولها " (29) .
ولا يخفى أن قوله في صدر التعريف : (الإبانة عن المعاني) لا مدخلية له في أصل تعريف الإعراب ، وإنما هو بيان للهدف أو النتيجة منه ، ولا حاجة لقوله (في أولها) ، لما ذكرناه آنفا .
(26) شرح المفصل ، ابن يعيش ، 1 / 50 . (27) المرتجل ، عبد الله بن الخشاب ، تحقيق علي حيدر ، ص 34 . (28) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، ص 154 . (29) شرح المفصل ، ابن يعيش ، 1 / 72 .
(264)
وقال أبو حيان (ت 745 ه) : " الإعراب : تغير في الكلمة لعامل " (30) .
وهذه أخصر وأدق عبارة للتعريف ، وقد علق عليها ابن هشام (ت 761 ه) قائلا : " اعلم أن النحاة جرت عادتهم بالنص على محل الإعراب ، وهو الآخر ، وقد حاد المصنف عن هذه الطريقة فأبهم محله ، وليس ذلك بحسن ، وإن كان العامل لا يؤثر إلا في الآخر . وقد يقال : إن لما فعله وجها من الحسن ، لأن الإعراب قد يكون في غير الآخر ، وذلك في الأمثلة الخمسة ، نحو : تفعلان ، فإن عامة رفع الفعل هي النون وليست في الآخر ، ولكن في شئ اتصل بالآخر ، وهو الفاعل ، وإنما صح ذلك لتنزل الفعل والفاعل عندهم منزلة الكلمة الواحدة . والذي يظهر أن الأحسن أن يقال : تغير في الآخر أو ما ينزل منزلة الآخر ، أو يقال : في الآخر حقيقة أو مجازا " (31) .
إلا أن ابن هشام نفسه لم يلتزم بهذا الذي استحسنه عند تعريفه الإعراب ، وصرح أيضا بأن قوله (في آخر الكلمة) مجرد بيان لمحل الإعراب ، وأنه ليس ثمة آثار تجلبها العوامل في غير آخر الكلمة ليحترز عنها (32) .
ولأجل ذلك التزم السيوطي عند تعريفه الإعراب بصياغة ابن حيان ، بل بالغ في الاختصار فقال : الإعراب " التغيير لعامل ، لفظا أو تقديرا " (33) .
إلا أن من جاؤوا بعد السيوطي دأبوا عند تعريفهم للإعراب ، على القول : إنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها ، لفظا أو تقديرا (34) . وأود - قبل الانتقال إلى تعريف الإعراب على الاتجاه الثاني - أن أشير :
(30) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، 1 / 235 . (31) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، 1 / 239 . (32)
شرح شذور الذهب ، ابن هشام تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ص 33 - 34 . (33)
همع الهوامع ، 1 / 41 . (34)
أ - شرح التصريح على التوضيح ، الأزهري ، 1 / 46 - 47 . ب - حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 48 - 49 .
(265)
أولا - إلى أنني أعرضت عن ذكر بعض التعريفات على الاتجاه الأول لكونها تكرارا لما تقدم عليها كتعريف الحريري (ت 516 ه) - 35) ، وابن الأ الأنباري (ت 577 ه) (36) ، والمطرزي (ت 610 ه) (37) ، وابن عصفور (ت 669 ه) (38) .
ثانيا - إلى أن هناك تعريفات واضحة الضعف أخرت الكلام عليها ، حرصا على تسلسل الموضوع ، منها : 1 - تعريف الرماني (ت 384 ه) ، قال : الإعراب " تغيير آخر الاسم بعامل " (39) ، مع أن الإعراب لا يختص بالأسماء . 2 - تعريف ابن جني (ت 492 ه) قال : " الإعراب هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ " (40) ،
وقد أشرنا إلى أن هذا بيان للهدف أو النتيجة من الإعراب . ولابن جني تعريف ثان للإعراب ، وهو : " الإعراب ضد البناء في المعنى ومثله في اللفظ ، والفرق بينهما زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله ، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته " (41) .
وهذا الكلام ليس فنيا ، إذ أنه يعقد مقارنة بين الإعراب والبناء ، قبل أن يعرف بحقيقة كل منهما ، إذ ما هو الإعراب الذي يزول بتغير العامل ، وما هو البناء اللازم والحادث من غير عامل ؟ .
(35) شرح على متن ملحة الإعراب ، القاسم بن علي الحريري ، ص 11 . (36) أسرار العربية ، ابن الأنباري ، ص 19 . (37) المصباح في علم النحو ، المطرزي ، تحقيق الدكتور عبد الحميد السيد طلب ، ص 43 . (38) المقرب ، علي بن مؤمن بن عصفور ، تحقيق الدكتور أحمد عبد الستار الجواري ، 1 / 47 . (39) الحدود في النحو ، علي بن عيسى الرماني (ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني) ص 38 . (40) الخصائص ، أبو الفتح عثمان بن جني ، تحقيق محمد علي النجار ، 1 / 35 . (41) اللمع في العربية ، ابن جني ، تحقيق فائز فارس ، ص 10 .
(266)
تعريف الإعراب على الاتجاه الثاني . لعل منشأ هذا الاتجاه هو عملية (نقط المصحف) التي أنجزها أبو الأسود الدؤلي (ت 69 ه) (42) ، إذ استعان بكاتب حاذق ، وقال له : " إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، فإن رأيتني ضممت فمي ، فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف ، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة (43) فاجعل مكان النقطة نقطتين " (44) .
وتشير بعض المصادر إلى أن أبا الأسود نفسه هو الذي سمى هذا النقط المعبر عن حركات أواخر الكلم إعرابا ، وأنه قال قبل الشروع في النقط : " أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن " (45) . وقد تكون التسمية بنقط الإعراب حدثت في ما بعد ، تمييزا لنقط أبي الأسود عن نقط الاعجام الذي قام به بعد ذلك نصر بن عاصم (46) أو يحيى بن يعمر العدواني (47) ، كما ميزوا بينهما خطا بكتابة نقط الإعراب بلون أحمر ونقط
(42) أ - صبح الأعشى ، أحمد بن علي القلقشندي ، تحقيق محمد عبد الرسول إبراهيم ، 3 / 151 . ب - الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر ، 2 / 142 . (43) يريد بالغنة : التنوين . (44) أ - أخبار النحويين البصريين ، أبو سعيد السيرافي ، ص 16 . ب - نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، أبو البركات الأنباري ، ص 12 . (45) أ - صبح الأعشى ، القلقشندي ، 3 / 160 . ب - نزهة الألباء ، الأنباري ، ص 12 . (46) أ - وفيات الأعيان ، ابن خلكان ، 1 / 125 . ب - المحكم في نقط المصاحف ، أبو عمرو الداني ، تحقيق الدكتور عزة حسن ، ص 7 . (47) أ - طبقات النحويين واللغويين ، محمد بن الحسن الزبيدي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ص 29 . ب - المحكم في نقط المصاحف ، الداني ، ص 2 . وأنظر في الموردين أعلاه أيضا :
1 - الحلقة المفقودة في تاريخ النحو العربي ، الدكتور عبد العال سالم مكرم ، ص 52 - 53 .
2 - القرآن الكريم وأثره في النحو ، الدكتور عبد العال سالم مكرم ، ص 38 .
3 - تاريخ التمدن الإسلامي ، جرجي زيدان ، 3 / 56 .
(267)
الاعجام بلون أسود ، وبقي أمر كتابتهما على هذه الحال حتى مجئ الخليل ابن أحمد (175 ه) الذي أبدل نقط أبي الأسود بالحروف ، لأنه كان يرى أن الفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو (48) .
وقد استعمل الفراء (ت 207 ه) كلمة (الإعراب) بهذا المعنى ، فقال : " ومما كثر في كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا ، قولهم : أيش عندك ؟ فحذفوا إعراب (أي) وإحدى ياءيه " (49) ، وواضح أنه يريد بإعراب (أي) حركتها . وقال الزجاجي (ت 337 ه) : " إن النحويين لما رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركات تدل على المعاني وتبين عنها سموها إعرابا ، أي : بيانا ، وكأن البيان بها يكون " (50) .
وقال في مكان آخر : " والإعراب : الحركات المبينة عن معاني اللغة ، وليس كل حركة إعرابا " (51) .
وقال ابن فارس (ت 395 ه) : " فأما الإعراب فبه تميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين ، وذلك أن قائلا لو قال : (ما أحسن زيد) غير معرب . . . لم يوقف على مراده ، فإذا قال : (ما أحسن زيدا) أو (ما أحسن زيد) أو (ما أحسن زيد) (52) ، أبان الإعراب عن المعنى الذي يريده " (53) .
(48) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية ، المصدر السابق ، ص 266 - 267 . (49) معاني القرآن ، الفراء ، 1 / 2 . (50) الايضاح في علل النحو ، الزجاجي ، ص 91 - 92 . (51) الايضاح في علل النحو ، الزجاجي ، ص 91 - 92 . (52) " ما " الأولى تعجبية ، والثانية نافية ، والثالثة استفهامية . (53) أ - الصاحبي في فقه اللغة ، أحمد بن فارس ، تحقيق مصطفى الشويمي ، ص 90 - 191 . ب - المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، السيوطي ، تحقيق محمد أحمد جاد المولى ورفيقيه ، 1 / 329 .
(268)
ولعل أولى المحاولات لصياغة تعريف الإعراب على هذا الاتجاه بدأت في القرن السادس الهجري ، إذ قال أبو البقاء العكبري (ت 616 ه) : ذهب أكثر النحويين إلى أن الإعراب معنى يدل اللفظ عليه . وقال آخرون : هو لفظ دال على الفاعل والمفعول مثلا ، وهذا هو المختار عندي " (54) .
وقال الشلوبين (ت 645 ه) : " الإعراب حكم في آخر الكلمة يوجهه العامل " (55) .
ومراده ب (الحكم) الأثر في عبارة غيره . ويمثل هذا التعريف الصيغة النهائية التي أخذ بها من جاء بعد الشلوبين على اختلاف في العبائر . وقال ابن الحاجب (ت 646 ه) : " الإعراب هو ما اختلف آخر المعرب به (56) .
وقال الرضي في شرحه : إن المراد ب (ما) هو الحركات والحروف (57) .
ويلاحظ أن محقق كتاب " اللمحة البدرية " استدل على اختيار ابن الحاجب للتعريف اللفظي بما هو موجود في كتابه " الايضاح " من قوله : " الإعراب اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العامل " (58) ، وهو اشتباه منه ، لوضوح اندراج هذا التعريف في الاتجاه المعنوي الأول .
وقال ابن مالك (ت 672 ه) : " الإعراب ما جئ به لبيان مقتضى العامل ، من حركة أو حرف أو سكون أو حذف " (59) .
(54) مسائل خلافية في النحو ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق محمد خير الحلواني ، ص 110 . (55) التوطئة ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق يوسف أحمد المطوع ، ص 154 . (56) شرح كافية ابن الحاجب ، الرضي الأسترآبادي ، 1 / 18 . (57) شرح كافية ابن الحاجب ، الرضي الأسترآبادي ، 1 / 18 . (58) اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، 1 / 237 . (59) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص 7 .
(269)
وعقب عليه أبو حيان قائلا : " كان يكفي أن يقول : أو حذف ، لأن الحذف على قسمين : حذف حركة وحذف حرف " (60) .
وقال بن هشام (ت 761 ه) : " الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الاسم المتمكن والفعل المضارع " (61) ، أو هو " الشكل الذي يقع في أواخر الأسماء والأفعال " (62) .
ولو حظ عليه أن هذا الأثر لا يختص بالآخر ، ولأجله طرح السيوطي (ت 911 ه) صياغة أخرى ، فقال : " الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في محل الإعراب " (63) .
ثم شرحه بقوله : " إن المراد بالأثر الحركة والحرف والسكون والحذف . والمراد بالمقدر ما كان في المقصور ونحوه ، وأنه لم ينص على أن محل الإعراب هو آخر الكلمة ، لأنه ليس جزءا من الحد ، ولأن الإعراب قد يكون في غير الآخر ، وأن قوله " يجلبه العامل " احتراز من حركة الاتباع ، نحو : الحمد لله ، ومن حركة البناء ، ومن سائر الحركات (64) .
أقول : تعليله لعدم النص على أن محل الإعراب آخر الكلمة بأن الإعراب قد يكون في غير آخرها ، صحيح ، ولكن تعليله بأنه ليس جزءا من الحد ، قد يؤدي إلى النقض عليه بأن تقييده للأثر بأنه " ظاهر أو مقدر " ، ليس جزءا من الحد أيضا ، فلماذا نص عليه ؟ بل حتى قوله " في محل الإعراب كذلك أيضا ، وكان ينبغي له أن يحده بأنه : أثر من الكلمة يجلبه العامل (نظير ما فعله أبو حيان من تعريفه على الاتجاه الأول بأنه تغير في الكلمة لعامل) ، ثم
(60) شفاء العليل ، السلسيلي ، 1 / 113 . (61) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، ص 33 . (62) شرح جمل الزجاجي ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور علي محسن مال الله ، ص 92 . (63) همع الهوامع ، السيوطي ، 1 / 41 . (64) همع الهوامع ، السيوطي ، 1 / 41 .
(270)
يوكل إلى شرحه بيان أن هذا الأثر قد يكون حركة أو حرفا أو حذفا ، وقد يكون ظاهرا أو مقدرا ، وأن محله قد يكون آخر الكلمة أو غيره . والملاحظ على هذا الاتجاه اللفظي أنه لا يفترق عن الاتجاه المعنوي من جهة أن كليهما يلتزم بتفسير الإعراب على أساس العامل . وهناك من النحاة من رفض الأخذ بفكرة العامل ، كابن جني وابن مضاء القرطبي من القدماء ، والدكتورين إبراهيم مصطفى ومهدي المخزومي من المحدثين (65) .
قال ابن جني : " فأما في الحقيقة ومحصول الحديث ، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم ، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره " (66) ، وأيده على ذلك ابن مضاء (67) .
وذهب المحدثون إلى أن علامات الإعراب تقوم بتحديد الوظيفة اللغوية للكلمة أو الجملة (68) ، من كونها فاعلا أو مفعولا مثلا ، وعلى مذهبهم لا بد من تعريف الإعراب على الاتجاهين بأنه : تغيير في الكلمة ، أو أثر فيها ، يبين وظيفتهما في الجملة . بقي أن نختم الكلام بالإشارة إلى أن أنسب المعاني اللغوية المتقدمة للإعراب بمعانيه الاصطلاحية هو المعنى الأول ، أي : الإبانة والإفصاح ، ما عدا الاتجاه الأول للمصطلح الثالث ، فإن ما يناسبه من تلك المعاني ، هو : التغيير (69) .
(65) أ - في النحو العربي نقد وتوجيه ، الدكتور مهدي المخزومي ، ص 15 - 6 ، 62 . ب - في النحو العربي قواعد وتطبيق ، الدكتور مهدي المخزوم ، ص 5 ، 231 . (66) الخصائص ، ابن جني ، / 109 - 110 . (67) الرد على النحاة ، ابن مضاء القرطبي ، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنا ، ص 69 . (68) في النحو العربي ، نقد وتوجيه ، الدكتور مهدي المخزومي ، ص 67 . (69) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 47 .
(271)
تنبيهان
لقد وقعت أخطاء مطبعية في مقال " من أحوال النساخ في تراثنا العربي الإسلامي " المنشور في العدد 29 من مجلتنا هذه ، وهي :
| الصفحة و السطر |
الخطأ |
الصواب |
| 90 سطر العنوان |
لنساخ |
النساخ |
| 90 ه 2 س 2 |
العباس |
العباسي |
| 91 س 1 |
يعش |
يعيش |
| 93 قطعة 2 س 5 |
259 ، نحو الورقة |
259 نحو ، الورقة |
| 94 قطعة 3 س 4 |
العصا |
يحذف السواد |
| 95 قطعة 7 بيت 4 |
الأماني |
تحذف الشدة |
كما حصل سهو في نسبة كتاب " البلدان " في حقل " من أنباء التراث " ص 254 من العدد 28 ، فقد طبع سهوا أنه لابن الفقيه الهمداني الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف المعروف بابن الحائك ، والصواب هو : أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه . وذلك كما جاء في الورقة الأخيرة من كتاب " البلدان " لابن الفقيه ، وقد ذكره بهذا الاسم ابن النديم في الفهرست ، ص 171 ، ونقله عنه ياقوت في " معجم الأدباء " 4 / 191 - 200 ، كما ذكر بهذا الاسم في كتاب " تاريخ قم "
(272)
الذي هو أول من نقل فقرات من هذا الكتاب ، وانظر كذلك : معجم المطبوعات العربية والمعربة 1 / 73 .
أما عن وفاة المؤلف فهو ليس كما ذكر في العدد المذكور آنفا ، وإنما كان حيا في حدود سنة 340 ه ، بناء على ما ذكره ياقوت في معجم البلدان 1 / 787 .
(273)
|
|
|