|
|
 |
| العدد 26 > تاريخ الأدب الشيعي في الحويزة و الدورق > |
(177)
تاريخ الأدب الشيعي في الحويزة والدورق
السيد هادي باليل الموسوي
بسم الله الرحمن الرحيم
كانت الحويزة والدورق من مراكز الأدب الشيعي في العالم الإسلامي منذ القدم ، ومن أجل هذا فقد ظهر في كلتا الحاضرتين نوابغ في الأدب العربي بصبغة شيعية بحتة ، كالعلامة الكبير ابن السكيت الدورقي في القرن الثالث الهجري ، وشاعر العراق الشهير السيد ابن معتوق الحويزي في القرن الحادي عشر ، وقد امتاز هذان المركزان بالعطاء الأدب الفياض والإبداع الجميل ، والفضل في ذلك كله لمذهب التشيع الذي اعتنقه سكان هاتين الحاضرتين منذ القرون الأولى للإسلام . أما الحويزة ، فقد كانت في حيازة بني أسد ، وأميرهم دبيس بن عفيف الأسدي هو الذي اختطها لمم وحصنها ، ثم سكنها بعد ذلك جماعة من الديلم واتخذوها قلعة لهم في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجري ، على عهد ملوك آل بويه ، وكلتا الطائفتين من الشيعة ولا ينكر ولاؤهم لأهل البيت عليهم السلام . ولما ظهر السادة الموالي في الحويزة ، وأسسوا إمارتهم المشعشعية في المنطقة في منتصف القرن التاسع الهجري ، اتخذوا الحويزة عاصمة لهم واعتنوا بنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام ، فهوت نحوهم أفئدة علماء الشيعة وأدبائهم ، فقصدوا الحويزة
(178)
من أقصى البلاد ، ويمموها من كل فج ووهاد ، فحظوا بترحيب حكام المشعشعيين وإجلالهم ، وأغدقوا عليهم بالعطاء والصلات ، فتجمع أهل العلم والفضل فيها ، وبنيت المدارس ، وبرز الأساتذة والمدرسون ، وقصدها طلاب العلم من جميع أطراف المنطقة .
ومن أبرز تلك المدارس ، مدرسة آل أبي جامع العاملي ، التي أسست في العقود الأولى للقرن الحادي عشر ، وتخرج منها جماعة من رجال العلم والأدب في المنطقة . ونتيجة لحضور العلماء وسكناهم في الحويزة فقد ألفت فيها الكتب والأسفار ونقلت إليها مخطوطات قيمة من شتى أنحاء المعمورة ، واستنسخت فيها نسخ جليلة ونادرة ، وتأسست فيها مكتبات عامرة تضم كتبا في أنواع العلوم المتداولة آنذاك . ومن أهم تلك المكتبات ، مكتبة السادة الموالي أمراء الحويزة ، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة إلى زماننا هذا في المكتبات العالمية وفي إيران والعراق . وكان علماء هذه المنطقة يمتازون بصبغتهم الأدبية على سواهم بالإضافة إلى تخصصهم في سائر الفنون العلمية ، وذلك لأن الأمراء فيها من صميم العرب ، يتذوقون الشعر والأدب ويعملون على نشره ورفع مستواه ، وكان العلماء والأدباء والشعراء يؤلفون لهم الكتب ويصدرونها بأسمائهم وينظمون القصائد في مدحهم لما يجدونه فيهم من ميل ورغبة في العلم والأدب ، حتى أنك لتجد الحاكم منهم يبش وينفرج ويأمر بالصلات السنية من أجل بيتين من الشعر يقعان موقع القبول منه . ومن جملة من قصد الحويزة ومدح أمراءها الشيخ نجيب الدين علي بن محمد العاملي الشامي ، وفد على أمير الحويزة المولى مبارك بن السيد عبد المطلب المشعشعي ، المتوفى سنة 1026 ه ، ومدحه بهذه المقطوعة :
|
يا سائلي عن أربي في سفري ومطلبي
نجل علي المرتضى سبط النبي العربي
أمان كل خائف غياث كل مجدب
في عدله وجوده تسمع كل العجب
| |
لي مطلب مبارك مبارك بن مطلب
الطيب بن الطيب بن الطيب بن الطيب
منيل كل نعمة من فضة أو ذهب
الأسد الكاسر لا يخشاه فرخ الثعلب
|
(179)
|
كما السخال جملة ترعى وجود الأذؤب
إذا حللت أرضه نسيت أمي وأبي
ومن يكن حيدرة أباه والجد النبي
| |
والفرس والترك له دانت وحتى العرب
وأسرتي وولدي بنتا يكون أو صبي
فكل ما تصفه دون أدنى الرتب
|
وله أيضا في مدح السيد خلف بن عبد المطلب أخ الممدوح السابق :
|
إذا جرى ذكر ذي فضل ومكرمة
الحمد لله أهل الحمد أن لنا
| |
ممن مضى قلت خلوا ذكر من سلفا
عن كل ذي كرم ممن مضى خلفا
|
وبعث الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطي ، الشاعر الشهير ، قصيدة غراء من البحرين إلى الدورق يمدح بها المولى بدر بن مبارك المشعشعي والي الدورق سنة 1008 هجرية ، يقول في مطلعها :
|
إلى الملك الوهاب ما في يمينه
يمت إذا استنسبته بأبوة
يضم عليا في الفخار وطالبا
| |
ولكنه بالعرض جد بخيل
تمد بباع للفخار طويل
إلى جعفر أكرم به وعقيل
|
والقصيدة طويلة أثبتها السيد الأمين العاملي في أعيان الشيعة في ترجمة الممدوح .
وألف الشيخ عبد علي بن رحمة الهويزي ، تلميذ الشيخ البهائي - رحمه الله - رسالة في علم العروض سماها " المشعشعة في العروض " وصدرها باسم المولى السيد خلف بن عبد المطلب المشعشعي الحويزي وأهداها إليه ، وهذا يدل على رواج الأدب في الحويزة ، ذلك الأدب الذي بني على حب أهل البيت وولائهم ، فتبلور وظهر ذلك الحب في شعرهم وإنتاجهم الأدبي ، حتى قال الإسكندري في كتابه " الوسيط في الأدب " في الأدب العربي ، في ترجمة السيد ابن معتوق الحويزي : إنه من كبار شعراء
(180)
الشيعة لنشوئه في دولة شيعية مغالية ، فأفرط في التشيع . . . ! !
ولأدباء الحويزة فضل على الأدب العربي ، لإبداعهم أوزانا شعرية جديدة لم يسبقهم فيها أحد من أدباء العرب ، ومن تلك الأوزان (البند) الذي ولد ونشأ في الحويزة ، ومنها انتشر إلى الأقطار العربية الأخرى كالعراق والبحرين والحجاز وغيرها . قال العلامة الأمين العاملي في كتابه : معادن الجواهر ونزهة الخواطر 3 / 627 : البند منوال غريب قد يخرج عن أوزان الشعر وقد يوافقها ، اخترعه أهل الحويزة ، وفيه قصائد . أقول : وقد ظهر لي من خلال تحقيقي في أحوال رجال هذه المنطقة ، أنه قل ما وجد محدث أو فقيه أو مفسر في الحويزة إلا وكان له ذوق أدبى وروح شعرية ، حتى الحكام منهم لهم دواوين شعرية لا تزال موجودة في المكتبات ، وما كتبه المؤرخون الحويزيون أيضا يشهد على ذلك ويصور لنا مجتمعا تسوده الروح الأدبية . قال المولى السيد علي خان بن عبد الله الحويزي المشعشعي حاكم الحويزة في الفترة (1112 - 1124 ه) في كتابه " الرحلة المكية " يصف ثقافة أهل الحويزة وأدبهم في عصره وما قبل عصره : علم الله أنه كانت لهم خصال حميدة ، وأفعال مرضية ، وذوات زكية ، وشيم عربية ، لو عددتها لم تحصرها الأوراق ، ويكفي أهل الحويزة فخرا أنها دار العلماء ، ومجمع الفضلاء والأتقياء ، ومعدن الأبرار والصلحاء . دار بها الهم مزاح ومن * حل بها حل بدار أمان ما ذكرت من محامدهم إلا القليل ، فكفاها مدحا أن سفلتها أخيار وسكانها أطهار ، وجهالهم لهم جمعيات وجماعات يلقبون بالأحداث ، أدركتهم أنا أيام جدي السيد علي خان ، لهم سجايا وخصال وكرامات وشيم ، حياهم الله من شيب وشبان ، وبحقهم يليق قول القائل :
(181)
تحيى بهم كل أرض ينزلون بها * كأنهم لبقاع الأرض أمطار فوالله قسما بارا إنهم كانوا منات الوافد ، وملاذ الجاني ، وعز الجار ، لم تخط أقدامهم لريبة ، ولم تنطق ألسنتهم بغيبة ، ولم ترمق أعينهم لدنس ومعيبة ، لم أدر لأي فضائلهم أذكر ، لتلك المضائف المعهودة ، أم لتلك المباني المشيودة ، أم لتلك الموائد المورودة . . . (1) .
وفي الجملة فإن الأدب الشيعي قد بلغ في الحويزة ذروته في القرون الأربعة الماضية بفضل إرشاد العلماء واهتمام الحكام الموالي أمراء الحويزة ، وقد ذكرت في كتابي " الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق " من علماء الحويزة وأدبائها وشعرائها والمفسرين والمحدثين فيها أكثر من مائة وأحد عشر رجلا ، ترجمت لهم بها وصل إلي من حياتهم العلمية والأدبية وذكر نماذج من أدب كل منهم ، نشرت " مجلة الموسم " (2) اللبنانية فهرسا لأسمائهم حسب حروف الهجاء مع ذكر تاريخ وفياتهم . أما الدورق : فإنه ثالث المدارس الأدبية بعد الكوفة والبصرة ، ولأهله انطباع ، وتأثر بالأدب البصري ، وهو أقدم حضارة من الحويزة ومن البصرة أيضا ، إذ أن البصرة مصرت على عهد الخليفة الثاني ، بينما كان الدورق بلدا حافلا بمعالم الحضارة قبل الإسلام ، وفتحته الجيوش الإسلامية سنة 16 هجرية بقيادة أبي موسى الأشعري ، وارتفع عدد سكانه لخصبه وقربه من الحدود الشرقية للعراق . وقد طبعت الحوادث التاريخية مدى القرون طابعا شيعيا على أهل الدورق بعد أن كانوا شيعة في العقيدة منذ القدم ، فنشأ فيها رجال كبار في عالم التشيع ، عاصر بعضهم أئمة أهل البيت عليهم السلام ورووا عنهم ، وخدموا المذهب والعلم والأدب بما لا مزيد عليه ، كالثقة الجليل علي بن مهزيار الدورقي ، الذي كان حيا سنة 229 ه
(1) الرحلة المكية ، مخطوط : صفحة 221 . (2) مجلة الموسم ، العدد الأول ، السنة الأولى 1409 ه ، صفحة 276 .
(182)
وله ثلاثة وثلاثون كتابا ، روى عن الأئمة أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن علي الهادي عليهم السلام .
وأبي يوسف يعقوب بن إسحاق ، المعروف بابن السكيت الدورقي ، وهو من خواص الإمامين النقيين عليهما السلام وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر والنحو واللغة ، وله تصانيف كثيرة ، قتله المتوكل العباسي سنة 244 ه . وكان لأهل الدورق ثبات في العقيدة مما جعلهم يتحدون كثيرا من التيارات العقائدية والحركات السياسية المشوبة بالمذاهب المختلفة ، كفتن الخوارج والزنوج والقرامطة واصطدامات العباسيين بالعلويين ، وفي أكثر هذه الحوادث كان الدورق عرضة للفتن والغارات . وبالرغم من قرب الدورق إلى مدينة جبى بلد أئمة المعتزلة ، ووقوعه عرضة لجميع تلك الحوادث ، لا يجد المنقب في عقائد سكانه خارجيا أو منحرفا عن ولاء أهل البيت عليهم السلام .
وبالرغم - أيضا - من اضطهاد بني العباس للموالين لأهل البيت وتتبعهم في أقصى البلاد وأدناها ، فإن بذرة التشيع كانت محفوظة في هذا البلد ، تنتظر المناخ الملائم والظروف المناسبة لتنشأ وتعطي ثمرتها كما ينبغي ، حتى ظهرت الإمارة المشعشعية في مطلع القرن التاسع ، فكانت الدورق إحدى الحاضرتين لهذه الإمارة ، إحداهما الحويزة والأخرى هي الدورق ، وربما فضلها المشعشعيون لخصوبة أرضها ونقاء هوائها بالنسبة للحويزة ، فاختاروها وطنا لهم . وكان أمراؤها قبل ذلك طائفة من بني تميم ، نزحوا إليها من نجد في أواخر القرن التاسع رغبة في جوار المشعشعيين لأنهم كانوا من الشيعة أيضا ، وكان بنو تميم أمراء الدورق يجلون العلماء والأدباء والشعراء ويصلونهم ، وفي ذلك يقول أبو البحر الخطي في قصيدة يمدح بها المولى خلف بن السيد عبد المطلب المشعشعي ، يتطرق فيها لبني تميم أمراء الدورق ويذكر إحسانهم للسادة الموالي ، لأنهم أخوال المولى المذكور وقد نظم قصيدته هذه سنة 1016 ه :
(183)
|
سقى الله حيا من تميم بقدر ما
هم أوطأونا ساحة العسر بعدما
فلم تبلغ الأم الرؤوم ببرها
| |
شربنا بأيديهم من النائل الغمر
أذلت خطى أقدامنا عثرة العسر
بنيها مدى ما أسلفونا من البر
|
وفي سنة 970 ه عاد الحكم في الدورق إلى السادة الموالي أمراء المشعشعيين ، وأصبح السيد عبد المطلب بن حيدر المشعشعي واليا على الدورق ، وكان عالما فاضلا جليل القدر فقصده العلماء والأدباء ولجأ إليه المطاردون من قبل حكام الظلم والجور . ومن جملة اللاجئين إليه الشيخ علي بن أحمد ابن أبي جامع العاملي ، فإنه فر بأهله وعياله من بلاده جبل عامل بعد مقتل الشهيد الثاني رحمه الله خوفا من الظالمين ، فأقام بكربلاء مدة فوشي به ، فأمر السلطان العثماني بالقبض عليه وتسييره إليه ، فخرج الشيخ المذكور بأهله وعياله إلى بلاد إيران ، وحينما وصل الدورق رحب به المولى عبد المطلب والي البلد وأحسن وفادته وأكرمه وصرف رأيه عن بلاد العجم ، وحسن له الإقامة في الدورق والإفادة والتدريس وخلاصة العلم ونشر مذهب أهل البيت عليهم السلام ، فقبل الشيخ وقام هو مع بقية أهل العلم وبمساندة الوالي بالارشاد والتدريس ، فكان حصيلة ذلك أن تخرج على أيديهم نخبة صالحة من العلماء والأدباء ، أحدهم العلامة الجليل المولى خلف بن والي الدورق ، صاحب التأليفات النفيسة في الحديث والأدب والمنطق وسائر الفنون العلمية . وأخذ العلماء والأدباء يتوافدون على الدورق فيحظون بالترحيب والاكرام من قبل الولاة مما يحبب لهم السكنى فيها ، حتى أصبح البلد حافلا بالعلماء والأدباء والشعراء ، وظهر الانتاج العلمي والأدبي ، وكثرت التصانيف ، وازداد عدد المجالس العلمية والأدبية من بداية القرن الحادي عشر فما بعد ، وتد ظهرت في تلك الفترة شخصيات علمية كثيرة ، كما عرفت عترة بيوتات بالعلم والفضيلة من السادة المشعشعيين ، ومن غيرهم من العلويين والطريحيين والكعبيين ، وغيرهم ، ذكرت جملة منهم في كتابي " الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق " .
(184)
وقد أسست في الدورق عدة مدارس ، أشار السيد عبد الله الجزائري إلى بعضها في كتابه " الإجازة الكبيرة " وأشار في الضمن إلى بعض أساتذتها ومدرسيها ، وذكر أنه تلقى بعض العلوم فيها ، ومن جملة تلك المدارس (المدرسة الإبراهيمية) في القرن الثاني عشر ، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة في المكتبات الكبيرة كما في المكتبة المركزية لجامعة طهران . وبفضل تلك الحركة العلمية والأدبية خلد علماء الدورق وأدباؤها آثارا قيمة في شتى مجالات العلم والأدب ، وأفاضوا على الأدب العربي فضلا بطابع شيعي يستحق المزيد من العناية والتقدير ، فلو لاحظنا (البند) وهو نموذج من الأدب العربي الشيعي ، لوجدنا أن أكبر شعرائه وأجودهم وأكثرهم نظما فيه هو العلامة الأديب السيد علي ابن باليل الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1100 ه ، وقد بلغ الذروة في هذا النوع من الأدب الذي ولد ونشأ في الأوساط الأدبية الشيعية ، كما أن تصنيفه الموسوم ب " المستطاب "
في شرح كتاب النحو لسيبويه المعروف ب " الكتاب " يبين لنا مدى اهتمام علماء هذا البلد باللغة العربية وحرصهم على كشف غوامضها ومعرفة أسرارها ، وكذلك كتابه الموسوم ب " قلائد الغيد " له مرتبة سامية في الأدب العرفاني الرفيع . كما أن للشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي ، المتوفى سنة 1130 ه عدة آثار أدبية هي خير شاهد على مستوى الأدب في هذا البلد . وقد اعترف المستشرق الألماني بروكلمان في كتاب " تاريخ الأدب العربي " بحقه واعتبره من رواد الأدب العربي ، وأشار إلى آثار الأدبية الممتعة في مكتبات الغرب . كما أن شرح الشيخ جمال الدين بن إسكندر الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1150 ه ، على نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فيه دلالة واضحة على مكانة الأدب العربي ومقامه ، ومدى اهتمام علماء الدورق به آنذاك . وهذه الآثار الأدبية وغيرها ، التي لا تزال مبعثرة في شتى أنحاء العالم ، ما هي إلا شئ يسير من تراث أدبي كثير خلفه لنا علماء الدورق ، وقد لعبت به أيدي
(185)
الزمان ، وجارت على بعضه يد الإنسان .
قال العلامة السيد نعمة الله الجزائري - رحمه الله - في كتابه " مسكن الشجون في جواز الفرار من الطاعون " : في سنة 1102 أصاب الطاعون مدينة الدورق ، فأهلك عددا كبيرا من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء ، فعطلت المدارس وخلت المساجد فسميت تلك السنة بعام الحزن . وطبيعي أن نكبة كهذه التي يذكرها السيد الجزائري تترك الآثار النفيسة ضائعة ، إذ لا يعرف قدر العلم إلا العالم ، ولا يقيم وزنا للأديب إلا الأديب .
ثم جرت بعد تلك النكبة حوادث لا طائل من ذكرها ، كانت سببا لضياع معظم ذلك التراث القيم ، إلى أن انتقل الناس من الدورق القديمة إلى مدينة الفلاحية حدود سنة 1160 ه ، وذلك إبان ظهور الإمارة الكعبية في الدورق ، وكان الكعبيون شيعة اثنا عشريين ، يوقرون العلماء ويعظمونهم ويعطفون على الشعراء والأدباء . ولهذا ، فقد أخذت الحركة العلمية والأدبية تستعيد نشاطها في الفلاحية من الدورق بعد أن أصيبت بالتفكك والخمول في الدورق القديمة . ونظرا لما كان يولونه حكام كعب من إكرام وحفاوة بأهل العلم والفضيلة ، وما يبدون من ود واحترام للمنتسبين لأهل البيت عليهم السلام ، فقد ظهرت بيوتات علمية جديدة في الفلاحية ، وقصدها العلماء والأدباء والشعراء ، وكان البلد كثير الخيرات وافر الأرزاق فانجذبت نحوه نفوس الشيعة . ويذكر أن أمراء الكعبيين راسلوا جماعة من علماء النجف الأشرف ، وطلبوا منهم القدوم إلى الفلاحية بأهليهم وعيالهم وضمنوا لهم القيام بكل متطلباتهم وشؤون حياتهم ، خدمة للدين وحبا لنشر العلم ، وكان لأحد أمرائهم - وهو الشيخ بركات بن عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي الدورقي ، المتوفى سنة 1197 ه - خزانة كتب كبيرة في الفلاحية تضم أمهات الكتب وفي الفقه والحديث والتفسير والأدب والتاريخ وغيرها ، وقد فوض أمرها إلى العلامة الشيخ خلف العصفوري ، المتوفى سنة 1208 ه . وكان الشيخ خلف هذا من كبار علماء الشيعة ، وهو ابن أخ العلامة المحدث
(186)
الجليل الشيخ يوسف البحراني ، صاحب الموسوعة الفقهية الموسومة ب " الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة " فدعى الشيخ خلف جماعة من علماء البلد للتحقيق والتنقيح ومقابلة تلك الكتب والاستنساخ ، ومن جملة من آزره في هذا العمل الشيخ محمد بن شمس الدين الطريحي ، ولا تزال بعض نسخ هذه المكتبة موجودة في المكتبات العامة والخامة وعليها ختم مكتبة (الشيخ بركات) وعلى صفحاتها حواش وتعليقات لهذين العالمين الجليلين .
وفي هذه الفترة من تاريخ الدورق (في نهاية القرن الثاني عشر) ظهرت معالم الأدب الشيعي في أعلى المستويات كما تشهد مخطوطات وآثار تلك الفترة على هذا ، ففي نسخة من ديوان المتنبي أورد المستنسخ هذه الأبيات في قافية اللام : وقيل له وهو بالكوفة : لم لا تقول في أهل البيت رضوان الله عليهم شيئا ؟ فقال :
|
وتركت مدحي للوصي تعمدا
وإذا استقام الشئ قام بذاته
| |
إذ كان نورا مستضيئا شاملا
وكذاك وصف الشمس يذهب باطلا
|
وهذه النسخة من الديوان كتبت سنة 1196 ه في مدينة الفلاحية ، وكاتبها الشيخ عباس بن الشيخ عيسى بن الشيخ إسكندر الفلاحي الأسدي ، من البيوتات العلمية في الفلاحية ، ترجم العلامة الطهراني لجماعة من رجال هذه الأسرة في (" الكرام البررة " ومن جملتهم الشيخ إسكندر بن عيسى الفلاحي أخ كاتب نسخة الديوان ، وابنه الشيخ عبد علي بن إسكندر الفلاحي ، وللشيخ عبد علي هذا تملك على ظهر النسخة بخطه ، وكان السيد عبد اللطيف الجزائري صاحب كتاب " تحفة العالم " قد ورد الفلاحية سنة 1200 ه في سفره إلى العتبات المقدسات ، فزار الشيخ إسكندر - الآنف الذكر - ووصفه بأنه كان عالما أديبا . . . وهذا يعني أن الأديب الشيعي في الدورق كان واعيا لا تخفى عليه التمويهات والتضليلات . أما ديوان الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي ، فإنه نار على علم ، إذ ما
(187)
سبقه فني الماضين ولا لحقه في المتأخرين شاعر عبر عن ولائه وتفانيه في حب أهل البيت كما عبر هو بذلك السبك الأدبي الرائع . ولو فتش المحقق في أحوال علماء الدورق ، لما وجد عالما ينتسب إلى هذا البلد إلا وله يد في الأدب بغض النظر عن مستواه في سائر الفنون العلمية . فمن يتصفح كتب التراجم يرى شخصيات كبيرة منسوبة إلى هذا البلد قد امتزجت حياتهم بالأدب ، مثل العلامة الكبير الشيخ محمد تقي الدورقي ، المتوفى حدود سنة 1186 ه ، فإنه مع مستواه العلمي الرفيع ، ومرجعيته العامة آنذاك ، وكونه من أساتذة العلامة السيد بحر العلوم رحمه الله ، فإنه كان يحضر الندوات الأدبية في النجف الأشرف ويساهم في معركة الخميس الشعرية ويحكم فيها .
ويظهر لي أن هناك روحا أدبية شبه وراثية في بعض البيوتات العلمية ، يتوارثها الأحفاد عن الآباء عن الأجداد إلى عدة ظهور حتى ينقرض المتصفون بالعلم من تلك الأسرة ، كما كانت أسرة العلامة الجليل الشيخ أحمد المحسني الفلاحي ، المتوفى سنة 1247 ه ، فإن هذا العالم الفقيه مع إحاطته وتبحره في الفقه وسائر العلوم الإسلامية ، له ديوان شعر حسن طافح بحب أهل البيت وولائهم ، وكذلك ابنه العلامة الشيخ حسن الفلاحي ، المتوفى سنة 1272 ه ، فإنه من كبار أدباء زمانه وله ديوان شعر جله في أهل البيت عليهم السلام . وقد سرت هذه الروح الأدبية إلى ولديه الشيخ موسى والشيخ محمد ابني الشيخ حسن ، ففاقا أباهما وجدهما في المجال الأدبي ، ولكل منهما ديوان شعر يفوح منه شذا التشيع الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا تمويه . وعلى هذا نشأ وشب خلفهم العالم الجليل الشاعر الأديب الشيخ سلمان بن محمد بن حسن بن أحمد المحسني الفلاحي ، المتوفى سنة 1340 ه ، ففي شعره ومخطوطاته الأدبية دلالة جلية على مقامه الأدبي الرفيع هذا . وقد كان الجد الأعلى لهذه الأسرة ، أي الشيخ أحمد المحسني ، من أهل الأحساء فخرج بأهله وعياله فارا من الأحساء على أثر ظلم الوهابيين ومطاردتهم
(188)
لعلماء الشيعة ، فوجد في الفلاحية (الدورق) مأمنا له ، فحط رحل سيره فيها سنة 1213 ه .
وجدير بأن يستهويه ذلك البلد الذي ولد ونشأ وترعرع على تربته ثلة من كبار شعراء الشيعة ، مثل ناعية الحسين الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي وأمثاله من محبي أهل البيت عليهم السلام .
(189)
|
|
|