العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 25 > من معالم الحج و الزيارة  > 




(7)
من معالم الحج والزيارة :
غدير خم

الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي


     في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من هذه السنة الجارية ، وهي العاشرة والأربعمائة بعد الألف للهجرة الشريفة تطل علينا ذكرى يوم الغدير الأغر ، وقد مر عليها أربعة عشر قرنا .
     ولهذه المناسبة الكريمة ، ولأهمية يوم الغدير تاريخيا وعقائديا ، رأيت أن أكتب عن موقع (غدير خم) كمعلم من معالم الحج والزيارة التي كنت قد كتبت عن أكثر من واحد منها ، فقد ورد - كما سأشير - استحباب الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواقع في غدير خم ، والذي شيد على الموضع الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطب بالناس خطبته المعروفة ب‍ (خطبة يوم الغدير) ، ونص فيها على ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام . وإضافة لما تقدم فإن موضع غدير خم من المواضع الإسلامية التي شهدت أكثر من موقف من مواقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي يمكننا تلخيصها بالتالي :
     1 - وقوعه في طريق الهجرة النبوية .
     2 - وقوعه في طريق عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع .



* مقال كان قد كتب بمناسبة مرور 14 قرنا على واقعة غدير خم ، وننشره هنا لأهميته (تراثنا) .


(8)

     3 - وقوع بيعة الغدير فيه .
     وكل واحد من هذه المواقف الثلاثة يشكل بعدا مهما في مسيرة التاريخ الإسلامي ، فالهجرة كانت البدء لانتشار الدعوة الإسلامية وانطلاقها خارج ربوع مكة ، ومن ثم إلى العالم كله . وحجة الوداع والعودة منها إلى المدينة المنورة كانت ختم الرسالة حيث كمل الدين فتمت النعمة .
     وبيعة الغدير هي التمهيد لعهد الإمامة والإمام حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول . ومن هنا اكتسب موضع (غدير خم ) أهميته الجغرافية في التراث الإسلامي ومنزلته التكريمية كمعلمة خطيرة من معالم التاريخ الإسلامي .
     واشتهر الموقع بحادثة الولاية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من شهرته موقعا أو منزلا من معالم طريق الهجرة النبوية أو من طريق العودة من حجة الوداع . وقد ذكر حادثة الولاية أو بيعة الغدير الكثير من المؤرخين ، وممن أفردها بتأليف خاص وموسوعي المرحوم الشيخ الأميني بكتابه الموسوم ب‍ " الغدير في الكتاب والسنة والأدب " ، ومما استعرضه فيه رواة الحادثة والمؤرخين لها ، وقد بلغت رواية الحادثة - في عرضه - مستوى التواتر . وقد أشار إلى الحادثة وتواتر روايتها غير واحد من علماء الحديث الثقات الأثبات .
     منهم : الشيخ الإمام شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري الدمشقي الشافعي المقرئ ، المتوفى سنة 813 ه‍ ، في كتابه " أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب " المطبوع بالمطبعة الميرية بمكة المحمية سنة 1324 ه‍ ، فقد جاء في الصفحة الثالثة منه ما نصه : " أخبرنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغي فيما شافهني به ، عن أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني ، أنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي ، أنا أبو منصور


(9)
القزاز ، أنا الإمام أبو بكر بن ثابت الحافظ ، أنا محمد بن عمر بن بكير ، أنا أبو عمر يحيى بن عمر الأخباري ، ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد الضبعي ، ثنا الأشج ، حدثنا العلاء بن سالم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : سمعت عليا رضي الله عنه بالرحبة ينشد الناس من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه) ، فقام اثنا عشر بدريا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . هذا حديث حسن من هذا الوجه ، صحيح من وجوه كثيرة ، تواتر عن أمير المؤمنين علي ، وهو متواتر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الجم الغفير . ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم ، فقد ورد مرفوعا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وزيد بن أرقم والبراء ابن عازب وبريدة بن الخصيب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وحبشي بن جنادة وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأسعد بن زرارة وخزيمة بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف وحذيفة بن اليمان وسمرة بن جندب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك ، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم . وصح عن جماعة منهم ممن يحصل القطع بخبرهم . وثبت أيضا أن هذا القول كان منه صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ، وذلك في خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ذلك اليوم ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة إحدى عشرة لما رجع صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع " . وبعد هذه التقدمة سيكون الحديث عن هذا الموضع الشريف في حدود النقاط التالية :
     - اسم الموقع .
     - سبب التسمية .


(10)

     - تحديد الموقع جغرافيا .
     - وصف الموقع تاريخيا .
     - وصف مشهد النص بالولاية .
     - الأعمال المندوب إليها شرعا في هذا الموقع .
     - وصف الموقع الراهن .
     - الطرق المؤدية إليه .
     - صور وخرائط .
     اسم الموقع :
     1 - اشتهر الموضع باسم ( غدير خم) ، ففي حديث السيرة لابن كثير 4 / 424 : " قال المطلب بن زياد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل : سمع جابر بن عبد الله يقول :
     كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط . . . . " . وفي حديث زيد بن أرقم ، قال : " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خم تحت شجرات " (1) .
     وكذلك في حديثه الآخر ، قال : " لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن . . . " (2) .
     وفي شعر نصيب :
وقالت بالغدير غدير خم : ألم تر أنني ما دمت فينا أخي إلى متى هذا الركوب أنام ولا أنام إذا تغيب (3)




(1) المراجعات : المراجعة 54 ط 17 ص 215 .
(2) م . س : ص 217 .
(3) معجم ما استعجم 2 / 510 .



(11)

     وفي قول الكميت الأسدي :
ويوم الدوح دوح غدير خم أبان له الولاية لو أطيعا

     وضبط لفظ " خم " في لسان العرب - طبعة دار صادر - بفتح الخاء ، ونقل عن ابن دريد أنه قال : " إنما هو خم ، بضم الخاء " (4) .
     2 - كما أنه يسمى ب‍ " وادي خم " ، أخذا من واقع الموضع ، قال الحازمي : " خم : واد بين مكة والمدينة عند الجحفة ، به غدير ، عنده خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة " (5) .
     وقد ورد هذا الاسم في حديث السيرة لابن كثير 4 / 422 ونصه : " قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي عبيد ، عن ميمون أبي عبد الله ، قال : قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع - : نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له : وادي خم . . . " .
     وفي نص المراجعات - ص 217 ط 17 - : " وأخرج الإمام أحمد (6) من حديث زيد بن أرقم : قال : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بواد يقال له : وادي خم ، فأمر بالصلاة ، فصلاها بهجير . . . إلى آخره " .
     3 - وقد يطلق عليه " خم " اختصارا ، كما في كتاب " صفة جزيرة العرب " فقد قال مؤلفه الهمداني في ص 259 - وهو يعدد بلدان (تهامة اليمن) - : " ومكة : أحوازها لقريش وخزاعة ، ومنها : مر الظهران ، والتنعيم ، والجعرانة ، وسرف ، وفخ ، والعصم ، وعسفان ، وقديد - وهو لخزاعة - ، والجحفة ، وخم ، إلى ما يتصل بذلك من بلد جهينة ومحال بني حرب " .



(4) أنظر : مادة : خمم ، من اللسان .
(5) أنظر : معجم البلدان 2 / 389 ، ومعجم معالم الحجاز 1 / 156 .
(6) عن : المسند 4 / 372 .



(12)
وكما في شعر معن بن أوس المزني :
عفا وخلا ممن عهدت به خم وشاقك بالمسحاء من سرف رسم
     وفي قول المجالد بن ذي مران الهمداني من قصيدة قالها لمعاوية بن أبي سفيان وقد رأى تمويهه وتمويه عمرو بن العاص على الناس في دم عثمان : وله حرمة الولاء على الناس بخم وكان ذا القول جهرا (7)
     4 - وأطلق عليه في بعض الحديث اسم الجحفة من باب تسمية الجزء باسم الكل ، لأن خما جزء من وادي الجحفة الكبير - كما سيأتي - . وقد جاء هذا في حديث عائشة بنت سعد الذي أخرجه النسائي في " الخصائص " - كما في المراجعات : 219 - ونصه : " عن عائشة بنت سعد ، قالت : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجحفة . . . " . ورواه ابن كثير في السيرة 4 / 423 عن ابن جرير بسنده بالنص التالي : " عن عائشة بنت سعد ، سمعت أباها يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجحفة ، وأخذ بيد علي . . . " .
     5 - ويقال له : " الخرار " . . " قال السكوني : موضع الغدير غدير خم يقال له : الخرار " (8) . ويلتقي هذا مع تعريف البكري في معجم ما استعجم 2 / 492 للخرار حيث قال : " قال الزبير : هو وادي الحجاز (9) يصب على الجحفة " .
     6 - ويختصر ناسنا اليوم الاسم فيطلقون عليه : " الغدير " .
     7 - الغربة ، بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحدة ، هكذا ضبطه البلادي في معجم معالم الحجاز 3 / 159 ، وهو الاسم الراهن الذي يسميه به أبناء المنطقة



(7) شعر همدان وأخبارها ، حسن عيسى أبو ياسين ، طبعة دار العلوم بالرياض ، 1403 ه‍ ، ص 372 .
(8) معجم ما استعجم 2 / 510 .
(9) هكذا بالأصل ، وصوابه : واد بالحجاز .



(13)
في أيامنا هذه ، قال البلادي : " ويعرف غدير خم اليوم باسم (الغربة) ، وهو غدير عليه نخل قليل لأناس من البلادية من حرب ، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على (8) أكيال ، وواديهما واحد ، وهو وادي الخرار " . ويقيد لفظ " الغدير " بإضافته إلى (خم) تمييزا بينه وبين غدران أخرى ، قيدت - هي الأخرى - بالإضافة ، أمثال : - غدير الأشطاط : موضع قرب عسفان . - غدير البركة : بركة زبيدة . - غدير البنات : في أسفل وادي خماس . - غدير سلمان : في وادي الأغراف . - غدير العروس : في وادي الأغراف أيضا (10) .
     وقد يطلق على غديرنا : " غدير الجحفة " ، كما في حديث زيد بن أرقم : " أقبل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة . . . " (11) .

سبب التسمية :
     نستطيع أن نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها المعجمات العربية للغدير التعريف التالي :
     الغدير : هو المنخفض الطبيعي من الأرض يجتمع فيه ماء المطر أو ماء السيل ، ولا يبقى إلى القيظ (12) . ويجمع على : غدر - بضم أوليه - ، وغدر - بضم أوله وسكون ثانيه - ، وأغدرة ، وغدران .



(10) أنظر : معجم معالم الحجاز ، ج 6 ، مادة : غدير .
(11) الغدير 1 / 36 ، بيروت ، ط 4 .
(12) أنظر : لسان العرب وتاج العروس ومحيط المحيط والمعجم الوسيط ، مادة : غدر .



(14)
وعللوا تسمية المنخفض الذي يجتمع فيه الماء غديرا ب‍ :
     1 - أنه اسم مفعول لمغادرة السيل له ، أي أن السيل عندما يملأ المنخفض بالماء يغادره ، بمعنى يتركه بمائه .
     2 - أنه اسم فاعل " من الغدر ، لأنه يخوف وراده فينضب عنهم ، ويغدر بأهله ، فينقطع عند شدة الحاجة إليه " (13) .
     وقواه الزبيدي في معجمه " تاج العروس " بقول الكميت :
     ومن غدره نبز الأولون بأن لقبوه الغدير الغديرا
     وشرح معنى البيت : بأن الشاعر " أراد (أن) من غدره نبز الأولون الغدير بأن لقبوه الغدير ، فالغدير الأول مفعول نبز ، والثاني مفعول لقبوه " . وسبب التسمية الموقع بالغدير لأنه منخفض الوادي . أما خم ، فنقل ياقوت في معجم البلدان 2 / 389 عن الزمخشري أنه قال : " خم : اسم رجل صباغ ، أضيف إليه الغدير الذي بين مكة والمدينة بالجحفة " . ثم نقل عن صاحب " المشارق " أنه قال : " إن خما اسم غيضة هناك ، وبها غدير نسب إليها " . والتعليل نفسه نجده عند البكري في معجم ما استعجم 2 / 368 قال : " وغدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة ، يسرة عن الطريق ، وهذا الغدير تصب فيه عين وحوله شجر كثير ملتف ، وهو الغيضة التي تسمى خما " .

تحديد الموقع جغرافيا :
     نص غير واحد من اللغويين والجغرافيين والمؤرخين على أنه موقع غدير خم بين مكة والمدينة .
     ففي لسان العرب - مادة : خم : " وخم : غدير معروف بين مكة والمدينة " .



(13) تاج العروس ، مادة : غدر .


(15)

     وفي النهاية ، لابن الأثير - مادة : خم : " غدير خم : موضع بين مكة والمدينة " .
     وفي معجم البلدان 2 / 389 : " وقال الحازمي : خم : واد بين مكة والمدينة " .
     وفي المصدر نفسه : " قال الزمخشري : خم : اسم رجل صباغ ، أضيف إليه الغدير الذي هو بين مكة والمدينة " . ويبدو أنه لا خلاف بينهم في أن موضع غدير خم بين مكة والمدينة ، وإنما وقع شئ قليل من الخلاف بينهم في تعيين مكانه بين مكة والمدينة ، فذهب الأكثر إلى أنه في (الجحفة) ، ويعنون بقولهم (في الجحفة) أو (بالجحفة) وادي الجحفة - كما سيأتي - . من هؤلاء : ابن منظور في لسان العرب - مادة : خمم ، قال : " وخم : غدير معروف بين مكة والمدينة ، بالجحفة ، وهو غدير خم " . والفيروز آبادي في القاموس المحيط - مادة : خم ، قال : " وغدير خم : موضع على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين " . والزمخشري في نصه المتقدم الذي نقله عنه الحموي في معجم البلدان 2 / 398 القائل فيه : " خم : اسم رجل صباغ ، أضيف إليه الغدير الذي بين مكة والمدينة بالجحفة " . وفي حديث السيرة لابن كثير 4 / 424 - المتقدم - : " قال المطلب بن زياد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، سمع جابر بن عبد الله يقول : كنا بالجحفة بغدير خم . . . " . وكما قلت ، يريدون من (الجحفة) في هذا السياق : الوادي لا القرية التي هي الميقات ، وذلك بقرينة ما يأتي من ذكرهم تحديد المسافة بين غدير خم والجحفة ، الذي يعني أن غدير خم غير الجحفة (القرية) ، ولأن وادي الجحفة يبدأ من الغدير وينتهي عند البحر الأحمر فيكون الغدير جزءا منه ، وعليه لا معنى لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هو جزء منه . وتفرد الحميري في الروض المعطار - ط 1975 ص 156 - فحدد موضعه بين الجحفة وعسفان ، قال : " وبين الجحفة وعسفان غدير خم " .


(16)
وهو - من غير ريب - وهم منه ، وبخاصة أنه حدد الموضع بأنه على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق ، حيث لا يوجد عند هذه المسافة بين الجحفة وعسفان موضع يعرف بهذا الاسم .
     والظاهر أنه نقل العبارة التي تحدد المسافة بثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق من " معجم ما استعجم " ، ولم يلتفت إلى أن البكري يريد بيسرة الطريق الميسرة للقادم من المدينة إلى مكة ، وليس العكس ، فوقع في هذا التوهم .
     قال البكري في معجمه 2 / 368 : " وغدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق " ، - وكما قلت - يريد بالميسرة جهة اليسار بالنسبة إلى القادم من المدينة إلى مكة بقرينة ما ذكره في بيان مراحل الطريق بين الحرمين ومسافاتها عند حديثه عن العقيق في ج 3 ص 954 - 955 ، حيث بدأ بالمدينة ، قال : " والطريق إلى مكة من المدينة على العقيق : من المدينة إلى ذي الحليفة . . . " . ونخلص من هذا إلى أن غدير خم يقع في وادي الجحفة على يسرة طريق الحاج من المدينة إلى مكة ، عند مبتدأ وادي الجحفة حيث منتهى وادي الخرار . ومن هنا كان أن أسماه بعضهم بالخرار - كما تقدم - . ولعل علة ما استظهره السمهودي في كتابه وفاء الوفا 2 / 298 ط 1 ، من أن الخرار بالجحفة هو ما أوضحته من أن غدير خم مبتدأ وادي الجحفة ، وعنده منتهى وادي الخرار . ويؤيد هذا الذي ذكرته قول الزبير - الذي نقلته آنفا عن معجم ما استعجم 2 / 492 - من أن الخرار واد بالحجاز يصب على الجحفة . وقد يشير إلى هذا قول الحموي في معجم البلدان 2 / 350 : " الخرار . . . . وهو موضع بالحجاز ، يقال : هو قرب الجحفة " . وعبارة عرام التالية تؤكد لنا أن الغدير من الجحفة ، قال - كما نقله عنه الحموي في معجم البلدان 2 / 389 - : " ودون الجحفة على ميل غدير خم ، وواديه يصب في البحر " ، حيث يعني بواديه وادي الجحفة لأنه هو الذي يصب في البحر حيث ينتهي


(17)
عنده .
     أما المسافة بين موضع غدير خم والجحفة (القرية = الميقات) فحددت - فيما لدي من مراجع - بالتالي :
     - حددها البكري في معجم ما استعجم 2 / 368 بثلاثة أميال ، ونقل عن الزمخشري أن المسافة بينهما ميلان ناسبا ذلك إلى (القيل) إشعارا بضعفه . وإلى القول بأن المسافة بينهما ميلان ذهب الحموي في معجمه 4 / 188 قال : " وغدير خم بين مكة والمدينة ، بينه وبين الجحفة ميلان " . وقدر الفيروزآبادي المسافة بثلاثة أميال ، قال في القاموس - مادة : خم : " وغدير خم : موضع على ثلاثة أميال بالجحفة (14) بين الحرمين " . وقدرها بميل كل من نصر وعرام (15) ، ففي تاج العروس - مادة : خم : " وقال نصر : دون الجحفة على ميل بين الحرمين الشريفين " . وفي معجم البلدان 2 / 389 : " وقال عرام : ودون الجحفة على ميل غدير خم " .
     وهذا التفاوت في المسافة من الميل إلى الاثنين إلى الثلاثة أمر طبيعي ، لأنه يأتي - عادة - من اختلاف الطريق التي تسلك ، وبخاصة أن وادي الجحفة يتسع بعد الغدير ، ويأخذ بالاتساع أكثر حتى قرية الجحفة ومن بعدها أكثر حتى البحر ، فربما سلك أحدهم حافة الجبال فتكون المسافة ميلا ، وقد يسلك أحدهم وسط الوادي فتكون المسافة ميلين ، ويسلك الآخر حافة الوادي من جهة السهل فتكون المسافة ثلاثة أميال .



(14) بالجحفة ، هكذا في مصورة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر لعام 1371 ه‍ = 1952 م ، وصوابه : دون الجحفة .
(15) هما : عرام بن الأصبغ السلمي ، المتوفى نحو 275 ه‍ ، صاحب كتاب " أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه " . ونصر بن عبد الرحمن الإسكندري ، المتوفى 561 ه‍ ، له : كتاب " الأمكنة والمياه والجبال والآثار ونحوها " .



(18)

وصف الموضع تاريخيا :
     احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد تكون كاملة المعالم متكاملة الأبعاد لموضع غدير خم ، فذكر أنه يضم المعالم التالية :
     1 - العين :
     ففي لسان العرب - مادة : خم : " قال ابن الأثير : هو موضع بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك " (16) .
     وفي معجم ما استعجم 2 / 368 والروض المعطار : 156 : " وهذا الغدير تصب فيه عين " . وفي معجم البلدان 2 / 389 : " وخم : موضع تصب فيه عين " . وتقع هذه العين في الشمال الغربي للموقع كما سيتضح لنا هذا من ذكر المعالم الأخرى .
     2 - الغدير :
     وهو الذي تصب فيه العين المذكورة كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدمة .
     3 - الشجر :
     ففي حديث الطبراني : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بغدير خم تحت شجرات (17) .
     وفي حديث الحاكم : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ،



(16) وانظر : النهاية - مادة : خم .
(17) المراجعات : المراجعة 54 .



(19)
ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن " (18) .
     وفي حديث الإمام أحمد : " وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس " (19) .
     وفي حديثه الآخر : وكسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين فصلى الظهر " (20) .
     والشجر المشار إليه هنا من نوع (السمر) ، واحد (سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم وفتح الراء المهملة ، وهو من شجر الطلح ، وهو شجر عظيم ، ولذا عبر عنه بالدوح كما في الأحاديث والأشعار التي مر شئ منها ، واحده دوحة ، وهي الشجرة العظيمة المتشعبة ذات الفروع الممتدة . وهو غير (الغيضة) الآتي ذكرها ، لأنه متفرق في الوادي هنا وهناك .
     4 - الغيضة :
     وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتف ، وتجمع على غياض وأغياض . وموقعها حول الغدير ، كما ذكر البكري في معجم ما استعجم 2 / 368 ، قال : " وهذا الغدير تصب فيه عين ، وحوله شجر كثير ملتف ، وهي الغيضة " . ومر بنا أن صاحب المشارق ذكر " أن خما اسم غيضة هناك ، وبها غدير نسب إليها " .
     5 - النبت البري :
     ونقل ياقوت الحموي في معجمه البلداني 2 / 389 عن عرام أنه قال : " لا نبت فيه غير المرخ والثمام والأراك والعشر " .



(18) م . ن .
(19) م . ن .
(20) م . ن .



(20)

     6 - المسجد :
     وذكروا أن فيه مسجدا شيد على المكان الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصلى وخطب ونصب عليا للمسلمين خليفة ووليا . وعينوا موقعه بين الغدير والعين ، قال البكري في معجمه 2 / 368 : " وبين الغدير والعين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم " . وفي معجم البلدان 2 / 389 أن صاحب المشارق قال : " وخم موضع تصب فيه عين ، وبين الغدير والعين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم " . ويبدو أن هذا المسجد قد تداعى ولم يبق منه في زمن الشهيد الأول ، المتوفى سنة 786 ه‍ ، إلا جدرانه ، كما أشار إلى هذا الشيخ صاحب الجواهر - في الجواهر 20 / 75 طبعة النجف - نقلا عن كتاب " الدروس في فقه الإمامية " للشهيد الأول ، قال : " وفي الدروس : والمسجد باق إلى الآن جدرانه ، والله العالم " . أما الآن فلم نجد له أثرا . . كما سأشير إلى هذا فيما يعقبه .
     7 - ونقل ياقوت في معجم البلدان 2 / 389 عن الحازمي أن " هذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة " . يقال : وخم المكان وخامة إذا كان غير ملائم للسكنى فيه .
     8 - ومع وخامته ذكر عرام - فيما نقله ياقوت عنه - أن به أناسا من خزاعة وكنانة ، ولكنهم قليلون ، قال : " وبه أناس من خزاعة وكنانة غير كثير " .
     وصف مشهد النص بالولاية : وينسق على ما تقدم من وصف الموضع تاريخيا وصف حادثة الولاية بخطواتها المتسلسلة والمترتب بعضها على بعض لتكتمل أمام القارئ الكريم الصورة للحادثة التي أعطت هذا الموضع الشريف أهميته كمعلم مهم من معالم السيرة النبوية المقدسة ، وتتلخص بالتالي :


(21)

     1 - وصول الركب النبوي بعد منصرفه من حجة الوداع إلى موضع غدير خم ضحى نهار الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام من السنة الهادية عشرة للهجرة . فعن زيد بن أرقم : " لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وعاد قاصدا المدينة أقام بغدير خم - وهو ماء بين مكة والمدينة - وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام " (21) .
     2 - ولأن هذا الموضع كان مفترق الطرق المؤدية إلى المدينة المنورة ، والعراق ، والشام ، ومصر ، تفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متجهين وجهة أوطانهم ، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام أن يجمعهم برد المتقدم وانتظار المتأخر . ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري : " إن رسول الله نزل بخم فتنحى الناس عنه ، وأمر عليا فجمعهم " (22) .
     وفي حديث سعد : " كنا مع رسول الله فلما بلغ غدير خم وقف للناس ، ثم رد من تقدم ، ولحق من تخلف " (23) .
     3 - ونزل الرسول قريبا من خمس سمرات دوحات متقاربات ، ونهى أن يجلس تحتهن . يقول زيد بن أرقم : " نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة عند سمرات خمس دوحات عظام " (24) .
     وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أسيد ، قالا : " لما صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ، ولم يحج غيرها ، أقبل حتى إذا كان بالجحفة نهى عن



(21) الغدير 1 / 33 .
(22) الغدير 1 / 22 .
(23) المراجعات : 219 ، نقلا عن خصائص النسائي : 25 .
(24) الغدير 1 / 31 .



(22)
شجرات بالبطحاء متقاربات لا ينزلوا تحتهن " (25) .
     4 - ثم أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يقم ما تحت تلكم السمرات من شوك ، وأن تشذب فروعهن المتدلية ، وأن ترش الأرض تحتهن . ففي حديث زيد بن أرقم : " فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك " (26) .
     وفي حديثه الآخر : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشجرات فقم ما تحتها ، ورش " (27) .
     وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أسيد : " فقم ما تحتهن وشذبن عن رؤوس القوم " (28) .
     5 - وبعد أن نزلت الجموع منازلها وأخذت أماكنها ، أمر صلى الله عليه وآله وسلم مناديه أن ينادي : " الصلاة جامعة " . يقول حبة بن جوين العرني البجلي : " لما كان يوم غدير خم دعا النبي صلى الله عليه وسلم : (الصلاة جامعة) نصف النهار . . . " (29) .
     وفي حديث زيد المتقدم : " فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك ثم نادى : الصلاة جامعة " .
     6 - وبعد أن تكاملت الصفوف للصلاة جماعة ، قام صلى الله عليه وآله وسلم إماما بين شجرتين من تلكم السمرات الخمس . يقول عامر وحذيفة في حديثهما المتقدم : " حتى إذا نودي للصلاة غدا إليهن فصلى تحتهن " . وفي رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب ، قال : " كنا مع رسول الله فنزلنا



(25) الغدير 1 / 46 .
(26) الغدير 1 / 36 .
(27) الغدير 1 / 34 .
(28) الغدير 1 / 47 .
(29) الغدير 1 / 24 .



(23)
بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ، فصلى الظهر " (30) .
     7 - وظلل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشمس أثناء صلاته بثوب ، علق على إحدى الشجرتين . ففي رواية الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم : " وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس " (31) .
     8 - وكان ذلك اليوم هاجرا شديد الحر . يقول زيد بن أرقم : " فخرجنا إلى رسول الله في يوم شديد الحر ، وإن منا من يضع بعض ردائه على رأسه ، وبعضه على قدمه من شدة الرمضاء " (32) .
     9 - وبعد أن انصرف صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته ، أمر أن يصنع له منبر من أقتاب الإبل (33) .
     10 - ثم صعد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر متوسدا يد علي عليه السلام . يقول جابر في حديثه المتقدم : " وأمر عليا فجمعهم ، فلما اجتمعوا قام فيهم وهو متوسد يد علي بن أبي طالب " . 11 - وخطب صلى الله عليه وآله وسلم خطبته التالية : الحمد لله ، ونستعينه ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن أضل ، ولا مضل لمن هدى . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . أما بعد : أيها الناس : قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي



(30) المراجعات : المراجعة 54 ، ص 218 - 219 .
(31) م . س : ص 217 .
(32) الغدير 1 / 36 .
(33) أنظر : الغدير 1 / 10 .



(24)
قبله ، وإني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني مسؤول ، وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت ، فجزاك الله خيرا . قال :
     ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن جنته حق ، وناره حق ، وأن الموت حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا : بلى ، نشهد بذلك . قال : اللهم اشهد .
     ثم قال : أيها الناس ألا تسمعون ؟ قالوا : بلى . قال : فإني فرطكم على الحوض ، وأنتم واردون علي الحوض ، وإن عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين ؟ ! فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال : الثقل الأكبر كتاب الله ، طرف بيد الله عز وجل ، وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا . ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما ، وعرفه القوم أجمعون ، فقال : أيها الناس : من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه .
     يقولها ثلاث مرات ، وفي رواية الإمام أحمد : أربع مرات . ثم قال : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبب من أحبه ، وأبغض من


(25)
أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار .
     ألا فليبلغ الشاهد الغائب (34) .
     12 - " ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنأه في مقدم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر ، كل يقول : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " (35) .
     13 - " وقال ابن عباس : وجبت - والله - في أعناق القوم " (36) .
     يعني بذلك البيعة بالولاية والإمرة والخلافة .
     14 - ثم استأذن الرسول شاعره حسان بن ثابت في أن يقول شعرا في المناسبة .
     ففي رواية الغدير 1 / 11 : " فقال حسان : إئذن لي يا رسول الله أن أقول في علي أبياتا تسمعهن .
     فقال : قل ، على بركة الله . فقام حسان فقال : يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ، ثم قال :
يناديهم يوم الغدير نبيهم يقول : فمن مولاكم ووليكم إلهك مولانا وأنت ولينا فقال له : قم يا علي فإنني بخم فأسمع بالنبي مناديا فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا ولم تر منا في الولاية عاصيا رضيتك من بعدي إماما وهاديا "


الأعمال المندوب إليها شرعا في هذا الموقع :
     الأعمال المندوب إليها شرعا في هذا الموضع ، هي :



(34) الغدير 1 / 10 - 11 .
(35) م . ن .
(36) م . ن .



(26)

     1 - استحباب الصلاة في مسجده المعروف - تاريخيا - بمسجد رسول الله ، ومسجد النبي ، ومسجد غدير خم .
     2 - الإكثار فيه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى .
     قال الشيخ صاحب الجواهر في كتابه جواهر الكلام 20 / 75 ط بيروت 1981 : " وكذلك يستحب للراجع على طريق المدينة الصلاة في مسجد غدير خم ، والاكثار فيه من الدعاء ، وهو موضع النص من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام " . ومن الحديث الذي يدل على ذلك : ما رواه الشيخ الحر العاملي في الوسائل 3 / 548 ط 5 ، بيروت 1403 ه‍ :
     1 - بإسناده عن حسان الجمال : قال : حملت أبا عبد الله [ الصادق ] عليه السلام من المدينة إلى مكة ، قال : فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال : " ذاك موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " .
     2 - بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج : قال : سألت أبا إبراهيم [ الكاظم ] عليه السلام عن الصلاة في مسجد غدير خم بالنهار وأنا مسافر ؟ فقال : صل فيه ، فإن فيه فضلا ، وقد كان أبي عليه السلام يأمر بذلك .
     3 - بإسناده عن أبان ، عن أبي عبد الله [ الصادق ] عليه السلام قال : إنه تستحب الصلاة في مسجد الغدير ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام فيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو موضع أظهر الله عز وجل فيه الحق . وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة 17 / 406 ط 2 ، بيروت 1405 ه‍ : " يستحب لقاصدي المدينة المشرفة المرور بمسجد الغدير ودخوله والصلاة فيه ، والاكثار من الدعاء . وهو الموضع الذي نص فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة أمير المؤمنين وخلافته بعده ، وقع التكليف بها ، وإن كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه


(27)
صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك اليوم ، إلا أن التكليف الشرعي والإيجاب الحتمي إنما وقع في ذلك اليوم ، وكانت تلك النصوص المتقدمة من قبيل التوطئة لتوطن النفوس عليها وقبولها بعد التكليف بها .
     فروى ثقة الإسلام في (الكافي) والصدوق في (الفقيه) عن أبان ، عن أبي عبد الله عليه السلام : قال : يستحب الصلاة في مسجد الغدير ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام فيه أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو موضع أظهر الله عز وجل فيه الحق . وروى المشايخ الثلاثة - نور الله تعالى مضاجعهم - في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج : قال : سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الصلاة في مسجد غدير خم وأنا مسافر ، فقال : صل فيه ، فإن فيه فضلا كثيرا ، وكان أبي يأمر بذلك " . وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من فقهائنا الإمامية ، مضافا إلى من ذكرتهم ، منهم : - الشيخ الطوسي في " النهاية " ، قال : " وإذا انتهى [ يعني الحاج ] إلى مسجد الغدير ، فليدخله ، وليصل فيه ركعتين " (37) .
     - القاضي ابن البراج في " المهذب " ، قال : " فمن توجه إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بعد حجه فينبغي له إذا أتى مسجد الغدير . . . . فليدخله ، ويصلي من ميسرته ما تيسر له ، ثم يمضي إلى المدينة " (38) .
     - الشيخ ابن إدريس في " السرائر " ، قال : " وإذا انتهى [ الحاج ] إلى مسجد الغدير دخله وصلى فيه ركعتين " (39) .
     - الشيخ ابن حمزة في " الوسيلة " ، قال : " وصلى [ يعني الحاج ] أيضا في مسجد الغدير ركعتين إذا بلغه " (40) .



(37) الينابيع الفقهية - الحج : 220 .
(38) م . س : 353 .
(39) م . س : 558 .
(40) م . س : 610 .



(28)
- الشيخ يحيى بن سعيد في " الجامع " ، قال : " فإذا أتى [ الحاج ] مسجد الغدير دخله وصلى ركعتين " (41) .
     - السيد الحكيم في " منهاج الناسكين " (42) ، قال : " وكذا يستحب الصلاة في مسجد غدير خم ، والاكثار من الابتهال والدعاء فيه .
     وهو الموضع الذي نص فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالولاية لأمير المؤمنين عليه السلام ، وعقد البيعة له ، صلى الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين " .

وصف الموقع الراهن :
     وصفه المقدم عاتق بن غيث البلادي - المؤرخ الحجازي المعاصر - في كتابه معجم معالم الحجاز 3 / 159 ط 1 ، قال : " ويعرف غدير خم اليوم باسم (الغربة) ، وهو غدير عليه نخل قليل لأناس من البلادية من حرب ، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على (8) أكيال ، وواديهما واحد ، وهو وادي الخرار (43) .
     وكانت عين الجحفة تنبع من قرب الغدير ، ولا زالت فقرها ماثلة للعيان . وتركب الغدير من الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها سور حجري لا زال ظاهرا ، وأنقاض الآثار تدل على أن بعضها كان قصورا أو قلاعا ، وربما كان هذا حيا من أحياء مدينة الجحفة ، فالآثار هنا تتشابه " .
     وقد استطلعت - ميدانيا - الموضع من خلال رحلتين : - كانت أولاهما : يوم الثلاثاء 7 / 5 / 1402 ه‍ = 2 / 3 / 1982 م . - والثانية : يوم الأربعاء 18 / 6 / 1409 ه‍ = 25 / 1 / 1989 م .



(41) م . س : 729 .
(42) ص 121 ، ط 6 لعام 1382 ه‍ .
(43) تقدم أن أوضحت استنادا على ما ذكره بعض المؤرخين الجغرافيين القدامى : أن الغدير مبتدأ وادي الجحفة ، وعنده ينتهي وادي الخرار .



(29)

الرحلة الأولى :
     غادرت مدينة جدة شروق الشمس بسيارة جيب تويوتا ، وكان برفقتي ولدي عماد وخاله السيد ياسين السيد جابر البطاط - المتوفى 29 / 1 / 1409 ه‍ - رحمه الله تعالى ، وولده السيد فاضل .
     وبعد ساعتين تقريبا من مغادرتنا جدة وصلنا إلى مفرق الجحفة قبيل مدينة رابغ ، والكائن عند مطارها المحلي يمنة الطريق ، ونزلنا عن الطريق العام إلى طريق الجحفة ، ولم تكن آنذاك مزفتة ، وفي أكثر مواضعها غير ممهدة . وبعد نحو عشر كيلوات وصلنا إلى مسجد الميقات الذي شيد من قبل الحكومة السعودية ملاصقا لأساس المسجد القديم المندثر .
     ودخلنا المسجد ، وكان خادمه نائما - وهو من أعراب تلك البادية - ، فأيقظناه ، وسألناه عن الطريق إلى قصر علياء ، وما في الطريق مما قد يصد السيارة فيعرقل سيرنا .
     ثم صعدت على سطح المسجد - وكان سلمه مليئا بطيور الخفاش - ونظرت الطريق وحددت الجهة الميسرة للسير فيها .
     وانطلقنا على بقايا آثار طريق الهجرة وسط أكوام من الحجارة التي جرفتها السيول إليه ، ووسط رمال عملت منها السيول ما يشبه السدود الحاجزة ، شقتها السيارة شقا . وبعد أن قطعنا ما يقرب من خمسة كيلوات وصلنا إلى قصر علياء ، ويقع هذا القصر على حد قرية الجحفة (الميقات) من جهة المدينة المنورة ورابغ ، كما أن المسجد الذي ذكرناه يقع على حد القرية من جهة مكة المكرمة . وبعد أن استرحنا قليلا والتقطنا بعض الصور للقصر ، انعطفت الطريق بنا إلى اليمين لانعطاف الجبال المطلة عليه من جهة يمناها للقادم من مكة ، ويسراها للقادم من المدينة .


(30)

     وفي متسع من الوادي تشعبت فيه الطرق على مدى عرضه ، حتى وصلنا إلى رملة غزيرة انعدمت فيها آثار الطريق فوقفنا قليلا ، ولاح لنا راع مع غنيمات عند سفح الجبل ، فنزلت قاصدا إياه ، وكانت رجلاي تغوصان في الرمل إلى ما يقرب من الركبتين ، ولوحت له بعباءتي فوقف ثم اتجه جهتي والتقينا غير بعيد من الجبل ، وسألته عن طريق الغربة فقال : سيروا باستقامة سيارتكم ، وبعد قليل توافيكم حرة تطلعون فيها على مزرعة صغيرة جديدة ، ومن على الحرة تبين لكم نخيل الغربة . فدلفنا بسيارتنا نشق الرمال شقا حتى انتهت بنا إلى مرتفع ارتقينا به الحرة التي ذكرها الراعي .
     وفي الحرة التقينا سيارة نقل صغيرة (وانيت) يسوقها شاب بدوي ، وإلى جانبه شيخ كبير ، فاستوقفتهما ، وبعد السلام عليهما ، سألتهما عن الأصل والوطن ، فقالا : من البلادية من حرب ، نسكن بعد الغربة بقليل . قلت : الغربة هي مقصدنا . قال الشيخ : أنتم من الشرقية تريدون الغدير ؟ قلت : هله هله ; أي : نعم نعم ، بلهجة البادية . قال : هي عند النزلة من الحرة يمين الطريق مباشرة . فودعناهما ودخلنا الغدير حامدين الله توفيقه ، وشاكرين على السلامة .
     وبعد أن استقر بنا الجلوس تناولنا من القهوة والشاي ، ثم قمنا وتجولنا بالوادي الفسيح والتقطنا من الصور من مختلف جهاته . كان الوادي فسيحا جدا ، تتخلله أشجار السمر منتشرة في كل أبعاده . ويقع بين سلسلة جبال من جنوبه وشماله . ومسيله يمر مع سفوح جباله الجنوبية ، وهي أعلى وأضخم من جباله الشمالية . وعلى المسيل من جهة سهل الوادي ثلاث كوم من النخيل بين كل كومة وأخرى نحو عشرين مترا ، وكل كومة لا تتجاوز الآحاد . ومن المظنون قويا أنها نبتت هنا بفعل ما يرميه المارون بالوادي من نوى التمر


(31)
الذي يتناولونه مع القهوة .
     وقريبا من منعطف الوادي إلى جهة الغرب غيضة ، وسطها عين جارية ، قد تكون هي عين الغدير التاريخية ! أما الغدير فلم نر له آثارا ، وكذلك المسجد ، ولعلهما عفيا بفعل تأثير عوامل التعرية والإبادة من أمطار وسيول ورياح وما إليها ! وبعد أن استكملنا استطلاعنا عدنا على الطريق نفسه إلى جدة ، ووصلنا إليها بعد الغروب بساعة تقريبا .

الرحلة الثانية :
     وكانت بعد عودتنا من زيارة قبر السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في الأبواء (الخريبة) ، ومبيتنا في منزل الحاج علي بن سالم العبيدي بوادي الفرع . وكان معي في هذه الرحلة ابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان الحسن والحسين الخليفة والشيخ صالح العبيدي من خطباء المنبر الحسيني بجدة والشاب عابد العلاسي من جدة . وبعد أن وصلنا إلى ميقات الجحفة قبيل الظهر سلكنا الطريق السابقة إلى الغدير ، فرأيناها قد غير السيل العرم الذي جاء المنطقة بعد رحلتنا الأولى الكثير من معالم الطريق ، وعفى القليل المتبقي من آثارها .
     ورأينا قبيل وصولنا إلى الغدير ، ومقابل الحرة ، على قمة الجبل المحاذي لها ، منازل من البناء الجاهز لشركة إنشائية ، يسلك إليها طريق ممهدة تتفرع من طريق رابغ - الغدير .
     وعندما وصلنا إلى الغدير رأينا السيل قد فعل مفعوله في تغيير شئ غير قليل من المعالم التي رأيناها سابقا . منها : أن أهار الجرف السابق المطل على المسيل بما لا يقل عن ثلاثة أمتار


(32)
فأطاح ببعض النخيل التي كانت عليه .
     ومنها : أن ذهب بالعيضة إلا بقايا منها .
     ورأينا العين قد أصبحت تجري من تحت الجرف الجديد ، ويسير مجراها بحافته إلى كومة من الشجر لا تبعد عن منبع العين بأكثر من عشرين مترا . وبعد أن التقطنا بعض الصور ، وتناولنا التمر والقهوة ، توجهنا إلى رابغ عن الطريق الأخرى التي لا تمر بالجحفة ، والتي تقع شرقي رابغ .

الطريق المؤدية إلى الموقع :
     رأينا مما تقدم أن هناك طريقين تؤديان إلى موقع غدير خم ، إحداهما من الجحفة ، والأخرى من رابغ .

- طريق الجحفة :
     تبدأ من مفرق الجحفة عند مطار رابغ سالكا تسعة كيلوات مزفتة إلى أول قرية الجحفة القديمة ، حيث شيدت الحكومة السعودية ، بعد أن هدمت المسجد السابق الذي رأيناه في الرحلة الأولى ، مسجدا كبيرا في موضعه ، وحمامات للاغتسال ، ومرافق صحية ، ومواقف سيارات . ثم تنعطف الطريق شمالا وسط حجارة ورمال كالسدود بمقدار خمسة كيلوات إلى قصر علياء ، حيث نهاية قرية الميقات .
     ثم تنعطف الطريق إلى جهة اليمين ، قاطعا بمقدار كيلوين أكواما من الحجارة وتلولا من الرمال ، وحرة قصيرة المسافة .
     ثم تهبط من الحرة يمنة الطريق حيث وادي الغدير .

2 - طريق رابغ :
     وتبدأ من مفرق طريق مكة - المدينة العام ، الداخل إلى مدينة رابغ عند إشارة


(33)

     المرور ، يمنة الطريق للقادم من مكة ، مارة ببيوتات من الصفيح ، وأخرى من الطين يسكنها بعض بدو المنطقة .
     ثم يصعد على طريق قديمة مزفتة تنعطف به إلى اليسار - وهي الطريق العام القديمة التي تبدأ بقاياها من وراء مطار رابغ - . وبعد مسافة عشر كيلوات ، وعلى اليمين ، يتفرع منه الفرع المؤدي إلى الغدير ، ومسافته من رابغ إلى الغدير 26 كيلوا تقريبا . وفي ضوء ما تقدم :
     يقع غدير خم من ميقات الجحفة مطلع الشمس بحوالي 8 كيلوات ، وجنوب شرقي رابغ بما يقرب من 26 كم .


(34)







(35)







(36)







(37)







(38)







(39)







(40)







(41)







شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007