(171)
من الأحاديث الموضوعة (9)
حديث الوصية بالثقلين : الكتاب والسنة
السيد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين .
أما بعد :
فهذه رسالة وضعتها في تحقيق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وسنتي) ولا سيما الذي جاء في بعض الكتب من أنه قال ذلك في خطبته في حجة الوداع . والله أسأل أن يوفقنا لتحقيق الحق واتباعه ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنه هو البر الرحيم .
(172)
(1) نصوص الخبر ورواته
إن خبر الثقلين (كتاب الله وسنتي) غير وارد إلا في كتب معدودة من كتب الحديث والسيرة : رواية مالك بن أنس : وإن أقدم رواة هذا الخبر - فيما نعلم - هو : مالك بن أنس - المتوفى سنة 179 ه - حيث جاء (في الموطأ) : (وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيه) (1) .
رواية ابن هشام :
وذكر ابن هشام - المتوفى سنة 218 ه - في كتابه (السيرة النبوية) الذي هذب فيه كتاب محمد بن إسحاق : خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ، وقد جاء فيها عنه أنه قال : (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، أمرا بينا : كتاب الله وسنة نبيه) (2) .
رواية الحاكم :
وأخرج الحاكم النيسابوري - المتوفى سنة 405 ه - قائلا :
(1) الموطأ بشرح السيوطي 2 / 208 . (2) سيرة ابن هشام 4 / 603 .
(173)
(حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أنبأ العباس بن الفضل الأسقاطي ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس . وأخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ، ثنا جدي ، ثنا ابن أبي أويس ، حدثني أبي ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال : يئس الشيطان أن يعبد بأرضكم ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم ، فاحذروا .
يا أيها الناس ، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، إن كل مسلم أخ المسلم ، المسلمون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ، ولا تظلموا ، ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
وقد احتج البخاري بأحاديث عكرمة ، واحتج مسلم بابن أبي أويس ، وسائر رواته متفق عليهم . وهذا الحديث لخطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متفق على إخراجه في الصحيح : يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم مسؤولون عني فيما أنتم قائلون ؟ . وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ، ويحتاج إليها . وقد وجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة : أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه ، أنبأ محمد بن عيسى بن السكن الواسطي ، ثنا داود بن عمرو الضبي ، ثنا صالح بن موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني تارك فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن
(174)
يتفرقا حتى يردا علي الحوض) (3) .
رواية البيهقي :
ورواه أبو بكر البيهقي - المتوفى سنة 458 ه - بقوله : (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ، ثنا جدي ، ثنا ابن أبي أويس ، ثنا أبي ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن بن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال : يا أيها الناس ، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه . أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ، أنبأ أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس ، ثنا عبد الكريم بن الهيثم ، أنبأ العباس بن الهيثم ، ثنا صالح ابن موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (4) .
رواية بن عبد البر :
ورواه ابن عبد البر القرطبي - المتوفى سنة 463 ه - بسندين (5) :
أحدهما : روايته الخبر بإسناده عن داود بن عمرو الضبي ، عن صالح بن
(3) المستدرك على الصحيحين 1 / 93 . (4) السنن الكبرى 10 / 114 . (5) لابن عبد البر كتابان حول أحادث الموطأ وأسانيده ذكرهما كاشف الظنون 2 / 1907 ، أحدهما : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، وهذا الذي أوردناه هو الحديث الثاني والثلاثون من البلاغات ، وهو منقول عن نسخة خطية ، ولم نتمكن من قراءة السند بكامله .
(175)
موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . . .
وهذا هو الذي أخرجه الحاكم وسنتكلم عليه .
والآخر : روايته التي وصل بها خبر (الموطأ) قائلا : (نا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : نا أحمد بن سعيد ، قال : نا محمد بن إبراهيم ، قال : نا علي بن زيد العرايضي ، قال : نا الحنيني ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم) .
رواية القاضي عياض :
ورواه القاضي عياض اليحصبي - المتوفى سنة 544 ه - بقوله :
(وقال عليه السلام فيما أخبرنا به القاضي أبو علي الحسين بن محمد - رحمه الله - قراءة مني عليه ، قال : أخبرنا الشيخ الإمام أبو الفضل أحمد بن أحمد الإصبهاني ، قال : أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، أخبرنا بنان بن أحمد القطان ، أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان ، أخبرنا شعيب بن إبراهيم ، أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبان بن إسحاق الأسدي ، عن الصباح بن محمد ، عن أبي حازم ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أيها الناس ، إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ، فلا تفسدوه ، وإنه لا تعمى أبصاركم ولن تزل أقدامكم ، ولن تقصر أيديكم ، ما أخذتم بهما) (6) .
(6) الالماع في ضبط الرواية وتقييد السماع : 8 - 9 .
(176)
رواية السيوطي :
ورواه جلال الدين السيوطي - المتوفى سنة 911 ه - في كتابه (الجامع الصغير) قال : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . ك عن أبي هريرة) (7) .
رواية المتقي الهندي :
وعقد الشيخ علي المتقي الهندي - المتوفى سنة 975 ه - في الجزء الأول من كتابه (كنز العمال) الباب الثاني في الاعتصام بالكتاب والسنة ، فأورد فيه الخبر كما يلي :
(875 - خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ، كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . أبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي هريرة .
876 - تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ، كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . ك عن أبي هريرة) . (941 - إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم . . . . ك عن ابن عباس) .
(954 - يا أيها الناس ، إني تارك فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه . ق عن ابن عباس .
955 - كتاب الله وسنتي ، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . أبو نصر السجزي في الإبانة . وقال : غريب جدا - عن أبي هريرة) .
(7) فيض القدير - شرح الجامع الصغير 3 / 240 .
(177)
(2) نظرات في أسانيد الخبر
قد ذكرنا أهم أسانيد الخبر في كتب القوم . . . وقبل الورود في النظر في أسانيده لا بد من أن نشير إلى أمور :
1 - إن هذا الخبر مما أعرض عنه البخاري ومسلم ولم يخرجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين ، وكم من حديث صحيح سندا لم يأخذ القوم به معتذرين باتفاق الشيخين على تركه !
2 - إنه خبر غير مخرج في شئ من سائر الكتب المعروفة عندهم بالصحاح ، فهو خبر اتفق أرباب الصحاح الستة وغيرهم على تركه !
3 - إنه خبر غير مخرج في شئ من المسانيد المعتبرة كمسند أحمد بن حنبل ، وقد نقلوا عن أحمد أن ما ليس في المسند فليس بصحيح !
4 - إنه قد صرح غير واحد من رواة هذا الخبر بغرابته ، قال الحاكم : (ذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب) وقد نص على صحة سنة الخطبة المشتملة على الاعتصام بالعترة ، وقال السجزي - كما في (كنز العمال) - : (غريب جدا) .
ثم لننظر في أسانيده في الكتب المذكورة :
سند الخبر في الموطأ :
وعمدة ما في هذا الباب هو رواية مالك في الموطأ ، وهنا بحوث ثلاثة :
الأول : البحث عن الموطأ . قال كاشف الظنون : (هو كتاب قديم مبارك ، قصد فيه جمع الصحيح ، لكن إنما جمع الصحيح عنده لا على
(178)
اصطلاح أهل الحديث ، لأنه يرى المراسيل والبلاغات صحيحة . كذا في النكت الوفية) (8) .
وقال السيوطي : (صرح الخطيب وغيره بأن (الموطأ) مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد) ثم قال : (فعلى هذا هو بعد صحيح الحاكم) (9) .
وقال السيوطي : (قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة : أحصيت ما في موطأ مالك ، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا ، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا ، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ضعيفة وهاها جمهور العلماء) (10) .
الثاني : ترجمة . ومالك بن أنس مقدوح مجروح من جهات ، نذكر بعضها باختصار :
1 - كونه من الخوارج . قال أبو العباس المبرد في بحث له حول الخوارج : (وكان عدة من الفقهاء ينسبون إليهم ، منهم عكرمة مولى ابن عباس ، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس ، ويروي الزبيريون : أن مالك بن أنس كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول : والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر) (11) .
2 - كونه من المدلسين . ذكر ذلك الخطيب البغدادي في أخبار بعض المدلسين (12) .
3 - اجتماعه بالأمراء وسكوته عن منكراتهم . فقد قال عبد الله بن أحمد :
(8) كشف الظنون 2 / 1907 . (9) تدريب الراوي 1 / 83 . (10) تنوير الحوالك 1 / 9 . (11) الكامل في الأدب 1 / 159 . (12) الكفاية في علم الرواية : 365 .
(179)
(سمعت أبي يقول : كان ابن أبي ذئب ومالك يحضران عند الأمراء ، فيتكلم ابن أبي ذئب ، يأمرهم وينهاهم ومالك ساكت . قال أبي : ابن أبي ذئب خير من مالك وأفضل) (13) .
4 - كان يتغنى بالآلات . حتى ذكر ذلك أبو الفرج الإصبهاني في كتابه (14) .
5 - تكلم الأئمة فيه . قال الخطيب البغدادي : (عابه جماعة من أهل العلم في زمانه) ثم ذكر : ابن أبي ذئب ، وعبد العزيز بن الماجشون ، وابن أبي حازم ، ومحمد بن إسحاق (15) .
وقال ابن عبد البر : (تكلم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره) (16) .
وممن تكلم فيه أيضا : إبراهيم بن سعد ، وكان يدعوا عليه ، وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم ، وابن أبي يحيى (17) .
الثالث : النظر في سند حديثه ، والحديث المذكور لا سند له في (الموطأ) ، قال السيوطي بشرحه : (وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده) (18) .
قلت : وسنتكلم على هذا السند في رواية ابن عبد البر ، فانتظر .
سند الخبر في سيرة ابن هشام :
وأما الخبر في سيرة ابن هشام فلا سند له كذلك ، غير إنه جاء فيها :
(13) العلل ومعرفة الرجال 1 / 179 . (14) الأغاني 2 / 75 . (15) تاريخ بغداد 10 / 224 . (16) جامع بيان العلم 2 / 157 . (17) جامع بيان العلم 2 / 158 . (18) تنوير الحوالك 2 / 208 .
(180)
(خطبة الرسول في حجة الوداع . قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم على حجه . . . وخطب الناس . . .) (19) .
وابن إسحاق مقدوح ومجروح كذلك عند أكثر العلماء الأعلام ، فقد رمي بالتدليس ، وبالقدر ، وبالتشيع ! وقال غير واحد منهم : سليمان التميمي ، ويحيى القطان ، ووهب بن خالد ، ومالك بن أنس (كذاب) (20) .
وإن شئت التفصيل فراجع ما ذكره الحافظ ابن سيد الناس - المتوفى سنة 734 ه - في مقدمة سيرته (عيون الأثر) . سند
الخبر في المستدرك :
وأما الخبر في المستدرك : * فالمدار في روايته عن ابن عباس على (إسماعيل بن أبي أويس) ونكتفي بالتكلم فيه . وهذه كلمات طائفة من أئمة الجرح والتعديل في هذا الرجل وهو ابن أخت مالك ونسيبه ، نوردها نقلا عن ابن حجر العسقلاني (21) :
قال معاوية بن صالح عن ابن معين : هو وأبوه ضعيفان . وعنه أيضا :
ابن أبي أويس يسرقان الحديث . وعنه :
مخلط ، يكذب ، ليس بشئ . وقال النسائي :
ضعيف . وقال في موضع آخر :
غير ثقة . وقال اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له ما لم يبن لغيره ،
لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف . وقال ابن عدي : روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد .
(19) السيرة النبوية 4 / 603 . (20) لاحظ ترجمته في الكتب الرجالية . (21) تهذيب التهذيب 1 / 271 .
(181)
وقال الدولابي في الضعفاء : سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول :
ابن أبي أويس كذاب ، كان يحدث عن مالك بمسائل بن وهب .
وقال العقيلي في الضعفاء :
ثنا أسامة الزفاف بصري ، سمعت يحيى بن معين يقول :
ابن أبي أويس لا يسوى فلسين . وقال الدارقطني :
لا أختاره في الصحيح . وقال ابن حزم في (المحلى) :
قال أبو الفتح الأزدي :
حدثني سيف بن محمد : أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث .
قال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شئ فيما بينهم .
* وفي سند روايته عن أبي هريرة : (صالح بن موسى الطلحي الكوفي) وهذه كلمات أئمتهم فيه نوردها نقلا عن ابن حجر العسقلاني كذلك (22) : قال ابن معين : ليس بشئ .
وقال أيضا : صالح وإسحاق ابنا موسى : ليسا بشئ ، ولا يكتب حديثهما . وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين :
ليس بثقة . وقال الجوزجاني : ضعيف الحديث على حسنه .
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : ضعيف الحديث جدا ، كثير المناكير عن الثقات قلت :
يكتب حديثه ؟ قال : ليس يعجبني حديثه .
وقال البخاري : منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح .
وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، ضعيف . وقال في موضع آخر : متروك الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ، وهو عندي ممن لا
(22) تهذيب التهذيب 4 / 354 .
(182)
يتعمد الكذب ، وليس يشبه عليه ويخطئ ، وأكثر ما يرويه عن جده من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد . وقال الترمذي : تكلم فيه بعض أهل العلم . وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عنه وقال :
ما أدري . كأنه لم يرضه . وقال العقيلي : لا يتابع على شئ من حديثه . وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أو مقلوبة ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال أبو نعيم : متروك ، يروي المناكير) .
سند الخبر في سنن البيهقي :
وأما سند الخبر في سنن البيهقي ، فقد رواه بإسناده عن ابن عباس وأبي هريرة . أما الأول فمشتمل على (ابن أبي أويس) وأما الثاني فمشتمل على (صالح بن موسى الطلحي) وقد عرفتهما . وعلى الجملة ، فقد تقدم الكلام على السندين في رواية الحاكم .
سند الخبر في التمهيد :
وأما الخبر في (التمهيد) لابن عبد البر ، ففي سنده غير واحد من المجروحين ، ولكن يكفي النظر في ترجمة (كثير بن عبد الله) - الذي وصل ابن عبد البر الخبر من حديثه - كما ذكر ابن حجر العسقلاني (23) :
قال أبو طالب عن أحمد : منكر الحديث ، ليس بشئ . وقال عبد الله بن أحمد : ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في المسند ولم يحدثنا عنه .
(23) تهذيب التهذيب 8 / 377 .
(183)
وقال أبو خثيمة : قال لي أحمد : لا تحدث عنه شيئا .
وقال الدوري عن ابن معين : لجده صحبة ، وهو ضعيف الحديث .
وقال مرة : ليس بشئ . وكذا
قال الدارمي عنه .
وقال الآجري : سئل أبو داود عنه
فقال : أحد الكذابين .
وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه
فقال : واهي الحديث .
وقال أبو حاتم : ليس بالمتين .
وقال النسائي في موضع آخر : ليس بثقة .
وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه .
وقال أبو نعيم : ضعفه علي بن المدني .
وقال ابن سعد : كان قليل الحديث ، يستضعف .
وقال ابن حجر : ضعفه الساجي .
وقال ابن عبد البر : ضعيف ، بل ذكر أنه مجمع على ضعفه . فهذه كلمات في جرح الرجل .
بل يكفي منها قول بن عبد البر : مجمع على ضعفه .
مضافا إلى أنه يرويه عن أبيه عن جده ، وقد قال ابن حبان : روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجب . وقال ابن السكن : يروي عن أبيه عن جده أحاديث فيها نظر . وقال الحاكم : حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير .
سند الخبر في الإلماع :
وأما سند الخبر في (الإلماع) ففيه غير واحد من الضعفاء والمجروحين فإن (شعيب بن إبراهيم) رواية كتب (سيف بن عمر) جرحه ابن عدي وقال
(184)
ليس بالمعروف (24) . و (أبان بن إسحاق الأسدي) قال الأزدي : (متروك الحديث) (25) و (الصباح بن محمد الأحمسي) لم يرو عنه إلا الترمذي ، فقد روى عنه مرة عن ابن مسعود حديثا واستغربه . وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات ، وقال العقيلي : حديثه وهم ، ويرفع الموقوف (26) .
لكن يكفي وجود (سيف بن عمر) في إسناده ، فإنه - كما ذكر ابن حجر العسقلاني (27) - :
وقال ابن معين : ضعيف الحديث .
وقال أبو حاتم : متروك الحديث .
وقال أبو داود : ليس بشئ .
وقال النسائي : ضعيف .
وقال الدارقطني : ضعيف .
وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة ، وعامتها منكرة لم يتابع عليها .
وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات .
قال : وقالوا : إنه كان يضع الحديث . وقال ابن حجر : بقية كلام ابن حبان : اتهم بالزندقة . وقال البرقاني عن الدارقطني : متروك . وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط . سند الخبر في الجامع الصغير : وأما الخبر في (الجامع الصغير) فهو عن المستدرك للحاكم ، وقد تكلمنا
(24) لسان الميزان 3 / 145 . (25) تهذيب التهذيب 1 / 81 . (26) تهذيب التهذيب 4 / 358 . (27) تهذيب التهذيب 4 / 259 .
(185)
عليه بالتفصيل فلا نعيد .
سند الخبر في كنز العمال :
وأما المتقي الهندي فأورده عن الحاكم وأبي بكر الشافعي عن أبي هريرة .
وقد عرفت حال الحديث عن أبي هريرة .
وكذا أورده عن الحاكم عن ابن عباس .
وقد عرفت حاله .
وأورده عن البيهقي عن ابن عباس .
وقد عرفت حاله .
وأورده عن الإبانة عن أبي هريرة .
وقد نقل هو عن صاحب الإبانة التصريح بأنه غريب جدا ،
على أنه عن أبي هريرة .
(186)
(3) تأملات في لفظ الخبر ومدلوله
قد عرفت أن الخبر بلفظ (الثقلين) وما شابهه لا أصل له ، إذ لا أثر للوصية بالكتاب والسنة بلفظ (الثقلين) ونحوه ، لا في الصحاح ولا في المسانيد ، وأن الأخبار الواردة في بعض الكتب - وعمدتها (الموطأ) و (المستدرك) - لا أساس لها من الصحة . . . لا سيما ما جاء - في شاذ منها - من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك في خطبته في حجة الوداع . وأغلب الظن أن الغرض من وضع هذا الخبر بهذه الألفاظ هو المقابلة والمعارضة به لحديث الثقلين المتفق عليه بين المسلمين ، المقطوع بصدوره عن رسول رب العالمين ، الذي قاله في غير ما موقف ومن أشهرها حجة الوداع في خطبته المعروفة ، حيث أوصى بالكتاب والعترة ، وأمر باتباعهما ، وحذر من مخالفتهما ، وأكد على أن الأمة سوف لن تضل ما دامت متمسكة بهما ، وأنهما لن يتفرقا حتر يردا عليه الحوض . هذا الحديث الذي من رواته : مسلم بن الحجاج ، وأحمد بن حنبل ، والترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والنسائي ، والحاكم ، والطبري ، والطبراني . . . ومئات من الأئمة والحفاظ في القرون المختلفة ، يروونه عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بطرق كثيرة أفرد بعض كبار العلماء كتابا جمع طرقه . هذا الحديث الذي يدل بوضوح على وجوب اتباع الأمة أئمة العترة من أهل البيت عليهم السلام في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية . ولثبوت هذا الحديث سندا ووضوح دلالته على إمامة أهل البيت نجد
(187)
بعض المتعصبين يحاولون عبثا الخدشة في سنده أو دلالته ، أو تحريف لفظه ومتنه ، ومنهم من التجأ إلى وضع خبر الوصية بالكتاب والسنة بعنوان (الثقلين) زعما منه بأنه سيعارض حديث الثقلين المقطوع الصدور . . .
وقد بينا - والحمد لله - أن الخبر موضوع مصنوع . وعلى فرض أن يكون للخبر أصل . . . فإنه ليس هناك أي منافاة بين الوصية بالكتاب والسنة ، والوصية بالكتاب والعترة . . . إذ لا خلاف بين المسلمين في وجوب الالتزام والعمل بالكتاب والسنة النبوية الشريفة . . . غير أن حديث (الكتاب والعترة) مفاده وجوب أخذ السنة من العترة النبوية لا من غيرهم ، وهذا هو الذي فهمه علماء الحديث وشراحه ، ومن هنا نرى المتقي الهندي - مثلا - يورد كلا الحديثين تحت عنوان الباب الثاني :
في الاعتصام بالكتاب والسنة ، كما لا يخفى من راجعه . هذا موجز الكلام على هذا الخبر ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .
|