|
|
 |
| العدد 26 > الولادة في الكعبة المعظمة : فضيلة لعلي عليه السلام خصه بها رب البيت. > |
(10)
لأعدائهم الذين ينصبون لهم العداء ، ويتحاملون على شيعتهم ، ويحاولون تكفيرهم وقتلهم ، ونبذ معارفهم ، وتخويف المسلمين من كتبهم وعلومهم ، لا لشئ ارتكبوه إلا أنهم يدعون إلى الحق ، ويتمثلون ذلك في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتبعون فقههم باعتباره أصفى موردا ، وأقرب مصدرا ، وأوضح دليلا ومنطقا . و " تراثنا " غير متوانية ولا مترددة ، تؤدي بذلك ما حملها التاريخ وما تفرضه الأحداث .
والثقة بالله ، أن يبلغ بالعمل رضاه ، وأن يمد العاملين بفضله وإحسانه ، فهو المأمول من منه وكرمه ، إنه ذو الجلال والاكرام .
هيئة التحرير
(11)
الولادة في الكعبة المعظمة فضيلة لعلي عليه السلام خصه بها رب البيت
شاكر شبع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الأخيار المنتجبين . أما بعد :
فقد حالفني الحظ في مطالعة كتاب " على وليد الكعبة " لسماحة الشيخ الحجة الميرزا محمد علي الغروي الأردوبادي تغمده الله برحمته ، وسبرت غوره بقدر ما وسعني ذلك ، فامتلأت نفسي إعجابا به وإكبارا له ، ووجدتني مندفعا لتسجيل كلمة تعرب عن مبلغ ارتياحي وابتهاجي بهذا الأثر القيم ومكانته .
ولم يعرني شك في أنه نفحة من نفحات أمير المؤمنين عليه السلام منحها المؤلف فاستأثر بها ، مطلقا العنان لسعة باعه وقوة بيانه المفعم بعناصر التجويد والإبداع ، موقفا الباحث على جلية حديث الولادة الميمونة ، مظهرا في أثناء ذلك مبلغ عنائه في جمع مواده . ولشدة ما استهواني موضوع الكتاب بدأت أجمع استدراكات له ، تتميما وتعضيدا ، والذي حداني إلى ذلك ثقتي بأنه قد س سره لو أمد الله في عمره لصنع مثل
(12)
ما صنعت ، وبارك لي فيما كتبت ، خاصة أني اقتفيت في هذا التتميم أثره ، وسلكت منهجه . وقد تجمعت لدي نصوص كثيرة من مخطوط الكتب ومطبوعها ، قديمها وحديثها ، نادرها ونفيسها ، مما كان الوصول إليه والحصول عليه في زمان الحجة المؤلف أمرا عسيرا ، ومجموع ذلك يغني لإثبات صحة الحديث ، والكشف عن اتفاق أهل العلم والفضل عليه . ولكن الذين * (يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * لم تطاوعهم نفوسهم لقبول فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذه أولها بما فيها من دلالات عميقة ، فحاولوا تشويهها بشتى الأساليب ، تمريرا لسياسة معاوية في التصدي لفضائل الإمام علي عليه السلام ، تلك السياسة التي دبرها وعممها في مرسوم سلطاني يقول فيه : برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيته (1) .
ثم كتب إلى عماله في جميع الآفاق : إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب ، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلى وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته (2) .
قال الرواي : فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ! فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ! (3) . وبهذه الجرأة والصلافة ملأوا كتبهم بالأكاذيب الكثيرة ، والفضائل المجعولة ،
(1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - 11 / 44 عن كتاب " الأحداث " لأبي الحسن علي بن محمد المدائني . (2) المصدر السابق : 11 / 46 . (3) المصدر السابق .
(13)
والأحاديث الموضوعة .
وحيث لم يطالوا إنكار فضيلة المولد الشريف للإمام علي عليه السلام لوضوحه واشتهاره ، بل تواتره والاتفاق عليه ، عمدوا إلى وضع أسلوب آخر لإخفاء أثرها ، وهو ادعاء مثل ذلك لشخص آخر هو الصحابي حكيم بن حزام ، وروجوا لهذه المزعومة حسب الإمكانات التي هيأتها لهم السلطة وأعوانها . وهذه ليست أول خصوصية يحاولون سلبها عليا عليه السلام ، بل هناك غيرها كثير ، منها : الحديث المتواتر المتفق على صحته : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " . وضعوا قباله حديثا واهيا هو : " أنا مدينة العلم ، وأبو بكر أساسها ، وعمر حيطانها ، وعثمان سقفها ، وعلي بابها ! " (4) .
وحديثا آخر ، أشد وهنا ، وأظهر وضعا ، هو : " أنا مدينة العلم ، وعلي بابها ، ومعاوية حلقتها ! " (5) . ومنها الحديث المتواتر الثابت الآخر : " على مني بمنزلة هارون من موسى " . وضعوا قباله حديثا يشهد متنه وسياقه بوضعه ، فضلا عن سنده ، هو : " أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى ! " (6) .
ومنها الحديث المتواتر الصحيح الآخر : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه ا لله ورسوله . . . " . وضعوا قباله حديثا مثيرا للضحك والسخرية والاستغراب ، هو : " لأعطين هذا الكتاب رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ! قم يا عثمان بن أبي العاص . فقام عثمان بن أبي العاص ، فدفعه إليه " ؟ ! (7) .
ويكشف عن هذا التلاعب المكشوف ، ويبين أنه كان أمرا معروفا ومألوفا ، قول
(4) راجع الغدير 7 : 197 - 199 . (5) راجع الغدير 7 : 197 - 199 . (6) راجع الغدير 10 : 94 . (7) المعجم الأوسط للطبراني 1 : 438 ح 788 ، عنه مجمع الزوائد 9 : 371 .
(14)
الزهري في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد بن حنبل في " فضائل الصحابة " قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أنا معمر ، قال : سألت الزهري : من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟
فضحك وقال : هو علي ، ولو سألت هؤلاء - يعني بي أمية - قالوا : عثمان (8) .
واستعراض باقي الأمثلة يخرجنا عن موضوع البحث الرئيسي ، وإنما أردنا التدليل على منهج أولئك في سلب الخصوصية ، وجرأتهم على وضع الأحاديث الواهية قبال الأحاديث السليمة . هذا رغم ميل بعض العلماء إلى أن ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ليست فضيلة ولا مكرمة ، وإنما كانت اتفاقا ولم تكن قصدا ، كما ارتأى ذلك الصفوري وغيره (9) .
وأغرق بعضهم نزعا في الضلال ، ورمى القول على عواهنه ، متحديا ما أثبته مهرة الفن وأئمة النقل ، وأخبت كبار العلماء والمؤرخين بصحته ، ولم يكترث بأسانيده المتضافرة ، وطرقه المتصلة المعتمدة عند كل مؤالف ومخالف ، فقال : " إن حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ، ولا يعرف ذلك لغيره ، وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء " (10) ! !
وقد أجاد الحجة الأردوبادي في الرد عليه ، وتفنيد مزاعمه ، فراجع أواخر باب " حديث الولادة والمؤرخون " . ولكن نجد رغم ذلك أن محاولتهم فيما يخص فضيلة المولد الشريف في الكعبة المعظمة باءت بالفشل (11) ، فلو رجعنا إلى مصادر الحديث لوجدنا خلالها - مع إثبات
(8) فضائل الصحابة 2 : 591 ح 1002 طبعة مكة . (9) نزهة المجالس 2 : 204 . (10) أنظر إنسان العيون 1 : 227 . (11) قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في الإصابة : 4 / 269 : " كلما أرادوا - يعني بنو أمية - إخمادها وهددوا من حدث بمناقبه لا تزداد إلا انتشارا " .
(15)
تلك الفضيلة للإمام علي عليه السلام على اليقين والجزم - أن من المؤلفين والعلماء والرواة من أعلن أن هذه الفضيلة مختصة بالإمام عليه السلام لم يشركه فيها أحد قبله ولا بعده ، مصرحين بذلك بعبارات شتى تدل على حصر هذه الفضيلة للإمام عليه السلام بضرس قاطع . وإليك نصوصها :
" لم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراما له بذلك وإجلالا لمحله في التعظيم " . رواها الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي (ت 658 ه) عن الحاكم أبي عبد الله النيشابوري (321 - 405 ه) (12) .
وقالها أيضا : - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي ، الشيخ المفيد (ت 413) (13) .
- الحافظ يحيى بن الحسن الأسدي الحلي ، المعروف بابن البطريق (533 - 600 ه) (14) .
- الشيخ الثبت أبو علي محمد بن الحسن الواعظ الشهيد النيسابوري ، المعروف بابن الفتال ، من علماء القرن السادس (15) .
- الشيخ الوزير بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى الإربلي (ت 693 ه) (16) .
(12) كفاية الطالب : 407 . (13) الإرشاد : 9 . (14) عمدة عيون صحاح الأخبار : 24 . (15) روضة الواعظين : 76 . (16) كشف الغمة 1 : 59 .
(16)
- الإمام جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (648 - 726 ه) (17) .
- السيد المحدث جلال الدين عبد الله بن شرفشاه الحسيني ، المتوفى نيف وثمانمائة من الهجرة (18) .
- الشيخ المحدث الحسن بن أبي الحسن الديلمي ، من أعلام القرن الثامن الهجري (19) .
- الشيخ المؤرخ النسابة جمال الدين أحمد بن علي الحسني ، المعروف بابن عنبة (ت 828 ه) (20) .
- العلامة المحدث السيد ولي الله بن نعمة الله الحسيني الرضوي ، من أعلام القرن التاسع الهجري (21) .
- العالم اللغوي الشيخ فخر الدين الطريحي (979 - 1087 ه) (22) .
- العلامة محمود بن محمد بن علي الشيخاني القادري الشافعي المدني ، من أعلام القرن الحادي عشر (23) .
" ولد بمكة في البيت الحرام ، ولم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه ، لا قبله ولا بعده ، وهذه فضيلة خصه الله تعالى بها ، إجلالا لمحله ومنزلته ، وإعلاء لقدره " .
(17) نهج الحق وكشف الصدق : 232 . (18) منهج الشيعة في فضائل وصي خاتم الشريعة : 7 ، نسخة مكتبة آية الله الكلبايكاني المؤرخة 1265 ه . (19) إرشاد القلوب : 211 . (20) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : 58 . (21) كنز المطالب وبحر المناقب : 1 4 ، نسخة المدرسة الفيضية المؤرخة 989 ه . (22) جامع المقال : 187 . (23) الصراط السوي : 152 ، نسخة المكتبة الناصرية في لكهنو بالهند ، والتي يظهر أنها بخط المؤلف .
(17)
قالها :
- أمين الإسلام الشيخ المفسر أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 ه) (24) .
- الحافظ محمد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي ، من أكابر علماء العامة في القرن الثاني عشر (25) .
" ولد بداخل البيت الحرام ، ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه ، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا له ، وإعلاء لمرتبته ، وإظهارا لتكرمته " . قالها : - الحافظ نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المكي المالكي (784 - 855 ه) (26) . وحكاها عنه : - الفقيه المؤرخ نور الدين علي بن عبد الله الشافعي السمهودي (844 - 911 ه) في " جواهر العقدين في فضل الشرفين العلم الجلي والنسب العلي " . - الشيخ علي بن برهان الدين الحلبي (975 - 1044 ه) في " إنسان العيون " (27) .
- الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي ، من علماء القرن الثالث عشر (28) .
(24) إعلام الورى : 153 ، تاج المواليد : 12 . ((25) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ، نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار : 115 . ((26) الفصول المهمة : 30 . ((27) عنهما علي وليد الكعبة : 119 . ((28) نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : 156 .
(18)
" ولد في البيت الحرام ، ولا نعلم مولودا في الكعبة غيره " .
قالها نقيب الطالبيين الأديب الفقيه أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، المعروف بالشريف الرضي (359 - 406 ه) (29) .
" ولدته - أمه - في الكعبة ، ولا نظير له في هذه الفضيلة " . قالها علم الهدى ذو المجدين علي بن الحسين الموسوي ، المعروف بالشريف المرتضى (355 - 436 ه) (30) .
" لم يولد في الكعبة إلا علي " . قالها : - الحافظ الفقيه محمد بن علي القفال الشاشي الشافعي (ت 365 ه) (31) .
- شيخ الإسلام الحافظ المحدث إبراهيم بن محمد الجويني الشافعي (644 - 730 ه) (32) .
" ولدت - فاطمة بنت أسد - عليا عليه السلام في الكعبة ، وما ولد قبله أحد فيها " . نص على ذلك السيد الشريف النسابة نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد العلوي العمري ، من علماء القرن الخامس الهجري (33) .
(29) خصائص الأئمة : 4 . (30) شرح قصيدة السيد الحميري المذهبة : 51 ، طبعة مصر سنة 1313 ه . (31) فضائل أمير المؤمنين : مخطوط ، عنه إحقاق الحق 7 : 489 . (32) فرائد السمطين 1 : 425 . (33) المجدي في أنساب الطالبيين : 11 .
(19)
" لقد ولد عليه السلام في بيت الله الحرام ، ولم يولد فيه أحد غيره قط " . قالها الشيخ الفقيه أبو الحسين سعيد بن هبة الله ، المعروف بقطب الدين الراوندي (ت 573 ه) (34) .
" مولده عليه السلام في الكعبة المعظمة ، ولم يولد بها سواه " . قالها العلامة عمر بن محمد بن عبد الواحد (35) .
" . . . فالولد الطاهر ، من النسل الطاهر ، ولد في الموضع الطاهر ، فأين توجد هذه الكرامة لغيره ؟ ! فأشرف البقاع : الحرم ، وأشرف الحرم : المسجد ، وأشرف بقاع المسجد : الكعبة ، ولم يولد فيه مولود سواه . فالمولود فيه يكون في غاية الشرف ، فليس المولود في سيد الأيام (يوم الجمعة) في الشهر الحرام ، في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين عليه السلام " . قالها الحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني (ت 588 ه) بعد أن ذكر عدة أحاديث في ولادة علي عليه السلام في الكعبة (36) .
" ولد في الكعبة بالحرم الشريف ، فكان شرف مكة وأصل بكة لامتيازه
(34) الخرائج والجرائح 2 : 888 . (35) النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم : 16 ، مخطوطة مكتبة آيا صوفيا - تركيا ، وأنظر بشأنه إيضاح المكنون 2 : 661 ، أهل البيت - عليهم السلام - في المكتبة العربية . (36) مناقب آل أبي طالب 2 : 175 .
(20)
بولادته في ذلك المقام المنيف ، فلم يسبقه أحد ولا يلحقه أحد بهذه الكرامة " . قالها المحدث الجليل السيد حيدر بن علي الحسيني الآملي من علماء القرن الثامن الهجري (37) .
" كانت ولادته بالكعبة المشرفة ، وهو أول من ولد بها ، بل لم يعلم أن غيره ولد بها " . قالها العلامة صفي الدين أحمد بن الفضل بن محمد باكثير الحضرمي الشافعي ، من أعلام القرن الحادي عشر (38) .
" ولد عليه السلام بمكة داخل الكعبة على الرخامة الحمراء ، ولم ينقل ولادة أحد قبله ولا بعده في الكعبة ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " . قالها كل من : - العالم المحدث الفقيه السيد تاج الدين بن علي بن أحمد الحسيني العاملي ، من علماء القرن الحادي عشر (39) .
- العالم الفاضل محمد بن رضا القمي ، من علماء القرن الحادي عشر (40) .
" ولادة معدن الكرامة في جوف الكعبة ، ولم يولد أحد فيها غيره ، وقد خصه
(37) الكشكول فيما جرى على آل الرسول : 189 . (38) وسيلة المآل : 282 ، نسخة مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة ، المؤرخة 1280 ه . (39) التتمة في تواريخ الأئمة ، الفصل الثالث ، مخطوط . (40) كاشف الغمة : 422 " نسخة المؤلف المخطوطة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى ، برقم 2000 .
(21)
الله تعالى بهذه الفضيلة ، وشرف الكعبة بهذا الشرف " . قالها العلامة الفاضل محمد مبين بن محب الله بن أحمد اللكهنوي الأنصاري الحنفي (ت 1225 ه) (41) .
" ولادته في مكة المكرمة في جوف بيت الله الحرام ، ولم يولد أحد غيره في هذا المكان المقدس " . قالها العلامة الشيخ محمد صديق خان الحسيني البخاري القنوجي (1248 - 1307 ه) (42) .
" كانت ولادته عليه السلام في جوف الكعبة ، ولم تتح هذه السعادة لأي أحد منذ بدء الخليقة إلى الغاية ، وإن لصحة هذا الخبر بين المؤرخين المتحفظين على الفضائل صيت لا تشوبه شبهة ، وتجاوز عن أن يصحبه الشك والترديد " . قالها المؤرخ الشهير محمد بن خاوند شاه بن محمود (ت 903 ه) (43) .
" من المتفق عليه أن غيره صلوات الله عليه لم يولد هناك " . قالها المؤرخ العالم زين العابدين الشيرواني ، من علماء القرن الثاني عشر (44) . أما الشعراء ، وخاصة العلماء منهم ، فقد زينوا شعرهم بقصائد في بيان فضائله ومناقبه عليه السلام المروية بالطرق الصحيحة المصححة المتواترة ، تخليدا لذكراه ، وأداء لبعض حقه ، وأثبتوا فيها خصوصية ولادته في الكعبة المعظمة ، ومنهم :
(41) وسيلة النجاة : 60 ، طبعة كلشن فيض - لكهنو . (42) تكريم المؤمنين بتقويم مناقب الخلفاء الراشدين : 99 ، طبعة الهند سنة 1307 ه . (43) روضة الصفا في آداب زيارة المصطفى ، الجز الثاني . (44) بستان السياحة : 543 ، الطبعة الثانية .
(22)
العالم الأديب أبو الحسن علاء الدين علي بن الحسين الحلي ، من العلماء الشعراء في القرن الثامن الهجري ، يقول في قصيدة دالية طويلة :
|
أم هل ترى في العالمين بأسرهم
في ليلة جبريل جاء بها مع
فلقد سما مجدا علي كما علا
| |
بشرا سواه ببيت مكة يولد ؟
الملأ المقدس حوله يتعبد
شرفا به دون البقاع المسجد (45)
|
ومنهم العالم المتكلم المحدث الفقيه المولى محمد طاهر بن محمد حسين القمي ، صاحب المؤلفات القيمة النافعة ، المتوفى سنة 1098 ه ، في لاميته البديعة التي مطلعها :
سلامة القلب نحتني عن الزلل * وشعلة العلم دلتني على العمل إلى أن يقول : طوبى له كان بيت الله مولده * كمثل مولده ما كان للرسل (46)
ومنهم الفقيه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (1033 - 1104 ه) صاحب " وسائل الشيعة " ، قال في أرجوزة له في تواريخ المعصومين عليهم السلام :
|
مولده بمكة قد عرفا
على رخامة هناك حمرا
فيا لها مزية علية
ما نالها قط نبي مرسل
| |
في داخل الكعبة زيدت شرفا
معروفة زادت بذاك قدرا
تخفض كل رتبة علية
ولا وصي آخر وأول
|
(45) تجد القصيدة كاملة في الغدير 6 : 356 - 364 . (46) الغدير 11 : 320 .
(23)
ثم شرع بنظم حديث يزيد بن قعنب المشهور (47) .
ومنهم الشيخ الفقيه حسين نجف التبريزي النجفي (1159 - 1251 ه) ، حيث يقول في قصيدته الهائية :
|
جعل الله بيته لعلي
لم يشاركه في الولادة فيه
| |
مولدا يا له علا لا يضاهى
سيد الرسل لا ولا أنبياها (48)
|
ومنهم العلامة السيد علي نقي النقوي الهندي اللكهنوي في موشحة ميلادية طويلة ، منها قوله :
|
لم يكن في البيت مولود سواه
أوتي العلم بتعليم الإله
| |
إذ تعالى عن مثيل في علاه
فغذاه دره قبل الفطام
|
يرتوي منه بأهنى مشرب (49) ومنهم آية الله السيد محسن الأمين (1284 - 1371 ه) صاحب الموسوعة القيمة " أعيان الشيعة " ، حيث ذكر في أول باب سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ، فصل في مولده ، من موسوعته الآنفة الذكر : ولدت ببيت الله وهي فضيلة * خصصت بها إذ فيك أمثالها كثر (50) وله أيضا من مقصورة : وولدت في البيت الحرام ولم يكن * هذا لغيرك من يكون ومن مضى (51)
(47) على وليد الكعبة : 36 . (48) نقلها الشيخ الأوردبادي في علي وليد الكعبة : 69 عن ديوان الشيخ المخطوط . (49) تجدها كاملة في علي وليد الكعبة : 85 - 88 ، والغدير 6 : 33 - 35 . (50) أعيان الشيعة 1 : 323 . (51) علي وليد الكعبة : 108 .
(24)
ومنهم السيد حسن بن محمود الأمين (1299 - 1368 ه) .
في قصيدة بائية طويلة :
|
ولدت في البيت بيت الله فارتفعت
وتلك منزلة لم يؤتها بشر
| |
أركانه بك فوق السبعة الحجب
بلى ومرتبة طالت على الرتب (52)
|
ومنهم الفاضل الأديب الشيخ محمود عباس العاملي في قصيدته العلوية المسماة ب " الدرر السنية " :
|
من مثله في بيت بارئه ولد ؟
أمعن بها يا صاح فكرا واعتمد
| |
ذي خصلة قد خص فيها مذ وجد
وانظر لها النظر الصحيح ولا تحد
|
من واضح المنهاج وقيت الضرر (53)
والشعر في خصوصية ولادة علي عليه السلام في الكعبة كثير ، التقطت منه هنا ما هو أروع إلى السمع وأوقع في القلب .
بعد هذه المقدمة لا بد من خوض غمار حديث ولادة حكيم في الكعبة ، هذه المزعمة الزائفة ، والرواية المجعولة ، وإخضاعها لشئ من البحث والتحقيق والتمحيص ، لكشف زيفها وبيان وضعها ، إذ فيها الكثير مما يوجب الشك والريب في سلامتها وصحتها ، وبراءة ساحة رواتها . وأول من نسبت إليه وحكيت عنه ، وأقدمهم : هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، النسابة المعروف ، صاحب التأليف التي
(52) أعيان الشيعة 5 : 285 ، دائرة المعارف الشيعية 1 : 153 . (53) علي وليد الكعبة : 83 .
(25)
نيفت على المائة والخمسين ، والمتوفى سنة أربع أو ست ومائتين ، وقيل : الأول أصح . والكلبي ممن تكالب بعض علماء الجرح والتعديل من العامة على تضعيفه وترك ما رواه ، وعدم الاحتجاج به . قال الدارقطني وغيره : متروك الحديث (54) .
وقال يحيى بن معين : غير ثقة (55) .
وقال السمعاني : " يروي العجائب والأخبار التي لا أصول لها . . . . أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها " (56) .
وهذه الاتهامات ضد الكلبي ليس لها وزن عندنا ، لأنها ناشئة عن تعصب طائفي ، ومنقوضة بما يخالفها من آراء حسنة في الرجل تدل على خبرته وأمانته . إلا أنا نشكك في صحة نسبة ذلك القول إليه ، وفي صدق الحكاية عنه . والمتهم في التقول عليه هو روايته السكري ، فقد نسب إلى الكلبي أنه قال في " جمهرة النسب " : " وحكيم بن حزام بن خويلد عاش عشرين ومائة سنة ، وكانت أمه ولدته في الكعبة " (57) .
وكتاب الجمهرة من أشهر كتبه ، عده كبار المؤرخين من مصنفاته ، وذكروا أن محمد بن سعد كاتب الواقدي ومصنف كتاب " الطبقات " الكبير رواه عنه مع سائر مصنفاته . ولكن النسخة التي بأيدينا من كتاب الجمهرة هي برواية أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري (212 - 275 ه) عن أبي جعفر محمد بن حبيب بن أمية البغدادي (ت 245 ه) عن الكلبي .
(54) سير أعلام النبلاء 10 : 101 ، لسان الميزان 6 : 196 . (55) سير أعلام النبلاء 10 : 101 ، لسان الميزان 6 : 196 . (56) الأنساب 5 : 86 . (57) جمهرة النسب 1 : 353 .
(26)
وهذا خلاف ما أثبته المؤرخون كالنديم والحموي وغيرهما (58) .
وكان لهذا الاختلاف أثر كبير ، ودور مؤثر في متن الكتاب الأصلي . فقد عمد السكري إلى دس بعض آرائه وأقواله ومروياته في متن الجمهرة ، مصدرا بعضها ب " قال أبو سعيد " ، هاملا البعض الآخر ، كما قام بتحريف بعض الجمل والكلمات ، أو تبديلها بما يتلاءم وآراءه الفكرية والمذهبية . وكان هذا ديدن السكري في ما يرويه من مصنفات غيره ، وهكذا صنع بكتاب " المحبر " لأستاذه وشيخه أبي جعفر محمد بن حبيب . وقد تنبه لهذا الأمر محققا كتاب الجمهرة والمحبر . قال الدكتور ناجي حسن محقق الجمهرة في مقدمة التحقيق : " لقد وصلتنا جمهرة النسب لابن الكلبي برواية أبي سعيد السكري ، عن محمد ابن حبيب ، عن ابن الكلبي ، ومع ذلك ظهرت فيها إضافات واضحة ، وزيادات ، وتعليقات بينة ، لم ترد في أصل الجمهرة ، بل أضافها الرواة والنساخ . ولا يستبعد أن يكون أبو سعيد السكري هو نفسه الذي تام بهذا العمل ، حين وجد لديه فيضا من الأخبار ذات الصلة بالأنساب " (59) .
بعد هذا كله فليس من المستبعد ، ولا المستحيل ، أن تكون جملة " وكانت أمه ولدته في جوف الكعبة " في ذيل كلمة الكلبي المتقدمة من تلك الإضافات ، والزيادات ، والتعليقات البينة ، المحسوبة " فيضا من الأخبار ذات الصلة بالأنساب " . فإن كانت هذه الزيادة مبهمة بعض الشئ أو مشكك في أنها من الجمهرة ، فهي واضحة ، مكشوفة ، جلية في المحبر . ففي فصل الندماء من قريش : " وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديما لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد
(58) الفهرست : 143 ، معجم الأدباء 19 : 291 . (59) جمهرة النسب : 10 .
(27)
- وحكيم هذا ولد في الكعبة ، وذلك أن أمه دخلت الكعبة وهي حامل به ، فضربها المخاض فيها ، فولدته هناك - أسلما جميعا " (60) .
فالعبارة التي بين شارحتين قد أحدثت فاصلة بين صدر الكلام وذيله ، إذ المراد بقوله " أسلما جميعا " : الحارث وحكيم ، كما يدل عليه قوله المتقدم في أول الفصل المذكور : " وكان حمزة بن عبد المطلب نديما لعبد الله بن السائب المخزومي ، أسلما جميعا " (61) .
على أن هذا الفصل هو في الندماء من قريش ، وليس في ذكر أحوالهم وأحوال أمهاتهم وتاريخ ولاداتهم وكيفيتها . أضف إلى هذا أن عناوين الفصول والأبواب في المحبر انتخبت بدقة لتتلاءم مع محتوياتها ، كما يلاحظ بشكل جلي أنها خالية من الحشو وذكر الأمور الفرعية ، اللهم إلا في بعض الموارد التي هي من إضافات السكري . ففي فصل أسلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " وسالفه صلى الله عليه : سعيد بن الأخنس - قال أبو سعيد السكري : سعيد هذا هو الذي قال النبي صلى الله عليه : أبعده الله ، فإنه كان يبغض قريشا - بن شريق ابن وهب . . . . " (62) .
وما أشبه قوله " سعيد هذا " بقوله " حكيم هذا " . وما أشبه الفاصلة بين " بن الأخنس . . . . بن شريق " بالفاصلة الحادثة في الفقرة موضع البحث ، وكل ما في الأمر تصديرها ب " قال أبو سعيد السكري " هنا ، وتركها سائبة مهملة هناك . لم يكتف السكري بهذا ، بل أضاف في بعض الموارد بهلا وروايات تتماشى مع اعتقاداته المذهبية .
(60) المحبر : 176 . (61) المصدر نفسه : 174 . (62) المصدر نفسه : 105 .
(28)
أذكر منها ما في أواسط فصل " ذكر سرايا رسول الله صلى الله عليه وجيوشه " . " وفيها غزوة عمرو بن العاص السهمي على ذات السلاسل ، ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح في جيشه ، وكان استمد ، فأمده النبي صلى الله عليه بجيش فيهم أبو بكر وعمر ، ورئيس الجيش أبو عبيدة بن الجراح . قال أبو سعيد : فشكا أبو بكر وعمر رحمهما الله إلى النبي صلى الله عليه عمرو ابن العاص ، فقال لهما : لا يتأمر عليكما أحد بعدي . وهذا توكيد لخلافة أبي بكر وعمر رحمهما الله " (63) .
ولست في صدد الخوض في بحوث الخلافة والإمامة ، ومن هو أحق بها من غيره ، أو الولوج في مدى صحة حديث " لا يتأمر عليكما أحد بعدي " وعدمه ، فهذا أمر أشبعه علماؤنا بحثا وتفصيلا ، ولكن أوردت هذا المثال لبيان تلاعب السكري في متون الكتب ، وهدفه من ذلك وغايته . يقول محقق كتاب المحبر في كلمة الختام : " وأظن أنه - أي ابن حبيب - كان يميل إلى الشيعية ، فإنه لا يذكر أبدا أم المؤمنين عائشة ، وسيدنا أبا بكر الصديق ، وسيدنا عمر إلا بكلمة (رحمه الله) مع أنه دائما يذكر أم المؤمنين خديجة وسيدنا عليا بكلمة (رضي الله عنه) رضي الله عنهم أجمعين . وأيضا قد أثبت جميع ما يعاب به الرجل في سيدنا عمر ، مثل أنه كان أحول (64) .
أو كان قد ضرب ، قبل أن يسلم ، جاريته ضربا مبرحا على قبولها الإسلام ، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ! فمن أجل ذلك ، فيما أحسب ، أن راويه أبا سعيد السكري يضيف أحيانا إلى
(63) المصدر نفسه : 121 و 122 . (64) أنظر المحبر : 303 .
(29)
متن الكتاب ما يؤيد رأي أهل السنة والجماعة في أمر الخلافة " (65) .
وقد تحامل كثيرا على ابن حبيب لوصفه عمر بأنه أحول ، وهو أمر خلقي وليس عيبا كما ادعى . أو إثباته لبعض الحقائق التاريخية الثابتة المروية في جل كتب السيرة والتاريخ كضرب عمر جاريته لأنها سلكت طريق الحق وأسلمت .
حتى أنه عدها من الغل جهلا وتعصبا ! ويا ليته أمعن في مسألة تلاعب السكري المكشوف بمتن المحبر ، وإضافاته الواضحة إليه ، حتى يراها عين اليقين ، لكنه تساهل كثيرا وقال " فيما أحسب " فكان من الذين ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون . فإن قيل : لا يهم عدم ذكر الكلبي وابن حبيب لخبر ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ، في أصل كتابيهما ، وأنها مما أضافه السكري فيما بعد باعتباره الراوي الأول لهما ، وثبوت نسبة هذه الزيادات إليه ، لأننا نروي عن أئمة الجرح والتعديل عندنا توثيقه . فقد قال فيه الخطيب البغدادي : كان ثقة دينا صادقا (66) .
وقال ياقوت الحموي : الراوية الثقة المكثر (67) .
فما زاده السكري في متن الكتابين نعده صحيحا مقبولا . قيل لهم : إن ما أثبتناه من التلاعب السافر للسكري في نصوص الكتب ومتونها ، ينافي إطلاقكم صفة " ثقة " عليه ، لأن الوثاقة هي الأمانة . والثقة : الأمين ، يقال :
(65) المصدر نفسه : 509 . (66) تاريخ بغداد 7 : 296 . (67) معجم الأدباء 8 : 94 .
(30)
وثقت بفلان أثق ثقة إذا ائتمنته (68) .
وقد بينا أنه لم يكن أمينا في رواية الكتابين ، لخيانته للأمانة العلمية المتبعة في الاحتفاظ بالنصوص على ما هي عليه ونقضه قواعد الرواية ، ففتح بذلك بابا للتلاعب المعلن بالكتب والآثار ، لم يغلق إلى عصرنا هذا . على أنا لو سلمنا أنه كان ثقة كما تدعون ، فروايته هذه مردودة لأكثر من سبب .
منها : الإرسال ،
والذي عليه جل العلماء وأجلتهم أنه ضعيف ، مردود ، لا يحتج به . قال النووي في التقريب : " ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين ، وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول " (69) .
وقال مسلم في مقدمة صحيحه : " والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " (70) .
وقال ابن الصلاح في مقدمته : " ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف ، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر " (71) .
وقال النووي : " ودليلنا في رد العمل به أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله ، فرواية المرسل أولى ، لأن المروي عنه محذوف ، مجهول العين والحال " . وقال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل : " سمعت أبي وأبا زرعة يقولان : لا يحتج بالمراسيل ، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة " (72) .
(68) أنظر الصحاح 4 : 1562 ، لسان العرب 10 : 371 . (69) التقريب : 66 . (70) صحيح مسلم 1 : 30 . (71) مقدمة ابن الصلاح : 136 . (72) المراسيل : 15 .
(31)
أما معنى المرسل فهو أن يكون في طريق الخبر راو ملتبس العين ، إما بأن لا يذكر ، أو أن يذكر على نحو الإبهام (73) .
وعرفه أبو العباس القرطبي ، من أئمة المالكية قائلا : " المرسل عند الأصوليين والفقهاء عبارة عن الخبر الذي يكون في سنده انقطاع ، بأن يحدث واحد منهم عمن لم يلقه ، ولا أخذ عنه " (74) .
ورواية السكري ، حتى لو فرضنا أنها رواية الكلبي وابن حبيب ، هي من المراسيل ، وليست من المسند الذي هو عند أهل الحديث ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه (75) .
والمعروف أن الكلبي وابن حبيب والسكري وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم قد عاشوا ونبغوا في القرن الثالث للهجرة وما بعده ، فمن الذي حدثهم بولادة حكيم في الكعبة ، مع أنها كانت قبل الإسلام بستين سنة ، كما أرخ ذلك بعض المؤرخين ؟ ! (76) .
ومنها : الشذوذ ومخالفة المشهور .
والحديث الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة (77) .
روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيره بإسنادهم إلى يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي : ليس الشاذ من ا لحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث (78) .
(73) جامع التحصيل في أحكام المراسيل : 26 . (74) المصدر نفسه . (75) مقدمة ابن الصلاح : 119 . (76) تاريخ البخاري الكبير 3 : 11 رقم 42 . (77) معرفة علوم الحديث : 119 . (78) المصدر السابق ، ومقدمة ابن الصلاح : 173 .
(32)
زاد ابن الصلاح في مقدمته : " فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان : أحدهما : الحديث المنفرد المخالف .
والثاني : الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما وقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف " (79) .
ونحو هذا التقسيم قسم ابن الصلاح الحديث المنكر (80) .
وقد أمر أحمد بن حنبل ابنه أن يحذف حديث " يهلك أمتي هذا الحي من قريش " لمخالفته المشهور . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : " قال أبي في مرضه الذي مات فيه : اضرب على هذا الحديث ، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " . تعقبه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب " خصائص المسند " قائلا : " وهذا مع ثقة رجال إسناده ، حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه " (81) .
ونقل ابن الجوزي عن بعضهم أنه قال : " إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول ، فاعلم أنه موضوع " (82) .
ولا شبهة في أن ما تفردت به هذه الآحاد من زعمهم أن ولادة حكيم كانت في الكعبة هو خبر شاذ ، منكر ، موضوع ، خالفوا فيه المنقول ، وناقضوا الأصول ، إذ لم تتوفر فيهم وفي خبرهم ما يدفع شذوذه ونكارته ووضعه . وقد مر عليك قول شهاب الدين الآلوسي وغيره من الأعلام أن حديث ولادة علي عليه السلام في الكعبة " أمر مشهور في الدنيا ، ولم يشتهر وضع غيره - كرم الله وجهه - كما اشتهر وضعه ، بل لم تتفق الكلمة عليه " . والتأكيد عليه في مصادر الحديث المعتبرة ، وكلمات مهرة الفن ، وحملة العلم ،
(79) مقدمة ابن الصلاح : 179 . (80) مقدمة ابن الصلاح : 874 . (81) مسند أحمد 2 : 301 ، فتح الملك العين : 126 . (82) فتح الملك العلى : 122 .
(33)
وأهل السير ، وأصحاب التاريخ ، وصاغة الشعر ، لا يدع مجالا لشئ إلا الإذعان بأنه الصحيح الشائع الذائع المستفيض ، السائر ذكره مع الركبان ، الدائر بين الناس ، المقبول عند الأمة ، المشهور بين القاصي والداني ، شهرة لازمها تواتر الأسانيد التي لم يخل سند منها من محدث ثقة ، وناقد خبير ، وعالم باحث ، ومؤرخ ثبت ، وإمام من أئمة الفريقين وأساطينهم ، لا يستهان بعددهم ، ولا يطعن في روايتهم ، ولا يغمز في شئ من أمانتهم ، كابن إسحاق المطلبي ، وابن زكرة الأزدي ، والقفال الشاشي ، والشيخ ابن بابويه الصدوق ، والشيخ المفيد ، والحاكم النيسابوري ، والشريف الرضي ، والسيد المرتضى علم الهدى ، والكراجكي ، وشيخ الطائفة الطوسي ، وابن أبي الغنائم العمري النسابة ، وابن أبي الفوارس ، وابن المغازلي ، وعماد الدين الطبري ، وسبط ابن الجوزي ، والحافظ الكنجي ، والسيد ابن طاوس ، وشيخ الإسلام الجويني ، وابن الصباغ المالكي ، و . . . . و . . . .
فلا شك إذن في أنه من ، الأحاديث " المشهورة التي يعرفها أهل العلم ، وقلما يخفى ذلك عليهم ، وهو المشهور الذي يستوي في معرفتها الخاص والعام " (83) .
وروى ولادة حكيم في الكعبة الزبير بن بكار (172 - 256 ه) في كتابه " جمهرة نسب قريش " ، قال : " حدثني مصعب بن عثمان ، قال : دخلت أم حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش ، وهي حامل متم بحكيم بن حزام ، فضربها المخاض في الكعبة ، فأتيت بنطع حيت أعجلها الولاد ، فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على النطع " (84) .
وليست هذه الرواية بأحسن حالا من سابقتيها ، ففيها : أولا : الزبير ، وهو ضعيف عند بعضهم ، قال عنه الحافظ أحمد بن علي السليماني
(83) معرفة علوم الحديث : 93 . (84) جمهرة نسب قريش 1 : 353 .
(34)
في كتاب الضعفاء : منكر الحديث (85) .
وذكره في عداد من يضع الحديث ، وقال مرة : منكر الحديث (86) .
واعتذر عنه ابن حجر العسقلاني بأن السليماني " لعله استنكر إكثاره عن الضعفاء ، مثل محمد بن الحسن بن زبالة ، وعمر بن أبي بكر المؤملي ، وعامر بن صالح الزبيري وغيرهم ، فإن في كتاب النسب عن هؤلاء أشياء كثيرة منكرة " (87) .
وثانيا : رغم البحث الجاد فيما وقع بيدي من معاجم رجالية لم أعثر على مدح أو توثيق لمصعب بن عثمان ، هذا الذي روى هذه الحادثة ، سوى نسبه وهو : مصعب بن عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام (88) ، فلا أقل من أن حاله مجهول ، إن لم يكن من أولئك الضعفاء الذين أكثر ابن بكار في الرواية عنهم في الجمهرة أشياء منكرة كثيرة ، خاصة أنه كان الواسطة بين عامر بن صالح وبينه . وشيخه هذا - عامر - كان كذابا ، ليس بثقة ، عامة حديثه مسروق ، يروي الموضوعات ، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب ، ولعله ورث تلميذه شيئا من ذلك (89) .
ثالثا : أن مصعب بن عثمان هذا لم يذكر سندا لهذه الرواية ، ولا صرح باسم من حكاها له ، ولا أشار إلى المصدر الذي استقاها منه ، وأقل ما يمكننا القول إنها كسابقتيها مرسلة ، منكرة ، شاذة ، ضعيفة . ومن العجب أن بعض المؤلفين أوردوا رواية الزبير هذه في مؤلفاتهم يرسلونها إرسال المسلمات ، ويوردونها مستدلين بها محتجين ، وكأنها من الأحاديث المسندة الصحيحة المتواترة الثابتة التي لا تقبل الجدل ، ولا تخضع للنقاش ! !
(85) سير أعلام النبلاء 12 : 314 ، تهذيب التهذيب 3 : 313 . (86) ميزان الاعتدال 2 : 66 . (87) تهذيب التهذيب 3 : 313 . (88) التبيين في أنساب القرشيين : 266 . (89) أنظر تهذيب الكمال : 14 / 46 ، سير أعلام النبلاء : 4 / 429 .
(35)
فقد أخرجها عن الزبير : جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (510 - 597 ه) في كتابه " صفة الصفوة " (90) .
جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي (654 - 742 ه) في كتابه " تهذيب الكمال " (91) .
شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (673 - 748 ه) في كتابه " سير أعلام النبلاء " (92) .
شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (773 - 852 ه) في كتابه " الإصابة " (93) .
وقد تعودنا من هؤلاء الأربعة - خصوصا - محاولاتهم الدائبة للتستر على فضائل علي وأهل بيته عليهم السلام وكتمانها ، وتضعيفها مهما كثرت طرقها وتواترت أسانيدها ، وأفرطوا في ذلك حتى اشتهروا به .
كما تعودنا منهم الاخبات بصحة الفضائل الموضوعة ، والكرامات المختلقة ، والأحاديث الضعيفة الواهية المروية في من كان على رأيهم ، ويذهب مذهبهم ، ويوافق هواهم وزيغ قلوبهم * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) * . ورواها الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (321 - 405 ه) في " المستدرك " بطريقين :
الأول : " سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب ، يقول : سمعت أبا أحمد محمد
(90) ج 1 : 725 . (91) ج 7 : 173 . (92) ج 3 : 46 . (93) ج 2 : 32 .
(36)
ابن عبد الوهاب ، يقول : سمعت علي بن عثام العامري ، يقول :
ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، دخلت أمه الكعبة فمخضت فيها ، فولدت في البيت " (94) .
وابن عثام هذا هو أبو الحسن الكلابي الكوفي ، توفي سنة 228 ه ، وتحرف اسمه في مطبوعة المستدرك إلى : غنام . قال عنه الحاكم في تاريخه : " أديب فقيه . . . . أكثر ما أخذ عنه الحكايات ، والزهديات ، والتفسير ، والجرح والتعديل " (95) .
وروايته المتقدمة التي لا تقوم بها الحجة عند أهل العلم بالحديث ، تدخل في باب الحكايات ، وهو أنسب باب لها ولمثيلاتها من المرسلات الواهية والأحاديث المختلقة . ولعل الذهبي قد تنبه إلى ما فيها من الوهن والضعف فحذفها من مختصره ولم ينبس عنها ببنت شفة ، ولو صحت بوجه من الوجوه لم يحذفها ، إذ استنفد ما لديه من حقد وعلم مقلوب في تجريح وتضعيف وتقبيح وسب لرواة مناقب علي وأهل بيته عليه السلام ! الثاني : " أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، ثنا مصعب بن عبد الله ، فذكر نسب حكيم بن حزام وزاد فيه : وأمه فاختة بنت زهير بن أسد بن عبد العزى ، وكانت ولدت حكيما في الكعبة ، وهي حامل ، فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة ، فولدت فيها ، فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم ، ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد ! قال الحاكم : وهم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت الأخبار أن فاطمة
(94) ج 3 : 482 . (95) أنظر سير أعلام النبلاء 10 : 570 .
(37)
بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة " (96) .
ويا ليت شعري هل أصاب في الحرف الأول ، كي ينبه الحاكم إلى وهمه في الأخير ؟ ! أم حسب أن هذه المزعمة المرسلة والمقطوعة السند قد وصلت إليه ب " الأسانيد المنقولة إلينا بنقل العدل عن العدل ، وهي كرامة من الله لهذه الأمة خصهم بها دون سائر الأمم " (97) ؟ !
ومن هؤلاء العدول الذين أهمل الزبيري ذكرهم ؟ ! ونقل الذهبي هذه السفسطة في تلخيصه ، مؤيدا - على غير عادته - رأي الحاكم في وهم مصعب الزبيري . وقد تكلم الحجة الأوردبادي على رواية مصعب هذه في عدة موارد ، ونبه إلى بعض ما فيها من نقاط الضعف ، فراجع (98) .
ورواها أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي في " أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار " قال : حدثني محمد بن يحيى ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، عن عبد الله بن أبي سليمان ، عن أبيه أن فاختة ابنة زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى - وهي أم حكيم بن حزام - دخلت الكعبة وهي حامل ، فأدركها المخاض فيها ، فولدت حكيما في الكعبة ، فحملت في نطع وأخذ ما تحت مثبرها (99) ، فغسل عند حوض زمزم ، وأخذت ثبابها التي ولدت فيها فجعلت لقى (100) (101) .
(96) المستدرك 3 : 483 . (97) المستدرك 1 : 2 . (98) على وليد الكعبة : 1 - 3 ، و 125 . (99) المثبر : الموضع الذي تلد فيه المرأة من الأرض . الصحاح : 2 / 604 (ثبر) . (100) اللقى ، بالفتح : الشئ الملقى لهوانه . الصحاح : 6 / 2484 (لقى) . (101) أخبار مكة : 1 / 174 .
(38)
وللباحث أن يتساءل عن الأزرقي هذا : - من هو ؟ ! - ما قيمة أخباره وأحاديثه عند علماء الحديث وأئمة الجرح والتعديل ؟ ! - من هؤلاء الرجال الذين روى عنهم هذا الحديث ؟ ! الأزرقي ، هو :
محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الغساني المكي ، عرفه ابن النديم بأنه " أحد الأخباريين وأصحاب السير ، وله من الكتب كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها ، كتاب كبير " (102) .
هذا هو كل ما ذكر عنه ، وليس فيه تصريح يستفاد منه حسن الرجل أو وثاقته ، ويبدو أن ابن النديم قد تفرد بترجمته ، حيث أهملها علماء الرجال والمتخصصون الأقدمون ، وإنما ذكروه ضمنا في ترجمة جده أحمد - المتوفى سنة 212 . أو 217 ، أو 222 ه - المعدود في مشايخ البخاري ، وأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي ، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي . فقال المزي في تهذيب الكمال : أحمد بن محمد . . . . جد أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي صاحب تاريخ مكة (103) .
ثم عد الرواة عنه ومنهم : ابن ابنه أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي (104) .
وذكره وكتابه هذا شمس الدين السخاوي (المتوفى سنة 902 ه) في " الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ " وقال : كان في المائة الثالثة (105) .
ولعله استنتج ذلك من كتاب الأزرقي نفسه ، حيت أرخ فيه لحادثة وقعت في سنة عشرين ومائتين (106) ، أو من معرفته بطبقة جده وعصره .
(102) الفهرست : 162 . (103) تهذيب الكمال : 1 / 480 . (104} تهذيب الكمال : 1 / 481 . (105) الاعلان بالتوبيخ : 132 . (106) أخبار مكة 2 : 103 . وانظر بشأنه كشف الظنون : 1 / 306 و ج 2 / 1684 ، هدية العارفين : 2 / 11 ، معجم المؤلفين : 10 / 198 ، الأعلام للزركلي : 6 / 222 ، وفيها اختلاف كثير في تحديد عصره !
(39)
في النتيجة يتبين لنا أنه ليس في المصادر التي ترجمت للأزرقي ، أو ذكرته ، ما يشجع ، أو يساعد ، على قبول أخباره عموما ، وحديثه الشاذ هذا خصوصا . أما شيخه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ، فقد ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه " الجرح والتعديل " وقال : سألت أبي عنه فقال : كان رجلا صالحا ، وكانت به غفلة ، رأيت عنده حديثا موضوعا (107) .
وقال البخاري : مات بمكة لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين (108) .
والملاحظ أن جل روايته في " أخبار مكة " عن شيخيه : محمد بن عمر الواقدي المتفق على ضعفه وترك حديثه (109) .
وعبد العزيز بن عمران . وهو عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج ، المعروف بابن أبي ثابت . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن عبد العزيز بن عمران فقال : ما كتبت عنه شيئا . وقال البخاري : لا يكتب حديثه ، منكر الحديث . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال يحيى بن معين : ليس بثقة ، إنما كان صاحب شعر . وقال علي بن الحسين بن حبان : وجدت في كتاب أخي بخط يده : أبو زكريا
(107) الجرح والتعديل : 8 / 124 ، تذكرة الحفاظ : 2 / 501 ، سير أعلام النبلاء : 12 / 96 . (108) التاريخ الكبير : 1 / 265 ، التاريخ الصغير : 2 / 348 . (109) أنظر أخبار مكة (موارد كثيرة) ، الجرح والتعديل : 9 / 454 ، سير أعلام النبلاء : 8 / 20 .
(40)
ابن أبي ثابت الأعرج المديني قد رأيته هاهنا ببغداد ، كان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم ، ليس حديثه بشئ . وقال أبو حاتم الرازي : متروك الحديث ، ضعيف الحديث ، منكر الحديث جدا . وقال محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري : علي بدنة إن حدثت عن عبد العزيز ابن عمران حديثا . وقال ابن حبان : يروي المناكير عن المشاهير . وقال الرازي : امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه ، وترك الرواية عنه (110) .
إن اتفاق هؤلاء الأعلام على ضعف عبد العزيز بن عمران وترك حديثه ، واشتهاره بالكذب ، ورواية المناكير ، وسوء الخلق و . . . ، أغناني عن اللجوء إلى التدقيق والبحث في بقية السند . إن مصنفا مجهول الحال كالأزرقي وراو كالأعرج ، لا يصح الاعتماد عليهما في إثبات حادثة شاذة كهذه ، وسند هذا مبدؤه ومنتهاه محكوم عليه بالاهمال والإعراض التأمين ، ولا يصح للباحث الجاد أن يستند إليه بأي وجه ، وفق ما قرره علماء الدراية . قال الحافظ يحيى بن سعيد القطان - الذي وصفه الذهبي بأمير المؤمنين في الحديث (111) ! - : " لا تنظروا إلى الحديث ، ولكن انظروا إلى الإسناد ، فإن صح الإسناد ، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد " (112) .
وقال الحافظ عبد الله بن المبارك : " ليس جودة الحديث قرب الإسناد ، جودة الحديث صحة الرجال " (113) .
وقد عرفت فيما تقدم أن رواية الأزرقي هذه لم تصح إسنادا ولا رجالا على أقل
(110) راجع : التاريخ الكبير : 6 / 29 ، التاريخ الصغير : 2 / 234 ، الجرح والتعديل : 5 / 390 و 391 . تاريخ بغداد : 10 / 441 ، تهذيب التهذيب : 6 / 351 ، ميزان الاعتدال : 2 / 632 ، وغيرها . (111) سير أعلام النبلاء : 9 / 175 . (112) تهذيب الكمال : 1 / 165 ، سير أعلام النبلاء : 9 / 188 . (113) تهذيب الكمال : 1 / 166 .
(41)
تقدير .
تشكل الروايات والنصوص المتقدمة المصدر الرئيسي والمرجع الأساسي المهم لهذه المزعمة الواهية . والقاسم المشترك بينها جميعا هو الإرسال ، والشذوذ ، ومخالفة ما هو مشهور ، والنكارة ، والتحريف ، والتلاعب في بعض مصادرها ، وضعف بعض رواتها ، وعلة واحدة من هذه العلل يسقط الاعتماد عليها ، ويوجب نبذها جانبا ، فكيف بها مجتمعة ؟ ! وتبين من خلال البحث في تواريخ رواتها أنها ظهرت في القرن الثالث الهجري ، وأنها مما تعمد وضعه وتدرج نحته في الأزمنة المتأخرة ، وما أكثرها . يقول يحيى بن معين مشيرا إلى كثرتها : " كتبنا عن الكذابين ، وسجرنا به التنور ، وأخرجنا به خبزا نضيجا " (114) .
والعجب أن أكثر هذه الأحاديث وجلها قد وضعها " أهل الخير والزهد " ! قال يحيى بن سعيد القطان : " لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث " (115) .
وقال : " لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث " (116) .
وقال : " ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد " (117) .
من أجل هذا - وغيره - ينبغي لنا ألا نمنح هذا التاريخ ثقتنا واعتمادنا ، بل يجب غر بلته وإزالة شوائبه بإخضاع نصوصه وأخباره لدراسة علمية ، حيادية ، مستوعبة
(114) تاريخ بغداد 14 : 184 ، سير أعلام النبلاء : 11 / 83 عن تاريخ الآبار . (115) صحيح مسلم 1 : 17 ، تاريخ بغداد 2 : 98 . (116) صحيح مسلم 1 : 18 . (117) اللآلي المصنوعة . . . ، فتح الملك العلى : 92 . وللتوسع راجع الغدير 5 : 275 - 296 .
(42)
وشاملة لجميع جوانبه ، مع الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة ، فلا فائدة من تصنيف الأخبار إلى تافه وقيم ، إلا بعد البحث والدراسة ، فالتافه ما أثبت التحقيق تفاهته وزيفه وضعف قواعده وتضعضع دعائمه ، والقيم ما أثبت التمحيص أصالته ، وظهرت براهينه ، ولاحت دلائله ، وصمد عند النقد .
وفي الختام أحمد الله سبحانه لما خصني به من لطف القيام بهذا العمل المتواضع ، آملا أن يروق أهل الفضل والتحقيق ، متوكلا على الفرد الصمد ، متوسلا بحجزة وليد الكعبة ، مستمدا العون من ساحة قدسه . * (والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله) (وسلام على عباده الذين اصطفى) (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) .
|
|
|