من ذخائر التراث
(190)
(191)
الباقيات الصالحات في أصول الدين الإسلامي على مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية تأليف آية الله العظمى السيد محمد هادي الخراساني الحائري (1297 - 1368 ه) تقديم السيد محمد رضا الحسيني
(192)
(193)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين محمد الرسول الكريم ، وعلى آله الأئمة الطاهرين .
وبعد :
فالحملات الطائشة تشن - هذه الأيام - على الأمة الإسلامية من قبل الأجهزة الحاقدة على الإسلام والمسلمين ، بأشكال مختلفة - إعلامية ، واقتصادية ، وعسكرية ، ونفسية - وخاصة من قبل الدول الأوربية الصليبية ، وعميلتها الصهيونية العالمية ، مركزين حربهم على المسلمين الواعين ، الذين تيقظوا بأثر الضغوظ السياسية الظالمة ، وأدركوا عمق ما حل بالأمة من هوان ودمار ، بأثر الهيمنة الغربية على البلدان الإسلامية .
وركز الاستعمار حملاته على الشعب المسلم في إيران باعتباره الطليعة المؤمنة التي أثبتت قدرة الإسلام والأمة الإسلامية على التحرك نحو تحقيق الأهداف السامية ، وتحطيم الهيمنة الاستعمارية على العباد والبلاد ، من خلال تشكيل الدولة الإسلامية
(194)
على أنقاض حكومة العملاء .
ولقد أقض هذا الحدث مضاجع المستعمرين ، فكان صاعقة على الغرب ، وزلزالا تحت عملائهم في الشرق . والشعوب الإسلامية - وخاصة في البلدان العربية - قد استيقظوا كذلك ، ووجدوا في الشعب الإيراني المسلم مثالا في العزم والتصميم والجد ، والاعتقاد بالإسلام ، وبالسعي في إحياء الإسلام وتحكيمه ، وتطبيقه . وبعد أن كانت على جهل كامل بحقيقة هذا الشعب وبانتمائه المذهبي ، حيث يعتنق مذهب التشيع والولاء لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أصحبت الشعوب أمام حقيقة غير قابلة للانكار والتشكيك ، وهي أن الشيعة هم موالون للإسلام بأعمق ما يكون الولاء ، مناصرون للقرآن بأقوى ما يكون النصر ، محبون للنبي وأهل البيت والصحابة بأشد ما يكون الحب ، عارفون بأحكام الإسلام بأوسع ما تكون المعرفة . فكان - عند ذلك - أن تبخرت كل الدعايات المضللة التي كان دعاة التفرقة بين المسلمين ، يبثونها ، وانقشعت السحب السوداء من التهم التي كانوا يكيلونها ضد شيعة أهل البيت ، واندحرت مساعي الأمويين وذيولهم الناصبين العداء لعلي عليه السلام وآل علي . وكان قبل هذا ، قد اشترك شيوخ أجلة من علماء المسلمين ، في الدفاع عن حق الشيعة . وإبطال الطعن عليهم ، وفي مقدمتهم الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ، شيخ الجامع الأزهر ، حيث أعلن عن حجية مذهب الشيعة ، في فتواه التاريخية الهامة الصادرة في (7 - تموز - 1959) ونصها :
إن مذهب الجعفرية ، المعروف بمذهب " الشيعة الإمامية الاثنا عشرية " مذهب يجوز التعبد به شرعا ، كسائر مذاهب أهل السنة . ونصح المسلمين بقوله : فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير
(195)
الحق لمذاهب معينة ، فها كان دين الله ، وما كانت شريعته بتابعة لمذهب ، أو مقصورة على مذهب . فكان في هذه الدعوة الإصلاحية المباركة ، وأد كل دعوات التفرقة ، ونداءات الشقاق الشيطانية التي كانت تصدر من حناجر النواصب ، العملاء لصالح الاستعمار من وراء الستار . لكن هذه المرة ، أسفر الاستعمار عن وجهه القبيح وكشر عن أنيابه ، ودخل معركة التفرقة بين المسلمين بكل ثقله ، ورجله ، وعملائه ، فأطلق عفاريت النفاق من جحورهم ، فطلعوا من حيث يطلع قرن الشيطان من " نجد " (1) حيث يملك الأعراب الجهلة أزمة الحكم وألسنة الافتاء ، فأخذوا يسعرون نيران فتنة التفرقة ويؤججونها من جديد ، لصالح الأجانب الكفرة ، طمعا في أن يوقفوا السيل الإسلامي الهادر ويصدوا الوعي الإسلامي الجارف ، الذي دخل ديار المسلمين وأيقظهم من السبات العميق .
فراح عملاء الغرب ، يستعملون نفس الطريقة البائدة ، يعلنون عن " تكفير " هذه الفرقة وتلك ، طمعا في أن يجدوا لفتاواهم أذنا صاغية . جهلا منهم بأن المسلمين يعلمون أن تلك الفتاوى إنما هي صادرة ممن ينتمون إلى الفرقة الوهابية التي نبذها علماء المسلمين أجمعون ، وحكموا بضلالها وجهل المنتمين إليها بقواعد الدين أصولا وفروعا ، وبالمعارف الإسلامية وبالمصطلحات العرفية عموما ، حتى مداليل الألفاظ ، ومفاهيم الجمل ، ومعاريض الكلام . والطائفة الإسلامية الشيعية ليست هي الوحيدة المستهدفة لهذه الحملات من قبل الوهابيين ، بل كل المسلمين الذين يقدسون النبي وأهل البيت والأولياء والصالحين ، ويعظمون أسماءهم ، ويكرمون مقاماتهم وقبورهم ، ويحيون ذكرياتهم ، كل أولئك مستهدفون من الوهابية بالتكفير والتفسيق ، لإنكارها كل كرامة للنبي وأهل البيت وكل ولي كريم .
(1) أنظر صحيح البخاري .
(196)
ومن سخافاتهم أنهم يعتبرون دعاء النبي والتوسل به إلى الله كفرا ، ومنافيا للتوحيد ، وكذلك دعاء أهل البيت وسائر الأولياء الصالحين . جهلا منهم بأن الدعاء غير العبادة ، والتوسل والاستشفاع غير العبودية ، فإن العبادة إنما تبتني على قصد التعبد والعبودية ، وإنما تحرم لمن يدعي الألوهية من دون الله ، والمسلمون - سنة وشيعة - يعبدون الله ، ولا يقصدون غيره بذلك . وأما الدعاء فهو نداء وطلب يقصد به التوسط بمنزلة النبي وآله والصالحين من أوليائه ، لأنهم مكرمون عند الله ، ويشفعون لمن ارتضى ، وليسوا معبودين ولا مقصودين بالعبادة ، وإنما المعبود هو الله وحده . ثم إن المسلمين - سنة وشيعة - إنما يتبعون في دعاء النبي وآله ، سنة رسول الله وتعليماته ، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه علم رجلا ضريرا أن يقول : " اللهم إني أسألك . وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة . يا محمد : إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي . اللهم : فشفعه في " . رواه الترمذي في الجامع الصحيح ج 5 ص 569 كتاب الدعوات ، باب 119 ح 3578 وتال :
حسن صحيح غريب . ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 1 / 528 ، وقال : على شرط الشيخين البخاري ومسلم ، ووافقه الذهبي أنه على شرط البخاري . ونقله السيوطي عنهما في الجامع الصغير وصححه . ولنا في رسول الله أسوة حسنة . والوهابيون بإعراضهم عن سنة النبي هذه ، والاعتراض على المسلمين في
(197)
ذلك ، يبتعدون عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا واحد من أدلة جهلهم ، ومخالفتهم لنصوص القرآن والسنة . وقد ألف علماء المسلمين من الفرق الإسلامية كافة ، شافعية ، وحنفية ، ومالكية ، وحنبلية ، سنة وشيعة ، ردودا حاسمة على مزاعم الوهابية ومفترياتهم ، في كتب ورسائل ، شعرا ونثرا ، بما تمت الحجة على كل الناس (1) .
وواحد من مظاهر جهلهم أنهم ، في نفس الوقت الذي يعارضون تمجيد أهل بيت النبي وتقديسهم وتعظيمهم ، يحاولون التمجيد بحثالات التاريخ الإسلامي ممن ملاوه بالجرائم وا لفضائح والآثام ، مثل : يزيد الخمور وحجاج الدماء ، والوليد الكفور وسائر بني أمية وآل مروان وآل زياد ، الذين حاربوا عليا أمير المؤمنين ، وسفكوا دماء المسلمين ، وقتلوا عمارا ، وقتلوا حجر بن عدي صحابي رسول الله ، وقتلوا الحسين سبط رسول الله ، وسبوا زينب عقيلة بني هاشم ، وعليا السجاد زين العابدين ، وهدموا الكعبة ، واستباحوا المدينة حرم رسول الله ، وقتلوا العلوي المجاهد زيد الإمام الشهيد وصلبوه ، وتتبعوا أهل البيت قتلا وتشريدا حتى أوغلوا في سفك دماء آل محمد وظلمهم . وهذا التاريخ قد ملئت صحائفه واسود وجهه مما جناه أولئك على الأمة الإسلامية . فاقرأ عنه كتاب " مقاتل الطالبيين " لتقف على بعض الحقيقة ، فما لم يكتب منها أكثر وأكثر . كما شوه أولئك سمعة الإسلام وحرفوا تعاليمه وموازينه بما ارتكبه أشياخهم ، وأمراؤهم ، وخلفاؤهم ، ونساؤهم ، بفجورهم ، ولهوهم وبذخهم ، فليقرأ المسلم عن ذلك كتاب " الأغاني " ليقف على بعض المخازي والإجرام والتعدي على حقوق الله وحدوده
(1) وقد أعددنا قائمة بمؤلفات المسلمين في الرد على الوهابية نشرت في مجلتنا هذه " تراثنا " العلد 17 ، السنة 4 ، 1409 ه .
(198)
وحرماته ، والعبث بكرامة الأمة وأعرافها وموازينها .
هؤلاء هم القديسون عند الوهابية ! !
أما أهل البيت النبوي الطاهر ، الذين لم يعهد التاريخ - بطوله وعرضه - منهم سوى التقى والورع والعبادة والعلم والخير والفضيلة والزهد والجهاد في سبيل الله ، لإحياء الإسلام ، وبسط العدل والحق ، ومقاومة الظلم والفساد ، طالبين للإصلاح ، آمرين بالمعروف ، ناهين عن المنكر . أما أهل البيت : فحبهم عند الوهابية - فسق ، ودعاؤهم كفر ، وتعظيمهم رفض ، واتباعهم جريمة ! لماذا ؟ ! ! وأما المسلمون المخلصون ، والشيعة المؤمنون فهم من أهل البيت ومعهم ، لا يحيدون عن تعاليم القرآن ، وسنة النبي ، وسيرة أهل البيت قيد شعرة ، فهم يحبونهم لحب الله ورسوله ، ويلتزمون فيهم بوصية جدهم رسول الله ، ويعظمونهم لعلمهم ومعرفتهم ولجهادهم في سبيل الله حق الجهاد ، ويشايعونهم ويوالونهم لأنهم الأحقون بالولاء والولاية ، ولأنهم أثبتوا جدارتهم للقيام بالأمر بالعلم والعمل والزهد والفضيلة . وإذا كانت الأشياء تعرف بأضدادها : فانظر إلى تاريخ أهل البيت الأبلج ، الملئ بالمفاخر والمكارم ، والخير والرحمة ، والعلم ، والبركة ، وزر مشاهدهم الشريفة تجدها مليئة بالعبادة ، عبقة بالروح ، مضيئة بنور المعرفة والتوحيد ، عطرة بأريج الرسالة والنبوة ، زاهية بأمجاد الإمامة والعدل ، يتصاعد فيها نغم القرآن والذكر ، تقف فيها على كرامة النسب وعظمة المقام ، ومحبة الله ، وتنشد إلى العقيدة الراسخة ، وتمتلئ بالعزم والجد . ولكن أنظر إلى تاريخ أعدائهم الأمويين والمروانيين وسائر الخلفاء والملوك والأمراء ، فلا تجد إلا الدماء ، والفجور بالنساء ، واللعب بالكلاب والحمام ، والقمار والخمور والملاهي ، والمغنيات والمغنين ، ولا ترى فيمن حولهم إلا الابتعاد عن الفضيلة والانعطاف على الرذيلة .
(199)
وأما قبورهم ، فأفضلها " الذباب فيه يعربد " .
وقد انمحت آثارهم وما شيدوه من قصور وسجون ومظالم . نعم ، قد بقي من آثارهم هذه الفئة الباغية تتطاول على المسلمين بألسنة حداد ، وقلوب مليئة بالأحقاد ، وعقائد سخيفة أساسها الجبر والقدر وأفضل إبداعهم هو في تبديع المسلمين وتكفيرهم وتفسيقهم ! وأهم فضيلة لهم هو ممالاة أمراء الفجور وملوك الخمور وتأييد ظلمهم ، والتذلل للكفار الأجانب ، ومطاوعة أفكارهم في إصدار الفتاوى الباطلة بتكفير المؤمنين بالله وبالرسول . أما المسلمون ، فقد أصبحوا اليوم - والحمد لله - يعلمون أن وراء هذه النعرات الطائفية أيد أخرى . وخاصة في هذه الفترة الزمنية الحساسة التي تمر بالأمة ، حيث هي في أسوأ الظروف ، وعلى أضعف الحالات ، وفي أضنك الأيام ، وفي أكثر ما يتوقع من التشتت والتفكك والافتراق ، والهجمة الاستعمارية في أقسى حالاتها ، وعلى أرفع مستويات السلطة ، والرجل الأمريكية تدنس أرض المقدسات في الجزيرة ، أرض الحجاز ! والهيمنة الأمريكية تخيم على كل العواصم العربية ، والعتو والتمرد الصهيوني في أوج درجاته . إن صدور فتاوى تكفير المسلمين له مدلول آخر ، أكبر من مجرد مسألة شرعية فرعية ! ؟ ونحن واثقون بالأمة الإسلامية الرشيدة ، ووعيها المتكامل في هذا العصر ، أنها لا تغتر بأراجيف هذه الزمرة الوهابية ، المدعومة بالسلطة الحاكمة ، والدولار الأمريكي ، والمتخلية عن كل معاني الحياء والتقوى والشعور .
فلو كانوا يتمتعون بأدنى شئ من ذلك لما سكتوا عن ملوكهم وأمرائهم وخلفائهم وسلاطينهم ، الذين ملأوا الدنيا بفجورهم وفسقهم ، عارا على المسلمين . وإهانة للإسلام ، بتصرفاتهم الهوجاء الجنونية ، وتبذيرهم الأموال الطائلة في أندية القمار والخمور في سبيل شهواتهم ورغباتهم التافهة ، مما لا يمكن ستره عن أحد من العالمين . ولمنعوهم من التعدي على كرامة الشعوب الإسلامية بالقتل والاغتيال ،
(200)
والعدوان ، تلبية لأوامر الدول المسيحية واليهودية .
فتلك الحرب الاستنزافية المدمرة التي مولوها ، وأججوا نيرانها ، ضد دولة الإسلام في إيران . وهذه حرب الخليج التي خربوا فيها بيوتهم بأيديهم وأموالهم . وهذا الدمار الواسع والقتل الذريع والإبادة الشاملة بأبناء العراق . واليوم يقفون وراء فتاوى مزيفة بغرض التفرقة بين الأمة ، وإغراء طائفة منهم بطائفة أخرى ! ألا يفتح " أعضاء مجلس الافتاء الأعلى السعودي " عيونهم على كل هذه الجرائم التي يرتكبها ملوكهم وأمراؤهم وسلاطينهم وخلفاؤهم ، ليمنعوه أو يحرموه أو يستنكروه أو يقبحوه . إن كانت لهم كلمة مسموعة ؟ ! وإلا ، فمن خولهم حق التكفير والتفسيق والتبديع ، للمسلمين ؟ ! إن بالامكان إصدار أكثر من منشور وفتوى ضد هؤلاء وفتاواهم الباطلة ، لكنا ندعو المسلمين إلى ضبط النفس والتزود بالتقوى ، وحماية وحدة المسلمين ، والمحافظة على جماعتهم ، والإعداد للمعركة الكبرى الفاصلة ضد الاستعمار والصهيونية . فإن هؤلاء الذيول لا تبقى لهم قائمة بعد أولئك .
ولنتمثل بقولي الشاعر : وما كل كلب نابح يستفزني * ولا كلما طن الذباب أوراع هذا الكتاب وعملنا فيه : وعلى أساس فن هذا المبدأ ، رأينا الإحجام عن الرد على تلك الفتاوى الهزيلة ، وصممنا على تقديم هذه الرسالة : " الباقيات الصالحات " للتعريف بعقائد الشيعة الإمامية ، بصورة موجزة ، مع الاحتواء على كل ما هو أساسي من الأدلة والبراهين في ملتزمات هذه الطائفة الإسلامية في مجال التوحيد وما يتعلق بصفات الله جل وعز ،
(201)
والنبوة لسيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والخلافة والإمامة لأهل البيت عليهم السلام ، والمعاد ، إلى يوم القيامة .
ومن خلال هذه الرسالة - على إيجازها - يمكن التعرف على معتقدات الشيعة ، وأنهم إنما يلتزمون بالعقائد الإسلامية المدعومة بأدلة رصينة من آيات القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، والعقل السليم ، والفطرة الإلهية ، وأنهم لا يدعون شيئا بلا بينة شرعية ، أو برهان عقلي ، ولا يلتزمون بها لا يجوز عقلا أو نقلا .
وبذلك تتبخر التهم والافتراءات ضد شيعة في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتشكيك في عقائدهم . وهذا الكتاب وضع أساسا ليكون مقدمة لواحد من الكتب الفقهية ، التي تعد لمراجعة المقلدين من عامة الناس ، والتي تسمى ب " الرسالة العملية " فهي تكتب بلغة مبسطة ، لتكون واضحة سهلة الفهم ، وقدم السيد المؤلف لهذه الرسالة في أصول الدين ، لتكون مدخلا لتلك الرسالة . وقد طبع هذا الكتاب باسم " الباقيات الصالحات في أصول الدين وفروع الشرع المتين " طبعة ثانية ، بمطبعة الزمان في بغداد . ويبدو من نهاية هذه الرسالة أن السيد ألفها أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945 م) أو بعيدها . وقد أعدنا طبع الكتاب ، مع تصحيح ما وقع فيه من أخطاء مطبعية طفيفة ، وتخريج مواضع الآيات القرآنية ، والتعليق على مواضع قليلة للضرورة . ولم نحاول تخريج الأحاديث الشريفة ، ولا توضيح بعض المقاطع ، حفاظا على اختصار المتن ، وأملا في أن يكون تقطيعنا للمتن مساعدا على يسر قراءته .
(202)
المؤلف ، وآثاره :
هو : قدوة العلماء المتبحرين ، سيد الفقهاء المجتهدين ، آية الله العظمى ، السيد محمد هادي ، الحسيني ، الخراساني ، الحائري . ابن العالم العامل التقي ، العلامة الورع الجليل السيد الأمير علي الحسيني ، البجستاني ، ابن السيد محمد ، بن الأمير أبي طالب ، بن الأمير كلان ، وهذا الجد الأعلى هو من الشخصيات المرموقة في مدينة (بجستان) من توابع محافظة خراسان . ولد السيد المؤلف في كربلاء المقدسة ، في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1297 هجرية . نشأ في مسقط رأسه ، ودخل الكتاب ، فأتقن القراءة والكتابة وهو ابن سبع سنين ، وانتهى في 1309 من دراسة أوليات الأدب من النحو والصرف ، حيث هاجر به والده إلى خراسان . ومكث في مشهد الإمام الرضا عليه السلام من 1309 - 1314 ، مكبا على تحصيل المقدمات لدى أساتذتها ، وإكمال الكتب الأدبية كالألفية والكافية والشافية وشروحها ، والمغني والمطول . وعلوم المنطق والأصول ، والرياضيات ، والأخلاق والآداب ، في كتبها المتداولة ، ومن بين أساتذته : السيد والده ، والأديب النيشابوري الكبير . ورجع سنة 1314 إلى كربلاء ، وانقطع إلى دراسة الفقه والأصول ، وفي شوال 1315 هاجر إلى النجف الأشرف ، حاضرة العلم ، فاشتغل بتكميل كتب السطوح العالية ، مضافا إلى حضور دروس المعقول عند أساتذته ، منهم الشيخ الميرزا محمد باقر الاصطهباناتي الشهيد سنة 1326 في شيراز . ثم بدأ بحضور دروس الخارج في الفقه والأصول على أعلام النجف من الفقهاء والأصوليين ، منهم : شيخ الشريعة فتح الله الغروي الأصفهاني الشيرازي (ت
(203)
1339) ، والمحقق الآخوند الخراساني المولى محمد كاظم صاحب الكفاية (ت 1329) ، والفقيه المرجع السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1338) .
وجد في التحصيل في النجف طيلة خمس سنوات من دون انقطاع ، حتى هاجر في سنة 1320 إلى سامراء ، فبقي هناك بطلب من كبير علمائها الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين ، والسيد الميرزا علي آغا نجل السيد المجدد ، فأقام في سامراء مشتغلا بالحضور لدى الشيخ الشيرازي ، وكان يعد من أفاضل تلامذته المرموقين ، وقام بتدريس الخارج فقها وأصولا ، كما درس المعقول والكلام .
وقد اشترك مع شيخه التقي المجاهد في عدة قضايا اجتماعية أدت به إحداها سنة 1330 إلى السجن في بغداد ، باعتباره الناطق عن الشيخ . ولما استعر أوار الحرب العالمية الأولى سنة 1333 انتدبه أستاذه الشيخ التقي ليمثله في بعض المهمات الخاصة ، وأوفده إلى إيران . وفي شهر شوال من سنة 1335 خرج بصحبة الشيخ الأستاذ مهاجرين من سامراء ، وأقاموا مدة في الكاظمية ، والسيد يلازمه ملازمة الظل ، حتى وردوا كربلاء في 18 - صفر - 1336 .
ولما دخل الشيخ التقي معمة الجهاد المقدس ، دفاعا عن حوزة الإسلام وكرامة المسلمين ، ضد الإنكليز الكفرة المحتلين ، كان السيد إلى جانبه ، طول المدة التي وقف فيها علماء الإسلام ، حتى توفي زعيم الثورة الشيخ التقي في الثالث من ذي الحجة سنة 1338 .
وفي ما خلفه السيد من أوراق ومؤلفات نتف من المذكرات الهامة حول ذلك الجهاد المقدس . وعندما استقرت الأوضاع ، انقطع السيد إلى التدريس والتأليف ، والإفتاء ، وقضاء أمور المؤمنين ، فكانت له الزعامة العلمية في كربلاء ، وقلده جماعة من أهلها ، كما قلده جمع من أهالي بغداد وخراسان وطهران . وكان يعد من كبار فقهاء الطائفة وأصولييها ، مع التبحر في العلوم العقلية ، والكلامية ، وعلوم القرآن والحديث .
(204)
وله مواقف نضالية في مواجهة الحكومة العراقية ، في قضايا خاصة ، مذكورة في تاريخ حياته . وكذلك في الدفاع عن حريم أهل البيت عليهم السلام عندما أقدم الوهابيون الجهلة على هدم قبورهم في المدينة المنورة ، فكان للسيد المؤلف سعي بليغ في إثارة الأمة لاستنكار هذه الجريمة النكراء ، كما جد في فضح القائمين بها بالكتب التي ألفها ردا عليهم ، ومنها كتاب " دعوة الحق إلى أئمة الخلق " . ووقف من تصرفات شاه إيران الأسبق ، المشبوهة ، والهادفة لمحو آثار الديانة ، ومسخ الشعب الإيراني المسلم ، وعلمنة البلد ، وقفة حازمة ، فكانت له مساجلات ومناقشات حادة مع الشاه نفسه ، ومع جلاوزته وأعوانه ، كما كان يثير الأمة وعلمائها للتحرك ضد تلك الإجراءات الفاسقة .
وفاته :
وبعد عمر مبارك قضاه السيد بين التحصيل ، والتأليف ، والجهاد ، والفتوى ، والعمل لله ، قضى نحبه في 12 - ربيع الأول - 1368 عن عمر يناهز السبعين عاما . ودفن في الصحن الحسيني في كربلاء . ورثاه الشعراء والخطباء ، وأبنه العلماء ، وممن أرخ وفاته العالم المرحوم الشيخ عبد الحسين الحويزي في قوله :
|
عن هذه الدنيا مضى سيد
نواحسا أيامها أصبحت
إذ كان نورا ومنارا به
والعلم أضحى جيده عاطلا
أروع في تاريخه : (ماجد
| |
ساد الورى بالجد والجد
مذ غاب نجم اليمن والسعد
للخلق يزهو منهج الرشد
وانبت سمط جوهر العقد
هاد البرايا قر في الخلد)
|
(205)
مشايخه في العلم والرواية :
1 - السيد والده ، العلامة التقي السيد علي البجستاني ، أخذ منه بعض مقدمات العلوم . 2 - الأديب النيشابوري الكبير ، درس عنده الكتب الأدبية في مشهد . 3 - الشيخ محمد كاظم الخراساني الآخوند ، صاحب كفاية الأصول ، وقد شرحها السيد بشروح ثلاثة ، حضر عليه في النجف الأشرف . 4 - السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ، صاحب العروة الوثقى ، حضر عليه برهة في النجف الأشرف ، وشرح كتابه العروة . 5 - الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري ، زعيم ثورة العشرين العراقية ، وقد أجازه بالاجتهاد ، والرواية المدبجة . 6 - الشيخ فتح الله الغروي ، شيخ الشريعة الأصفهاني ، الشيرازي ، وقد أجازه برواية الحديث . 7 - الشيخ محمد حسن ، الشهير بكبة ، البغدادي ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث . 8 - السيد حسن الصدر العاملي الكاظم ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث . 9 - السيد إبراهيم الراوي الشافعي البغدادي ، وهو من علماء العامة ، وقد أجازه برواية الحديث من طرقهم . 10 - الشيخ فضل الله المازندراني ، من أفاضل علماء كربلاء ، وقد أجازه بالاجتهاد والرواية .
تلامذته والراوون عنه :
1 - الشيخ آغا بزرك الطهراني (ت 1389) وهو زميل السيد المؤلف في الدراسة ، وإنما تبادلا الإجازة لرواية الحديث ، فهي بينهما مدبجة .
(206)
2 - السيد محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي ، من علماء الكاظمية والمؤلفين المكثرين ، وقد حضر على السيد المؤلف برهة في كربلاء ، وحصل منه على إجازة الحديث . 3 - السيد محمد طاهر البحراني البوشهري ، من علماء كربلاء وأئمة الجماعة فيها . 4 - السيد مهدي بن السيد حبيب الشيرازي ، من علماء كربلاء وأئمتها في الجماعة والتقليد ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة . 5 - السيد علي نقي اللكنوي الهندي ، استجاز السيد المؤلف في رواية الحديث . 6 - السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي ، من العلماء المحققين ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة . 7 - السيد محسن الحسيني الجلالي الكشميري (ت 1396) ، من مدرسي الفقه في كربلاء وأئمتها ، وهو صهر السيد المؤلف . 8 - السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (ت 1411) ، من علماء مدينة قم ومراجعها ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة .
مؤلفاته :
بلغت مؤلفاته الموجودة 143 كتابا ورسالة ، ونقتصر في هذه المقدمة على ذكر مؤلفاته الكلامية ، وذكر ما طبع من مؤلفاته فقط ، حذرا من التطويل :
1 - أحسن الجدل مع أحمد بن حنبل ، (ثلاثة مجلدات) . مستخرج من مسند أحمد ، نذر تأليفه عندما سجن في بغداد سنة 1330 .
2 - إزالة الوصمة عن وجوه براهين العصمة ، (مجلد) : ألفه سنة 1340 .
3 - أسنة السنة السنية لقطع ألسنة السنية : ابتدأ بتأليفه سنة 1325 في سامراء ، وهو كتاب كبير حاو لصحاح العامة
(207)
ومسانيدهم في الفضائل والمطاعن ، وجملة من الفروع الفقهية ، والاستدلال على فقهنا بأخبارهم ، وبيان تناقضاتهم .
4 - أصول الآيات ، وآيات الأصول : في علم الكلام على ضوء آيات القرآن الكريم .
5 - أصول الشيعة وفروع الشريعة ، (جزءان) . الجز الأول منهما في أصول الدين ، فرغ من تأليفه 6 - شوال - 1341 ، وطبع في بغداد ، ويقع في 155 صفحة .
6 - أعلام الإسلام : في أصول الدين .
7 - الألفين في دين المصطفين : أرجوزة في ألفي بيت في أصول الدين والحكمة الإلهية ، طبعت في طهران بمطبعة باكت جي في 148 صفحة ، وجاء في آخرها :
ختامه (مسك) وقد صادف (قم) * والبلد الطيب دم فيه وقم والظاهر أن تاريخ التأليف هو سنة 1356 .
8 - شرح الألفين : قد شرح فيه أرجوزته السابقة ، سنة 1363 .
9 - انتقاد الاعتقاد في المبدأ والمعاد : ألفه في سامراء عند تدريسه علم الكلام .
10 - الباقيات الصالحات : وهي رسالة عملية ، في مقدمتها (رسالة أصول الدين) هذه التي نقدم لها ، ونقدمها للقارئين .
11 - البصائر الربانية ، في إثبات الصانع والوحدانية : ألفها سنة 1337 عند بحثه في الموضوع في ليالي شهر رمضان المبارك في
(208)
كربلاء .
12 - البوارق الفارقة على أعناق المارقة : في الرد على الصواعق المحرقة ، ثم تأليفها سنة 1348 .
13 - البينات والزبر في وجوه أدلة العصمة للأربعة عشر .
14 - حاشية على شرح التجريد : وهو تعليقة على شوارق الإلهام للاهيجي .
15 - حاشية على ينابيع المودة للقندوزي : في الاستدلال ببعض الأحاديث على الإمامة .
16 - الحجة البالغة (بالفارسية) : في أصول الدين ، طبع سنة 1364 في مشهد المقدسة .
17 - حقائق الصدق في أصول الدين الحق .
18 - دعوة الحق إلى أئمة الخلق : رسالة كبيرة في رد الدعوة الخبيثة الوهابية ، وإثبات إمامة أئمة الهدى ، في جزءين ، طبع الأول منهما سنة 1347 بمطبعة النجاح في بغداد ، والجزء الثاني لا يزال مخطوطا .
19 - رسالة في الشعائر الحسينية : كراسة صغيرة ، ألفها سنة 1347 ، وطبعت سنة 1348 بمطبعة النجاح في بغداد ، في 12 صفحة ، وأعيد طبعها كاملة ، بالأفسيت - ضمن كتاب " عزاداري أز ديدكاه مرجعيت شيعة " تأليف علي رباني خلخالي ، في قم .
20 - رسالة في فعل القادر المختار : في إثبات العدل والرد على المجبرة والقدرية الكفار .
21 - الشجرة الطيبة : سبعة وعشرون فصلا في الإمامة والفضائل .
22 - علم الإنسان بخلق القرآن :
(209)
رسالة مختصرة في الموضوع ، وحسم الخلاف فيه .
23 - عين العيان : تعليقة على رسالة في (التوحيد) لبعض الأساطين الأعيان .
24 - القرعة (بالفارسية) : في الإمامة ، وجمع آيات من القرآن في ذم النواصب . ألفها سنة 1330 .
25 - لسان الصدق : كتاب كبير يبحث في الإمامة الكبرى .
26 - مخالفة مذهب السنة للكتاب والسنة : حاشية على (الموطأ) لمالك ، مشتمل على دورة فقهية كاملة ، وإثبات بدع المخالفين في أحكام الدين المبين .
27 - المسائل النفيسة : في إعجاز القرآن ، وبحوث اعتقادية أخرى ، طبعت بمطبعة النجاح في بغداد ، في 26 صفحة .
28 - مصابيح العترة الأطياب ورجم الشياطين النصاب (بالفارسية) : في الإمامة .
29 - المعجزة والاسلام : في أصول الدين ، طبعت بالمطبعة العلمية في النجف ، في ص 348 صفحة .
30 - المغرفة في المعرفة : في الحكمة ، والبحث عن أصالة الوجود أو الماهية . ألفها سنة 1342 وطبعت سنة 1393 ، بتحقيق أخينا المجاهد العلامة الحجة الشهيد المظلوم السيد محمد تقي الحسيني الجلالي في النجف ، مطبعة النعمان ، في 80 صفحة .
31 - مغلاة الغلاة في الرد على الشيخية الغواة .
(210)
32 - نخبة اللوامع ونجبة السواطع : اختصره من كتاب (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية) لشمس الدين السفاريني الحنبلي ، أورد فيه الأصول الكلامية على مذهب الحنابلة ، فرد عليها المصنف بالبراهين الجلية .
33 - نطق الحق (بالفارسية) : في الإمامة .
34 - النور العاقب في تحرير رسالة الشهاب الثاقب : حرر ولخص رسالة الشهاب في رد الصوفية ، تأليف المولى الشيخ محمد حسين نسيب المولى فتح علي . ألفه سنة 1350 .
35 - نور العلم : في بدع العامة . وهناك رسائل غير تامة التأليف لم نذكرها في هذه القائمة .
مصادر الترجمة :
لقد ترجم للسيد المؤلف كل من عاصره أو تأخر عنه ، من مؤلفي التراجم . وفي طليعتهم السيد نفسه ، فقد ألف لنفسه ترجمة ذاتية باسم " لمحه أربعين " باللغة الفارسية عند بلوغه سن الأربعين ، وأضاف عليها ملاحق باللغة العربية لخص فيها ذلك الكتاب . كما أن مشيخته المسماة ب " الصحف المطفرة " ذكر فيها قائمة بأسماء مؤلفاته ومصنفاته . وأما ما كتبه الآخرون فهي :
1 - الترجمة الملحقة بآخر كتابه " دعوة الحق " المطبوع في بغداد ، وهي بقلم الشيخ محمد صالح الكاظمي ، صاحب التاج .
(211)
2 - أحسن الأثر في من أدركناه في القرن الرابع عشر . للشيخ محمد صالح ، المذكور ترجم للمؤلف برقم (9) .
3 - أحسن الوديعة . للسيد محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي ، ترجم للسيد في ذيل ترجمة أستاذه الشيخ محمد تقي الشيرازي زعيم الثورة (ج 1 ص 175 - 178) من الطبعة الثانية .
4 - أنوار الكاظمين . للسيد محمد مهدي ، المذكور ترجم للسيد في ص 125 .
5 - أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات . للسيد علي نقي النقوي اللكنهوي ، ترجم للسيد ترجمة ضافية في الجزء الأول منه ، في 22 صفحة .
6 - نقباء البشر في القرن الرابع عشر من (طبقات أعلام الشيعة) . لشيخنا المولى آغا بزرك الطهراني ، الجزء الرابع ص 1525 ضمن ترجمة والده السيد علي البجستاني ، وفي حرف الماء المخطوط أيضا .
7 - مصفى المقال في مؤلفي علم الرجال . للشيخ آغا بزرك الطهراني .
8 - أعيان الشيعة . للسيد محسن الأمين العاملي ، ترجم له في (ج 50 ص 43) واستدرك عليه السيد صالح الشهرستاني في (ج 52 ص 141) .
9 - شخصيات أدركتها . للسيد صالح الشهرستاني المذكور ص 69 - 72 .
10 - الأعلام . لخير الدين الزركلي (ج 9 ص 38) من الطبعة الثانية .
11 - معجم المؤلفين .
(212)
لعمر رضا كحالة (ج 13 ص 126) .
12 - معارف الرجال . للشيخ محمد حرز الدين النجفي (ج 3 ص 232) .
13 - معجم رجال الفكر والأدب في النجف . للشيخ محمد هادي الأميني ، ص 116 .
14 - الإمام الخراساني .
بقلم كاتب هذا التقديم .
وقد جاء ذكره في معاجم الكتب والمؤلفات والمطبوعات ، وما كتب عن تاريخ كربلاء باعتباره واحدا من كبار رجالاتها البارزين قدس الله روحه ، وأسكنه من الخلد فسيحه . وكتب السيد محمد رضا الحسيني
(213)
(الباقيات الصالحات)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين ، وآله الطاهرين . وبعد ، فهذه رسالة مختصرة فيما يجب على كل مكلف - وهو الإنسان ، البالغ العاقل - معرفته ، والعمل به ، من أصول الدين وفروعه (1) ، على نحو الإجمال ، وتفاصيله في كتبنا المفصلة ، المنشورة لدى أهل العلم والكمال . والله هو المستعان في المبدأ والمآل .
(1) لقد عرفت في التقديم أنا اقتصرنا على قسم أصول الدين من هذا الكتاب في هذه الطبعة .
(214)
مقدمة في أصول الدين
يجب على من بلغ - من الذكور والإناث - وهو عاقل ، قابل للتعلم : أن يحصل اليقين ، والعلم بالأصول الخمسة ، من الأدلة والبراهين - ولو كانت ارتكازية ، دون الاصطلاحات العلمية - ولا يجوز فيها التقليد . وهي خمسة :
الأول : الاعتقاد بوجود الصانع وأنه واحد لا شريك له
والدليل على ذلك : أن لكل صنعة صانعا ، ولكل أثر مؤثرا ، ولكل متحرك محركا . وبالوجدان : العالم - برمته - أعظم صنعة ، والأرضون - وما فوتها - أكبر أثر ،
(215)
والسماوات والكواكب أسرع متحرك . فيكون لها صانع ، هو المؤثر ، المحرك . وبحكمة الصنع تستكشف حكمة الصانع .
وأما وحدانيته :
فلعدم أثر لغيره .
ولأن هذا المعلوم أخبر عن الوحدانية ، والكذب ظلم ، قبيح ، لا يصدر عن الغني الحكيم . ولأنه : لو كان إله آخر ، لأظهر وجوده ، كما أظهر هذا الموجود ، سيما مع إنكار وجوده .
الثاني : الإذعان بأن الصانع عادل
والدليل عليه : أن الظلم قبيح ، والقبيح يمتنع على الحكيم ، لا بمعنى عجزه عنه - لأنه ممكن ، ولا حاجز للممكن عن الواجب - بل ، بمعنى أن الواجب قادر والقادر لا يفعل إلا بداع وغرض ، والواجب حكيم ، غني عن غيره ، فلا يعقل أن يحصل له داع وإرادة إلى القبيح ، وهذا امتناع حكمي ، لا ذاتي . ولأنه يجب أن يكون الصانع شارعا ، والتشريع لا يكون مع احتمال الظلم ، كما سنذكره إن شاء الله .
الثالث : النبوة
يجب اليقين بنبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وآله وسلم .
(216)
بدليل : أن الصانع خلق العالم لغرض صحيح ، ولا يحصل إلا بالتشريع ، وجعل قانون عدل بين الناس ، الذين منهم يحصل الصحيح والسقيم ، وهم مرجع الخير ، والشر ، والفساد ، والهلاك . وبالضرورة ؟ إن الناس يحتاجون إلى المعاشرة والاجتماع ، وذلك مثار الظلم ، والمغالبة ، والمدافعة . فلا بد لهم من رئيس يمنعهم عن المظالم ، يجلبهم إلى المصالح ، ويجربهم على ذلك القانون . وبالضرورة ، يجب أن يكون ذلك القانون ، وذلك الرئيس : عن الواجب الحكيم ، لأن إيكاله إلى المكلفين يوجب أعظم مفسدة . فقد ثبت : أنه يجب أن يكون للمكلفين - من مبدأ الخلق إلى المنتهى - قانون عدل ، وهو : الشريعة ، ورئيس عادل ، وهو : النبي . وحيث إنا - في هذا الزمان - لا نرى أثرا صحيحا ، ولا قانونا صالحا ، إلا لنبوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله ، علمنا - بالضرورة - أنه النبي ، وشريعته هو الدين الصحيح . فإن من سبقه ممن ادعى النبوة لم يبق له دليل ، ولا شريعة صالحة ، فإن الكتب المنسوبة إليهم مشحونة بالأباطيل ، وخلاف ضرورة العقل ، كالتثليث ، والشرك ، وإسناد القبائح إلى الأنبياء ، والمناقضات : كالاعتقاد بالتوحيد والتثليث ، وتحليل شرب الخمر ، ونكاح البنت ، والتجسم ، والجهل للبارئ - تعالى - وغيرها من القبائح . فإذا كان اليهود والنصارى - وهم أولى بالحقانية من غيرهم (1) - على هذا الظهور من البطلان ، والبعد من الحق ! فكيف بغيرهم ؟ ! وكل ذلك بخلاف ما هو معلوم - بالضرورة - من حكمة القرآن ، وجلالة أحكام
(1) أي من أصحاب العقائد والنحل الباطلة ، كالوثنية والملاحدة والثنوية والمادية ، التي لا تعتقد برسالة إلهية سماوية .
(217)
الإسلام ، ومباني هذه الشريعة ، وقدس ساحة سند الأنبياء . صلى الله عليه وآله ، فإن كل جزئي وكلي من أحكام شرعه ، وكيفيات ذاته وصفاته ، وآداب معاشرته وأخلاقه ، كلها دلائل نبوته ، وبراهين رسالته . وأعظم معاجزه وأفضلها ، وأمتنها ، وأكملها : كتابه " القرآن الحكيم " ، حيث إنه أعجز أهل العالم من الجن والإنس - من أن يعارضوا القرآن ، ولو بسورة ذات ثلاث آيات ، مع إقدامهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ، وبذل النفس والنفيس ، وتحمل الأسر والرقية ، والقتل وسبي الذرية .
الرابع : الإمامة
وهي : الرئاسة العامة في الدين والدنيا ، نيابة عن النبي . والدليل على وجوب الاعتقاد بوجود الإمام وتعيينه ، كأدلة النبوة : فإنه - كما يجب على الله تعالى ، لحكمته : جعل النبي ، والشريعة - يجب عليه جعل الإمام نائبا عن النبي ، لحفظ ذلك القانون ، وحفظ العاملين به ، وإلا ، لزم نقض ما أبرم . ولا يجوز - عقلا ونقلا - تفويض أمر الإمامة ، وزمام الأمة إليهم ، لتأديته إلى أعظم فساد ، وهلاك للحرث والنسل ، واستناد كل ذلك إلى الله والرسول . ولكن إذا عين الإمام ، وامتنعت الأمة من القبول ، فكلما سل سيف ، يستند إلى القاتل والمقتول من أولي البغي ، وكما وجدناه - بالضرورة - في عترة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، حيث تواتر حديث : " إني خلفت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي : أهل بيتي ، إن تمسكتم بهما لن تضلوا ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض " .
وفي بعض الصحاح المسلمة : " إني تركت فيكم خليفتين . . . " إلى آخره . وقد تكرر منه صلى الله عليه وآله ذلك في مواضع ومجامع متعددة ، كما صرح به جماعة من الخاصة والعامة ، منهم ابن حجر في (صواعقه) مع ذلك التعصب والنصب !
(218)
وهذا الحديث المتواتر - المعلوم صدوره من لسان الوحي والإلهام - يدل على أمور عظام :
الأول : يدل على نبوة قائله ، عليه وآله أفضل الصلاة والسلام ، لأنه لا يعقل لعاقل أن يصر ويكرر بأمر استقبالي ، مع ظهور موانع كثيرة ، وعلمه بها ، وإخباره عنها ، سيما من يدعي بقاء نبوته إلى يوم القيامة ، وأنه نبي آخر الزمان ، وخاتم النبوات ثم يخبر - جزما - ببقاء كتابه وآله إلى يوم القيام ، وأنهما على الحق والصواب . وأعظم من هذا الأخبار - ظهورا - وقوع ذلك في الخارج ، ومشاهدته عيانا ، إلى ألف سنة وزيادة ، مع كثرة القتل والحبس والتشريد والخوف والفقر فيهم . فهذا الإخبار وهذا البقاء ، لهما من أعظم المعاجز !
الثاني : يدل على عصمة الكتاب ، والعترة الأطياب ، وأنهما ملازمان للحق والصواب ، ومعصومان عن الخطأ والضلال . وإلا ، لم يكن التمسك بهما حافظا عن الضلال إلى يوم القيام . وهذا دليل آخر على خلافة العترة ، حيث اتفق العقل ونص النقل على اشتراط العصمة في الخليفة والإمام ، وحيث إنه لا معصوم في الأمة - سوى العترة - باتفاق الأمة ، وجب عصمة العترة وخلافتهم ، بحكم العقل والنقل .
الثالث :
يدل على دوام العترة ، وخلافتهم إلى يوم القيام ، لوجوه :
الأول : أنه خطاب إلى جميع الأمة إلى يوم القيامة ، لأنه صلى الله عليه وآله نبي الجميع ، فيجب عليه نصب الخليفة للجميع ، ولا وجه لتخصيص بعض دون بعض .
الثاني : أن العترة عدل القرآن ، وزميله القرآن باق إلى يوم القيامة ، فكذا عدله وزميله . الثالث : التأبيد المستفاد من لفظة : (لن) فإن بقاء النفي وتأبيده بالنسبة إلى الأحياء جيلا بعد جيل ، وقبيلا بعد قبيل ؟ وإلا ، فمن مات لا يعقل له ضلالة في المستقبل حتى تنفى بلفظة : (لن) . الرابع : قوله : " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فيه تأكيدات على دوام
(219)
العترة : بلفظة (لن) ونص عدم المفارقة ، وذكر الغاية النهائية . وبذلك تثبت إمامة المهدي عجل الله فرجه ، ورجعة الأئمة .
ثم الواجب تحصيل العلم واليقين بإمامة سيد المتقين ، علي بن أبي طالب ، أمير المؤمنين ، وأنه الخليفة بلا فصل . ثم الحسن السبط الأكبر . ثم الحسين بن علي ، الشهيد بكربلاء . ثم ابنه علي ، زين العابدين . ثم ولده الثمانية ، أبواب الجنة : محمد الباقر . ثم جعفر الصادق ، وهو قلب الأئمة ولسانهم ، ولذا سمي ووصف بالصدق ، وبرزت عنه علومهم ، ونسب إليه مذهبهم . ثم موسى الكاظم . ثم علي الرضا . ثم محمد التقي . ثم علي النقي . ثم الحسن الزكي . ثم صاحب الزمان ، المهدي . والدليل على خلافتهم ، بالعقل والنقل : أما العقل : فلاشتراط العصمة في الإمام ، ولا معصوم في الأمة سواهم . وأيضا : دعواهم الإمامة ، ولم تقع أية مناقشة ، أو تدعى أية وصمة ، في شئ من ذواتهم وحالاتهم وظواهرهم وبواطنهم ، مع كثرة الأعداء والحساد لهم ، وابتلائهم بأعظم الشدائد ، حتى لم يكن فيهم إلا مقتول أو مسموم .
(220)
والتأمل في أحوالهم يؤدي إلى العلم بأن كل واحدة من حالاتهم وتصرفاتهم معجز مستقل ، وبرهان على عصمتهم وإمامتهم . وأيضا : المعاجز المحسوسة - دائما - من مشاهدهم الشريفة . بل صرف توجه النفوس الكاملة ، من القرون السالفة ، من الكملين من الحكماء ، والعاملين من العلماء ، ووفود العامة آلاف ألوف إلى مشاهدهم الشريفة ، وانجذاب قلوب العالمين إليهم ، ومشاهدة الآثار الخيرية ، والبركات بالتوسل بهم لدى رب العالمين ، أدل دليل على أنهم أقرب الخلائق إلى الله تعالى . وهذه الدلالة - مع كثرة تصديق من لا يطعن في تصديقه ، بما لا يحصى - توجب القطع . وأما كثرة الطوائف الأخرى ، على عقائدهم الباطلة ، فكلها مشتملة على شواهد ضرورية على بطلانها ، والحمد لله . وليس في العالم فرقة مجتمعة على شريعة خالية من الأباطيل والمناقضات ، سوى هذا المذهب . وأما النقل : فمن الكتاب : آية التطهير : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وبطهركم تطهيرا) [ (33) الأحزاب 33 ] المختصة بالخمسة الطاهرة ، بإجماع صحاح العامة والخاصة ، وتواتر أحاديث أهل الإسلام . وهذه الطهارة تساوق العصمة ، بل فوقها ، والمعصوم تجب متابعته ، وأن يكون إماما ، لا مأموما لغير المعصوم ، فكيف بالفاجر الظلوم ؟ ! وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) [ (119) التوبة 9 ] .
والصادقون هم الطاهرون ، فإن الكذب أعظم رجس وأخبث دنس .
(221)
وقوله تعالى : (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) [ (17) هود 11 ] .
ولا شاهد للنبي - يكون من النبي صلى الله عليه وآله - كعلي عليه السلام ، فإن تصديق مثل على لنبوة أحد لا يعقل فيه إلا صرف الحق ، وكمال الصدق ، وقد بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وكان تلوا له ، وحذا حذوه ، فهو التالي له ، والخليفة بعده . وقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) [ (59) النساء 4 ] وبين ، وعين ولي الأمر ، بقوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) [ (55) المائدة 5) .
ولم نعرف من آمن وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة في ركوعه ، كما هو نص الآية ، ويكون قابلا لائقا للولاية المشتركة بينه وبين الله وبين رسوله ، من الولاية المطلقة العامة ، ولاية كاملة مستمرة ، على جميع الأمة ، إلا ولاية علي بن أبي طالب ، الذي تواتر في حقه قوله صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " سيما بعد قوله : " الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين " وقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ! " قالوا : بلى ، فقال : " ألا ، فمن كنت مولاه ، فعلي مولاه " . وغيرها من الآيات ، الدالة على إمامتهم ، وبطلان إمامة غيرهم ، وهي أكثر وأوسع من أن تحصر تفاصيلها في كتاب ! فكيف بهذا المجمل الموجز من الخطاب ؟ !
ومن السنة :
فهي أكثر من أن تذكر ، وأشهر من أن تنشر ، بل أسماء الكتب المشهورة المسطورة في الإمامة غير محصورة (1) كيف ؟ ! وكتب هذا المؤلف كثيرة ، تعدادها ينافي وجازة هذه الرسالة القصيرة . ونتبرك بالإشارة إلى اثني عشر حديثا صحيحا أو متواترا عند العامة والخاصة :
(1) راجع مقال " مصادر الإمامة " للشيخ عبد الجبار الرفاعي ، المنشور في مجلة تراثنا ، العدد 18 فما بعده .
(222)
أ - حديث : " اثنا عشر خليفة ، بهم يعز الدين " .
ب - حديث : " من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية " . وبالضرورة ، لا ينطبق إلا على مذهب الشيعة . ج - حديث : " أنا المنذر وأنت الهادي ، وبك - يا علي - يهتدي المهتدون " بعد تلاوة قوله تعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) [ (7) الرعد 13 ] .
د - قوله صلى الله عليه وآله : " علي مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " .
- قوله صلى الله عليه وآله : " ايتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا " . فإنه أراد كتابة خلافة العترة ، فإنها العاصمة من الضلالة أبدا ، على ما هو صريح حديث الثقلين ، ولذلك منعه من قال : إنه يهجر ، حسبنا كتاب الله ! ! ! يعني : لا حاجة لنا إلى ثقلك الآخر ! ! !
و - الحديث المتواتر : " أنا مدينة العلم وعلى بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " . ز - حديث : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . صريح في وجوب إطاعته على الأمة ، وأنه شريكه فيها ، وفي كل منزلة ، إلا النبوة . وأحاديث " الأخوة " شواهد الاتحاد في الآثار والأحكام ، والولاية ! ولذا أنكرها عمر . كما رواه ابن قتيبة في كتابه " الإمامة والسياسة " ، وشايعه ابن تيمية .
ح - حديث : " سدوا الأبواب - الشارعة إلى المسجد - إلا باب علي " . لكونه إماما ، ويحتاج المسجد إليه للجماعة ، والجمعة ، والقضاء ، وبيان الأحكام ، والمواعظ ، وغيرها من شؤون الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام .
ط - حديث : " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تركها غرق " . ى - حديث : " مثل أهل بيتي كباب حطة بني إسرائيل من دخله كان آمنا ، ومن تركه كان كافرا " .
(223)
ك - أحاديث " الوصاية " .
ولذا أنكرها ابن أبي أوفى ، وقال : أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ؟ ! ل - أحاديث : " إن عليا عليه السلام كنفسه صلى الله عليه وآله وسلم " وسيما مع قوله تعالى : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه . . . ) [ (120) التوبة : 9 ] .
والصحاح المتواترة الصريحة في خلافة علي عليه السلام المنقولة عن الحفاظ بواسطة أئمة أهل السنة ذكرناها في كتبنا الكلامية ، كدعوة الحق ، وأصول الشيعة ، والمعجزة والاسلام ، والألفين ، وكلها مطبوعة ، وكلها في جنب " أسنة السنة " كتابنا الكبير ، كقطرة في جنب البحر ، والحمد لله .
الخامس : المعاد
يجب تحصيل اليقين والاعتقاد بالمعاد ، وأن الله يحيي العباد والأجساد بعد الموت ، ليجزي أهل الإيمان والطاعة بالثواب والخلود في الجنة ، ويعاقب الكفار والعاصين بدخول النار . وهذا هو الركن الأهم من أصول الدين ، وهو المانع من وقوع المظالم والمفاسد ، والباعث لتحصيل المصالح والمكارم ، ولذا ترى القرآن الحكيم أكثر ذكر المعاد والوعد والوعيد ، وكرر ، بحيث لم تخل قصة منه ، بل أغلب الآيات فيه إشارة إليه . فإنا شاهدنا - من قديم الدهر - أن جميع القبائح والحروب ، وهلاك الحرث والنسل ، يقع ممن لا عقيدة له بيوم الجزاء . كما علمنا ووجدنا أن الأنبياء والأوصياء والعلماء والأتقياء لم يصدر منهم أدنى ظلم وأذية لأحد ، ولم يوجد منهم قبيح حتى المقدور . فنظام العالم ؟ بنحو تام ، وصلاح بني آدم ، بوجه عام : متوقفان على ثبوت المعاد ، والاعتقاد به .
(224)
أما رأيت في هذه السنين ، كيف أحرق الكفار أقطار الأرضين ، وأبادوا العالمين ، وفعلوا ما لا يصدر من السباع الضاريات ؟ إ (1)
أيعقل ممن يعتقد بالدين ، وعقاب رب العالمين أن يصدر منه بعض هذه المظالم ؟ ! وكذلك ما صدر من بعض المنتحلين الإسلام من المظالم الفظيعة ، فلأجل ضعف العقيدة ، بل عدمها في الحقيقة ، كما هو مشهور من ابن سعد ، ويزيد والوليد ، لعنهم الله فوق المزيد .
وأما الأدلة على إثبات المعاد :
فهي كثيرة ، فقلناها في كتبنا الشهيرة ، ويكفينا أنه مما اتفق عليه جميع المليين ، ولم يمنعه عاقل ، حتى الكفرة وعبدة الأوثان ، فإنهم أيضا يقولون بالثواب والعقاب بعد الموت . كيف ؟ ! وإلا لزم توجه الظلم والقبح إلى قدس ساحة الواجب تعالى ، لأنه خلق الخلق ، وأعطاهم القدرة والأسباب ، وأمهل الظالمين والعاصين ، فقتلوا وآذوا المؤمنين والصالحين ، بأعظم الأذيات ، ثم لم يأخذ حق المظلومين من الظلمة ، ولم يعاقبهم ، ولا أثاب المطيعين ، بل ابتلاهم حتى ماتوا على اعتماد بها أخبر ، وأخر ، من مجئ يوم البقاء ، ونيل أحسن الجزاء ، فهل يجوز عاقل ، أو يشك بعد التصور غافل ، أن يكذب العزيز
(1) يتحدث سماحة السيد المؤلف عما دار في الحرب العالمية الثانية على أيدي الأوربيين الوحوش ، قتلة البشر ، التي طالت من 1939 إلى 1945 م . ويذكرنا هذا الحديث بالحرب الطاحنة التي أشعلها المتأسلمون في بداية هذا القرن ضد الإسلام والمسلمين في إيران طوال ثمانية أعوام ، من 1399 - 1408 ه ، فأفنوا آلافا من شباب المسلمين ضحايا وأباحوا ثرواتهم ، إرضاء للأسياد المستعمرين . ثم الحرب المدمرة التي فرضوها عل الكويت والعراق فأفنوا بها إمكانات البلدين الاقتصادية والبشرية ، وفسحوا المجال لاحتلال الأرض الإسلامية الطاهرة ، هن قبل الكفرة الأوربيين الأرجاس . كما أدخلوا بذلك على المسلمين والاسلام الذل والعار والهوان ، وأثبتوا زيف ادعائهم الانتماء إلى هذا الدين وهذه الأمة .
(225)
الحكيم ؟ ! أو يخلف وعده القادر العليم ؟ !
لا ، والعظيم ، إن أمر المعاد ، ورجوع العباد ، أشهر من الشمس ، وأظهر من الأمس .
" إنتهى "
|