كلمة العدد :
تأبين بمناسبة رحيل سماحة المرجع الديني الأعلى
زعيم الحوزة العلمية الإمام الفقيد
السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي
قدس سره الشريف (1)
الفاجعة العظمى !
القمم الشماء التي يطمح إليها ـ في الحضارات البشرية ـ معدودة ومحدودة ، وهي صعبة المنال ، وعلى مدى العصور والأيام .
والذين يبلغون تلك القمم ، ويحققون طموحاتهم ، ويتجاوزون كل العقبات ، هم الأقل في مجموع من يهوى ذلك ، ويطمع في الارتقاء ، أو يحاول ، فتعوقه الهمة أو تطويه الأعاصير ، قبل أن ينال شأوا ، أو يرتفع في سماء ! !
والمرجعية العليا ، في قاموس تاريخنا ـ نحن الشيعة الإمامية ـ من المناصب الدينية المقدسة التي تتطلب فيمن يرقى إليها نبوغا وقابليات ، وبحاجة إلى التفرد في التقوى والإخلاص والورع ، والتقدم في العرفان والسلوك ، بما يختص به المراجع الذين نالوا هذه المرتبة السامية .
وهذا المقام المقدس كذلك يتطلب رعاية أبوية يضفيها المرجع على الطائفة
(1) نظرا لتأخر صدور هذا العدد عن موعده المقرر ، وصادف ذلك وفاة الإمام الخوئي قدس سره الشريف ، فقد تم إدراج هذا التأبين فيه هنا ، فعذرا للقراء الكرام .
(8)
بكل قطاعاتها ومرافقها وشؤونها .
كما يقتضي بطولة وصمودا في تحمل مسؤوليات الفترة والعصر ، بما في ذلك مشاكله ومآسيه ، فيقدم لها الحلول المناسبة ، ويرسي سفينة الطائفة إلى ساحل الأمان .
وتاريخ المرجعية يمتد منذ زمان حضور الأئمة عليهم السلام ، متمثلا في وكلائهم الخاصين ، وبعد غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف متمثلا في وكلائه ونوابه العامين ، وهم القائمون على أمور الطائفة وشؤونها العلمية ، من فقهية وعقيدية ، ومشاكلها الاجتماعية والاقتصادية ، بما في ذلك رعاية المؤسسات الخيرية والمبرات ، ودعم الأعمال والحركات الإصلاحية ، وإيجاد الأمة في ضروراتها الطارئة .
وأهم ما تقوم به المرجعية هو دعم النشاط الديني بتربية الكوادر وتوجيهها وتنظيم بعثاتها ودعمها ، وإسناد مشاريعها ، كل ذلك إقامة لشعائر الدين الحنيف وإرساءا لقواعده القويمة .
وقد كان المراجع العظام ـ على طول خط تاريخ المرجعية ـ الملاجئ الآمنة للأمة في مواجهة الحملات الشرسة من قبل أعداء العقيدة والإيمان ، وأعداء الشعوب والأوطان ، إن بشكلها الطائفي والقبلي القديم ، أو بشكلها الإستعماري الحديث .
فهم حماة الشريعة والملة ، ورعاة الأمة ، في أحوال السلم بعلومهم وأقلامهم ، وفي أحوال الحرب والجهاد بأسلحة القوة والإعداد ، وهم السدود المنيعة ضد تسرب سموم الشبهات ، وحملات الغواة ، بفتاواهم الرشيدة ، وآرائهم الحميدة ، وخطواتهم السديدة ، وجهادهم المرير ، وجهدهم الشاق العسير .
والإمام الخوئي ، الذي افتقدناه ، هو واحد من أعمدة المرجعية العليا في التاريخ المعاصر ، والذي ازدانت به بلياقة فائقة ، حيث تسنمها وهو في أعلى
(9)
مستويات الأهلية لها من حيث العلم والورع والصمود ، فأخذ بزمامها في أحلك فترات التاريخ تأزما وحرجا واضطرابا .
ففي مجال العلم :
فمنذ أن التحق بالحوزة العلمية وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، في 1330 ه ، لم يزل يرقل في مدارج الدراسات الدينية ، حتى بلغ رتبة التدريس في عصر أساتذته ، فعقد حوزة درسه في الدراسات العليا بعد وفاة أستاذه الأخير ، الشيخ النائيني سنة 1355 ه ، وظل يمارس الاشتغال بدأب ، ومن دون انقطاع ، حتى آخر أيام حياته في 1413 ه ، فقاد الحركة العلمية في النجف الأشرف أكثر من نصف قرن ! وتولى زعامة الحوزة المقدسة بلا منازع ، بحيث أصبح درسه محورا لسائر دروس الحوزة ، تدور حوله شروعا وختما ، على طول الفترة التي تزعم فيها .
وقد امتاز درسه بما استقطب أكبر عدد من طلاب الدراسات العليا ، الوافدين إلى النجف الأشرف ، لاستكمال معارف الفقه وأصوله ، وبلوغ درجة الاجتهاد في تلك الجامعة الدينية .
ومن تلك الميزات :
1 ـ الإحاطة التامة بالمطالب المطروحة على طاولة البحث ، مع استيفاء النظر في مبانيها ونقدها على اختلاف المناهج القديمة والحديثة .
2 ـ ما تمتع به بيان السيد من الوفاء والوضوح والسهولة :
فكان يعمد إلى تبسيط أعقد المطالب العلمية ، بأوضح عبارة ، بحيث يستفيد منه المبتدئون بلا مشقة ، كما ينتفع منه المتقدمون بلا ملل ، ومن دون أن يقصر من محتوى البحوث من حيث الدقة والعمق والشمول ، في كلا مجالي النقد والعرض .
(10)
3 ـ الجدية في مواصلة الدرس والتحقيق :
وامتاز السيد رحمه الله بالتزامه بتقليل العطل الدراسية مهما أمكن ، وعدم موافقته على تعطيل الدراسات لأمور غير ضرورية أو ملجئة كالسفر والمرض ، مع ما كان يكلفه التحضير للدرس من وقت وجهد ، خاصة في الربع الأخير من أعوام مرجعيته الواسعة الأرجاء ، والظروف الاجتماعية التي ابتليت الطائفة بها ، فقد كان يحضر لدرس الفقه ـ ـ يوميا ـ أكثر من ثمان ساعات متواصلة ، حتى أن ما كان عليه من كبر السن وأعراض الشيخوخة ، وكثرة المراجعات والاستفتاءات الفقهية ، وحتى بعض الأمراض ، ما كانت لتعوقه عن المطالعة والبحث والتنقيب في المصادر ، والمواظبة على قراءة الكتب التي كان يتابع مطالعتها .
4 ـ تواضعه البليغ للطلاب :
وتميزت أخلاقية السيد رحمه الله بالتواضع لطلاب العلم ، وبالأخص لمن يتوسم فيهم الجدية ، والمتميزين ، فكان يرعاهم بحسن الاستماع ، وهدوء الجواب ، والتكرار والتوضيح بعبارات مختلفة حتى يقتنع السائل ، وكثيرا ما كان يعدل نظرياته وآراءه على أثر ما يتوصل إليه الطالب ، فالحق والصواب هو المنشود .
هذه الميزات ، وغيرها ، هي التي أغنت الحوزة العلمية النجفية بدروس السيد الأستاذ وحلقة درسه التي تعد من أكبر الحلقات وأعمقها .
وأثرت المجتمع العلمي بثلة من الذين ارتووا من نمير علوم الدين من هذا البحر الخضم ، والحبر الأعظم ، وفيهم من يتسنم ـ اليوم ـ منابر الدراسات العليا في الحوزات العلمية ، ومن هو مرشح للمرجعية العليا ، والقيام بمهام السيد الفقيد ، من التدريس والإفتاء في الحوزة النجفية .
كما أن جهوده العلمية طوال هذه الفترة أنتجت العشرات من المؤلفات والمصنفات الفقهية والأصولية ، سواء تلك التي خلدها السيد رحمه الله بقلمه
(11)
الشريف في الفقه والأصول والتفسير والرجال والعقائد ، مما سوف يخلد ذكره بها ، أو تلك التي كتبت كمذكرات وتقريرات لدروسه القيمة (1) .
ومن أهم إنجازاته العلمية : تركيزه على اعتماد النصوص بعد المعالجات الرجالية لرواة أسانيدها ، هذا الذي أدى إلى إحياء « علم رجال الحديث ، مرة أخرى في مجال الدراسات العليا ، بعد أن طغت عليها المزاولات الأصولية والعقلية ، واعتماد الشهرة ، وعدم الاهتمام البليغ بتنقيح الأسانيد .
فكان اعتماد السيد رحمه الله على منهجه الرجالي سببا للاهتمام الأكبر بهذا العلم ، وقد أحياه عمليا بتأليف كتابه الخالد « معجم رجال الحديث » آخر موسوعة قيمة في هذا العلم ، الذي يعد من أعظم فروع المعارف الإسلامية غنى وأثرا في تحديد المصادر الموثوقة للمعرفة الإسلامية بكل فروعها .
وكان من مجموع نشاطاته الواسعة ، الطويلة : أن فتح السيد رحمه الله لآرائه العلمية ، ومبانيه الرصينة ، مجالا في « الدراسات الإسلامية » وفرضها على كافة الأصعدة ، فلا تخلو واحدة منها من عرض نظرياته ، في الفقه ، والأصول ، والرجال ، بل تعتبر نظرياته أحدث ما توصلت إليه المعرفة الإسلامية ، ومناهجها الدراسية ، في حلقات الحوزة العلمية المقدسة ، في النجف الأشرف ، وفي سائر البلاد .
وأما في الورع والتقى والزهد والعبادة :
فقد كان يضرب به المثل ، ويعد من المتألقين في الدرجات العليا في الورع والزهد ، والإخلاص والعبادة ، والذكر والتلاوة كان حافظا للقرآن الكريم على ظهر خاطره ، يتلوه حضرا وسفرا ، كل هذا مع ما كان يتمتع به من طيب
(1) لقد عدد السيد رحمه الله هذه المؤلفات في كتابه « معجم رجال الحديث » عند كتابته لترجمة ذاتية لنفسه ، فراجع ج 22 ص 25 من الطبعة الأولى .
(12)
المجلس ، ولطافة الحديث ، وحلاوة النكتة ، وما كان يبديه للآخرين من العطف والرأفة والملاطفة والمؤانسة .
ومن خصوصياته : حرصه الشديد على المحافظة على الحقوق الشرعية ، والمحاسبة الصارمة على مصارفها ، والتدقيق في حساباتها ، ورفض التهاون في أمرها ، وعدم الموافقة على ما يحتمل التفريط في شيء منها ، مهما قل أو صغر ، وممن كان من صديق أو قريب !
ومن نوادر أخلاقه : أنه رضوان الله عليه كان يكرر كلمة « لا أدرى » إذا سئل عما لم يستحضر كل جوانبه وشؤونه ، وإن كان عارفا بأكثر ما يرتبط به ، ويقول : ما دمت لا أعرف الموضوع من كل جهة ، فأنا « لا أدري » وما أرى نفسي أهلا للحديث عنه !
ومن أمثلة خلقه الكريم : أنه كان صبورا على المكاره ـ وخاصة ما كان يصدر من مناوئيه من الأذى ـ في سبيل الله ، ولم يعهد أنه قابل المفترين عليه بكلمة تسوؤهم ، أو تخدش في مواقعهم الاجتماعية ، ويراعي في ذلك حفظ المصلحة العامة ، متحملا على مضض الدعايات المغرضة ، وملجئا جزاءها إلى « يوم يوعدون » .
هذا ، مع ما كان عليه من موقع اجتماعي يمكنه من الدفاع عن نفسه ، وزعزعة ما يستند إليه أولئك من عرش وفرش ونقش .
وقد كان صلبا في مواقفه ، عندما يتحقق من أمر ، لا يتهاون في الإقدام عليه ، ولا يهاب أحدا في إبداء رأيه الذي توصل إليه من خلال الأدلة المعتمدة ، سواء في المجالات العلمية ، أو الحياة العملية ، ولا يستوحش من رأي أو فتوى أوصلته إليه أدلته ،
مهما كان مخالفا للمشهور .
وقد كان هو أول من أعلن عن كفر الشاه المقبور في (تصريحاته الخطيرة) التي أعلنها في بداية حركة الشعب الإيراني المسلم ضد نظام الملكية البائد .
(13)
وهو منفرد ـ بين المراجع المعاصرين ـ بالقول بوجوب الجهاد الابتدائي إذا توفرت عناصر القوة والإعداد للمسلمين .
وهو ينكر وقوع النسخ في آيات القرآن عدا آية النجوى .
وبطولاته في مواجهة المعتدين على كرامة العتبات المقدسة :
من الأجانب الأوربيين والأمريكيين ، وأذنابهم الحكام الغاصبين ، تعد من أبرز أوجه عظمته وصلابته ، فقد هب للدفاع عن كرامة الإسلام والمسلمين ، والمحافظة على قدسية العتبات المقدسة ، والحوزة العلمية ، وإن كان على حساب شخصه وعلى حساب كرامته ومكانته الاجتماعية ، وما عاناه في هذه السبيل من مضض ، حتى قضى نحبه مليئا قلبه بالآلام ، ومثقلا بالمصائب العظام .
ومن أغرب ما سمع منه في المحنة التي مرت به في آخر سني عمره الشريف ، وصيته للمبتدئين بالدراسة الدينية في الحوزة بمواصلة الجد والسعي إلى نيل الاجتهاد في علوم الشريعة ، معلنا أن هذا هو الواجب الأساسي لطلاب العلم .
أوصى بذلك بعض الطلبة ممن عاشوا مع السيد قدس الله سره الشريف أيام الأزمة التي حلت به .
وهذه الوصية تدل على أن السيد ـ رغم المصائب التي ينهار عندها الكثيرون ـ كان قوي التصميم على المضي قدما في سبيل بث روح القوة والأمل في النفوس متجاوزا كل العراقيل والمشاكل ، وبفرض علمه الواسع وتبحره ، وطول التجربة التي عاشها ، كان يركز على أهم الجوانب التي تحفظ كيان الإسلام وهي مصدر كرامة الأمة وسعادتها وهو الأمر الذي يجد الأعداء في الانقضاض عليه ، وتبديد آثاره : وهو الاجتهاد في علوم الشريعة .
ولقد استهدفت هذا العلم الشامخ سهام الحقد الطائفي ، حتى عرضوه في أواخر أيام حياته لأنواع الظلم والاضطهاد ، فقضى نحبه ، وانتقل إلى الرفيق
(14)
الأعلى في 8 صفر 1413 ه .
ولاحقه الحقد الطائفي بعد الموت ، وطال العدوان جسده الشريف ، حيث منع من كل أشكال التكريم والتشييع ، بل دفن سرا في مثواه الأخير .
ونحن إذ نؤبن هذا الطود العظيم ، نودعه نائحين :
سيدنا ، فلئن فقدناك ونحن معتزون بك فقيها جامعا ، وأبا رحيما ، ومفزعا ومرجعا ، فإن التاريخ قد خلد اسمك وسجل جهودك وجهادك ، بأحرف من نور ، لا ينمحي مدى الدهر ، ولا ينطفئ رغم التعتيم والظلام .
وأما ظالموك فالتاريخ لهم بالمرصاد ، مهما طالت بهم الأيام (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) .
ونسأل الله أن يحمد عناءك ، ويرفع في الدرجات العلا مقامك ، وجزاك عنا خير الجزاء ، وأحسن لنا فيك العزاء ، إنه ذو الجلال والإكرام .
إنا لله وإنا إليه راجعون .
هيئة التحرير
|