(43)
من الأحاديث الموضوعة (6)
حديث اتباع سنة الخلفاء وإطاعة الأمراء
السيد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين . . . . وبعد ، فهذه رسالة أخرى كتبتها حول حديث آخر . . . . إنه حديث في وجوب إطاعة الأمراء واتباع سنة الخلفاء الراشدين وإن كانت السنة والإمارة على خلاف الموازين . . . . . أخرجوه في غير واحد من أهم أسفارهم ، وجعله غير واحد منهم من أصح أخبارهم . . . ثم اتخذوه مستندا لتبرير أمور وأحكام سابقة ، ومستمسكا لأعمال وقضايا لاحقة . . . . . لقد بحثت عن هذا الحديث بحثا شاملا ، وحققته تحقيقا كاملا ، فجاءت رسالة نافعة للمحققين ، لا تخفى فوائدها على الباحثين . . . . فإليهم أقدم هذا الجهد ، والله من وراء القصد .
(44)
(1) مخرجو الحديث وأسانيده
رواية الترمذي :
أخرج الترمذي قائلا :
" (1) حدثنا علي بن حجر ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال رجل : إن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقد روى ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم نحو هذا ، حدثنا بذلك :
(2) الحسن بن علي الخلال وغير واحد ، قالوا : حدثنا أبو عاصم ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، نحوه . والعرباض بن سارية يكنى : أبا نجيح .
(3) وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر ، عن عرباض بن سارية ، عن
(45)
النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، نحوه " (1) .
رواية أبو داود :
وأخرج أبو داود قائلا : " حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ثور بن يزيد ، قال : حدثني خالد بن معدان ، قال : حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر ، قالا : أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه ، * (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) * - فسلمنا وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين . فقال العرباض : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ذات يوم ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله ، كأن هذا موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " (2) .
رواية ابن ماجة :
وأخرج ابن ماجة قائلا :
" (1) حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا عبد الله بن العلاء - يعني ابن زبر - ، حدثني يحيى بن أبي المطاع ، قال :
(1) صحيح الترمذي 5 / 44 - 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع .
(46)
سمعت العرباض بن سارية يقول :
قام فينا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ذات يوم ، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون . فقيل : يا رسول الله ، وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد . فقال : عليكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا ، وسترون من بعدي اختلافا شديدا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم والأمور المحدثات ، فإن كل بدعة ضلالة .
(2) حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق ، قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، أنه سمع العرباض بن سارية يقول : وعظنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقلنا : يا رسول الله ، إن هذه لموعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ قال : قد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد .
(3) حدثنا يحيى بن حكيم ، ثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي ، ثنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو عن العرباض بن سارية ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم صلاة الصبح ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فوعظنا موعظة بليغة . فذكر نحوه " (3) .
(2) سنن أبي داود 2 / 261 باب في لزوم السنة . (3) سنن ابن ماجة 1 / 15 - 17 باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين .
(47)
رواية أحمد :
وجاء في مسند أحمد :
" (1) حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية - يعني ابن صالح - ، عن ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، أنه سمع العرباض بن سارية ، قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . قلنا : يا رسول الله ، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : قد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بها عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، عضوا عليها بالنواجذ ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد " .
(2) حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا الضحاك بن مخلد ، عن ثور عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن عرباض بن سارية ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الفجر ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين ، ووجلت منها القلوب . قلنا - أو قالوا - : يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا . قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وإن كل بدعة ضلالة .
(3) حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ثور بن يزيد ، ثنا خالد ابن معدان ، قال : ثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر ، قالا : أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه : (ولا على الذين إذا ما أتوك
(48)
لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) - فسلمنا وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين . فقال عرباض :
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
(4) حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ثنا حياة بن شريح ، ثنا بقية ، حدثني بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن ابن أبي بلال ، عن عرباض بن سارية ، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وعظهم يوما بعد صلاة الغداة . فذكره .
(5) حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن خالد بن معدان ، عن ابن أبي بلال ، عن العرباض بن سارية ، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وعظهم يوما بعد صلاة الغداة . فذكره " (4) .
رواية الحاكم :
وأخرج الحاكم قائلا :
" (1) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ثور بن يزيد ، ثنا خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض بن سارية ، قال :
(4) مسند أحمد بن حنبل 4 / 126 .
(49)
صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا .
قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عفوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة . هذا حديث صحيح ليس له علة . وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد ، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة . والذي عندي أنهما - رحمهما الله - توهما أنه لشئ له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد ، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان .
(2) حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب ، ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي ، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي ، ثنا الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو ، عن العرباض بن سارية - من بني سليم ، من أهل الصفة - قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقام فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول .
ثم قال : اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأطيعوا من ولاه الله أمركم ، ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبدا أسود ، وعليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين ، وعضوا على نواجذكم بالحق . هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعا ، ولا أعرف له علة . وقد تابع ضمرة بن حبيب خالد بن معدان على رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي .
(50)
(3) حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري ، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي . وأخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل ، ثنا الفضل بن محمد ، قالا : ثنا أبو صالح ، عن معاوية بن صالح . وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - ، عن معاوية بن صالح . عن ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، أنه سمع العرباض ابن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقلنا يا رسول الله ، إن هذا لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : قد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، عضوا عليها بالنواجذ . فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث : فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد . وقد تابع عبد الرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام : منهم : حجر بن حجر الكلاعي :
(4) حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي ، ثنا موسى بن أيوب النصيبي وصفوان بن صالح الدمشقي ، قالا : ثنا الوليد ابن مسلم الدمشقي ، ثنا ثور بن يزيد ، حدثني خالد بن معدان ، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، وحجر بن حجر الكلاعي ، قالا : أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه : (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا
(51)
يجدوا ما ينفقون ) - فسلمنا وقلنا :
أتيناك زائرين ومقتبسين . فقال العرباض : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب .
فقال قائل : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فما تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة . ومنهم : يحيى بن أبي المطاع القرشي :
(5) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي ، ثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، أنبأ عبد الله بن العلاء بن زيد (5) ، عن يحيى بن أبي المطاع ، قال : سمعت العرباض بن سارية السلمي يقول : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها الأعين . قال : فقلنا : يا رسول الله ، قد وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا . قال : عليكم بتقوى الله - أظنه قال : والسمع والطاعة - ، وسترى من بعدي اختلافا شديدا - أو : كثيرا ، فعليكم بسن وسنة الخلفاء المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم والمحدثات ، فإن كل بدعة ضلالة . ومنهم : معبد بن عبد الله بن هشام القرشي : وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب ، فتركته . وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدى إليه
(5) كذا والصحيح : زبر .
(52)
اجتهادي ، وكنت فيه كما قال إمام أئمة الحديث شعبة - في حديث عبد الله بن عطاء ، عن عقبة بن عامر ، لما طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكة ، ثم عاد الحديث إلى شهر ابن حوشب فتركه ، ثم قال شعبة - : لئن يصح لي مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين . وقد صح هذا الحديث ، والحمد لله ، وصلى الله على محمد وآله أجمعين " (6) .
(6) المستدرك على الصحيحين 1 / 96 .
(53)
(2) نظرات في أسانيده
نقاط حول السند والدلالة :
كانت تلك أسانيد هذا الحديث وطرقه في أهم كتب الحديث وجوامعه ، ولا بد قبل الورود في النظر في أحوال رجال الأسانيد والرواة أن نشير بإيجاز إلى نكات جديرة بالانتباه إليها . . . .
1 - إن هذا الحديث يكذبه واقع الحال بين الصحابة أنفسهم ، فلقد وجدناهم كثيرا ما يخالفون سنة أبي بكر وعمر ، والمفروض أنهما من الخلفاء الراشدين ، بل لقد خالف الثاني منهما الأول في أكثر من مورد ! ! فلو كان هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقا لما وقعت تلك الخلافات والمخالفات . . . . هذا ما ذكره جماعة . . . وعلى أساسه أولوا الحديث ، وقد نص بعضهم كشارح مسلم الثبوت (7) على ضرورة تأويله . . . . قلت : لكن هذا إنما يضطر إليه فيما لو كان الأصحاب ملتزمين بإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنقادين لأوامره ونواهيه . . . ولكن . . .
2 - إن هذا الحديث بجميع طرقه وأسانيده ينتهي إلى " العرباض بن سارية السلمي " فهو الراوي الوحيد له . . . وهذا مما يورث الشك في صدوره . . . لأن الحديث كان في المسجد . . . وكان بعد الصلاة . . . وكان موعظة بليغة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . . . . ثم طلب منه أن يعهد إلى الأمة . . . فقال . . .
(7) فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت 2 / 231 .
(54)
فكيف لم يروه إلا العرباض ؟ ! ولم لم يرووه إلا عن العرباض ؟ !
3 - إن هذا الحديث إنما حدث به في الشام ، وإنما تناقله وروجه أهل الشام ! وأكثر رواته من أهل حمص بالخصوص ، وهم من أنصار معاوية وأشد أعداء علي أمير المؤمنين عليه السلام (8) .
فبالنظر إلى هذه الناحية ، لا سيما مع ضم النظر في متن الحديث إليه ، لا يبقى وثوق بصدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كيف يوثق بحديث يرويه حمصي عن حمصي عن حمصي ! ! . . . ولا يوجد عند غيرهم من حملة الحديث والأثر علم به ؟ ! وأهل الشام قاطبة غير متحرجين من الافتعال لما ينتهي إلى تشييد سلطان معاوية أو الحط ممن خالفه !
4 - إن هذا الحديث مما أعرض عنه البخاري ومسلم ، وكذا النسائي من أصحاب السنن . . . . وقد بنى غير واحد من العلماء الكبار من أهل السنة على عدم الاعتناء بحديث اتفق الشيخان على الإعراض عنه ، وإن اتفق أرباب السنن على إخراجه والعناية به . . . . قال ابن تيمية بجواب حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة : " هذا الحديث ليس في الصحيحين ، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره ، ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة ، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد " (9) .
قلت : ومن عجيب الاتفاق أن حديث " عليكم بسنتي . . . . " كذلك تماما ، فإنه " ليس في الصحيحين ، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث - كابن القطان - ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة ، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد " بل إنهم بنوا على طرح الخبر إن أعرض عنه البخاري وإن أخرجه مسلم . . .
(8) أنظر كلمة ياقوت عن أهل حمص في معجم البلدان 2 / 304 . (9) منهاج السنة 2 / 102 .
(55)
وهذا ما نص عليه ابن القيم . . . وسننقل عبارته . . . في الفصل اللاحق . وقد جاء في آخرها : " ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به " . قلت : فكذا حديثنا . . . . فلو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به . . . كيف وقد تبعه مسلم . . . وهو بمرأى ومشهد منهما ؟ ! ثم جاء الحاكم النيسابوري . . . . فأراد توجيه إعراضهما عنه بأنهما " توهما . . . " ، أي : إن إعراضهما موهن ، ولكنهما توهما . . . . ولولا ذلك لأخرجاه . . . . وسنرى أن الحاكم هو المتوهم . . . .
5 - ثم إن المخرجين له . . . . منهم من صححه كالترمذي والحاكم ، ومنهم من سكت عنه كأبي داود ، ومنهم من عده في الحسان كالبغوي (10) ومنهم من حكم عليه بالبطلان كابن القطان . . . .
ترجمة العرباض بن سارية الحمصي (11) :
وبعد ، فلننظر في ترجمة الراوي الوحيد لهذا الحديث ، وهو الصحابي " العرباض ابن سارية " : كان من أهل الصفة ، سكن الشام (12) ، ونزل حمص (13) . لم يرو عنه الشيخان ، وإنما ورد حديثه في السنن الأربعة (14) ، مات سنة 75 (15) .
كان يدعى أنه ربع الإسلام ، وهو كذب بلا ريب . . . وكان عمرو بن عتبة أيضا يدعي ذلك ، قال محمد بن عوف : " كل واحد من العرباض بن سارية وعمرو بن عتبة
(10) مصابيح السنة 1 / 159 . (11) تاريخ دمشق 11 / 531 . (12) الإستيعاب 3 / 1238 . (13) الإصابة 2 / 447 ، تحفة الأحوذي 7 / 438 . (14) الإصابة 2 / 447 ، تهذيب التهذيب 7 / 157 . (15) الإصابة 2 / 447 ، تهذيب التهذيب 7 / 158 .
(56)
يقول : أنا ربع الإسلام ، لا ندري أيهما أسلم قبل صاحبه ؟ ! " (16) .
وكان يقول : " عتبة خير مني سبقني إلى النبي بسنة " . وهذا كذب كذلك ، وقد رواه أبناء عساكر والأثير وحجر . . . . بالإسناد عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، بسنده عن شريح بن عبد ، قال : " كان عتبة يقول : عرباض خير مني وعرباض يقول : عتبة خير مني سبقني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنة " (17) .
والذي يبين كذبه بوضوح ما رواه ابن الأثير بترجمة عتبة بسنده إلى شريح ، قال : " قال عتبة بن عبد السلمي : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه رجل وله الاسم لا يحبه حوله . ولقد أتيناه وإنا لسبعة من بني سليم أكبرنا العرباض بن سارية ، فبايعناه جميعا " (18) .
ومن جملة أكاذيبه ما أخرجه أحمد ، قال : " ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية - يعني ابن صالح - ، عن يونس بن سيف ، عن الحارث بن زياد ، عن أبي رهم ، عن العرباض بن سارية السلمي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان : هلموا إلى الغذاء المبارك . ثم سمعته يقول : اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب " (19) .
فإنه - وإن اكتفى ابن القطان بتضعيفه (20) - كذب بلا ارتياب . . . وإلا لأخرج في الصحاح وغيرها وعقد به لمناقب معاوية باب . . . إنه حديث تكذبه الوقائع والحقائق ،
(16) تاريخ دمشق 11 / 532 ، تهذيب التهذيب 7 / 174 . (17) تاريخ دمشق 11 / 534 ، أسد الغابة 3 / 362 ، الإصابة 2 / 447 . (18) أسد الغابة 3 / 362 . (19) مسند أحمد 4 / 127 . (20) المغني عن حمل الأسفار - هامش إحياء العلوم - 1 / 37 .
(57)
والبراهين والوثائق . . . إنه حديث تكذبه الأدلة المحكمة من الكتاب والسنة المتقنة ، القائمة بتحريم ما استباحه معاوية من قتل للنفوس ، وتبديل للأحكام ، وارتكاب للمحرمات القطعية كبيع الخمر والأصنام ، وشرب للخمر وأكل للربا . . . . وغير ذلك مما لا يحصى . . . لكن الرجل سكن بلاد الشام ، ونزل حمص بلد النواصب اللئام . . . وفي ظروف راجت فيها الأكاذيب والافتراءات . . . فجعل يتقول على الله والرسو ل التقولات ، تزلفا إلى الحكام ، وطمعا في الحطام . ثم إن رواة هذا الحديث عن " العرباض بن سارية " هم :
1 - عبد الرحمن بن عمرو السلمي .
2 - حجر بن حجر .
3 - يحيى بن أبي المطاع .
4 - معبد بن عبد الله بن هشام .
أما الرابع فلم أجده إلا عند الحاكم حيث قال : " ومنهم : معبد بن عبد الله بن هشام القرشي " ثم قال : " وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب فتركته " . ترجمة يحيى بن أبي المطاع الشامي : وأما الثالث : " يحيى بن أبي المطاع " : فأولا : لم يرو عنه إلا ابن ماجة (21) .
وثانيا : قال ابن القطان : " لا أعرف حاله " (22) .
وثالثا : إنه كان يروي عن العرباض ولم يلقه . . . وهذه الرواية من ذلك . . . قال الذهبي : " قد استبعد دحيم لقيه العرباض ، فلعله أرسل عنه ، فهذا في
(21) تهذيب التهذيب 11 / 245 . (22) تهذيب التهذيب 11 / 245 .
(58)
الشاميين كثير الوقوع ، يروون عمن لم يلقوهم " (23) .
وقال ابن حجر : " أشار دحيم إلى أن روايته عن عرباض بن سارية مرسلة " (24) .
وقال ابن عساكر والذهبي : " قال أبو زرعة لدحيم تعجبا من حديث الوليد بن سليمان ، قال : صحبت يحيى بن أبي المطاع ، كيف يحدث عبد الله بن العلاء بن زبر عنه أنه سمع العرباض مع قرب عهد يحيى ؟ ! قال : أنا من أنكر الناس لهذا ، والعرباض قديم الموت " (25) .
ترجمة حجر بن حجر الحمصي : وأما الثاني : " حجر بن حجر " : فأولا : هو من أهل حمص . وثانيا : لم يرو عنه إلا أبو داود . قال ابن حجر : " روى عن العرباض بن سارية . وعنه خالد بن معدان . روى له أبو داود حديثا واحدا في طاعة الأمير . قلت : أخرج الحاكم حديثه " (26) .
قلت : وهو هذا الحديث الذي نحن بصدد تكذيبه ، وإليه أشار الذهبي بقوله : " ما حدث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقرونا بآخر " (27) يعني بالآخر : عبد الرحمن بن عمرو السلمي حيث جاء فيه عنهما قالا : " أتينا العرباض . . . " . وثالثا : قال ابن القطان : " لا يعرف " (28) .
(23) ميزان الاعتدال 4 / 410 . (24) تقريب التهذيب 2 / 432 . (25) تاريخ دمشق 18 / 186 ، ميزان الاعتدال 4 / 410 ، تهذيب التهذيب 11 / 245 . (26) تهذيب التهذيب 2 / 188 . (27) ميزان الاعتدال 1 / 466 . (28) تهذيب التهذيب 2 / 188 .
(59)
ترجمة عبد الرحمن بن عمرو الشامي :
وأما الأول : " عبد الرحمن بن عمرو " :
فهو المعروف في رواية هذا الحديث عن " العرباض بن سارية " ، وإليه تنتهي أكثر طرقه في السنن وغيرها . . . وليس له فيها إلا هذا الحديث ، قال ابن حجر : " له في الكتب حديث واحد في الموعظة ، صححه الترمذي . قلت : وابن حبان والحاكم في المستدرك . وزعم القطان الفاسي أنه لا يصح لجهالة حاله " (29) .
فهذا حال رواة هذا الحديث عن " العرباض " . * ثم إن رواته عن هؤلاء هم :
1 - خالد بن معدان .
2 - ضمرة بن حبيب .
3 - عبد الله بن العلاء بن زبر . ترجمه عبد الله بن العلاء الدمشقي : أما " عبد الله بن العلاء بن زبر " : فأولا : كان من أهل الشام ، بل وصفه الذهبي ب " رئيس دمشق " (30) .
وثانيا : أورده الذهبي في (ميزانه) وقال : " قال ابن حزم : ضعفه يحيى وغيره " (31)
ترجمة ضمرة بن حبيب الحمصي :
وأما " ضمرة بن حبيب " :
(29) تهذيب التهذيب 6 / 215 . (30) سير أعلام النبلاء 7 / 350 . (31) ميزان الاعتدال 2 / 463 .
(60)
فأولا : كان من أهل حمص (32)
وثانيا : كان مؤذن المسجد الجامع (33)
ترجمة خالد بن معدان الحمصي :
وأما " خالد بن معدان " العمدة في رواية هذا الحديث ، لكونه الراوي له عن " عبد الرحمن بن عمرو " و " حجر بن حجر " وجميع الأسانيد تنتهي إليه فهو : أولا : من أهل حمص (34) وثانيا : شيخ أهل الشام (35) .
وثالثا : كان صاحب شرطة يزيد بن معاوية : روى الطبري في (ذيل تاريخه) قائلا : " حدثني الحارث ، عن الحجاج ، قال : حدثني أبو جعفر الحمداني ، عن محمد بن داود ، قال : سمعت عيسى بن يونس يقول : كان خالد بن معدان صاحب شرطة يزيد ابن معاوية " . وعنونه ابن عساكر في (تاريخه) بقوله : " كان يتولى شرطة يزيد بن معاوية " ثم روى الخبر المذكور بسنده عن عيسى بن يونس كذلك (36) . ثم إن رواة هذا الحديث عن هؤلاء هم : 1 - محمد بن إبراهيم بن الحارث . 2 - معاوية بن صالح . 3 - الوليد بن مسلم .
(32) تهذيب التهذيب 4 / 402 ، تقريب التهذيب 4 / 459 . (33) تقريب التهذيب 2 / 459 . (34) تاريخ دمشق 5 / 516 ، تهذيب التهذيب 3 / 102 ، سير أعلام النبلاء 4 / 536 . (35) سير أعلام النبلاء 4 / 519 . (36) تاريخ دمشق 5 / 519 .
(61)
4 - بحير بن سعيد . 5 - ثور بن يزيد . 6 - عمرو بن أبي سلمة التنيسي .
ترجمة محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي الدمشقي (37) :
أما " محمد بن إبراهيم " الراوي له عن " خالد " عند أحمد والحاكم ، فقد ذكر العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه : " في حديثه شئ ، يروي أحاديث مناكير أو منكرة " (38) .
ترجمة بحير بن سعيد الحمصي :
وأما " بحير بن سعيد " الراوي عن " خالد " عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة فهو من أهل حمص . قال ابن حجر : " بحير بن سعيد السحولي أبو خالد الحمصي روى عن خالد ابن معدان ومكحول ، وعنه إسماعيل بن عياش ، وبقية بن الوليد ، وثور بن يزيد - وهو من أقرانه - ومعاوية بن صالح ، وغيرهم " (39) . ترجمة الوليد بن مسلم الدمشقي : وأما " الوليد بن مسلم " مولى بني أمية (40) " الدمشقي " (41) " عالم الشام " (42)
(37) تاريخ دمشق 14 / 752 . (38) تهذيب التهذيب 9 / 6 . (39) تهذيب التهذيب 1 / 368 . (40) تاريخ دمشق 17 / 897 . (41) تاريخ دمشق 17 / 900 . (42) تهذيب التهذيب 11 / 133 .
(62)
الراوي له عن " عبد الله بن العلاء " عند ابن ماجة ، فقد ذكروا بترجمته : " مدلس ، وربما دلس عن الكذابين " . " روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل " . " كان يأخذ من ابن السفر حديث الأوزاعي ، وكان ابن السفر كذابا وهو يقول فيها : قال الأوزاعي " . " وكانت له منكرات " . " وكان رفاعا " . " يرسل ، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء ، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي ، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي ، عن نافع ، وعن عطاء " (43) .
ترجمة معاوية بن صالح الحمصي :
وأما " معاوية بن صالح " الراوي له عن " ضمرة بن حبيب " عند أحمد وابن ماجة فهو : أولا : من أهل حمص (44) .
وثانيا : كان قاضي الأندلس في الدولة الأموية (45) .
وثالثا : كان يلعب بالملاهي ، ولأجل ذلك ترك بعض المحدثين الكتابة عنه (46) .
ورابعا : قال ابن أبي حاتم : " لا يحتج به " و " لم يخرج له البخاري " ولينه ا بن معين " .
(43) الضعفاء والمتروكين للدارقطني (أنظر : المجموع في الضعفاء والمتروكين : 398) تاريخ دمشق 17 / 906 ، ميزان الاعتدال 4 / 347 ، تهذيب التهذيب 11 / 133 . (44) تاريخ دمشق 16 / 666 ، الكامل لابن عدي 6 / 2400 . (45) تاريخ دمشق 16 / 666 ، الكامل 6 / 2400 . (46) الضعفاء الكبير للعقيلي 4 / 287 .
(63)
و " وقال يحيى بن معين : كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد ، وكان ابن مهدي لا يبالي " (47) .
و " عن أبي إسحاق الفزاري : ما كان بأهل أن يروى عنه " . و " قال ابن عمار : زعموا أنه لم يكن يدري أي شئ في الحديث " . و " منهم من يضعفه " ، بل أورده كل من العقيلي وابن عدي والذهبي في " الضعفاء " . ترجمة ثور بن يزيد الحمصي : وأما " ثور بن يزيد " العمدة في رواية هذا الحديث عن خالد ، حتى قال الحاكم في توجيه إعراض البخاري ومسلم عنه : " والذي عندي أنهما توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد " . فهو : أولا : من أهل حمص ، بل وصفه الذهبي ب " عالم حمص " (48) .
وثانيا : كان لا يحب عليا عليه السلام : " وكان جده قتل يوم صفين مع معاوية ، فكان ثور إذا ذكر عليا قال : لا أحب رجلا قتل جدي " (49) .
وثالثا : كان يجالس السابين عليا عليه السلام ، فقد ذكروا أن " أزهر الحرازي وأسد بن وداعة وجماعة كانوا يجلسون ويسبون علي بن أبي طالب ، وكان ثورة لا يسبه ، فإذا لم يسب جروا برجليه " (50) .
ورابعا : كان مبدعا .
(47) وهذا الحديث أيضا مما رواه ابن مهدي عنه ! (48) ميزان الاعتدال 1 / 374 ، سير أعلام النبلاء 6 / 344 . (49) تهذيب الكمال 4 / 421 . تاريخ دمشق 3 / 604 . (50) تهذيب الكمال 4 / 421 . تهذيب التهذيب 2 / 30 .
(64)
قال الذهبي : " كان من أوعية العلم لولا بدعته " (51) .
" وكان أهل حمص نفوه وأخرجوه " (52) .
و " تكلم فيه جماعة بسبب ذلك " (53) .
وأورده ابن عدي في " الضعفاء " (54) .
وخامسا : كان مالك يذمه وينهى عن مجالسته وليس له عنه رواية (55) ،
وكان الأوزاعي سيئ القول فيه ، يتكلم فيه ويهجوه (56) ، وكذا كان ابن المبارك (57) .
وعن يحيى القطان : " ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه قلت : أنت أكبر أم هذا ؟ ! فإذا قال : هو أكبر مني ، كتبته ، وإذا قال : هو أصغر مني ، لم أكتبه " (58) .
ترجمة عمرو بن أبي سلمة الدمشقي (59) :
وأما " عمرو بن أبي سلمة الدمشقي نزيل " تنبيس " الراوي له عن " عبد الله ابن العلاء " عند الحاكم ، فقد : ضعفه الساجي وابن معين . وقال أبو حاتم : لا يحتج به . وقال العقيلي : في حديثه وهم . وقال أحمد : روى عن زهير أحاديث بواطيل " (60) .
ثم إن رواة الحديث عن هؤلاء هم :
(51) سير أعلام النبلاء 6 / 344 . (52) تاريخ دمشق 3 / 608 . (53) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 1 / 154 . (54) الكامل في الضعفاء 2 / 529 . (55) تهذيب التهذيب 2 / 30 . (56) تاريخ دمشق 7 / 607 ، تهذيب الكمال 4 / 425 . (57) تهذيب التهذيب 2 / 30 . (58) تهذيب التهذيب 2 / 30 . (59) تاريخ دمشق 13 / 467 . (60) تاريخ دمشق 13 / 469 .
(65)
1 - بقية بن الوليد . 2 - الضحاك بن مخلد وهو أبو عاصم النبيل . 3 - الوليد بن مسلم . 4 - عبد الله بن أحمد بن بشير . 5 - عبد الرحمن بن مهدي . 6 - عبد الملك بن الصباح المسمعي . 7 - يحيى بن أبي كثير . 8 - أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي . أما " الوليد بن مسلم " الراوي له عن " ثور " عند أبي داود فقد عرفته . وأما " عبد الرحمن بن مهدي " الراوي له عن " معاوية بن صالح " عند أحمد وابن ماجة ، فقد عرفت أنه كان يزجر عن الرواية عن " معاوية " ولا يبالي . وأما " أبو عاصم " الراوي له عن " ثور " عند الترمذي وأحمد والحاكم فقد كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه ، فلما ذكر له ذلك قال : " لست بحي ولا ميت إذا لم أذكر " ! (61) .
وأورده العقيلي في " الضعفاء " وحكى ما ذكرناه (62) . وأما " يحيى بن أبي كثير " الراوي له عن " محمد بن إبراهيم " عند أحمد ، فقد " كان يدلس " (63) . وروى العقيلي عن همام قوله : " ما رأيت أصلب وجها من يحيى بن أبي كثير ، كنا نحدثه بالغداة فيروح بالعشي فيحدثناه " (64) . وأما " عبد الملك بن الصباح المسمعي " الراوي له عن " ثور " عند ابن ماجة ،
(61) ميزان الاعتدال 2 / 325 . (62) الضعفاء الكبير 2 / 222 . (63) تهذيب التهذيب 11 / 236 . (64) الضعفاء الكبير 4 / 423 .
(66)
فقد ذكره الذهبي في (ميزانه) وقال : " متهم بسرقة الحديث " (65) .
وأما " عبد الله بن أحمد بن بشير الدمشقي " شيخ ابن ماجة ، فقد كان إمام الجامع بدمشق (66) .
وأما " أحمد بن عيسى " الراوي له عن " عمرو بن أبي سلمة " عند الحاكم ، فليس من رجال الكتب الستة ، وإنما ذكره ابن حجر للتمييز (67) .
وقال ابن عدي : له مناكير . وقال الدارقطني : ليس بالقوي . وكذبه ابن طاهر . وذكره ابن حبان في الضعفاء (68) .
ترجمة بقية بن الوليد الحمصي : وأما " بقية بن الوليد " الراوي له عن " بحير بن سعيد " عند الترمذي وأحمد ، فهذه كلماتهم فيه باختصار : قال ابن حبان : لا يحتج ببقية . وقال أبو مسهر : أحاديث بقية ليست نقية ، فكن منها على تقية . وقال أبو حاتم : لا يحتج به . وقال ابن عيينة - وقد سئل عن حديث من هذه الملح - : أنا أبو العجب ، أنا بقية بن الوليد . وقال ابن خزيمة : لا أحتج ببقية . وقال أحمد : توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل ، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير ، فعلمت من أين أتى . وقال وكيع : ما سمعت أحدا أجرأ على أن يقول : قال رسول الله ، من بقية .
(65) ميزان الاعتدال 2 / 656 . (66) تهذيب التهذيب 5 / 123 . (67) تهذيب التهذيب 1 / 57 . (68) تهذيب التهذيب 1 / 57 .
(67)
وقال شعبة : بقية ذو غرائب وعجائب ومناكير . وقال ابن القطان : يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك وهذا مفسد لعدالته . وقال الفيروزآبادي : بقية محدث ضعيف . قال الزبيدي : محدث ضعيف يروي عن الكذابين ويدلسهم ، قاله الذهبي في الميزان . وقال الذهبي : قال غير واحد : كان مدلسا ، فإذا قال : عن ، فليس بحجة (69) .
وقفة مع الحاكم
وهنا كان من المناسب أن نقف وقفة قصيرة مع الحاكم ، الذي أتعب نفسه وأصر على تصحيح هذا الحديث ، وأكد على أن ليس له علة ، وتوهم أن البخاري ومسلما ، اللذين لم يخرجاه - " توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد " أي : ولولا هذا التوهم لأخرجاه ! ! ثم قال بالتالي : " قد استقصيت في تصحيح هذا الحديث و . . . . كان أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين " .
فنقول :
أولا : قد أوقفناك على بعض علل هذا الحديث في أسانيده وطرقه ، وكيف تخفى هذه العلل على مثل البخاري ومسلم ومن تبعهما كالنسائي حتى يوجه إعراضهم
(69) الموضوعات 1 / 109 و 151 و 218 ، ميزان الاعتدال 1 / 33 ، تهذيب التهذيب 1 / 416 ، تقريب التهذيب 1 / 104 ، فيض القدير 1 / 109 ، القاموس المحيط ، وتاج العروس (بقي) .
(68)
بالتوهم الذي ذكرت ، لا سيما وأن الراوي الآخر عن خالد - وهو محمد بن إبراهيم - قد خرج حديثه في الصحيحين كما قلت ؟ !
وثانيا : ما نسبته إلى البخاري من الاحتجاج ب " عبد الرحمن بن عمرو السلمي " لم نستوثقه إلى هذا الحين . . . فاسم هذا الرجل غير وارد في كتاب ابن القيسراني المقدسي (الجمع بين رجال الصحيحين) . وثالثا : قولك : " وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة " . إن كنت تقصد البخاري وحديث العرباض بن سارية - كما هو ظاهر العبارة - فإنا لم نجده . ورابعا : قولك " وقد تابع عبد الرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة " فيه : أن الثالث منهم تركته أنت لعدم كون الطريق إليه من شرط الكتاب . والثاني منهم لم يلق العرباض بن سارية حتى يروي عنه . والأول لم يرو عنه إلا أبو داود ، وقال ابن القطان : لا يعرف . هذه نتيجة الجهد الذي بذله الحاكم في تصحيح هذا الحديث ، وهذا شأن الحديث الذي كان تصحيحه أحب إليه من والديه وولده والناس أجمعين ! ! ومن هنا تعرف شأن الحاكم ومستدركه وتصحيحاته ، وتعطي الحق لمن قال : " اعتنى الحاكم بضبط الزائد عليهما وهو متساهل " (70) .
بل قال بعضهم : " طالعت المستدرك الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أر فيه حديثا على شرطهما ! " (71) .
بل عن بعضهم أنه " جمع جز فيه الأحاديث التي فيه وهي موضوعة ! " (72) .
(70) هذه عبارة النووي في التقريب 1 / 80 بشرح السيوطي . (71) نقله السيوطي عن أبي سعيد الماليني في تدريب الراوي 1 / 81 . (72) ذكره السيوطي في تدريب الراوي 1 / 81 .
(69)
بطلان الحديث سندا :
ومن هنا يظهر بطلان الحديث وأن الحق مع من قال في هذا الحديث بأنه " لا يصح " . ومن هؤلاء الحافظ ابن القطان الفاسي . . . . فقد ذكر ابن حجر بترجمة " عبد الرحمن بن عمرو السلمي " بعد أن أشار إلى هذا الحديث : " وزعم القطان الفاسي أنه لا يصح " (73) .
ترجمة ، بن القطان :
والحافظ الكبير : أبو الحسن علي بن محمد ، المعروف بابن القطان الفاسي ، المتوفى سنة 628 ، من كبار منتقدي الحديث والرجال ، ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ وأثنى عليه ، وذكره السيوطي في طبقاته فقال : " ابن القطان ، الحافظ العلامة ، قاضي الجماعة ، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي ، سمع أبا ذر الخشني وطبقته . وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث ، وأحفظهم لأسماء رجاله ، وأشدهم عناية في الرواية ، معروفا بالحفظ والاتقان . صنف : الوهم والابهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق . مات في ربيع الأول سنة 628 " (74) .
وقال ابن العربي المالكي بشرح الترمذي : " حكم أبو عيسى بصحته ، وفيه بقية بن الوليد ، وقد تكلم فيه " (75) .
وهذا طعن صريح في سند الحديث ، وإن كان غير شديد ، إذ اكتفى بهذه الكلمة
(73) تهذيب التهذيب 6 / 215 . (74) طبقات الحفاظ : 498 . (75) عارضة الأحوذي 10 / 145 .
(70)
في قدح بقية بن الوليد ، وقد ذكرنا طرفا من كلماته فيه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . . . .
ترجمة ابن العربي المالكي :
والقاضي ابن العرب : أبو بكر محمد بن عبد الله ، المتوفى سنة 543 من كبار الحفاظ والفقهاء البارعين . . . ترجم له ابن خلكان في وفياته ، والذهبي في تذكرته ، وابن كثير في تاريخه . . . وإليك عبارة السيوطي بترجمته في طبقاته : " ابن العربي العلامة الحافظ ، القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي . ولد سنة 468 ، ورحل إلي المشرق ، وسمع من طراد الزينبي ، ونصر بن البطر ، ونصر المقدسي ، وأبي الحسن الخلعي . وتخرج بأبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي وأبي زكريا التبريزي . وجمع وصنف وبرع في الأدب والبلاغة وبعد صيته . وكان متبحرا في العلم ، ثاقب الذهن ، موطأ الأكناف ، كريم الشمائل ، ولي قضاء أشبيلية فكان ذا شدة وسطوة ، ثم عزل ، فأقبل على التأليف ونشر العلم ، وبلغ رتبة الاجتهاد . صنف في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ . مات بفاس في ربيع الآخر سنة 543 " (76) .
(76) طبقات الحفاظ : 468 .
(71)
(3) تأملات في متن الحديث ومدلوله
الاستناد إليه في العلوم :
وهكذا ثبت بطلان هذا الحديث من الأساس . . . فيبطل كل ما بني عليه وفرع منه من قبل بعض الناس . . .
في علم الأخلاق :
فالمؤلف في علم الأخلاق والسلوك يستدل به في مباحثه . . . فترى الغزالي يذكره فيما يستدل به في مباحث الزهد من كتابه (77) .
في علم الحديث :
ومن المحدثين من استند إلى هذا الحديث لتصحيح حديث غير صحيح ! ! يقو ل القاري في الأحاديث الموضوعة : " حديث مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين بعد تقبيلهما عند سماع قول المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله ، مع قوله : أشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيا . ذكره الديلمي في الفردوس من حديث أبي بكر الصديق أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : من فعل ذلك فقد حلت عليه شفاعتي . قال السخاوي : لا يصح .
(77) إحياء علوم الدين 4 / 233 .
(72)
وأورده الشيخ أحمد الحداد في كتابه موجبات الرحمة بسند فيه مجاهيل مع انقطاعه ، عن الخضر عليه السلام ، وكل ما يروى في هذا فلا يصح رفعه البتة . قلت : وإذا ثبت رفعه إلى الصديق فيكفي العمل به ! ! لقوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين . . . " (78) .
في علم الكلام :
والمتكلمون منهم عندما يبحثون عن أدلة الإمامة وشروطها وأوصاف الإمام وحكم الخارج عليه . . . يقولون بحرمة الخروج على الإمام حتى في حال تغلبه على الأمر بالقهر والسيف ، وحتى إذا صدر منه الفسق والجور والحيف . . . استنادا إلى أمثال هذا الحديث المختلق البين الزيف . . . . ولقد أفرط بعض النواصب المتعصبين فقال في قضية استشهاد الإمام الحسين السبط عليه السلام بما لا يتفوه به أحد من المسلمين . . . وهذه عبارته : " وما خرج إليه أحد إلا بتأويل ، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل ، المخبر بفساد الحال ، المحذر من الدخول في الفتن ، وأقواله في ذلك كثيرة ، منها قوله : إنه ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ، فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله . . . ودع الأمر يتولاه أسود مجدع حسبما أمر به صاحب الشرع . . . " . قال : " وأخرج البخاري عن عبد الله بن دينار قال : شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان كتب : إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت . وإن بني قد أقروا بمثل ذلك " (79) . ومنهم من جعله من أدلة خلافة الخلفاء الأربعة ، وذكره في مقابلة الأحاديث
(78) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ، للقاري : 306 . (79) العواصم من القواصم لابن العربي المالكي : 232 و 251 .
(73)
الدالة على خلافة أمير المؤمنين بعد رسول الله بلا فصل . . . كالشيخ عبد العزيز الدهلوي حيث تمسك به في مقابلة حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين (80) .
في علم الفقه :
وفي الفقه استدلوا بالحديث لتبرير بدع الخلفاء وما أحدثوه في الدين . . . . ولنذكر من ذلك نموذجين : تحريم عمر المتعتين : أحدهما :
تحريم عمر المتعتين :
وقولته المشهورة المعروفة في ذلك (81) ، حيث اضطرب القوم في كيفية توجيه هذا الذي أحدثه عمر في الدين ، وعارضه فيه كبار الصحابة والتابعين ، فالتجأ بعضهم إلى في تبريره بحديث : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " ! ! قال ابن قيم الجوزية في كلام له في ذلك : " فإن قيل : فكيف تصنعون بما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث . وفيما ثبت عن عمر أنه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما : متعة النساء ومتعة الحج ؟ ! قيل : الناس في هذا طائفتان : طائفة تقول : إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها وقد أمر رسول الله باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون . . . " (82) .
(80) التحفة الاثنا عشرية في الرد على الإمامية : 219 . (81) ذكرنا مصادر هذه الكلمة في بحثنا عن المتعتين . (82) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184 .
(74)
أقول :
لنا في هذا الموضوع رسالة مستقلة ، كانت الحلقة السابقة من هذه السلسلة فراجعها .
زيادة عثمان الأذان يوم الجمعة :
والثاني : زيادة عثمان الأذان يوم الجمعة . . . .
فقد أخرجوا عن السائب بن يزيد قوله : " كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة ، فلما كان عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء " . وفي لفظ آخر : " فلما كان في خلافة عثمان وكثروا ، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث ، فأذن على الزوراء ، فثبت الأمر على ذلك " (83) .
ونص شراح البخاري على أن عثمان هو الذي زاد الأذان يوم الجمعة (84) .
ونص الماوردي والقرطبي على أن الأذان الذي كان من عثمان " محدث " (85) .
وقال ابن العربي بشرح الترمذي : " الأذان أول شريعة غيرت في الإسلام على وجه طويل ليس من هذا الشأن . . . . والله تعالى لا يغير ديننا ولا يسلبنا ما وهبنا من نعمه " (86) .
وقال المباركفوري بشرحه : " المعنى : كان الأذان في العهد النبوي وعهد أبي بكر وعمر أذانين ، أحدهما حين خروج الإمام وجلوسه على المنبر . والثاني حين إقامة الصلاة ، فكان في عهدهم الأذانان فقط ، ولم يكن الأذان الثالث . والمراد بالأذانين :
(83) أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما في أبواب أذان الجمعة . (84) الكواكب الدراري 6 / 27 ، عمدة القاري 6 / 210 ، إرشاد الساري 2 / 178 . (85) تفسير القرطبي 18 / 100 . (86) عارضة الأحوذي 2 / 305 .
(75)
الأذان الحقيقي والإقامة " (87) .
هذا ، وقد رووا عن ابن عمر قوله عما فعل عثمان أنه " بدعة " (88) .
فهذا ما كان من عثمان . . . في أثناء خلافته . . . كما كان من عمر من تحريم المتعتين . . . في أثناء خلافته . . . وقد اشتدت الحيرة هنا وكثر الاضطراب . . . كما كان الحال تجاه ما فعل ابن الخطاب . . .
1 - فالسرخسي أراح نفسه بتحريف الحديث ! ! قال : " . . . لما روي عن السائب ابن يزيد قال : كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حين يخرج فيستوي على المنبر ، وهكذا في عهد أبي بكر وعمر ، ثم أحدث الناس الأذان على الزوراء في عهد عثمان " (89) .
قال : " . . . هكذا كان على عهد رسول الله والخليفتين من بعده ، إلى أن أحدث الناس الأذان على الزوراء على عهد عثمان " (90) .
2 - والفاكهاني أنكر أن يكون عثمان هو الذي أحدث الزيادة فقال : " إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد " (91) .
3 - وشراح البخاري ادعوا قيام الإجماع السكوتي ! ! على المسألة . . . قالوا : شرع باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار ، فصار إجماعا سكوتيا " (92) .
4 - وقال ابن حجر : " الذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد
(87) تحفة الأحوذي 3 / 48 . (88) فتح الباري 2 / 315 . (89) المبسوط في الفقه الحنفي 1 / 134 . (90) المبسوط في الفقه الحنفي 2 / 31 . (91) فتح الباري شرح البخاري 2 / 315 ، تحفة الأحوذي 3 / 48 . (92) إرشاد الساري 2 / 178 ، الكواكب الدراري 6 / 27 ، عمدة القاري 6 / 210 .
(76)
إذ ذاك ، لكونه خليفة مطاع الأمر " (93) .
5 - وقال بعض الحنفية : " الأذان الثالث الذي هو الأول وجودا إذا كانت مشروعيته باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار صار أمرا مسنونا ، نظرا إلى قوله : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " (94) .
وأجاب هؤلاء - المدافعون عن عثمان - عما رووا عن عبد الله بن عمر ، بما ذكر ابن حجر : " فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار . ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة ، لكن منها ما يكون حسنا ، ومنها ما يكون بخلاف ذلك " (95) .
قلت : كانت تلك الوجوه التي ذكروها لتبرير ما فعله عثمان : * فأما الوجهان الأول والثاني فلا يعبأ بهما ولا يصغى إليهما . * وأما الوجه الثالث فقد اشتمل على : أ - اجتهاد عثمان .
وفي الاجتهاد - واجتهادات الخلفاء خاصة - بحث طويل ليس هذا موضعه ، وعلى فرض القبول فهل يجوز الاجتهاد في مقابل النص ؟ ! ب - موافقة الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار . وفيه : أولا : ما الدليل على سكوتهم وعدم إنكارهم ؟ ! فلقد أنكروا عليه يقينا ولما ينقل كما نقل قول ابن عمر . وثانيا : إن السكوت أعم من القبول والرضا .
(93) فتح الباري 2 / 315 . (94) تحفة الأحوذي 3 / 50 . (95) فتح الباري 2 / 315 .
(77)
ج - الإجماع السكوتي . وفيه : أولا : في حجية الإجماع كلام . وثانيا : أنه يتوقف على السكوت الدال على الرضا والموافقة . وثالثا : أنه يتوقف على حجية الاجتماع السكوتي . * وأما الوجه الرابع ففيه : إن أخذ الناس بفعل عثمان لا يقتضي مشروعية فعله ، والخليفة إنما يطاع أمره إذا كان آمرا بما أمر الله ورسوله به ، وبه أحاديث كثيرة . * وأما الوجه الخامس ففيه : إنه يتوقف : أولا : على تمامية هذا الحديث سندا . وثانيا : على تمامية دلالته على وجوب اتباع سيرة الخلفاء وإن كانت مخالفة لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وثالثا : على أن يكون المراد من " الخلفاء الراشدين المهديين " شاملا لعثمان وأمثاله . أما الأمر الأول فقد بيناه في الفصل السابق ، وعرفت أن الحديث باطل موضوع . وأما الأمران الثاني والثالث فسنذكرها في هذا الفصل . لكن المحققين من القوم لم يوافقوا على دلالة الحديث على وجوب متابعة سيرة الخلفاء - حتى بناء على أن المراد خصوص الأربعة - فيما لو خالفت سيرتهم السيرة النبوية الكريمة - كما في مسألتنا هذه - فإن عثمان خالف فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخالف أيضا أبا بكر وعمر ، لا سيما وأن غير واحد منهم يخصص حديث : " عليكم بسنتي . . . " بحديث : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " (96) .
فيكون قد أمر صلى الله عليه وآله وسلم بمتابعة سيرته وسيرة أبي بكر وعمر
(96) وهذا الحديث من أحاديث سلسلتنا ، أنظر " تراثنا " العدد 20 .
(78)
فقط . . . ! !
وعلى هذا الأساس أبطلوا استدلال الحنفية وأجابوا عنه بكلمات قاطعة : قال المباركفوري : " ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته . وقال القاري في المرقاة : فعليكم بسنتي . أي بطريقتي الثابتة عني واجبا ، أو مندوبا ، وسنة الخلفاء الراشدين ، فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي ، فالإضافة إليهم إما لعملهم بها ، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها . وقال صاحب سبل السلام : أما حديث " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " . أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه الحاكم وقال : على شرط الشيخين . ومثله حديث : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " . أخرجه الترمذي وقال : حسن . وأخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان ، وله طريق فيها مقال إلا أنه يقوي بعضها بعضا . فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها . فإن الحديث عام لكل خليفته راشد لا يخص الشيخين ، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي . . . قال المباركفوري : إن الاستدلال على كون الأذان الثالث الذي هو من مجتهدات (97) عثمان أمرا مسنونا ليس بتام . . . " (98) .
ثم إنهم أطالوا الكلام عن معنى البدعة ، فقال هؤلاء - في الجواب عما ذكر ابن حجر وغيره - بأنه :
(97) كذا ، ولعله : محدثات . (98) تحفة الأحوذي 3 / 50 .
(79)
" لو كان الاستدلال تاما وكان الأذان الثالث أمرا مسنونا لم يطلق عليه لفظ البدعة ، لا على سبيل الإنكار ولا على سبيل غير الإنكار ، فإن الأمر المسنون لا يجوز أن يطلق عليه لفظ البدعة بأي معنى كان " (99) .
وتلخص أن لا توجيه لما أحدث عثمان ، لا عن طريق هذا الحديث - على فرض صحته - ولا عن طريق آخر من الطرق المذكورة .
في علم الأصول :
واستند الأصوليون إلى هذا الحديث في كتبهم ، ولكن مع اختلاف شديد بين كلماتهم : 1 - فمنهم من استدل به للقول بحجية سنة الصحابة ، كالشاطبي ، حيث قال : " سنة الصحابة سنة يعمل عليها ويرجع إليها ، والدليل على ذلك أمور : أحدها . . . والثاني : ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم ، وأن سننهم في طلب الاتباع كسنة النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كقوله : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " (100) .
2 - ومنهم من جعله دليلا على حجية رأي كل واحد من خلفائه الراشدين من غير حصر في الأربعة ، كصاحب " سبل السلام " كما عرفت من عبارته ، وكالمراغي وغيره كما ستعلم من عبارة شارح المنهاج .
3 - ومنهم من جعله حجة على قول كل واحد من الخلفاء الأربعة ، ومن هنا جعلوا من السنة حرمة المتعتين لتحريم عمر ، ووجوب الأذان الزائد يوم الجمعة لزيادة عثمان إياه .
(99) تحفة الأحوذي 3 / 50 . (100) الموافقات 4 / 76 .
(80)
4 - ومنهم من احتج به للقول بحجية ما اتفق عليه الخلفاء الأربعة : قال البيضاوي : " قال القاضي أبو خازم : إجماع الخلفاء الأربعة حجة لقوله عليه السلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " (101) .
قال شارحه السبكي : " ذهب القاضي أبو خازم من الحنفية - بالخاء المعجمة - وكذا أحمد بن حنبل - في إحدى الروايتين - إلى أن إجماع الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حجة ، مستدلين بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه الترمذي والحاكم في المستدرك - وقال : على شرطهما - من قوله : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . الحديث . فإن قيل : هذا عام في كل الخلفاء الراشدين . قيل : المراد الأربعة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا ، وكانت مدة الأربعة هذه . قيل : والصحيح أن المكمل لهذه المدة الحسن بن علي ، وكانت مدة خلافته أشهر بها تكملت الثلاثون " (102) .
وقال شارحه الأسنوي : " . . . وجه الدلالة : أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين كما أمر باتباع سنته ، والخلفاء الراشدون هم : الخلفاء الأربعة المذكورون . لقوله : الخلافة بعدي . . . " (103) .
وقال شارحه البدخشي : " قال القاضي أبو خازم : . . . أوجب اتباعهم إيجاب اتباعه ، ولهذا لم يعتد أبو خازم بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام ، وحكم برد أموال حصلت في بيت مال المعتضد بالله إلى ذوي الأرحام ، وقبل المعتضد فتواه وأنفذ قضاءه .
(101) المنهاج بشرح السبكي 2 / 367 . (102) الابهاج في شرح المنهاج 2 / 367 . (103) نهاية السؤول في شرح منهاج الوصول 3 / 267 .
(81)
قال المراغي : وفيه نظر ، لعموم الخلفاء الراشدين وعدم الدليل على الحصر في الأربعة .
قال العبري : وفيه نظر ، لأن العرف خصصه بالأئمة الأربعة حتى صار كالعلم لهم .
أقول : وفيه نظر ، لأن العرف طارئ فلا يخصص عموم اللفظ الصادر قبل . ثم عند الشيعة : إن إجماع الأربعة حجة لا من حيث هو ، بل من حيث اشتماله على قول علي رضي الله عنه " (104) .
أقول :
أما القول الأول فلا دلالة لهذا الحديث عليه أصلا . نعم ، يدل عليه الخبر : " أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم " لكنه حديث موضوع باطل (105) . وأما القولان الثالث والرابع فموقوفان على قيام الدليل القاطع على حصر المراد في الأربعة ، سواء قلنا بحجية قول كل منهم على انفراد أو قلنا بحجية قولهم إذا اتفقوا . . . ولا شئ من الدليلين على الحصر - وهما حديث " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " و " أن العرف خصصه بالأئمة الأربعة فصار كالعلم لهم " - بحيث يصلح لرفع اليد به عن ظهور " الخلفاء " في العموم ، ومن هنا قال الغزالي : " قد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا ، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس ، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله : اقتدوا باللذين من بعدي ، وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا .
(104) مناهج العقول في شرح منهاج الوصول 2 / 402 . (105) لنا في إثبات ذلك رسالة مستقلة مطبوعة . وهو الحديث الأول من هذه السلسلة .
(82)
والكل باطل عندنا " (106) .
وحينئذ يبقى الحديث على ظهوره في وجوب اتباع سنة كل واحد من الخلفاء الراشدين من بعده صلى الله عليه وآله وسلم . ولكن من هم ؟ وما معنى ذلك ؟ ! هذا ما سنبينه . . .
الاختلافات في متن الحديث
فلنعد إلى النظر في متن الحديث ودلالته . . . بعد فرض تمامية سنده وصحته . . . فبالنسبة إلى المتن . . . قد اتفقت جميع ألفاظ الحديث على أنه " عهد " و " وصية " من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . واشتملت ألفاظه على أمور أربعة هي : الأمر بتقوى الله عز وجل . . . والأمر بالسمع والطاعة للحاكم كائنا من كان . . . والتحذير من محدثات الأمور . . . والأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده . . . وليس في شئ من ألفاظ الحديث الوصية بالقرآن والعمل به . . . وربما خلت بعض الألفاظ من الأمر بالتقوى . . . ثم إن الأمور الثلاثة - عدا الأمر بالتقوى - تختلف فيها الألفاظ تقديما
(106) المستصفى في علم الأصول 1 / 260 .
(83)
وتأخيرا .
ولربما جاءت كلمة " عضوا عليها . . . " بعد " الطاعة " لا بعد " السنة " . وربما قال : " وعضوا على نواجذكم بالحق " . لكن في أحد الألفاظ : " عليكم بتقوى الله . . . أظنه قال : والسمع والطاعة " فالراوي غير متأكد من أنه قال ذلك ! ثم لمن السمع والطاعة ؟ ! والحافظ أبو نعيم رواه بترجمة العرباض بسنده : عن الوليد بن مسلم ، ثنا ثور ابن يزيد ، عن خالد بن معدان ، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر ، قالا : " أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل . . . - وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين " (107) .
رواه إلى هنا ولم يزد عليه . ورواه بترجمة خالد من أوله إلى آخره (108) .
والأمر سهل . . . ثم إنه جاء في بعض ألفاظ الحديث في آخره : " فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث : فإن المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد " (109) .
لكن " أسد بن وداعة " - وهو من الذين كانوا يجلسون ويسبون علي بن أبي طالب عليه السلام كما عرفت - لم يقع في شئ من طرق الحديث فبأي وجه كان يزيد في هذا الحديث ؟ ! وهل المؤمن كالجمل . . . ؟ ! فلا رأي بعضهم أن هذا تلاعب بالحديث بزيادة باطلة من رجل مبطل ، وأن ذلك قد يكشف عن حقيقة حال الحديث . . . صحفه إلى :
(107) حلية الأولياء 2 / 13 . (108) حلية الأولياء 5 / 220 . (109) المستدرك 1 / 96 .
(84)
" . . . وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، فكان أشد علينا من وداعة ، يزيد في هذا الحديث : فإن المؤمن . . . " (110) .
لكن تبقى كلمة " يزيد " بلا فاعل . . . ! فرجح البعض الآخر إسقاط الجملة وإلحاق الكلام بالحديث ، فقال : " وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنما المؤمن . . . " (111) .
وليته أسقط الكلام أيضا ، لكنه يقوي المعنى ويؤكد وجوب الطاعة المطلقة لو لي الأمر كائنا من كان ! ! هذا ما يتعلق بالمتن . . .
معنى السنة :
والأمر المهم الذي اتفقت عليه جميع ألفاظ الحديث إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بالاختلاف الكثير من بعده ، ثم أمره من أدرك ذلك باتباع سنته وسنة الخلفاء بلفظ " فعليكم " . ففي جميع الألفاظ : " فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء . . . " . و " السنة " هي الطريقة والسيرة ، يقال : سن الماء ، وسن السبيل ، وسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا ، أي : شرعه وجعله شرعا . وسنته عند أهل الشرع : قوله وفعله وتقريره ، ولهذا يقال في أدلة الشرع : الكتاب والسنة . أي : القرآن والحديث (112) .
وعلى الجملة ، فمعنى السنة في الشريعة نفس معناها في اللغة لم يعدل بها عنها .
(110) عارضة الأحوذي 10 / 145 . (111) تهذيب الأسماء واللغات 3 / 156 ، النهاية " سنن " ، المصباح المنير 1 / 312 ، إرشاد الفحول : 29 . (112) النهاية " سنن " .
(85)
حجية سنة النبي :
وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثابتة عنه بالطرق المعتبرة حجة بلا كلام ، وضرورة دينية لا يخالف فيها إلا من لاحظ له من دين الإسلام . . . وقد استدلوا على حجيتها بآيات من الكتاب وأحاديث عن المصطفى ، لكن لا يتم الاستدلال بها إلا على وجه دائر كما لا يخفى . . . فالعمدة في وجه الحجية هي " العصمة " ومن هنا يتعرض العلماء - في بحثهم عن حجية السنة - لعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (113) .
معنى سنة الخلفاء :
قال ابن فارس : " وكره العلماء قول من قال : سنة أبي بكر وعمر ، وإنما يقال : سنة الله وسنة رسوله " (114) .
قلت : وجه كراهية العلماء ذلك واضح ، لأن كلمة " السنة " أصبحت في عرف المتشرعة مختصة بما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا وتقريرا ، لأنه الحجة بعد الكتاب ، حيث يقال : الكتاب والسنة ، لكنهم كرهوا هذا القول مع كون حديث " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " بمرأى منهم ومشهد ، فإن كانوا في شك من صدور الحديث عن النبي فلا بحث ، وإلا فبم يفسرونه ؟ ! هنا مشاكل :
1 - لقد ذكرنا أن " السنة " في اللغة بمعنى " الطريقة " ، وهي بنفس المعنى في الشريعة بالنسبة إلى " سنة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ، فهل تفسر " سنة الخلفاء " بنفس المعنى كذلك ؟ !
(113) لاحظ كتب الأصول كإرشاد الفحول : 29 . (114) فقه العربية " سنن " .
(86)
2 - لقد عطف صلى الله عليه وآله وسلم " سنة الخلفاء " على " سنته " وظاهر العطف هو المغايرة بين السنتين ، فما معنى هذه المغايرة ؟ ! وكيف يأمر صلى الله عليه وآله وسلم اتباع سنتهم المغايرة لسنته ؟ !
3 - أمره باتباع سنتهم مطلق غير مقيد كما هو الحال في وجوب اتباع سنته ، وهكذا أمر يقتضي عصمة المتبوع بلا ريب ، أما النبي فمعصوم الإجماع ، وأما الخلفاء فليس كلهم بمعصوم الإجماع ، فكيف يؤمر - أمرا مطلقا - باتباع المعصوم وغير المعصوم معا ؟ ! هذه مشاكل حار القوم في حلها . . . واضطربوا اضطرابا شديدا تجاهها . . . قال الشوكاني : " إن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا وأخذوا في تأويله بوجوه أكثرها متعسفة " (115) .
المشكلة الأولى :
أما الأولى فلا مانع من حلها بتفسير " السنة " هنا أيضا ب " الطريقة " كما ذكر الشراح كصاحب " سبل السلام " والقاري والمباركفوري . . . وهذا هو الذي اختاره الشوكاني حيث قال : " الذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب بحسب ما تقتضيه لغة العرب ، فالسنة هي الطريقة ، فكأنه قال : الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين ، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته ، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شئ وعلى كل حال ، كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها " (116) .
(115) إرشاد الفحول . (116) إرشاد الفحول .
(87)
أقول :
وهكذا تنحل المشكلة الأولى ، وقد أكد كلهم على أنه " كانت طريقتهم نفس طريقته " متجاوزين ظهور الحديث في المغايرة ، وقد أضاف الشوكاني بأن علل اتحاد الطريقة بقوله : " فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شئ وعلى كل حال ، كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها " . قلت : لكنا وجدنا الخلفاء الثلاثة - وكذا أكثر الأصحاب - يخالفونه في أكبر الأمور فضلا عن أصغرها ، حتى مع وجود النصوص الصريحة عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد سبق أن ذكرنا بعض الموارد المسلمة من تلك المخالفات . فالذين كانت " طريقتهم نفس طريقته ، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها . . . " غير هؤلاء ، فمن هم ؟ !
المشكلة الثانية :
وإذا كان المراد من " الخلفاء " غير الذين يقول بهم أهل السنة فالمشكلة الثانية منحلة أيضا . . . أما على قولهم فقد رأيتهم يتجاوزون هذه المشكلة . . . إلا الشوكاني . . . فإنه قال بعد عبارته المذكورة : " وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر ، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته ، لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله : بما تقضي ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : فبسنة رسوله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي . قال : الحمد لله الذي وفق رسوله أو كما قال . وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف ، فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به ، وقد أوضحت هذا في بحث مستقل .
(88)
فإن قلت : إذا كان ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله : " سنة الخلفاء الراشدين " ثمرة .
قلت : ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه وأدرك زمن الخلفاء الراشدين ، أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء ، ولكنه حدث أمر لم يحدث في زمنه ، ففعله الخلفاء ، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد إلى بعض النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون . فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر منهم من الرأي وإن كان من سنته كما تقدم ، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل . وبالجملة فكثيرا ما كان صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ينسب الفعل أو الترك إليه أو إلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه ، لأنه محل القدوة ومكان الأسوة . فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث ، ولم أقف عند تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم . فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ، وأستغفر الله العظيم " (117) .
أقول :
لقد تنبه هذا الشيخ الجليل إلى أن القول بأن " طريقتهم نفس طريقته " يتنافى وظاهر الحديث الدال على " المغايرة " ، ورفع اليد عن الظهور بلا دليل غير جائز فنقل الكلام إلى حجية آراء الخلفاء واجتهاداتهم ، وقال بذلك استنادا إلى حديث معاذ ، ثم ذكر في هذا المقام دلالة الحديث على المغايرة بصورة سؤال ، وحاول الإجابة عنه بما هو في الحقيقة التزام بالإشكال ! وعلى الجملة ، فإن الكلام في إثبات أن " طريقة الخلفاء نفس طريقة النبي "
(117) إرشاد الفحول : 214 .
(89)
والإجابة عما إن قيل بأنه : كيف تكون طريقتهم نفس طريقته وظاهر الحديث المغايرة ؟ ! وأنه إذا " كانت طريقتهم نفس طريقته " لم يبق لقوله : " وسنة الخلفاء " ثمرة ؟ ! أما أن اجتهادات الخلفاء وآرائهم حجة أو لا ؟ فذاك بحث آخر ليس هذا موضعه ، وخلاصة الكلام فيه أنه لا دليل عليه إلا حديث معاذ الذي أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد عن " الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة قال : حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ " . فمن الحارث ؟ ! ومن أصحاب معاذ ؟ ! ولذا اعترف الشوكاني بهوانه ، بل عده بعضهم في (الموضوعات) كما لا يخفى على من يراجع شروح السنن والكتب المطولات . . .
والحاصل :
إن المشكلة الثانية باقية على أساس أهل السنة ، وأن هذا الذي ظهر للشوكاني في تفسير الحديث - ولم يقف على ما يوافقه من كلام أهل العلم - يجب عليه أن يستغفر منه !
المشكلة الثالثة :
قد ذكرنا أن الأمر المطلق بالإطاعة والمتابعة المطلقة دليل على عصمة المتبوع . . . وقد نص على ذلك العلماء في نظائره ، كقوله تعالى : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)قال الرازي بتفسيره ما نصه :
" إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وإنه محال . فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من
(90)
أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ " (118) .
وفي هذا المقام أيضا نبه الغزالي على ذلك ، حيث قال بعد الحكم ببطلان الأقوال - في عبارته التي نقلناها آنفا - ما نصه : " فإنه من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله ، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ ؟ ! وكيف ندعي عصمتهم من غير حجة متواترة ؟ ! وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ ! وكيف يختلف المعصومان ؟ ! كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد ، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه ؟ ! فانتفاء الدليل على العصمة ، ووقوع الاختلاف بينهم ، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ، ثلاثة أدلة قاطعة " (119) .
أقول :
نعم ، هي - وغيرها مما ذكرناه ومما لم نذكره - أدلة قاطعة على أن ليس " الخلفاء " في هذا الحديث مطلق الصحابة ، ولا مطلق الخلفاء ، ولا خصوص الأربعة مطلقا . . .
(118) التفسير الكبير 10 / 144 . (119) المستصفى 1 / 135 .
(91)
بطلان الحديث دلالة :
وتلخص أن هذا الحديث لا ينطبق في معناه على الأصول المعتمدة عند أهل السنة ، وأن الوجوه التي ذكروها أكثرها متعسفة لا تحل المشاكل الموجودة فيه على أصولهم . . . فلا مناص من الاعتراف ببطلان الحديث من ناحية الدلالة كذلك .
انطباق الحديث على مباني الإمامية
لكنه ينطبق من حيث الدلالة على مباني الإمامية في الأصولين ، واستدلالاتهم من الكتاب والسنة المتواترين . . . وبيان ذلك : إن هذا الحديث وصية وعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قاله وكأنه مودع - تعيينا لوظيفة الأمة وتكليفها إذا كان " الاختلاف الكثير " فإنهم إذا تبعوا " سنته وسنة الخلفاء الراشدين " أمنوا من الهلاك والضلال . . . فهو صريح في حصر الاتباع في " الخلفاء " من بعده اتباعا مطلقا ، فيجب كونهم معصومين . . .
والإشارة إلى حديث الثقلين :
وحديث الثقلين . . . كذلك . . . (120)
(120) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة القطعية الصدور ، المتفق عليها بين المسلمين ، أخرجه من أهل السنة مسلم في صحيحه ، وكذا أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم كافة . . . عن أكثر من صحابي وصحابية . . . عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بألفاظ مختلفة في مواقف متعددة . . . راجع : الأجزاء 1 - 3 من كتابنا : خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار .
(92)
إنه وصية وعهد منه صلى الله عليه وآله وسلم ، قاله غير مرة ، بعد أن نعى نفسه الكريمة ، فهو تعيين للوظيفة وبيان للتكليف من بعده . فأمر باتباع " عترته أهل بيته " مع " كتاب الله سبحانه " وقال : " لن تضلوا ما إن اتبعتموهما " . . . . ومن ذلك ما ورد في حديث مرض وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد جاء فيه التصريح بلفظ الوصية ، وهو أنه : " أخذ بيد علي والفضل بن عباس فخرج يعتمد عليهما حتى جلس على المنبر وعليه عصابة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فماذا تستنكرون من موت نبيكم ؟ ! ألم ينع إليكم نفسه وينع إليكم أنفسكم ؟ ! أم هل خلد أحد ممن بعث قبلي فيمن بعثوا إليه فأخلد فيكم ؟ ! ألا إني لاحق بربي ، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله بين أظهركم تقرأونه صباحا ومساء ، فيه ما تأتون وما تدعون ، فلا تنافسوا ولا تباغضوا ، وكونوا إخوانا كما أمركم الله ، ألا ثم أوصيكم بعترتي أهل بيتي " (121) .
والجدير بالذكر تعبيره عنهما - في بعض الألفاظ - ب " خليفتين " (122) .
وهذا الحديث دليل واضح على عصمة الذين أمر باتباعهم من " عترته أهل بيته " لوجوه عديدة منها ما ذكروه حول آية " إطاعة أولي الأمر " كما عرفت .
الإشارة إلى حديث الاثني عشر خليفة :
وقد حدد عليه وآله الصلاة والسلام عدد الذين أمر بالتمسك بهم في حديث آخر متواتر أجمعوا على روايته ، ذاك حديث " الاثنا عشر خليفة " وهو أيضا عهد من رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام . أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن سمرة قال - واللفظ للأول - :
(121) جواهر العقدين : 168 مخطوط . (122) مسند أحمد 5 / 181 ، الدر المنثور 2 / 60 ، فيض القدير 3 / 14 .
(93)
" سمعت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميرا . فقال : كلمة لم أسمعها . فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش " (123) .
وأخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح . . . وقد روي من غير وجه عن جابر بن سمرة . . . وفي الباب عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو " (124) .
وأخرجه أحمد في غير موضع (125) .
وأخرجه الحاكم (126) وغيره كذلك .
فإذا ما ضممنا هذا الحديث إلى حديث الثقلين عرفنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي بالتمسك بالكتاب والأئمة الاثني عشر ، يجعلهما الخليفتين من بعده . . . وإذا كان حديث الثقلين دالا على العصمة - كما تقدم - فالأئمة الاثنا عشر معصومون . . . ومن كان معصوما كانت سنته حجة . . . وعلى هذا يثبت حجية سنة أهل البيت . . . وبهذا البيان تنحل جميع مشكلات حديث " عليكم بسنتي . . . " التي ذكرها الغزالي . . . . والتي ذكرناها . . . فلقد دار أمر وجوب الاتباع مدار وجود العصمة ، وإذا كانت العصمة فلا تغاير بين " سنة الخلفاء الراشدين " و " سنة الرسول الأمين " . . . وإذا كانت العصمة فلا اختلاف . . . وإذا كانت العصمة فالمخالف هو المخطئ . . . نعم ، قد حاول القوم - عبثا - صرف حديث " الاثنا عشر خليفة " عن الدلالة على ما تذهب إليه الإمامية . . . لكنهم حاروا في كيفية تفسيره وتضاربت كلماتهم . . .
(123) أنظر كتاب الأحكام باب الاستخلاف من صحيح البخاري ، وكتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش من صحيح مسلم . (124) صحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء . (125) مسند أحمد ج 5 / 89 ، 98 ، 106 ، 107 وغيرها . (126) المستدرك عل الصحيحين 3 / 117 .
(94)
حتى كان لكل واحد منهم قول ، وببالي أني رأيت من يصرح منهم بوجود أربعين قولا في معنى الحديث . . . لكن المهم اعترافهم بالعجز عن فهم معنى الحديث . . .
فابن العربي المالكي يقول - بعد ذكر رأيه - " ولم أعلم للحديث معنى " (127) .
وابن البطال ينقل عن المهلب قوله : " لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث . يعني بشئ معين " (128) .
وابن الجوزي يقول : " قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مظانه وسألت عنه فلم أقع على المقصود " (129) .
فهي إذن محاولات يائسة . . . والحديث صحيح قطعا . . . فليتركوا الأهواء والعصبيات الجاهلية ، وليعترفوا بواقع الأمر الذي شاءه الله ورسوله وتلخص : إن معنى الحديث : عليكم بسنتي وسنة الأئمة الاثني عشر الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي . . . ويؤكد ذلك ما رووه عن أبي ليلى الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " سيكون بعدي فتن ، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنه فاروق بين الحق والباطل " . وعن كعب بن عجرة أنه قال : " تكون بين أمتي فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق . يعني عليا " (130) .
(127) شرح الترمذي 9 / 69 . (128) فتح الباري 13 / 180 . (129) فتح الباري 13 / 181 . (130) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3 / 120 ، أسد الغابة 5 / 287 ، أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب : 48 ، كنز العمال 11 / 612 ، منتخب كنز العمال - هامش مسند أحمد - 5 / 34 .
(95)
هل يأمر النبي بإطاعة الأمير كائنا من كان ؟ !
ومما ذكرناه يظهر أن ما جاء في هذا الحديث من أنه صلى الله عليه وآله وسلم يأمر ب " السمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا " . . . كذب قطعا . . . وأن هذا من زيادات أمثال " أسد بن وداعة " . . . ويشهد بذلك عدم جزم الراوي بأن النبي قاله . . . لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأذن بأن يتسلط على رقاب الناس إلا من توفرت فيه الصفات والشروط التي اعتبرها الشرع والعقل ، ولا يجوز - فضلا عن أن يأمر - الاستسلام والانصياع التام لمن تأسر وتولى شؤون المسلمين كيفما كان وكيفما تسلط ! وعلى الجملة ، فإن هذه الفقرة من الحديث إنما زيدت فيه - بناء على صدوره في الأصل - لحمل الناس على إطاعة معاوية وعماله وإن ظلموا وجاروا ، وإن فسقوا وفجر وا . . . إنها زيدت فيه كما زيد تعليل مفاده بأنه " فإنما المؤمن . . . " ويؤكد ما ذكرنا اضطراب القوم كذلك في معناها ، ونكتفي بما ذكره شارحا الترمذي : قال ابن العرب : " قوله : اسمعوا وأطيعوا . يعني ولاة الأمر وإن تأمر عليكم عبد حبشي . فقال علماؤنا : إن العبد لا يكون واليا . . . والذي عندي : أن ، النبي أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد ، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا . تغليبا لأهون الضررين ، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته ، لئلا يغير ذلك فيخرج منه إلى فتنة عمياء صماء لا دواء لها ولا خلاص منها " (131) .
وقال المباركفوري : " قوله : أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته .
(131) عارضة الأحوذي 10 / 145 .
(96)
أو : لو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن .
ووقع في بعض نسخ أبي داود : وإن عبدا حبشيا ، بالنصب . أي : وإن كان المطاع عبدا حبشيا . قال الخطابي : يريد به إطاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا ، ولم يرد بذلك أن يكون الإمام عبدا حبشيا ، وقد ثبت عنه أنه قال : الأئمة من قريش " (132) .
أقول :
أما ما ذكره الخطابي فحمل بلا دليل ، على أنه قد تقدم أن العلماء لا يجوزون ولاية العبد . وأما ما ذكره ابن العربي - وكذا ابن حجر (133) - فهو عبارة أخرى عن الأمر بالتقية التي يشنعون - بألسنتهم - بها على الإمامية مع ورود الكتاب والسنة بها ، ويلتزمون بها عملا . . . وعلى هذا - وبعد التنزل عما تقدم - يكون المعنى : إن أمر عليكم أئمة الجور بعض من لا أهلية له للإمارة وكان في مخالفتكم له ضرر كبير فعليكم بالسمع والطاعة . . .
(132) تحفة الأحوذي 7 / 438 . (133) فتح الباري 13 / 104 .
(97)
خاتمة البحث
لقد استعرضنا أهم أسانيد الحديث في أهم الكتب . . . فظهر أنه حديث من الأحاديث المفتعلة في زمن حكومة معاوية ، لأغراض سياسية . وهو من حيث الدلالة حديث باطل لا يمكن قبوله بالنظر إلى الأسس المقررة عند أهل السنة ، فضلا عن أن يستند إليه ويجعل قاعدة في شئ من المسائل العلمية . وعلى هذا فإنه لا يصلح مبررا لما " أحدثه " الخلفاء والأمراء في الدين . . . ومستندا للأقوال المتعددة في باب حجية قول الصحابي وإجماع الخلفاء الأربعة . . . فتبقى تلك البدع بلا مبرر وتلك الأقوال بلا دليل . . . نعم ، يصلح دليلا - إن صح سندا - على ما تذهب إليه الإمامية من حجية قول الأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام . . . ووجوب إطاعتهم والانقياد لهم والاقتداء بهم . . . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على الرسول الأمين وآله الطاهرين الميامين .
|