العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 26 > تاريخ الأدب الشيعي في الحويزة و الدورق > 




(177)
تاريخ الأدب الشيعي
في الحويزة والدورق

السيد هادي باليل الموسوي


بسم الله الرحمن الرحيم

     كانت الحويزة والدورق من مراكز الأدب الشيعي في العالم الإسلامي منذ القدم ، ومن أجل هذا فقد ظهر في كلتا الحاضرتين نوابغ في الأدب العربي بصبغة شيعية بحتة ، كالعلامة الكبير ابن السكيت الدورقي في القرن الثالث الهجري ، وشاعر العراق الشهير السيد ابن معتوق الحويزي في القرن الحادي عشر ، وقد امتاز هذان المركزان بالعطاء الأدب الفياض والإبداع الجميل ، والفضل في ذلك كله لمذهب التشيع الذي اعتنقه سكان هاتين الحاضرتين منذ القرون الأولى للإسلام . أما الحويزة ، فقد كانت في حيازة بني أسد ، وأميرهم دبيس بن عفيف الأسدي هو الذي اختطها لمم وحصنها ، ثم سكنها بعد ذلك جماعة من الديلم واتخذوها قلعة لهم في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجري ، على عهد ملوك آل بويه ، وكلتا الطائفتين من الشيعة ولا ينكر ولاؤهم لأهل البيت عليهم السلام . ولما ظهر السادة الموالي في الحويزة ، وأسسوا إمارتهم المشعشعية في المنطقة في منتصف القرن التاسع الهجري ، اتخذوا الحويزة عاصمة لهم واعتنوا بنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام ، فهوت نحوهم أفئدة علماء الشيعة وأدبائهم ، فقصدوا الحويزة


(178)
من أقصى البلاد ، ويمموها من كل فج ووهاد ، فحظوا بترحيب حكام المشعشعيين وإجلالهم ، وأغدقوا عليهم بالعطاء والصلات ، فتجمع أهل العلم والفضل فيها ، وبنيت المدارس ، وبرز الأساتذة والمدرسون ، وقصدها طلاب العلم من جميع أطراف المنطقة .
     ومن أبرز تلك المدارس ، مدرسة آل أبي جامع العاملي ، التي أسست في العقود الأولى للقرن الحادي عشر ، وتخرج منها جماعة من رجال العلم والأدب في المنطقة . ونتيجة لحضور العلماء وسكناهم في الحويزة فقد ألفت فيها الكتب والأسفار ونقلت إليها مخطوطات قيمة من شتى أنحاء المعمورة ، واستنسخت فيها نسخ جليلة ونادرة ، وتأسست فيها مكتبات عامرة تضم كتبا في أنواع العلوم المتداولة آنذاك . ومن أهم تلك المكتبات ، مكتبة السادة الموالي أمراء الحويزة ، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة إلى زماننا هذا في المكتبات العالمية وفي إيران والعراق . وكان علماء هذه المنطقة يمتازون بصبغتهم الأدبية على سواهم بالإضافة إلى تخصصهم في سائر الفنون العلمية ، وذلك لأن الأمراء فيها من صميم العرب ، يتذوقون الشعر والأدب ويعملون على نشره ورفع مستواه ، وكان العلماء والأدباء والشعراء يؤلفون لهم الكتب ويصدرونها بأسمائهم وينظمون القصائد في مدحهم لما يجدونه فيهم من ميل ورغبة في العلم والأدب ، حتى أنك لتجد الحاكم منهم يبش وينفرج ويأمر بالصلات السنية من أجل بيتين من الشعر يقعان موقع القبول منه . ومن جملة من قصد الحويزة ومدح أمراءها الشيخ نجيب الدين علي بن محمد العاملي الشامي ، وفد على أمير الحويزة المولى مبارك بن السيد عبد المطلب المشعشعي ، المتوفى سنة 1026 ه‍ ، ومدحه بهذه المقطوعة :
يا سائلي عن أربي في سفري ومطلبي نجل علي المرتضى سبط النبي العربي أمان كل خائف غياث كل مجدب في عدله وجوده تسمع كل العجب لي مطلب مبارك مبارك بن مطلب الطيب بن الطيب بن الطيب بن الطيب منيل كل نعمة من فضة أو ذهب الأسد الكاسر لا يخشاه فرخ الثعلب



(179)

كما السخال جملة ترعى وجود الأذؤب إذا حللت أرضه نسيت أمي وأبي ومن يكن حيدرة أباه والجد النبي والفرس والترك له دانت وحتى العرب وأسرتي وولدي بنتا يكون أو صبي فكل ما تصفه دون أدنى الرتب
وله أيضا في مدح السيد خلف بن عبد المطلب أخ الممدوح السابق :
إذا جرى ذكر ذي فضل ومكرمة الحمد لله أهل الحمد أن لنا ممن مضى قلت خلوا ذكر من سلفا عن كل ذي كرم ممن مضى خلفا

     وبعث الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطي ، الشاعر الشهير ، قصيدة غراء من البحرين إلى الدورق يمدح بها المولى بدر بن مبارك المشعشعي والي الدورق سنة 1008 هجرية ، يقول في مطلعها :
إلى الملك الوهاب ما في يمينه يمت إذا استنسبته بأبوة يضم عليا في الفخار وطالبا ولكنه بالعرض جد بخيل تمد بباع للفخار طويل إلى جعفر أكرم به وعقيل

     والقصيدة طويلة أثبتها السيد الأمين العاملي في أعيان الشيعة في ترجمة الممدوح .
     وألف الشيخ عبد علي بن رحمة الهويزي ، تلميذ الشيخ البهائي - رحمه الله - رسالة في علم العروض سماها " المشعشعة في العروض " وصدرها باسم المولى السيد خلف بن عبد المطلب المشعشعي الحويزي وأهداها إليه ، وهذا يدل على رواج الأدب في الحويزة ، ذلك الأدب الذي بني على حب أهل البيت وولائهم ، فتبلور وظهر ذلك الحب في شعرهم وإنتاجهم الأدبي ، حتى قال الإسكندري في كتابه " الوسيط في الأدب " في الأدب العربي ، في ترجمة السيد ابن معتوق الحويزي : إنه من كبار شعراء


(180)
الشيعة لنشوئه في دولة شيعية مغالية ، فأفرط في التشيع . . . ! !
     ولأدباء الحويزة فضل على الأدب العربي ، لإبداعهم أوزانا شعرية جديدة لم يسبقهم فيها أحد من أدباء العرب ، ومن تلك الأوزان (البند) الذي ولد ونشأ في الحويزة ، ومنها انتشر إلى الأقطار العربية الأخرى كالعراق والبحرين والحجاز وغيرها . قال العلامة الأمين العاملي في كتابه : معادن الجواهر ونزهة الخواطر 3 / 627 : البند منوال غريب قد يخرج عن أوزان الشعر وقد يوافقها ، اخترعه أهل الحويزة ، وفيه قصائد . أقول : وقد ظهر لي من خلال تحقيقي في أحوال رجال هذه المنطقة ، أنه قل ما وجد محدث أو فقيه أو مفسر في الحويزة إلا وكان له ذوق أدبى وروح شعرية ، حتى الحكام منهم لهم دواوين شعرية لا تزال موجودة في المكتبات ، وما كتبه المؤرخون الحويزيون أيضا يشهد على ذلك ويصور لنا مجتمعا تسوده الروح الأدبية . قال المولى السيد علي خان بن عبد الله الحويزي المشعشعي حاكم الحويزة في الفترة (1112 - 1124 ه‍) في كتابه " الرحلة المكية " يصف ثقافة أهل الحويزة وأدبهم في عصره وما قبل عصره : علم الله أنه كانت لهم خصال حميدة ، وأفعال مرضية ، وذوات زكية ، وشيم عربية ، لو عددتها لم تحصرها الأوراق ، ويكفي أهل الحويزة فخرا أنها دار العلماء ، ومجمع الفضلاء والأتقياء ، ومعدن الأبرار والصلحاء . دار بها الهم مزاح ومن * حل بها حل بدار أمان ما ذكرت من محامدهم إلا القليل ، فكفاها مدحا أن سفلتها أخيار وسكانها أطهار ، وجهالهم لهم جمعيات وجماعات يلقبون بالأحداث ، أدركتهم أنا أيام جدي السيد علي خان ، لهم سجايا وخصال وكرامات وشيم ، حياهم الله من شيب وشبان ، وبحقهم يليق قول القائل :


(181)
تحيى بهم كل أرض ينزلون بها * كأنهم لبقاع الأرض أمطار فوالله قسما بارا إنهم كانوا منات الوافد ، وملاذ الجاني ، وعز الجار ، لم تخط أقدامهم لريبة ، ولم تنطق ألسنتهم بغيبة ، ولم ترمق أعينهم لدنس ومعيبة ، لم أدر لأي فضائلهم أذكر ، لتلك المضائف المعهودة ، أم لتلك المباني المشيودة ، أم لتلك الموائد المورودة . . . (1) .
     وفي الجملة فإن الأدب الشيعي قد بلغ في الحويزة ذروته في القرون الأربعة الماضية بفضل إرشاد العلماء واهتمام الحكام الموالي أمراء الحويزة ، وقد ذكرت في كتابي " الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق " من علماء الحويزة وأدبائها وشعرائها والمفسرين والمحدثين فيها أكثر من مائة وأحد عشر رجلا ، ترجمت لهم بها وصل إلي من حياتهم العلمية والأدبية وذكر نماذج من أدب كل منهم ، نشرت " مجلة الموسم " (2) اللبنانية فهرسا لأسمائهم حسب حروف الهجاء مع ذكر تاريخ وفياتهم . أما الدورق : فإنه ثالث المدارس الأدبية بعد الكوفة والبصرة ، ولأهله انطباع ، وتأثر بالأدب البصري ، وهو أقدم حضارة من الحويزة ومن البصرة أيضا ، إذ أن البصرة مصرت على عهد الخليفة الثاني ، بينما كان الدورق بلدا حافلا بمعالم الحضارة قبل الإسلام ، وفتحته الجيوش الإسلامية سنة 16 هجرية بقيادة أبي موسى الأشعري ، وارتفع عدد سكانه لخصبه وقربه من الحدود الشرقية للعراق . وقد طبعت الحوادث التاريخية مدى القرون طابعا شيعيا على أهل الدورق بعد أن كانوا شيعة في العقيدة منذ القدم ، فنشأ فيها رجال كبار في عالم التشيع ، عاصر بعضهم أئمة أهل البيت عليهم السلام ورووا عنهم ، وخدموا المذهب والعلم والأدب بما لا مزيد عليه ، كالثقة الجليل علي بن مهزيار الدورقي ، الذي كان حيا سنة 229 ه‍

(1) الرحلة المكية ، مخطوط : صفحة 221 .
(2) مجلة الموسم ، العدد الأول ، السنة الأولى 1409 ه‍ ، صفحة 276 .



(182)
وله ثلاثة وثلاثون كتابا ، روى عن الأئمة أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن علي الهادي عليهم السلام .
     وأبي يوسف يعقوب بن إسحاق ، المعروف بابن السكيت الدورقي ، وهو من خواص الإمامين النقيين عليهما السلام وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر والنحو واللغة ، وله تصانيف كثيرة ، قتله المتوكل العباسي سنة 244 ه‍ . وكان لأهل الدورق ثبات في العقيدة مما جعلهم يتحدون كثيرا من التيارات العقائدية والحركات السياسية المشوبة بالمذاهب المختلفة ، كفتن الخوارج والزنوج والقرامطة واصطدامات العباسيين بالعلويين ، وفي أكثر هذه الحوادث كان الدورق عرضة للفتن والغارات . وبالرغم من قرب الدورق إلى مدينة جبى بلد أئمة المعتزلة ، ووقوعه عرضة لجميع تلك الحوادث ، لا يجد المنقب في عقائد سكانه خارجيا أو منحرفا عن ولاء أهل البيت عليهم السلام .
     وبالرغم - أيضا - من اضطهاد بني العباس للموالين لأهل البيت وتتبعهم في أقصى البلاد وأدناها ، فإن بذرة التشيع كانت محفوظة في هذا البلد ، تنتظر المناخ الملائم والظروف المناسبة لتنشأ وتعطي ثمرتها كما ينبغي ، حتى ظهرت الإمارة المشعشعية في مطلع القرن التاسع ، فكانت الدورق إحدى الحاضرتين لهذه الإمارة ، إحداهما الحويزة والأخرى هي الدورق ، وربما فضلها المشعشعيون لخصوبة أرضها ونقاء هوائها بالنسبة للحويزة ، فاختاروها وطنا لهم . وكان أمراؤها قبل ذلك طائفة من بني تميم ، نزحوا إليها من نجد في أواخر القرن التاسع رغبة في جوار المشعشعيين لأنهم كانوا من الشيعة أيضا ، وكان بنو تميم أمراء الدورق يجلون العلماء والأدباء والشعراء ويصلونهم ، وفي ذلك يقول أبو البحر الخطي في قصيدة يمدح بها المولى خلف بن السيد عبد المطلب المشعشعي ، يتطرق فيها لبني تميم أمراء الدورق ويذكر إحسانهم للسادة الموالي ، لأنهم أخوال المولى المذكور وقد نظم قصيدته هذه سنة 1016 ه‍ :


(183)
سقى الله حيا من تميم بقدر ما هم أوطأونا ساحة العسر بعدما فلم تبلغ الأم الرؤوم ببرها شربنا بأيديهم من النائل الغمر أذلت خطى أقدامنا عثرة العسر بنيها مدى ما أسلفونا من البر

     وفي سنة 970 ه‍ عاد الحكم في الدورق إلى السادة الموالي أمراء المشعشعيين ، وأصبح السيد عبد المطلب بن حيدر المشعشعي واليا على الدورق ، وكان عالما فاضلا جليل القدر فقصده العلماء والأدباء ولجأ إليه المطاردون من قبل حكام الظلم والجور . ومن جملة اللاجئين إليه الشيخ علي بن أحمد ابن أبي جامع العاملي ، فإنه فر بأهله وعياله من بلاده جبل عامل بعد مقتل الشهيد الثاني رحمه الله خوفا من الظالمين ، فأقام بكربلاء مدة فوشي به ، فأمر السلطان العثماني بالقبض عليه وتسييره إليه ، فخرج الشيخ المذكور بأهله وعياله إلى بلاد إيران ، وحينما وصل الدورق رحب به المولى عبد المطلب والي البلد وأحسن وفادته وأكرمه وصرف رأيه عن بلاد العجم ، وحسن له الإقامة في الدورق والإفادة والتدريس وخلاصة العلم ونشر مذهب أهل البيت عليهم السلام ، فقبل الشيخ وقام هو مع بقية أهل العلم وبمساندة الوالي بالارشاد والتدريس ، فكان حصيلة ذلك أن تخرج على أيديهم نخبة صالحة من العلماء والأدباء ، أحدهم العلامة الجليل المولى خلف بن والي الدورق ، صاحب التأليفات النفيسة في الحديث والأدب والمنطق وسائر الفنون العلمية . وأخذ العلماء والأدباء يتوافدون على الدورق فيحظون بالترحيب والاكرام من قبل الولاة مما يحبب لهم السكنى فيها ، حتى أصبح البلد حافلا بالعلماء والأدباء والشعراء ، وظهر الانتاج العلمي والأدبي ، وكثرت التصانيف ، وازداد عدد المجالس العلمية والأدبية من بداية القرن الحادي عشر فما بعد ، وتد ظهرت في تلك الفترة شخصيات علمية كثيرة ، كما عرفت عترة بيوتات بالعلم والفضيلة من السادة المشعشعيين ، ومن غيرهم من العلويين والطريحيين والكعبيين ، وغيرهم ، ذكرت جملة منهم في كتابي " الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق " .


(184)

     وقد أسست في الدورق عدة مدارس ، أشار السيد عبد الله الجزائري إلى بعضها في كتابه " الإجازة الكبيرة " وأشار في الضمن إلى بعض أساتذتها ومدرسيها ، وذكر أنه تلقى بعض العلوم فيها ، ومن جملة تلك المدارس (المدرسة الإبراهيمية) في القرن الثاني عشر ، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة في المكتبات الكبيرة كما في المكتبة المركزية لجامعة طهران . وبفضل تلك الحركة العلمية والأدبية خلد علماء الدورق وأدباؤها آثارا قيمة في شتى مجالات العلم والأدب ، وأفاضوا على الأدب العربي فضلا بطابع شيعي يستحق المزيد من العناية والتقدير ، فلو لاحظنا (البند) وهو نموذج من الأدب العربي الشيعي ، لوجدنا أن أكبر شعرائه وأجودهم وأكثرهم نظما فيه هو العلامة الأديب السيد علي ابن باليل الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1100 ه‍ ، وقد بلغ الذروة في هذا النوع من الأدب الذي ولد ونشأ في الأوساط الأدبية الشيعية ، كما أن تصنيفه الموسوم ب‍ " المستطاب "
     في شرح كتاب النحو لسيبويه المعروف ب‍ " الكتاب " يبين لنا مدى اهتمام علماء هذا البلد باللغة العربية وحرصهم على كشف غوامضها ومعرفة أسرارها ، وكذلك كتابه الموسوم ب‍ " قلائد الغيد " له مرتبة سامية في الأدب العرفاني الرفيع . كما أن للشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي ، المتوفى سنة 1130 ه‍ عدة آثار أدبية هي خير شاهد على مستوى الأدب في هذا البلد . وقد اعترف المستشرق الألماني بروكلمان في كتاب " تاريخ الأدب العربي " بحقه واعتبره من رواد الأدب العربي ، وأشار إلى آثار الأدبية الممتعة في مكتبات الغرب . كما أن شرح الشيخ جمال الدين بن إسكندر الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1150 ه ، على نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فيه دلالة واضحة على مكانة الأدب العربي ومقامه ، ومدى اهتمام علماء الدورق به آنذاك . وهذه الآثار الأدبية وغيرها ، التي لا تزال مبعثرة في شتى أنحاء العالم ، ما هي إلا شئ يسير من تراث أدبي كثير خلفه لنا علماء الدورق ، وقد لعبت به أيدي


(185)
الزمان ، وجارت على بعضه يد الإنسان .
     قال العلامة السيد نعمة الله الجزائري - رحمه الله - في كتابه " مسكن الشجون في جواز الفرار من الطاعون " : في سنة 1102 أصاب الطاعون مدينة الدورق ، فأهلك عددا كبيرا من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء ، فعطلت المدارس وخلت المساجد فسميت تلك السنة بعام الحزن . وطبيعي أن نكبة كهذه التي يذكرها السيد الجزائري تترك الآثار النفيسة ضائعة ، إذ لا يعرف قدر العلم إلا العالم ، ولا يقيم وزنا للأديب إلا الأديب .
     ثم جرت بعد تلك النكبة حوادث لا طائل من ذكرها ، كانت سببا لضياع معظم ذلك التراث القيم ، إلى أن انتقل الناس من الدورق القديمة إلى مدينة الفلاحية حدود سنة 1160 ه‍ ، وذلك إبان ظهور الإمارة الكعبية في الدورق ، وكان الكعبيون شيعة اثنا عشريين ، يوقرون العلماء ويعظمونهم ويعطفون على الشعراء والأدباء . ولهذا ، فقد أخذت الحركة العلمية والأدبية تستعيد نشاطها في الفلاحية من الدورق بعد أن أصيبت بالتفكك والخمول في الدورق القديمة . ونظرا لما كان يولونه حكام كعب من إكرام وحفاوة بأهل العلم والفضيلة ، وما يبدون من ود واحترام للمنتسبين لأهل البيت عليهم السلام ، فقد ظهرت بيوتات علمية جديدة في الفلاحية ، وقصدها العلماء والأدباء والشعراء ، وكان البلد كثير الخيرات وافر الأرزاق فانجذبت نحوه نفوس الشيعة . ويذكر أن أمراء الكعبيين راسلوا جماعة من علماء النجف الأشرف ، وطلبوا منهم القدوم إلى الفلاحية بأهليهم وعيالهم وضمنوا لهم القيام بكل متطلباتهم وشؤون حياتهم ، خدمة للدين وحبا لنشر العلم ، وكان لأحد أمرائهم - وهو الشيخ بركات بن عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي الدورقي ، المتوفى سنة 1197 ه‍ - خزانة كتب كبيرة في الفلاحية تضم أمهات الكتب وفي الفقه والحديث والتفسير والأدب والتاريخ وغيرها ، وقد فوض أمرها إلى العلامة الشيخ خلف العصفوري ، المتوفى سنة 1208 ه‍ . وكان الشيخ خلف هذا من كبار علماء الشيعة ، وهو ابن أخ العلامة المحدث


(186)
الجليل الشيخ يوسف البحراني ، صاحب الموسوعة الفقهية الموسومة ب‍ " الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة " فدعى الشيخ خلف جماعة من علماء البلد للتحقيق والتنقيح ومقابلة تلك الكتب والاستنساخ ، ومن جملة من آزره في هذا العمل الشيخ محمد بن شمس الدين الطريحي ، ولا تزال بعض نسخ هذه المكتبة موجودة في المكتبات العامة والخامة وعليها ختم مكتبة (الشيخ بركات) وعلى صفحاتها حواش وتعليقات لهذين العالمين الجليلين .
     وفي هذه الفترة من تاريخ الدورق (في نهاية القرن الثاني عشر) ظهرت معالم الأدب الشيعي في أعلى المستويات كما تشهد مخطوطات وآثار تلك الفترة على هذا ، ففي نسخة من ديوان المتنبي أورد المستنسخ هذه الأبيات في قافية اللام : وقيل له وهو بالكوفة : لم لا تقول في أهل البيت رضوان الله عليهم شيئا ؟ فقال :
وتركت مدحي للوصي تعمدا وإذا استقام الشئ قام بذاته إذ كان نورا مستضيئا شاملا وكذاك وصف الشمس يذهب باطلا

     وهذه النسخة من الديوان كتبت سنة 1196 ه‍ في مدينة الفلاحية ، وكاتبها الشيخ عباس بن الشيخ عيسى بن الشيخ إسكندر الفلاحي الأسدي ، من البيوتات العلمية في الفلاحية ، ترجم العلامة الطهراني لجماعة من رجال هذه الأسرة في (" الكرام البررة " ومن جملتهم الشيخ إسكندر بن عيسى الفلاحي أخ كاتب نسخة الديوان ، وابنه الشيخ عبد علي بن إسكندر الفلاحي ، وللشيخ عبد علي هذا تملك على ظهر النسخة بخطه ، وكان السيد عبد اللطيف الجزائري صاحب كتاب " تحفة العالم " قد ورد الفلاحية سنة 1200 ه‍ في سفره إلى العتبات المقدسات ، فزار الشيخ إسكندر - الآنف الذكر - ووصفه بأنه كان عالما أديبا . . . وهذا يعني أن الأديب الشيعي في الدورق كان واعيا لا تخفى عليه التمويهات والتضليلات . أما ديوان الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي ، فإنه نار على علم ، إذ ما


(187)
سبقه فني الماضين ولا لحقه في المتأخرين شاعر عبر عن ولائه وتفانيه في حب أهل البيت كما عبر هو بذلك السبك الأدبي الرائع . ولو فتش المحقق في أحوال علماء الدورق ، لما وجد عالما ينتسب إلى هذا البلد إلا وله يد في الأدب بغض النظر عن مستواه في سائر الفنون العلمية . فمن يتصفح كتب التراجم يرى شخصيات كبيرة منسوبة إلى هذا البلد قد امتزجت حياتهم بالأدب ، مثل العلامة الكبير الشيخ محمد تقي الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1186 ه‍ ، فإنه مع مستواه العلمي الرفيع ، ومرجعيته العامة آنذاك ، وكونه من أساتذة العلامة السيد بحر العلوم رحمه الله ، فإنه كان يحضر الندوات الأدبية في النجف الأشرف ويساهم في معركة الخميس الشعرية ويحكم فيها .
     ويظهر لي أن هناك روحا أدبية شبه وراثية في بعض البيوتات العلمية ، يتوارثها الأحفاد عن الآباء عن الأجداد إلى عدة ظهور حتى ينقرض المتصفون بالعلم من تلك الأسرة ، كما كانت أسرة العلامة الجليل الشيخ أحمد المحسني الفلاحي ، المتوفى سنة 1247 ه‍ ، فإن هذا العالم الفقيه مع إحاطته وتبحره في الفقه وسائر العلوم الإسلامية ، له ديوان شعر حسن طافح بحب أهل البيت وولائهم ، وكذلك ابنه العلامة الشيخ حسن الفلاحي ، المتوفى سنة 1272 ه‍ ، فإنه من كبار أدباء زمانه وله ديوان شعر جله في أهل البيت عليهم السلام . وقد سرت هذه الروح الأدبية إلى ولديه الشيخ موسى والشيخ محمد ابني الشيخ حسن ، ففاقا أباهما وجدهما في المجال الأدبي ، ولكل منهما ديوان شعر يفوح منه شذا التشيع الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا تمويه . وعلى هذا نشأ وشب خلفهم العالم الجليل الشاعر الأديب الشيخ سلمان بن محمد بن حسن بن أحمد المحسني الفلاحي ، المتوفى سنة 1340 ه‍ ، ففي شعره ومخطوطاته الأدبية دلالة جلية على مقامه الأدبي الرفيع هذا . وقد كان الجد الأعلى لهذه الأسرة ، أي الشيخ أحمد المحسني ، من أهل الأحساء فخرج بأهله وعياله فارا من الأحساء على أثر ظلم الوهابيين ومطاردتهم


(188)
لعلماء الشيعة ، فوجد في الفلاحية (الدورق) مأمنا له ، فحط رحل سيره فيها سنة 1213 ه‍ .
     وجدير بأن يستهويه ذلك البلد الذي ولد ونشأ وترعرع على تربته ثلة من كبار شعراء الشيعة ، مثل ناعية الحسين الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي وأمثاله من محبي أهل البيت عليهم السلام .


(189)



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007