(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
(6)
(7)
من الأحاديث الموضوعة (4)
استخلاف النبي أبا بكر في الصلاة واقتداؤه به فيها
السيد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين . وبعد . . . . .
فهذه رسالة وجيزة تناولت فيها خبر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر في أيام مرض موته أبا بكر بالصلاة بالمسلمين ، وأنه خرج إلى المسجد وصلى خلفه معهم . .
بالبحث والتحقيق ، وإنه بذلك لحقيق : لتعلقه بأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته المباركة . . . .
ولتمسك القائلين بخلافة أبي بكر من بعده به . . . . .
وللأحكام الشرعية والمسائل الاعتقادية المستفادة منه . . . . .
ولأمور غير ذلك . . . . .
لقد بحثت عن الخبر من أهم نواحيه ، وسبرت ما قيل فيه ، وتوصلت على ضوء ذلك إلى واقع الحال . . . .
وحق المقال . . . .
فإلى أهل التحقيق والفضل . . . .
هذا البحث غير المسبوق ولا المطروق من قبل ،
(8)
أرجو أن ينظروا فيه بعين الإنصاف . . . بعيدا عن التعصب والاعتساف . . . وما توفيقي إلا بالله .
علي الحسيني الميلاني
(9)
(1) أسانيد الحديث ونصوصه
لقد اتفق المحدثون كلهم على إخراج هذا الحديث ، فلم يخل منه (صحيح) ولا (مسند) ولا (معجم) . . . . لكنا اقتصرنا هنا على ما أخرجه أرباب (الصحاح الستة) وما أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند) . . . لكون ما جاء في هذه الكتب هو الأتم لفظا والأقوى سندا ، فإذا عرف حاله عرف حال غيره ، ولم تكن حاجة إلى التطويل بذكره . . . . .
الموطأ :
جاء في (الموطأ) : (وحدثني عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن رسول الله صل الله عليه (وآله) وسلم خرج في مرضه فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس ، فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن كما أنت ، فجلس رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى جنب أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو جالس ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر) (1) .
صحيح البخاري :
وأخرجه البخاري في مواضع كثيرة من (صحيحه) منها ما يلي : 1 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا
(1) الموطأ - بشرح السيوطي - 1 / 156 . وفي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 136 .
(10)
الأعمش ، عن إبراهيم ، قال الأسود : قال : كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها ، فقالت :
(لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقيل له : إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطيع أن يصلي بالناس ، وأعاد فأعادوا له ، فأعاد الثالثة ، فقال : إنكن صواحب يوسف ! مروا أبا بكر فليصل بالناس . فخرج أبو بكر فصلى ، فوجد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم من نفسه خفة ، فخرج يهادي بين رجلين ، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أن مكانك . ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه . قيل للأعمش : وكان النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه : نعم . رواه أبو داود (2) عن شعبة عن الأعمش بعضه . وزاد أبو معاوية : جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما) (3) .
2 - حدثنا يحيى بن سليمان ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله أنه أخبره عن أبيه ، قال : (لما اشتد برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وجعه قيل له في الصلاة ! فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . قالت عائشة : إن أبا بكر رجل رقيق ، إذا قرأ غلبه البكاء . قال : مروه فيصلي . فعاودته . قال :
مروه فيصلي ، إنكن صواحب يوسف) ، (4) .
(2) هو أبو داود الطيالسي . (3) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 120 باب حد المريض أن يشهد الجماعة (4) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 130 باب : أهل العلم والفضل أحق بالإمامة .
(11)
3 - حدثنا زكريا بن يحيى ، قال : حدثنا ابن نمير ، قال : أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : (أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يصلي بالناس في مرضه ، فكان يصلي بهم . قال عروة : فوجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في نفسه خفة ، فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه أن كما أنت فجلس رسول الله حذاء أبي بكر إلى جنبه ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر) (5) .
4 - حدثنا إسحاق بن نصر ، قال : حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن عبد الملك ابن عمير ، قال : حدثني أبو بردة ، عن أبي موسى ، قال : (مرض النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فاشتد مرضه فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . قالت عائشة : إن رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم يستطيع أن يصلي بالناس ! قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فعادت . فقال : مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف . فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم) (6)
5 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : (إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال في مرضه : مروا أبا بكر يصلي بالناس . قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ! فمر عمر فليصل للناس . فقالت عائشة : فقلت لحفصة قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس . ففعلت حفصة .
(5) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 132 باب من قام إلى جنب الإمام لعلة . (6) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 130 .
(12)
فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : صه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل للناس . فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا) (7) .
6 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : (دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قالت : بلى ، ثقل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك . قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : ففعلنا فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عليه . ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . قال : ضعوا لي ماء في المخضب . قالت : فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه . ثم أفاق فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ، فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه . ثم أفاق فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يأمرك أن تصلي بالناس . فقال أبو بكر - وكان رجلا رقيقا - : يا عمر ، صل بالناس . فقال له عمر : أنت أحق بذلك . فصلى أبو بكر تلك الأيام . ثم إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج بين
(7) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 130 .
(13)
رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بأن لا يتأخر . قال : أجلساني إلى جنبه . فأجلساه إلى جنب أبي بكر . فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم - ، والناس بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قاعد . قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قال : هات . فعرضت عليه حديثها ، فما أنكر منه شيئا ، غير إنه قال : أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت : لا ، قال : هو علي) (8) .
7 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الله بن داود ، قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : (لما مرض النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة . فقال : مروا أبا بكر فليصل . قلت : إن أبا بكر رجل أسيف ، إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة ! قال : مروا أبا بكر فليصل . فقلت مثله فقال في الثالثة أو الرابعة : إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل ؟ فصلى . وخرج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يهادي بين رجلين كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض ، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر ، فأشار إليه أن صل ، فتأخر أبو بكر وقعد النبي صلى عليه (وآله) وسلم إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير) (9) .
(8) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 137 باب إنما جعل الإمام ليؤتم به . (9) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 162 باب من أسمع تكبير الإمام .
(14)
8 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس . فقلت : يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر . فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس . فقلت لحفصة : قولي له إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر . قال : إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة ، فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد . فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فجاء رسول الله حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) (10) .
9 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري - وكان تبع النبي وخدمه وصحبه - (أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الذي توفي فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم في صفوف الصلاة ، فكشف النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثم تبسم يضحك ، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن النبي خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه
(10) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 162 باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم .
(15)
(وآله) وسلم أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر ، فتوفي من يومه) (11) .
10 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، عن أنس ، قال : (لم يخرج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ثلاثا ، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم ، فقال نبي الله بالحجاب فرفعه ، فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي حين وضح لنا ، فأومأ النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم ، وأرخى النبي الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات) (12) .
صحيح مسلم : وأخرجه مسلم بن الحجاج في (صحيحه) غير مرة . من ذلك : 1 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا زائدة ، حدثنا : موسى ابن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ، قال : (دخلت على عائشة فقلت لها : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قالت : بلى ، ثقل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . قال : ضعوا لي ماء في المخضب . . .) إلى آخر ما تقدم عن البخاري (13) .
2 - حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد - واللفظ لابن رافع - قال عبد : أخبرنا ، وقال ابن رافع : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، قال الزهري : وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن عائشة ، قالت : لما دخل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بيتي قال : مروا أبو بكر فليصل بالناس .
(11) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 130 باب أن أهل العلم والفضل أحق بالإمامة . (12) صحيح البخاري - بشرح ابن حجر - 2 / 130 . (13) صحيح مسلم - بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري - 3 / 54 .
(16)
قالت : فقلت يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ! فلو أمرت غير أي بكر . قالت : والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قالت : فراجعته مرتين أو ثلاثا . فقال : ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف) (14) .
3 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع . ح وحدثنا يحيى بن يحيى - واللفظ له - أخبرنا معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة . . . .) إلى آخر ما تقدم عن البخاري (15) .
4 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب ، قالا : حدثنا ابن نمير ، عن هشام . ح وحدثنا ابن نمير - وألفاظهم متقاربة - قال : حدثنا أبي هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : (أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه ، فكان يصلي بهم . قال عروة : فوجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من نفسه خفة ، فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر ، فأشار إليه رسول الله أي كما أنت . فجلس رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر) (16) .
5 - حدثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد . قال عبد : أخبرني ، وقال الآخران : حدثنا يعقوب - وهو ابن إبراهيم بن سعد - ، قال : حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أنس بن مالك : (أن أبا بكر كان يصلي
(14) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 59 . (15) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 51 . (16) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 61 .
(17)
لهم في وجع رسول الله صلى الله عليه الله (وآله) وسلم الذي توفي فيه . .) (17) .
6 - حدثنا محمد بن المثنى وهارون بن عبد الله ، قالا : حدثنا عبد الصمد ، قال : سمعت أبي يحدث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، عن أنس ، قال : (لم يخرج إلينا نبي الله ثلاثا . . .) إلى آخر ما تقدم عن البخاري (18) .
7 - ورواه مسلم ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس . . . . . (19) .
8 - وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس . . . . (20) .
9 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : (مرض رسول الله . .) إلى آخر ما تقدم عن البخاري (21) .
صحيح الترمذي :
وأخرجه الترمذي في (صحيحه) حيث قال : (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ، حدثنا معن ، حدثنا مالك ، عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فأمر عمر فليصل بالناس . قالت عائشة : فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فأمر عمر فليصل بالناس . ففعلت حفصة .
(17) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 62 . (18) صحيح مسلم - بشرح النوري . هامش إرشاد الساري - 3 / 63 . (19) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 63 . (20) صحيح مسلم - بشرح النووي . هامش إرشاد الساري - 3 / 63 . (21) صحيح مسلم - بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري - 3 / 63 .
(18)
فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إنكن لأنتن صواحبات يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وفي الباب عن : عبد الله بن مسعود وأبي موسى وابن عباس وسالم بن عبيد وعبد الله بن زمعة) (22) .
سنن أبي داود :
وأخرجه أبو داود في (سننه) بقوله : (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الزهري ، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الصمد بن الحرث بن هشام ، عن أبيه عن عبد الله بن زمعة ، قال : لما استقر برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة فقال : مروا من يصلي للناس . فخرج عبد الله بن زمعة فإذا عمر في الناس - وكان أبو بكر غائبا - فقلت : يا عمر ، تم فصل بالناس .
فتقدم فكبر . فلما سمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم صوته ، وكان عمر رجلا مجهرا . فقال : أين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبى الله ذلك والمسلمون . فبعث إلى أبي بكر ، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس . حدثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، قال : حدثني موسى بن يعقوب . - عن عبد الله بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر قال : لما سمع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم
(22) صحيح الترمذي 5 / 573 باب مناقب أبي بكر .
(19)
صوت عمر - قال ابن زمعة - خرج النبي حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال : لا لا لا ، ليصل للناس ابن أبي قحافة ؟ يقول ذلك مغضبا) (23) .
سنن ، النسائي :
وأخرجه النسائي في (سننه) :
1 - أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ، قال : (دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني . . . .) إلى آخره كما تقدم (24) .
2 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة . فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . . .) إلى آخره كما تقدم (25) .
3 - أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا إسماعيل ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : (آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مع القوم ، صلى في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر (26) .
4 - أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا بكر بن عيسى صاحب البصري ، قال : سمعت شعبة يذكر عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة : (أن أبا بكر صلى للناس ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في الصف (27)
5 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري ، عن حسين بن علي ، عن
(23) سنن أبي داود 2 / 266 باب في استخلاف أبي بكر . (24) سنن النسائي 2 / 10 كتاب الإمامة من كتاب الصلاة . (25) سنن النسائي 2 / 99 كتاب الإمامة من كتاب الصلاة . (26) سنن النسائي 2 / 77 صلاة الإمام خلف رجل من رعيته . (27) سنن النسائي 2 / 77 صلاة الإمام خلف رجل من رعيته .
(20)
زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : (لما قبض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم (أبا بكر ؟ ! قالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) (28) .
6 - أخبرنا محمود بن غيلان ، قال : حدثني أبو داود ، قال : أنبأنا شعبة ، عن موسى بن أبي عائشة ، قال : (سمت عبيد الله بن عبد الله يحدث عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس . قالت : وكان النبي بين يدي أبي بكر ، فصلى قاعدا ، وأبو بكر يصلي بالناس ، والناس خلف أبي بكر) (29) .
سنن ابن ماجة :
وأخرجه ابن ماجة في (سننه) :
1 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش . ح وحدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : (لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه - وقال أبو معاوية : لما ثقل - جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال : مروا أبو بكر فليصل بالناس . . . قالت : فأرسلنا إلى أبي بكر فصلى بالناس . فوجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من نفسه خفة ، فخرج إلى الصلاة . . . . فكان أبو بكر يأتم بالنبي ، والناس يأتمون بأبي بكر) (30) .
2 - حدثنا ابن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : (أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أبا بكر أن
(28) سنن النسائي 2 / 74 كتاب الإمامة من كتاب الصلاة . (29) سنن النسائي 2 / 84 كتاب الإمامة من كتاب الصلاة . (30) سنن ابن ماجة 1 / 389 باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه .
(21)
يصلي بالناس في مرضه . . . .) (31) .
3 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، أنبأنا عبد الله بن داود من كتابه في بيته ، قال : سلمة بن نبيط ، أنا عن نعيم بن أبي هند ، عن نبيط بن شربط ، عن سالم ابن عبيد ، قال : (أغمي على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في مرضه ، فلما أفاق قال : أحضرت الصلاة ؟ قالوا : نعم . قال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا أبا بكر فليصل بالناس . ثم أغمي عليه فأفاق فقال . . . . ثم أغمي عليه فأفاق فقال . . . فقالت عائشة : إن أبي رجل أسيف ، فإذا قام ذلك المقام يبكي لا يستطيع ، فلو أمرت غيره ! ثم أغمي عليه فأفاق فقال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا أبا بكر فليصل بالناس ، فإنكن صواحب يوسف - أو صواحبات يوسف - قال : فأمر بلال فأذن ، وأمر أبو بكر فصلى بالناس . . ثم إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وجد خفة فقال : أنظروا لي من أتكئ عليه . فجاءت بريرة ورجل آخر فأتكأ عليهما ، فلا رآه أبو بكر ذهب لينكص ، فأومأ إليه أن أثبت مكانك . ثم جاء رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتى قضى أبو بكر صلاته ، ثم إن رسول الله قبض . قال أبو عبد الله : هذا حديث غريب لم يحدث به غير نصر بن علي) (32) .
4 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس ، قال : (لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال : ادعوا لي عليا .
(31) سنن ابن ماجة 1 / 389 باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه . (32) ابن ماجة 1 / 389 باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه .
(22)
قالت عائشة : يا رسول الله ، ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعوه .
قالت حفصة : يا رسول الله ، ندعو لك عمر ؟ قال : ادعوه . قالت أم الفضل : يا رسول الله ، ندعو لك العباس ؟ قال : نعم . فلما اجتمعوا رفع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم رأسه فنظر فسكت . فقال عمر : قوموا عن رسول الله . ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق حصر ، ومتى لا يراك يبكي والناس يبكون ، فلو أمرت عمر يصلي بالناس ؟ . فخرج أبو بكر فصلى بالناس ، فوجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من نفسه خفة ، فخرج . يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض ، فلما رآه الناس سبحوا بأبي بكر ، فذهب ليستأخر فأومأ إليه النبي أي مكانك . فجاء رسول الله فجلس عن يمينه وقام أبو بكر ، وكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بأبي بكر . قال ابن عباس : وأخذ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر . قال وكيع : وكذا السنة . قال : فمات رسول الله في مرضه ذلك (33) .
مسند أحمد :
وأخرج أحمد بن حنبل في (مسنده) أكثر من غيره بكثير ، فلنذكر طائفة من رواياته :
1 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثني أبي ، عن
(33) سنن ابن ماجة 1 / 389 باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه .
(23)
أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس ، قال : (لما مرض صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ثم وجد خفة ، فخرج ، فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص ، فأومأ إليه النبي فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر) (34) .
2 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس ، قال : لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال : ادعوا لي عليا . قالت عائشة : ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعوه . قالت حفصة : يا رسول الله ، ندعو لك عمر ؟ قال : ادعوه . قالت أم الفضل : يا رسول الله ، ندعو لك العباس ؟ قال : ادعوه . فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليا فسكت . فقال عمر : قوموا عن رسول الله فجاء بلال يؤذنه بالصلاة . . . .) (35) .
3 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عبد الله بن الوليد ، ثنا سفيان ، عن حميد عن أنس بن مالك ، قال : (كان آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عليه برد متوشحا به وهو قاعد) (36) .
4 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا يزيد ، أنا سفيان - يعني ابن حسين - ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : (لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي توفي فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة . فقال بعد مرتين : يا بلال ، قد بلغت ، فمن شاء فليصل ومن شاء فليدع . فرجع إليه بلال فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، من يصلي بالناس ؟
(34) مسند أحمد 1 / 231 . (35) مسند أحمد 1 / 356 . (36) مسند أحمد 3 / 216 .
(24)
قال : مر أبا بكر فليصل بالناس .
فلما أن تقدم أبو بكر رفعت عن رسول الله الستور قال : فنظرنا إليه كأنه ورقة بيضاء عليه خميصة ، فذهب أبو بكر يتأخر وظن أنه يريد الخروج إلى الصلاة ، فأشار رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى أبي بكر أن يقوم فيصلي ، فصلى أبو بكر بالناس . فما رأيناه بعد) (37) .
5 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبي موسى ، قال : (مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . . . .) (38) .
6 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة قالت : (لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في بيت ميمونة فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذن له ، فخرج رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم معتمدا على العباس وعلى رجل آخر ورجلاه تخطان في الأرض . وقال عبيد الله : فقال ابن عباس : أتدري من ذلك الرجل ؟ هو علي بن أبي طالب ، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسا . قال الزهري : فقال النبي - وهو في بيت ميمونة - لعبد الله بن زمعة : مر الناس فليصلوا . فلقي عمر بن الخطاب فقال : يا عمر صل بالناس ، فصلى بهم ، فسمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم صوته فعرفه وكان جهير الصوت . . . .) (39) .
7 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود عن عائشة ، قالت : (لما مرض رسول الله . . . فجاء النبي حتى جلس إلى جنب أبي
(37) مسند أحمد 3 / 202 . (38) مسند أحمد 4 / 412 . (39) مسند أحمد 6 / 34 .
(25)
بكر ، وكان أبو بكر يأتم بالنبي ، والناس يأتمون بأبي بكر) (40) .
8 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة : (. . . فجاء النبي حتى جلس عن يسار أبي بكر ، وكان رسول صلى الله عليه (وآله) وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر) (41) .
9 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا بكر بن عيسى ، قال : سمعت شعبة بن الحجاج يحدث عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل عن مسروق ، عن عائشة (أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في الصف) (42) .
10 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا شبابة بن سوار ، أبا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : (صلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه) (43) .
11 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا شبابة ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : (قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في مرضه الذي مات فيه : مروا أبا بكر يصلي بالناس . وصلى النبي خلفه قاعدا) (44) .
12 - عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا زائدة ، ثنا عبد الملك بن عمير ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : (مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس ، فقالت عائشة : يا رسول الله إن أبي رجل رقيق ! فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس فإنكن صواحبات يوسف .
(40) مسند أحمد 6 / 210 . (41) مسند أحمد 6 / 224 . (42) مسند أحمد 6 / 159 . (43) مسند أحمد 6 / 159 . (44) مسند أحمد 6 / 159 .
(26)
عام أبو بكر الناس ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حي) (45) .
(45) مسند أحمد 5 / 361 .
(27)
(2) نظرات في أسانيد الحديث لقد نقلنا الحديث
بأتم ألفاظه وأصح طرقه عن الصحاح ومسند أحمد ، وكما ذكرنا من قبل فإن معرفة حاله بالنظر إلى هذه الأسانيد والمتون تغنينا عن النظر فيما رووه في خارج الصحاح عن غير من ذكرناه من الصحابة ، لربما أشرنا إلى بعض ذلك في خلال البحث . . . . . لقد كانت الأحاديث المذكورة عن :
1 - عائشة بنت أبي بكر .
2 - عبد الله بن مسعود .
3 - عبد الله بن عباس .
4 - عبد الله بن عمر .
5 - عبد الله بن زمعة .
6 - أبي موسى الأشعري .
7 - بريدة الأسلمي .
8 - أنس بن مالك .
9 - سالم بن عبيد . فنحن ذكرنا الحديث عن تسعة من الصحابة وإن لم يذكر الترمذي إلا ستة ، حيث قال بعد إخراجه عن عائشة : (وفي الباب عن : عبد الله بن مسعود ، وأبي موسى ، وابن عباس ، وسالم بن عبيد ، وعبد الله بن زمعة) (46) . لكن العمدة حديث عائشة . . . . بل إن بعض ما جاء عن غيرها من الصحابة
(46) صحيح الترمذي 5 / 573 .
(28)
مرسل ، وإنها هي الواسطة . كما سنرى . . . .
فلنبدأ أولا بالنظر في أسانيد الحديث عن غيرها ممن ذكرناه :
حديث أبي موسى الأشعري :
أما الحديث المذكور عن أبي موسى الأشعري - والذي أتفق عليه البخاري ومسلم ، وأخرجه أحمد - ففيه :
1 - إنه مرسل ، نص عليه ابن حجر وقال : (يحتمل أن يكون تلقاه عن عائشة) (47) .
2 - إن الراوي عنه (أبو بردة) وهو ولده كما نص عليه ابن حجر (48) وهذا الرجل فاسق أثيم ، له ضلع في قتل حجر بن عدي ، حيث شهد عليه - في جماعة - شهادة زور أدت إلى شهادته (49) . . . . وروى أيضا أنه قال لأبي الغادية - قاتل عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه - : (أأنت قتلت عمار بن ياسر ؟ قال : نعم . قال : فناولني يدك . فقبلها وقال : لا تمسك النار أبدا) (50) .
3 - والراوي عنه : (عبد الملك بن عمير) : وهو (مدلس) و (مضطرب الحديث جدا) و (ضعيف جدا) و (كثير الغلط) : قال أحمد : (مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته ، ما أرى له خمسمائة حديث ، وقد غلط في كثير منها) (51) .
(47) فتح الباري 2 / 130 . (48) فتح الباري 2 / 130 . (49) تاريخ الطبري 4 / 199 - 200 . (50) شرح نهج البلاغة 4 / 99 . (51) تهذيب التهذيب 6 / 411 وغيره .
(29)
وقال إسحاق بن منصور : (ضعفه أحمد جدا) (52) .
وعن أحمد : (ضعيف يغلط) (53) .
وقال ابن معين : (مخلط) (54) .
وقال أبو حاتم : (ليس بحافظ ، تغير حفظه) (55) .
وعنه : (لم يوصف بالحفظ) (56) .
وقال ابن خراش : (كان شعبة لا يرضاه) (57) .
وقال الذهبي : (أما ابن الجوزي فذكره فحكي الجرح وما ذكر التوثيق) (58) .
وقال السمعاني : (كان مدلسا) (59) .
وكذا قال ابن حجر (60) .
وعبد الملك - هذا - هو - الذي ذبح عبد الله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي ، وهو رسول الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة ، فإنه لما رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبه رمق أتاه عبد الملك بن عمير فذبحه ، فلما عيب ذلك عليه قال : (إنما أردت أن أريحه !) (61) .
4 - ثم الكلام في أبي - موسى الأشعري نفسه ، فإنه من أشهر أعداء مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد كان يوم الجمل يقعد بأهل الكوفة عن الجهاد
(52) تهذيب التهذيب 6 / 412 . ميزان الاعتدال 2 / 660 . (53) ميزان الاعتدال 6 / 660 . (54) ميزان الاعتدال 6 / 660 ، المغني 2 / 407 ، تهذيب التهذيب 6 / 412 . (55) ميزان الاعتدال 2 / 660 . (56) تهذيب التهذيب 6 / 412 . (57) ميزان الاعتدال 2 / 660 . (58) ميزان الاعتدال 2 / 660 . (59) الأنساب 10 / 50 في (القبطي) . (60) تقريب التهذيب 1 / 521 . (61) تلخيص الشافي 3 / 35 ، روضة الواعظين : 177 ، مقتل الحسين - للمقرم - : 185 .
(30)
مع الإمام علي عليه السلام ، وفي صفين هو الذي خلع الإمام عليه السلام عن الخلافة وقد بلغ به الحال أن كان الإمام عليه السلام يلعنه في قنوته مع معاوية وجماعة من أتباعه . ثم إن أحمد روى هذا الحديث في فضائل أبي بكر بسنده عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه . . . . . كذلك ، (62) .
حديث عبد الله بن عمر :
وأما الحديث المذكور عن عبد الله بن عمر فالظاهر كونه عن عائشة كذلك ، كما رواه مسلم ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن حمزة بن عبد الله ابن عمر ، عن عائشة . . . . لكن البخاري رواه بسنده عن الزهري ، عن حمزة ، عن أبيه ، قال : (لما اشتد برسول الله وجعه . . . .) . وعلى كل حال فإن مدار الطريقين على : محمد بن شهاب الزهري وهو رجل مجروح عند يحيى بن معين (63) وعبد الحق الدهلوي ، وكان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن الرواة عن عمر بن سعد اللعين : قال ابن الحديد : (وكان الزهري من المنحرفين عنه ، وروى جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال : شهدت مسجد المدينة ، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليا فنالا منه . فبلغ ذلك علي بن الحسين فجاء حتى وقف عليهما فقال : أما أنت يا عروة ، فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي عل أبيك . وأما أنت يا زهري ، فلو كنت بمكة لأريتك كبر أبيك) (64) .
(62) فضائل الصحابة 1 / 106 . (63) هو من شيوخ البخاري ومسلم . ومن أئمة الجرح والتعديل ، اتفقوا على أنه أعلم أئمة الحديث بصحيحه وسقيمه . توفي سنة 302 ه . ترجم له في : تذكرة الحفاظ 2 / 429 وغيرها . (64) شرح نهج البلاغة 6 / 102 .
(31)
قال : (وروى عاصم بن أبي عامر البجلي ، عن يحيى بن عروة ، قال : كان أبي إذا ذكر عليا نال منه) (65) .
ويؤكد هذا سعيه وراء إنكار مناقب أمير المؤمنين عليه السلام - كمنقبة سبقه إلى الإسلام - قال ابن عبد البر : (وذكر معمر في جامعه عن الزهري قال : ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة . قال عبد الرزاق : وما أعلم أحدا ذكره غير الزهري) (66) .
وقال الذهبي بترجمة عمر بن سعد : (وأرسل عنه الزهري وقتادة . قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة ؟ !) (67) .
وقال العلامة الشيخ عبد الحق الدهلوي بترجمة الزهري من (رجال المشكاة) : (إنه قد أبتلي بصحبة الأمراء وبقلة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرهم ! فيقولون : ألا ترى ما هم فيه وتسكت ؟ !) . وقال ابن حجر بترجمة الأعمش : (حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال : أجود الأسانيد : الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله . فقال له إنسان : الأعمش مثل الزهري ؟ ! فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟ ! الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أمية ، والأعمش فقير ، صبور ، مجانب للسلطان ، ورع ، عالم بالقرآن) (68) .
ولأجل كونه من عمال بني أمية ومشيدي سلطانهم كتب إليه الإمام السجاد عليه السلام كتابا يعظه فيه ، جاء فيه : (إن ما كتمت ، وأخف ما احتملت ، أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له الطريق الغي . . . جعلوك قطبا أداروا بك رحى
(65) شرح نهج البلاغة 4 / 102 . (66) الإستيعاب ، ترجمة زيد بن حارثة . (67) ا لكاشف 2 / 311 . (68) تهذيب 4 / 195 .
(32)
مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، احذر ، فقد نبئت ، وبادر فقد أجلت . . . .) (69) .
ثم الكلام في عبد الله بن عمر نفسه : فإنه ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان ، وقعد عن نصرته ، وترك الخروج معه في حروبه ، ولكنه لما ولي الحجاج بن يوسف الحجاز من قبل عبد الملك جاءه ليلا ليبايعه فقال له : ما أعجلك ؟ ! فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ! ! فقال له : إن يدي مشغولة عنك - وكان يكتب - فدونك رجلي ، فمسح على رجله وخرج ! ! .
حديث عبد الله بن زمعة :
وأما حديث عبد الله بن زمعة . . . . فقد رواه أبو داود عنه بطريقين ، والمدار في كليهما على (الزهري) وقد عرفته .
حديث عبد الله بن عباس :
وأما حديث عبد الله بن عباس . . . الذي رواه ابن ماجة وأحمد ، الأول رواه عن : إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس . والثاني رواه عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم ، عنه . . . . فمداره على :
أي إسحاق ، عن الأرقم
وقد قال البخاري : (لا نذكر لأبي إسحاق سماعا من الأرقم بن
(69) ذكر الكتاب في : تحف العقول عن آل الرسول : 198 ، للشيخ ابن شعبة الحراني ، من أعلام الإمامية في القرن الرابع ، وفي إحياء علوم الدين 2 / 143 بعنوان : (ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه) ! .
(33)
شرحبيل) (70) .
وأبو إسحاق السبيعي : (قال بعض أهل العلم : كان قد اختلط ، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه) (71) .
و (كان مدلسا) (72) .
وكان يروي عن عمر بن سعد قاتل الحسين عليه السلام (73) .
وكان يروي عن شمر بن ذي الجوشن الملعون (74) .
وفي سند أحمد مضافا إلى ذلك :
1 - سماع (زكريا) من (أبي إسحاق) بعد اختلاطه كما ستعرف .
2 - (زكريا بن أبي زائدة) قال أبو حاتم : (لين الحديث ، كان يدلس ، ورماه بالتدليس أيضا أبو زرعة وأبو داود وابن حجر . . . . وعن أحمد : (إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إلي في أبي إسحاق ، ثم قال : ما أقربهما ، وحديثهما عن أبي إسحاق لين سمعا منه بآخره) . (75) .
أقول : فالعجب من أحمد يقول هذا وهو مع ذلك يروي الحديث عن زكريا عن أبي إسحاق في (المسند) كما عرفت وفي (الفضائل) (76) .
نعم ، رواه لا عن هذا الطريق لكنه عن ابن عباس عن العباس ، فقال مرة : (حدثنا يحيى بن آدم) وأخرى (حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم) عن قيس بن الربيع ، عن عبد الله بن أبي السفر ، عن أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس ، عن العباس بن عبد المطلب : (إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال في مرضه :
(70) ذكره في الزوائد بهامش سنن ابن ماجة 1 / 391 . (71) ميزان الاعتدال 3 : 270 . (72) تهذيب التهذيب 8 : 56 . (73) ا لكاشف ، ميزان الاعتدال ، تهذيب التهذيب 7 / 396 . (74) ميزان الاعتدال 2 : 72 . (75) تهذيب التهذيب 3 / 285 ، الجرح والتعديل 1 : 2 / 593 . (76) فضائل الصحابة 1 / 106 .
(34)
(مروا أبا بكر يصلي بالناس ، فخرج أبو بكر فكبر ووجد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم راحته فخرج يهادي بين رجلين ، فلما رآه أبو بكر تأخر ، فأشار إليه النبي مكانك ، ثم جلس رسول الله إلى جنب أبي بكر فاقترأ من المكان الذي بلغ أبو بكر من السورة) (77) .
لكن مداره على (قيس بن الربيع) الذي أورده البخاري في الضعفاء (78) .
وكذا النسائي (79) وابن حبان في المجروحين (80) وضعفه غير واحد ، بل عن أحمد أنه تركه الناس ، بل عن يحيى بن معين تكذيبه (81) .
حديث عبد الله بن مسعود :
وأما الحديث المذكور عن ابن مسعود فأخرجه النسائي ، ورواه الهيثمي أيضا وقال : (رواه أحمد وأبو يعلى) . وفي مسنده عند الجميع (عاصم بن أبي النجود) قال الهيثمي : (وفيه ضعف) (82) . قلت : وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن سعد : (كان كثير الخطأ في حديثه) وعن يعقوب بن سفيان : (في حديثه اضطراب) وعن أبي حاتم : (ليس محله أن يقال هو ثقة ولم يكن بالحافظ) وقد تكلم فيه ابن علية فقال : (كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ) وعن ابن خراش : (في حديثه نكرة) وعن العقيلي : (لم يكن فيه إلا سوء الحفظ) والدار قطني : (في حفظه شئ) والبزار : (لم يكن بالحافظ) وحماد بن
(77) فضائل الصحابة 1 / 108 ، 109 . (78) الضعفاء - للبخاري - : 273 . (79) الضعفاء - للنسائي - : 401 . (80) كتاب المجروحين 2 / 216 . (81) تهذيب التهذيب 8 / 350 ، ميزان الاعتدال 3 / 393 ، لسان الميزان 4 / 477 . (82) مجمع الزوائد 5 / 183 .
(35)
سلمة : (خلط في آخر عمره) وقال العجلي : (كان عثمانيا) (83) .
حديث بريدة الأسلمي :
وأما حديث بريده الأسلمي الذي رواه أحمد بسنده عن ابن بريدة عن أبيه ، فمع غض النظر عما قيل في رواية ابن بريدة - سواء كان (عبد الله) أو (سليمان) عن أبيه (84) فيه : (عبد الملك بن عمير) وقد عرفته .
حديث سالم بن عبيد :
وأما حديث سالم بن عبيد الذي أخرجه ابن ماجة :
1 - فقد قال فيه - ابن ماجة : (هذا حديث غريب) .
2 - وفي سنده نظر . . . فإن (نعيم بن أبي هند) تركه مالك ولم يسمع منه ، لأنه (كان يتناول عليا رضي الله عنه) (85) .
و (سلمة بن نبيط) لم يرو عنه البخاري ومسلم ، قال البخاري : (اختلط بآخره) (86) .
3 - ثم إن (سالم بن عبيد) لم يرو عنه في الصحاح ، وما روى له من أصحاب السنن غير حديثين ، وفي إسناد حديثه اختلاف ! قال ابن حجر : (سالم بن عبيد الأشجعي ، من أهل الصفة ، ثم نزل الكوفة وروى له من أصحاب السنن حديثين بإسناد صحيح في العطاس . وله رواية عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وكلام أبي بكر في ذلك .
(83) تهذيب التهذيب 5 / 35 . (84) تهذيب التهذيب 5 / 138 . (85) تهذيب التهذيب 10 / 418 . (86) تهذيب التهذيب 4 / 140 .
(36)
أخرجه يونس بن بكير في زياداته . روى عنه هلال بن يساف ونبيط بن شريط وخالد بن عرفطة) (87) .
وقال أيضا : (الأربعة - سالم بن عبيد الأشجعي له صحبة ، وكان من أهل الصفة ، يعد في الكوفيين . روى عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في تشميت العاطس ، وعن عمر بن الخطاب . روى عنه . خالد بن عرفجة - ويقال ابن عرفطة - وهلال بن يساف ونبيط بن شريط . وفي إسناد حديثه اختلاف) (88) .
أقول :
يظهر من عبارة ابن حجر في كتابيه ، ومن مراجعة الرواية عن الهيثمي (89) أن حديث سالم بن عبيد حول صلاة أبي بكر هو الحديث الذي عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . . . لكن ابن ماجة ذكر بعضه - كما نص عليه الهيثمي - ، وظاهر عبارة ابن حجر في (الإصابة) عدم صحة إسناده ، ولعله المقصود من قوله في (تهذيب التهذيب) : (وفي إسناد حديثه اختلاف) إذ القدر المتيقن منه ما يرويه نبيط بن شريط عنه ، وهذا الحديث من ذاك !
حديث أنس بن مالك :
أما حديث أنس بن مالك ، فمنه ما عن الزهري عنه ، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأحمد . والزهري من قد عرفته . مضافا إلى أن الراوي عنه عند البخاري هو شعيب ، وهو : شعيب بن حمزة ، وهو كاتب الزهري وراويته (90) .
ويروي عن شعيب : أبو اليمان ، وهو : الحكم بن نافع .
(87) ا لإصابة 2 / 5 . (88) تهذيب التهذيب 3 / 381 . (89) مجمع الزوائد 5 / 182 . (90) تهذيب التهذيب 4 / 307 .
(37)
وقد تكلم العلماء في رواية أبي اليمان من شعيب ، حتى قبل : لم يسمع منه ولا كلمة (91) .
والراوي عن (الزهري) عند أحمد : سفيان بن حسين ، وقد اتفقوا على عدم الاعتماد على رواياته عن الزهري ، فقد ذكر ذلك ابن حجر عن : ابن معين وأحمد والنسائي وابن عدي وابن حبان . . . . . . وعن يعقوب بن شيبة : (في حديثه ضعف) وعن عثمان بن أبي شيبة : (كان مضطربا في الحديث قليلا) وعن ابن خراش : (كان لين الحديث) وعن أبي حاتم : (لا يحج به) وعن ابن سعد : (يخطئ في حديثه كثيرا) (92) .
هذا ، وقد روى الهيثمي هذا الحديث فقال : (رواه أحمد وفيه : سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري ، وهذا من حديثه عنه) (93) .
ومنه ما عن حميد عن أنس ، وقد أخرجه النسائي وأحمد ، وحميد هو : حميد بن أبي حميد الطويل ، وقد نصوا على أنه كان (مدلسا) وعلى (أن أحاديثه عن أنس مدلسة) (94) وهذا الحديث من تلك الأحاديث . مضافا إلى أن الراوي عنه - عند أحمد - هو سفيان بن حسين ، وقد عرفته . هذا ، وسواء صحت الطرق عن أنس أو لم تصح فالكلام في أنس نفسه : فأول ما فيه كذبه ، وذلك في قضية حديث الطائر المشوي ، حيث كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قد دعا الله سبحانه أن يأتي بعلي عليه السلام ، وكان يترقب حضوره ، فكان كلما يجئ علي عليه السلام ليدخل على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال أنس : (إن رسول الله على حاجة) حتى غضب رسول الله وقال له : (يا أنس ، ما حملك على رده ؟ !) .
(91) تهذيب التهذيب 2 / 380 . (92) تهذيب التهذيب 4 / 96 . (93) مجمع الزوائد 5 / 181 . (94) تهذيب التهذيب 3 / 34 .
(38)
ثم كتمه الشهادة بالحق ، وذلك في قضية مناشدة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الناس عن حديث الغدير وطلبه الشهادة منهم به ، فشهد قوم وأبى آخرون - ومنهم أنس - فدعى عليهم فأصابتهم دعوته . . . . ومن المعلوم أن الكاذب لا يقبل خبره ، وكتم الشهادة إثم كبير قادح في العدالة كذلك .
حديث عائشة :
وأما حديث عائشة . . . . . فقد ذكرنا أنه هو العمدة في هذه المسألة : لكونها صاحبة القصة . ولأن حديث غيرها إما ينتهي إليها ، وإما هو حكاية عما قالته وفعلته . ولأن روايتها أكثر طرقا من رواية غيرها ، وأصح إسنادا من سائر الأسانيد ، وأتم لفظا وتفصيلا للقصة . . . . وقد أوردنا الأهم من تلك الطرق ، والأتم من تلك الألفاظ . . . . فأما البحث حول ألفاظ ومتون الحديث - عنها - فسيأتي في الفصل اللاحق مع النظر في ألفاظ حديث غيرها . وأما البحث حول سند حديثها ، فيكون تارة بالكلام على رجال الأسانيد ، وأخرى بالكلام على عائشة نفسها . أما رجال الأسانيد . . . . . فإن طرق الأحاديث المذكورة عنها تنتهي إلى :
1 - الأسود بن يزيد النخعي .
2 - عروة بن الزبير بن العوام .
3 - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .
4 - مسروق بن الأجدع . ولا شئ من هذه الطرق بخال عن الطعن والقدح المسقط عن الاعتبار والاحتجاج :
(39)
أما الحديث عن الأسود عن عائشة :
فإن (الأسود) من المنحرفين عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام (95) .
والراوي عنه في جميع الأسانيد المذكورة هو إبراهيم بن يزيد النخعي ، وهو من أعلام المدلسين . . . . قال أبو عبد الله الحاكم - في الجنس الرابع من المدلسين : قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا - قال : (أخبرني عبد الله بن محمد بن حمويه الدقيقي ، قال : حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، قال : حدثني خلف بن سالم ، قال : سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين ، فأخذنا في تمييز أخبارهم ، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي ، لأن الحسن كثيرا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقواما مجهولين ، وربما دلس عن مثل عتي بن ضمرة وحنيف بن المنتجب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم ؟ وإبراهيم أيضا يدخل بينه وبين . أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي ربما دلس عنهم) (96)
والراوي عن إبراهيم هو : (سليمان بن مهران الأعمش) . و (الأعمش) معروف بالتدليس (97) ، ذلك التدليس القبيح القادح في العدالة ، قال السيوطي - في بيان تدليس التسوية - : (قال الخطيب : وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا . قال العلائي : فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها . قال العراقي : وهو قادح فيمن تعمد فعله . وقال شيخ الإسلام : لا شك أنه جرح ، وإن وصف به الثوري والأعمش فلا اعتذار . . . .) (98) .
قال الخطيب : (التدليس للحديث مكروه عند أهل العلم ، وقد عظم بعضهم
(95) شرح النهج لأبي الحديد 4 / 97 . (96) معرفة علوم الحديث : 108 . (97) تقريب التهذيب 1 : 331 . (98) تدريب الراوي 1 : 226 .
(40)
الشأن في ذمه ، وتبجح بعضهم بالبراءة منه) (99) .
ثم روى عن شعبة بن الحجاج قوله : (التدليس أخو الكذب) . وعنه : (التدليس في الحديث أشد من الزنا) . وعنه : (لأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس) . وعن أبي أسامة : (خرب الله بيوت المدلسين ، ما هم عندي إلا كذابون) . وعن ابن المبارك : (لأن تخر من السماء أحب إلي من أن ندلس حديثا) . وعن وكيع : (نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث !) . فإذن ، يسقط هذا الحديث ، بهذا السند ، الذي اتفقوا في الرواية به ، فلا حاجة إلى النظر في حال من قبل الأعمش من الرواة . لكن مع ذلك نلاحظ أن الراوي عن الأعمش عند البخاري وأحمد - في إحدى طرقهما - وعند مسلم والنسائي هو (أبو معاوية) وهذا الرجل أيضا من المدلسين : . قال السيوطي : (فائدة : أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما : وهم : إبراهيم بن طهمان ، أيوب بن عائذ الطائي ، ذر بن عبد الله المرهبي ، شبابة بن سوار ، عبد الحميد بن عبد الرحمن . . . محمد بن حازم أبو معاوية الضرير ، ورقاء بن عمر اليشكري . . . هؤلاء رموا بالارجاء ، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار . . .) (100) . وذكر ابن حجر عن غير واحد أنه كان مرجئا خبيثا ، وأنه كان يدعو إليه (101) .
والرازي عن (الأعمش) عند ابن ماجة وأحمد في طريقه الأخرى هو : وكيع
(99) الكفاية في علم الرواية 1 / 188 . (100) تدريب الرواي 1 / 278 وفي طبعة 1 / 328 . (101) تهذيب التهذيب 9 / 121 .
(41)
ابن الجراح ، وفيه : أنه كان يشرب المسكر وكان ملازما له (102) .
ثم إن الراوي عن أبي معاوية في إحدى طرق البخاري هو : حفص بن غياث ، وهو أيضا من المدلسين (103) .
مضافا إلى أنه كان قاضي الكوفة من قبل هارون ، وقد ذكروا عن أحمد أنه : كان وكيع صديقا لحفص بن غياث فلما ولي القضاء هجره) (104) .
وأما الحديث عن عروة بن الزبير :
فإن عروة بن الزبير ولد في خلافة عمر ، فالحديث مرسل ، ولا بد أنه يرويه عن عائشة . وكان عروة من المشهورين بالبغض والعداء لأمير المؤمنين عليه السلام - كما عرفت من خبره مع الزهري ، والخبر عن ابنه - وحتى حضر يوم الجمل على صغر سنه (105) وقد كان هو والزهري يضعان الحديث في تنقيص الإمام والزهراء الطاهرة عليهما السلام ، فقد روى الهيثمي عنه حديثا - وصححه - في فضل زينب بنت رسول الله جاء فيه أنه كان يقول : (هي خير بناتي) قال : (فبلغ ذلك علي بن حسين ، فانطلق إليه فقال : ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه تنتقص حق فاطمة ؟ ! فقال : لا أحدث به أبدا) (106) . والراوي عنه ولده (هشام) في رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة . . . وهو أيضا من المدلسين ، فقد قالوا : (كان ينسب إلى أبيه ما كان يسمعه من غيره ، وقد ذكروا أن مالكا كان لا يرضاه ، قال ابن خراش : بلغني أن مالكا نقم
(102) تذكرة الحفاظ 1 : 308 . ميزان الاعتدال 1 : 336 . (103) تهذيب التهذيب 2 / 358 . (104) تهذيب التهذيب 11 / 111 . (105) تهذيب التهذيب 7 / 166 . (106) مجمع الزوائد 9 / 213 .
(42)
عليه حديثه لأهل العراق ، قدم الكوفة ثلاث مرات ، قدمة كان يقول : حدثني أبي ، قال : سمعت عائشة . وقدم الثانية فكان يقول : أخبرني أبي ، عن عائشة . وقدم الثالثة فكان يقول : أبي ، عن عائشة) (107) وهذا الحديث من تلك الأحاديث
وأما الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة :
فإن الراوي عن (عبيد الله) عند البخاري ومسلم والنسائي هو (موسى بن أبي عائشة) وقد قال ابن أبي حاتم سمعت أبي (108) يقول : (تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم) (109) .
وعند أبي داود وأحمد هو : الزهري - لكن عند الأول يرويه عن عبيد الله ، عن عبد الله بن زمعة - والزهري من قد عرفته سابقا . هذا مضافا إلى ما في عبيد الله بن عبد الله نفسه . . . فقد روى ابن سعد ، عن مالك بن أنس ، قال : (جاء علي بن حسين بن علي بن أبي طالب إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يسأله عن بعض الشئ ! ! وأصحابه عنده وهو يصلي ، فجلس حتى فرغ من صلاته ثم أقبل عليه عبيد الله . فقال أصحابه : أمتع الله بك ، جاءك هذا الرجل وهو ابن ابنة رسولي الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وفي موضعه ، يسألك عن بعض الشئ ! ! فلو أقبلت عليه فقضيت حاجته تم أقبلت على ما أنت فيه ! فقال عبيد الله لهم : أيهات ! لا بد لمن طلب هذا الشأن من أن يتعنى ! !) (110) .
(107) تهذيب التهذيب 11 / 44 . (108) هو : محمد بن إدريس الرازي ، أحد كبار الأئمة الحفاظ المعتمدين في الجرح والتعديل . توفي سنة 207 ه تقريبا . توجد ترجمته في : تذكرة الحفاظ 2 / 567 ، تاريخ بغداد 3 / 73 وغير هما من المصادر الرجالية . (109) تهذيب التهذيب 10 / 314 . (110) طبقات ابن سعد 5 / 215 .
(43)
وأما الحديث عن مسروق بن ، الأجدع عن عائشة :
ففيه :
1 - (أبو وائل) وهو (شقيق بن سلمة) يرويه عن (مسروق) وقد قال عاصم بن بهدلة : (قيل لأبي وائل : أيهما أحب إليك :
علي أو عثمان ؟ قال : كان علي أحب إلي ثم صار عثمان ! !) (111) .
2 - (نعيم بن أبي هند) يرويه عن (أبي وائل) عند النسائي وأحمد بن حنبل . و (نعيم) قد عرفته سابقا . ثم إن في إحدى طريقي أحمد عن (نعيم) المذكور : (شبابة بن سوار) وقد ذكروا بترجمته أنه كان يرى الإرجاء ويدعو إليه ، فتركه أحمد وكان يحمل عليه ، وقال أبو حاتم : لا يحتج بحديثه (112) وقد أورده السيوطي في الفائدة المذكورة ، وحكى ابن حجر بترجمته ما يدل على بغضه لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم (113) .
هذا ، ويبقى الكلام في عائشة نفسها . . . فقد وجدناها تريد كل شأن وفضيلة لنفسها وأبيها ومن تحب من قرابتها وذويها . . . فكانت إذا رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلاقي المحبة من إحدى زوجاته ويمكث عندها ثارت عليها . . . كما فعلت مع زينب بنت جحش ، إذ تواطأت مع حفصة أن أيتهما دخل عليها النبي ملى الله عليه وآله وسلم فلتقل : (إني لأجد منك ريح مغافير حتى يمتنع عن أن يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلا) (114) .
وإذا رأته يذكر خديجة عليها السلام بخير ويثني عليها قالت : (ما أكثر ما
(111) تهذيب التهذيب 4 / 317 . (112) تهذيب التهذيب 4 / 264 ، تاريخ بغداد 9 / 295 . (113) تهذيب التهذيب 4 / 265 . (114) هذه من القضايا المشهورة فراجع كتب الحديث والتفسير بتفسير سورة التحريم .
(44)
تذكر حمراء الشدق ؟ ! قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها) (115) .
وإذا رأته مقدما على الزواج من امرأة حالت دون ذلك بالكذب والخيانة ، فقد حدثت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أرسلها لتطلع على امرأة من كلب قد خطبها فقالت لعائشة : (كيف رأيت ؟ قالت : ما رأيت طائلا ! فقال : لقد رأيت خالا بخدها اقشعر كل شعرة منك على حدة فقالت : ما دونك من سر) (116) .
ولقد ارتكبت ذلك حتى بتوهم زواجه صلى الله عليه وآله وسلم . . . فقد ذكرت : أن عثمان جاء النبي في نحر الظهيرة . قالت : فظننت أنه جاءه في أمر النساء ، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه) (117) .
أما بالنسبة إلى من تكرهه . . . فكانت حربا شعواء . . . من ذلك مواقفها من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . . . فقد (جاء رجل فوقع في علي وفي عمار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة . فقالت : أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا . وأما عمار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشد هما) (118) .
بل كانت تضع الحديث تأييدا ودعما لجانب المناوئين له عليه السلام . . . فقد قال النعمان بن بشير : كتب معي معاوية إلى عائشة قال : فقدمت على عائشة فدفعت إليها كتاب معاوية . فقالت : يا بني ألا أحدثك بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قلت : بلى . قالت : فإني كنت وحفصة يوما من ذاك عند رسول الله . فقال : لو كان عندنا رجل يحدثنا .
(115) مسند أحمد 6 / 117 . (116) طبقات ابن سعد 8 / 115 ، كنز العمال 6 / 294 . (117) مسند أحمد 6 / 114 (118) مسند أحمد 6 / 113 .
(45)
فقلت : يا رسول الله ، ألا أبعث لك إلى أبي بكر ؟ فسكت . ثم قال : لو كان عندنا رجل يحدث . فقالت حفصة : ألا أرسل لك إلى عمر ؟ فسكت . ثم قال : لا . ثم دعا رجلا فساره بشئ ، فما كان إلا أقبل عثمان ، فأقبل بوجهه وحديثه فسمعته يقول له : يا عثمان ، إن الله عز وجل لعله أن يقمصك قميصا ، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه . ثلاث مرار . فقلت : يا أم المؤمنين ، فأين كنت عن هذا الحديث ؟ ! فقالت : يا بني ، والله لقد أنسيته حتى ما ظننت أني سمعته) (119) .
قال النعمان بن بشير : (فأخبرته معاوية بن أبي سفيان . فلم يرض بالذي أخبرته ، حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به . فكتبت إليه به كتابا) (120) .
فانظر كيف أيدت - في تلك الأيام - معاوية على مطالبته الكاذبة بدم عثمان ! وكيف اعتذرت عن تحريضها الناس على قتل عثمان ! ولا تعقل عن كتمها اسم الرجل الذي دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بعد أن أبى عن الإرسال خلف أبي بكر وعمر - وهو ليس إلا أمير المؤمنين عليه السلام . . . ولكنها لا تطيب نفسا بعلي كما قال ابن عباس ، وسيأتي . فإذا كان هذا حالها وحال رواياتها في الأيام العادية . . . فإن من الطبيعي أن تصل هذه الحالة فيها إلى أعلى درجاتها في الأيام والساعات الأخيرة من حياة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأن تكون أخبارها عن أحواله في تلك الظروف أكثر حساسية . . . فتراها تقول : (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال رسول الله لعبد الرحمن ابن أبي بكر : إيتني بكتف ولوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه . فلما
(119) مسند أحمد 6 / 149 . (120) مسند أحمد 6 / 87 .
(46)
ذهب عبد الرحمن ليقوم قال : أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر) (121) .
وتقول : (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة . فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس) . وتقول : (قبض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ورأسه بين سحري ونحري) (122) .
تقول هذا وأمثاله . . . لكن عندما يأمر صلى الله عليه وآله وسلم بأن يدعى له علي لا يمتثل أمره ، بل يقترح عليه أن يدعى أبو بكر وعمر ! يقول ابن عباس : (لما مرض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ، فقال : ادعو لي عليا . قالت عائشة : ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعو قالت حفصة : يا رسول الله ، ندعو لك عمر ؟ قال : ادعوه . قالت أم الفضل : يا رسول الله ، ندعو لك العباس ؟ قال : ادعوه فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليا فسكت . فقال عمر : قوموا عن رسول الله . . .) (123) .
وعندما يخرج إلى الصلاة - وهو يتهادى بين رجلين - تقول عائشة : (خرج يتهادى بين رجلين أحدهما العباس) فلا تذكر الآخر . فيقول ابن عباس : (هو علي ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير) (124) .
فإذا عرفناها تبغض عليا إلى حد لا تقدر أن تذكره بخير ، ولا تطيب نفسها به . . . وتحاول إبعاده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . وتدعي لأبيها
(121) مسند أحمد 6 / 47 . (122) مسند أحمد 6 / 121 . (123) مسند أحمد 1 / 356 . (124) عمدة القاري 5 / 191 .
(47)
ولنفسها ما لا أصل له . . . بل لقد حدثت أم سلمة بالأمر الواقع فقالت :
(والذي أحلف به ، إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . قالت : عدنا رسول الله غداة بعد غداة فكان يقول : جاء علي ؟ ! ! - مرارا - قالت : أظنه كان بعثه في حاجة قالت : فجاء بعد ، فظننت أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، فقعدنا عند الباب ، فكنت أدناهم إلى الباب ، فأكب عليه علي فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض رسول الله . . . (125) .
إذا عرفنا هذا كله - وهو قليل من كثير - استيقنا أن خبرها في أن صلاة أبيها كان بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج فصلى خلفه - كما في بعض الأخبار عنها - . . . من هذا القبيل . . . ومما يؤكد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية وهي واحدة . . . كما سنرى عن قريب . . .
(125) مسند أحمد 6 / 300 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 138 ، ابن عساكر 3 / 16 ، الخصائص : 130 وغيرها .
(48)
(3) تأملات في متن الحديث ومدلوله
قد عرفت أن الحديث بجميع طرقه وأسانيده المذكورة ساقط عن الاعتبار . . .
فإن قلت : إنه مما اتفق عليه أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرهم ، ورووه عن جمع من الصحابة ، فكيف تقول بسقوطه بجميع طرقه ؟
قلت : أولا : لقد رأيت في (النظر في الأسانيد والطرق) أن رجال أسانيده مجروحون بأنواع الجرح ولم نكن نعتمد في (النظر) إلا على أشهر كتب القوم في الجرح والتعديل ، وعلى كلمات أكابر علمائهم في هذا الباب . وثانيا : إن الذي عليه المحققون من علماء الحديث والرجال والكلام أن الكتب الستة فيها الصحيح والضعيف والموضوع ، وإن الصحابة فيهم العدل والمنافق والفاسق . . . وهذا ما حققناه في بعض بحوثنا (126) .
نعم ، المشهور عندهم القول بأصالة العدالة في الصحابة ، والقول بصحة ما أخرج في كتابي البخاري ومسلم . . . أما بالنسبة إلى حديث (صلاة أبي بكر) فلم أجد أحدا يطعن فيه ، لكن لا لكونه في الصحاح ، بل الأصل في قبوله وتصحيحه كونه من أدلة خلافة أبي بكر عندهم ، ولذا تراهم يستدلون به في الكتب الكلامية وغيرها :
من كلمات المستدلين بالحديث على الإمامة :
قال القاضي عضد الدين الإيجي - في الأدلة الدالة على إمامة أبي بكر - : (الثامن : إنه صلى الله عليه (وآله) وسلم استخلف أبا بكر في الصلاة وما
(126) راجع الفصل الأخير من كتابنا (التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف) .
(49)
عزله فيبقى إماما فيها ، فكذا في غيرها ، إذ لا قائل بالفصل ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : قدمك رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في أمر ديننا ، أفلا نقدمك في أمر دنيانا ؟ ! (127) .
وقال الفخر الرازي - في حجج خلافة أبي بكر - : (الحجة التاسعة : إنه عليه السلام استخلفه على الصلاة أيام مرض موته وما عزله عن ذلك ، فوجب أن يبقى بعد موته خليفة له في الصلاة ، وإذا ثبت خلافته في الصلاة ثبت خلافته في سائر الأمور ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق) (128) .
وقال الأصفهاني : (الثالث : النبي استخلف أبا بكر في الصلاة أيام مرضه ، فثبت استخلافه في الصلاة بالنقل الصحيح ، وما عزل النبي أبا بكر عن خلافته في الصلاة ، فبقي كون أبي بكر خليفة في الصلاة بعد وفاته ، وإذا ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في الصلاة ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في غير الصلاة لعدم القائل بالفصل) (129) .
وقال النيسابوري صاحب التفسير ، بتفسير آية الغار : (استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه وظاهره ، وإلا لم يعتمد عليه الرسول في مثل تلك الحالة . وإنه كان ثاني رسول الله في الغار . وفي العلم لقوله صلى الله عليه (وآله) وسلم ما صب في صدري شئ إلا وصببته في صدر أبي بكر (130) .
وفي الدعوة إلى الله ، لأنه عرض الإيمان أولا على أبي بكر فآمن ، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان
(127) هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام قطعا ، والذي جاء به . . . مرسلا كما في الإستيعاب 3 / 971 هو الحسن البصري المعروف بالارسال والتدليس والانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام ! ! (128) الأربعين : 284 . (129) شرح طوالع الأنوار ، في علم الكلام : مخطوط . (130) هذا من أحاديث سلسلتنا هذه إن شاء الله تعالى .
(50)
وجماعة أخرى من أجلة الصحابة ، وكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل . وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة . . .) (131) .
وقال الكرماني بشرح الحديث : (فيه فضيلة لأبي بكر ، وترجيحه على جميع الصحابة ، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من غيره) (132) .
وقال العيني :
(ذكر ما يستفاد منه ، وهو على وجوه : الأول : فيه دلالة على فضل أبي بكر . الثاني : فيه أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ، وكانت في هذه الإمامة التي هي الصغرى دلالة على الإمامة الكبرى . الثالث : فيه أن الأحق بالإمامة هو الأعلم) (133) . وقال النووي : (فيه فوائد : منها : فضيلة أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم غيره ، وأن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم ، وإنه لا يستخلف إلا أفضلهم . ومنها : فضيلة (134) عمر بعد أبي بكر لأن أبا بكر لم يعدل إلى غيره) (135) . وقال المناوي بشرحه : (تنبيه : قال أصحابنا في الأصول : يجوز أن يجمع عن قياس ، كإمامة أبي
(131) تفسير النيسابوري . سورة التوبة . (132) الكواكب الدراري - شرح البخاري 5 / 52 . (133) عمدة القاري - شرح البخاري 5 / 187 - 188 . (134) وذلك لأن أبا بكر قال لعمر : صل بالناس . . . وكأن أقوال أبي بكر وأفعاله حجة ؟ ! على أنهم وقعوا في إشكال صن هذه الناحية ، كما ستعرف ! (135) المنهاج ، شرح صحيح مسلم ، هامش إرشاد الساري 3 / 56 .
(51)
بكر هنا ، فإن الصحب أجمعوا على خلافته - وهي الإمامة العظمى - ومستندهم القياس على الإمامة الصغرى ، وهي الصلاة بالناس بتعيين المصطفى) (136)
وفي (فواتح الرحموت - شرح مسلم الثبوت) في مبحث الإجماع :
(مسألة : جاز كون المستند قياسا . خلافا للظاهرية وابن جرير الطبري ، فبعضهم منع الجواز عقلا ، وبعضهم منع الوقوع وإن جاز عقلا . والآحاد أي أخبار الآحاد قيل كالقياس اختلافا . لنا : لا مانع . . . وقد وقع قياس الإمامة الكبرى وهي الخلافة العامة على إمامة الصلاة . . . والحق أن أمره إياه بإمامة الصلاة كان إشارة إلى تقدمه في الإمامة الكبرى على ما يقتضيه ما في صحيح مسلم . . .) (137) .
لكنك قد عرفت أن الحديث ليس له سند معتبر في الصحاح فضلا عن غيرها ، ومجرد كونه فيها - وحتى في كتابي البخاري ومسلم - لا يغني - عن النظر في سنده . . وعلى هذا فلا أصل لجميع ما ذكروا ، ولا أساس لجميع ما بنوا . . . في العقائد وفي الفقه وفي علم الأصول . . . لا دلالة للاستخلاف في إمامة الصلاة على الخلافة : وعلى فرض صحة حديث أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بالصلاة في مقامه . . . فإنه لا دلالة لذلك على الإمامة الكبرى والخلافة العظمى . . . لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج عن المدينة ترك فيها من يصلي بالناس . . . بل إنه استخلف - فيما يروون - ابن أم مكتوم للإمامة وهو أعمى ، وقد عقد أبو داود في (سننه) بابا بهذا العنوان فروى فيه هذا الخبر . . . وهذه عبارته : (باب إمامة الأعمى حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري أبو عبد الله ، ثنا ابن مهدي ، ثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم استخلف ابن
(136) فيض القدير - شرح الجامع الصغير 5 / 521 . (137) فواتح الرحموت - شرح مسلم الثبوت ، في علم الأصول 2 / 239 هامش المستصفى للغزالي .
(52)
أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى) (138) . . . فهل يقول أحد بإمامة . . . ابن أم مكتوم لأنه استخلفه في الصلاة ؟ !
ولقد اعترف بما ذكرنا ابن تيمية - الملقب ب (شيخ الاسلام) - حيث قال : (الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد لكل ولي أمر ، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد الموت ، فإن النبي استخلف غير واحد ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته ، كما استعمل ابن أم مكتوم الأعمى في حياته وهو لا يصلح للخلافة بعد موته ، وكذلك بشير بن عبد المنذر وغيره) (139) .
بل لقد رووا أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف وهو - لو صح - لم يدل على استحقاقه الخلافة من بعده ، ولذا لم يدعها أحد له . . . لكنه حديث باطل لمخالفته للضرورة القاضية بأن النبي لا يصلي خلف أحد من أمته . . . فلا حاجة إلى النظر في سنده . وعلى الجملة ، فإنه لا دلالة لحديث أمر أبي بكر بالصلاة ، ولا لحديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم خلفه حتى لو تم الحديثان سندا . . . وأما سائر الدلالات الاعتقادية والفقهية والأصولية . . . التي يذكرونها مستفيدين إياها من حديث الأمر بالصلاة في الشروح والتعاليق . . . فكلها متوقفة على ثبوت أصل القضية وتمامية الأسانيد الحاكية لها . . . وقد عرفت أن لا شئ من تلك الأسانيد بصحيح ، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه أبا بكر بالصلاة في موضعه غير ثابت . . .
وجوه كذب أصل القضية :
بل الثابت عدمه . . . وذلك لوجوه عديدة يستخرجها الناظر المحقق في القضية
(138) سنن أبي داود 1 / 98 . (139) منهاج السنة 4 / 91 .
(53)
وملابساتها من خلال كتب الحديث والتاريخ والسيرة . . وهي وجوه قوية معتمدة ، تفيد - بمجموعها - أن القضية مختلقة من أصلها ، وأن الذي أمر أبا بكر بالصلاة في مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام مرضه ليس النبي بل غيره . . . فلنذكر تلك الوجوه باختصار :
1 - كون أبي بكر في جيش أسامة :
لقد أجمعت المصادر على قضية سرية أسامة بن زيد ، وأجمعت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر مشايخ القوم : أبا بكر وعمرو . . . بالخروج معه . . . وهذا أمر ثابت محقق . . . وبه اعترف ابن حجر العسقلاني في (شرح البخاري) وأكده بشرح (باب بعث النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنهما في مرضه الذي توفي فيه) فقال : (كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بيومين . . . فبدأ برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وجعه في اليوم الثالث ، فعقد لأسامة لواء بيده ، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرب ، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ، فتكلم في ذلك قوم . . . ثم اشتد برسول الله وجعه فقال : أنفذوا بعث أسامة) . وقد روي ذلك عن الواقدي وابن سعد وابن إسحاق وابن الجوزي وابن عساكر . . . . . . (140) .
فالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر بخروج أبي بكر مع أسامة ، وقال في آخر لحظة من حياته : (أنفذوا بعث أسامة) بل في بعض المصادر (لعن الله من تخلف عن بعث أسامة) (141) .
(140) فتح الباري 8 / 124 . (141) الملل والنحل 1 / 29 لأبي الفتح الشهرستاني ، المتوفى سنة 548 ه ، توجد ترجمته والثناء عليه في : وفيات الأعيان 1 / 610 ، تذكرة الحفاظ 4 / 104 طبقات الشافعية للسبكي 4 / 78 ، شذرات الذهب 4 / 149 ، مرآة الجنان 3 / 289 وغيرها .
(54)
هذا أولا .
وثانيا : لقد جاء في صريح بعض الروايات كون أبي بكر غائبا عن المدينة ، ففي (سنن أبي داود عن ابن زمعة) : (وكان أبو بكر غائبا ، فقلت : يا عمر ، قم فصل بالناس) . وثالثا : في كثير من ألفاظ الحديث (فأرسلنا إلى أبي بكر) ونحو ذلك ، مما هو ظاهر في كونه غائبا . وعلى كل حال فالنبي الذي بعث أسامة ، وأكد على بعثه ، بل لعن من تخلف عنه . . . لا يعود فيأمر بعض من معه بالصلاة بالناس ، وقد عرفت أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم إذا غاب أو لم يمكنه الحضور للصلاة استخلف واحدا من المسلمين وإن كان ابن أم مكتوم الأعمى !
2 - التزامه بالحضور للصلاة بنفسه ما أمكنه :
وكما ذكرنا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يستخلف للصلاة إلا في حال خروجه عن المدينة ، أو في حال لم يمكنه الخروج معها إلى الصلاة . . . وإلا فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ملتزما بالحضور بنفسه . . . ويدل عليه ما جاء في بعض الأحاديث أنه لما ثقل قال : (أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك . قال : ضعوا لي ماء . . .) فوضعوا له ماء فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عليه (142) وهكذا إلى ثلاث مرات . . . وفي هذه الحالة صلى أبو بكر بالناس ، فهل كانت بأمر منه ؟ ! بل في بعض الأحاديث أنه كان إذا لم يخرج لعارض حضره المسلمون إلى البيت فصلوا خلفه : فقد أخرج مسلم عن عائشة ، قالت : (اشتكى رسول الله صلى الله عليه
(142) في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغمى عليه - بها للكلمة من المعنى الحقيقي - أولا ، كلاما بين العلماء لا نتعرض إليه لكونه بحثا عقائديا ليس هذا محله .
(55)
وآله) وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جالسا فصلوا بصلاته قياما) (143) .
وعن جابر : (اشتكى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره) (144) . وأخرج أحمد عن عائشة : (أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم صلى في مرضه وهو جالس وخلفه قوم . . .) (145) .
ويشهد لما ذكرنا - من ملازمته للحضور إلى المسجد والصلاة بالمسلمين بنفسه - ما جاء في كثير من أحاديث القصة من أن بلالا دعاه إلى الصلاة ، أو آذنه بالصلاة ، فهو كان يجئ متى حان وقت الصلاة إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ويعلمه بالصلاة ، فكان يخرج بأبي هو وأمي بنفسه - وفي أي حال من الأحوال كان - إلى الصلاة ويصلي بالناس .
3 - استدعاؤه عليا عليه السلام :
فأبو بكر وغيره كانوا بالجرف . . . الموضع الذي عسكر فيه أسامة خارج ا لمدينة . . . وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالمسلمين . . . وعلي عنده . . . إذ لم يذكر أحد أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم أمره بالخروج مع أسامة . . . حتى اشتد به الوجع . . . ولم يمكنه الخروج . . . فقال بلال : (يا رسول الله ، بأبي وأمي من يصلي بالناس ؟) (146) . . . هناك دعا عليا عليه السلام . . . قائلا : (ادعو لي عليا) قالت عائشة : (ندعو لك أبا بكر ؟) وقالت حفصة : (ندعوا لك عمر ؟) . . .
(143) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري 3 / 51 . (144) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري 3 / 51 . (145) مسند أحمد 6 / 57 . (146) مسند أحمد 3 / 202 .
(56)
فما دعي علي ولكن القوم حضروا أو أحضروا ! ! (فاجتمعوا عنده جميعا . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انصرفوا . فإن تك لي حاجة أبعث إليكم ، فانصرفوا) (147) .
إنه كان يريد عليا عليه السلام ولا يريد أحدا من القوم ، وكيف يريدهم وقد أمرهم بالخروج مع أسامة ، ولم يعدل عن أمره ؟ !
4 - أمره بأن يصلي بالمسلمين أحدهم :
فإذ لم يحضر علي ، ولم يتمكن من الحضور للصلاة بنفسه ، والمفروض خروج المشايخ وغيرهم إلى جيش أسامة ، أمر بأن يصلي بالناس أحدهم . . . وذاك ما أخرجه أبو داود عن ابن زمعة فقال : (لما استعز برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة . فقال : مروا من يصلي بالناس) . وفي حديث أخرجه ابن سعد عنه قال : (عدت رسول الله في مرضه الذي توفي فيه ، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لي رسول الله : مر الناس فليصلوا . قال عبد الله : فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم ، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه ، وكان أبو بكر غائبا ، فقلت له : صل بالناس يا عمر . فقام عمر في المقام . . . فقال عمر : ما كنت أظن حين أمرتني إلا أن رسولي الله أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما صليت بالناس . فقال عبد الله : لما لم أر أبا بكر رأيتك أحق من غيره بالصلاة) (148) .
وفي خبر عن سالم بن عبيد الأشجعي قال : (إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لما اشتد مرضه أغمي عليه ، فكان كلما أفاق قال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا
(147) تاريخ الطبري 2 / 439 . (148) الطبقات الكبرى 2 / 220 .
(57)
بلالا فليصل بالناس) (149) .
وقد كان من قبل قد استخلف ابن أم مكتوم - وهو مؤذنه - في الصلاة بالناس كما عرفت .
5 - قوله : إنكن لصويحبات يوسف :
وجاء في الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة وحفصة : (إنكن لصويحبات يوسف !) وهو يدل على أنه قد وقع من المرأتين - مع الالحاح الشديد والحرص الأكيد - ما لا يرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم . . . فما كان ذلك ؟ ومتى كان ؟ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عجز عن الحضور للصلاة بنفسه ، وطلب عليا فلم يدع له - بل وجد الالحاح والاصرار من المرأتين على استدعاء أبي بكر وعمر - ثم أمر من يصلي بالناس - والمفروض كون المشايخ في جيش أسامة - أغمي عليه - كما في الحديث - وما أفاق إلا والناس في المسجد وأبو بكر يصلي بهم . . . فعلم أن المرأتين قامتا بما كانتا ملحتين عليه . . . فقال : (إنكن لصويحبات يوسف) ثم بادر إلى الخروج معجلا معتمدا على رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض . . . كما سيأتي . فمن تشبيه حالهن بحال صويحبات يوسف يعلم ما كان في ضميرهن ، ويستفاد عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم يفعلهن مضافا إلى خروجه . . . فلو كان هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة لما رجع باللوم عليهن ، ولا بادر إلى الخروج وهو على تلك الحال . . . ولكن شراح الحديث - الذين لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة - اضطربوا
(149) بغية الطلب في تاريخ حلب . مخطوط . الورقة 194 ، لكمال الدين ابن العديم الحنفي ، المتوفى سنة 660 ه . ترجم له الذهبي واليافعي وابن العماد في تواريخهم وأثنوا عليه . وقال ابن شاكر الكتبي : (كان محدثا فاضلا حافظا مؤرخا صادقا فقيها مفتيا منشئا بليغا كاتبا محمودا) فوات الوفيات 2 / 220 .
(58)
في شرح الكلمة ومناسبتها للمقام :
قال ابن حجر : (إن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك هو أن لا يتشاءم الناس به ، وقد صرحت هي فيما بعد بذلك . وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال : إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن) (150) .
قلت : لكنه كلام بارد ، وتأويل فاسد . أما أولا : ففيه اعتراف بأن قول عائشة : (إن أبا بكر رجل أسيف فمر عمر أن يصلي بالناس) مخالفة للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ورد عليه منها ، بحيث لم يتحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا الكلام . وأما ثانيا : فلأنه لا يتناسب مع فصاحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته ، إذ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده ، وإنما كان يضع المثل في موضعه . . . ولا ريب أن صويحبات يوسف إنما عصين الله بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف ما أرادته الأخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها ، فلو كانت عائشة قد دفعت النبي عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام الجليل له ، ولم تفتتن بمحبة الرئاسة وعلو المقام ، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه ، وهو أجل من ذلك ، فإنه نقص . . . وحينئذ يثبت أن ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لمخالفة المرأة وتقديمها بالأمر - بغير إذن منه صلى الله عليه وآله وسلم - لأبيها ، لأنها مفتونة بمحبة الاستطاعة والرغبة في تحصيل الفضيلة واختصاصها وأهلها بالمناقب كما قدمناه في بيان طرف من أحوالها . وأما ثالثا : فقد جاء في بعض الأخبار أنه لما قالت عائشة : (إنه رجل رقيق فمر عمر) لم يجبها بتلك الكلمة بل قال : (مروا عمر) (151) ومنه يظهر أن السبب
(150) فتح الباري 2 / 120 . (151) تاريخ الطبري 2 / 439 .
(59)
في قوله ذلك لم يكن قولها : (إنه رجل أسيف) .
وقال النووي بشرح الكلمة : (أي : في التظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه ، وفي مراجعة عائشة : جواز مراجعة ولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والإشارة بما يظهر أنه مصلحة وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة ، ومثل هذه المراجعة مراجعة عمر في قوله : لا تبشرهم فيتكلوا . وأشباهه كثيرة مشهورة) (152) .
قلت : وهذا أسخف من سابقه ، وجوابه يظهر مما ذكرنا حوله ، ومن الغريب استشهاده لعمل عائشة بعمل عمر ومعارضته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم في مواقف كثيرة ! ! ومما يؤكد ما ذكرنا من عدم تمامية ما تكلفوا به في بيان وجه المناسبة ، أن بعضهم - كابن العربي المالكي - التجأ إلى تحريف الحديث حتى تتم المناسبة ، فإنه على أساس تحريفه تتم بكل وضوح ، لكن الكلام في التحريف الذي ارتكبه . . . وسنذكر نص عبارته فانتظر .
6 - تقديم أبي بكر عمر :
ثم إنه قد جاء في بعض تلك الأحاديث المذكورة تقديم أبي بكر لعمر - بل ذكر ابن حجر أن إلحاح عائشة كان بطلب من أبيها أبي بكر (153) - . . . وقد وقع القول من أبي بكر - قوله لعمر : صل بالناس - موقع الإشكال كذلك ، لأنه لو كان الآمر بصلاة أبي بكر هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقول أبو بكر لعمر : صل بالناس ؟ ! فذكروا فيه وجوها : أحدها : ما تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا .
(152) المنهاج بشرح صحيح مسلم ، هامش القسطلاني 3 / 60 . (153) فتح الباري 1 / 123 .
(60)
والثاني : ما اختاره النووي - بعد الرد على الأول - وهو أنه قاله للعذر المذكور ، أي كونه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يسمع الناس ! والثالث : ما احتمله ابن حجر ، وهو : أن يكون فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى ، وعلم ما في تحملها من الخطر ، وعلم قوة عمر على ذلك فاختاره) (154) .
وهذه الوجوه ذكرها الكرماني قائلا : (فإن قلت : كيف جاز للصديق مخالفة أمر الرسول ونصب الغير للإمامة ؟ ! قلت : كأنه فهم أن الأمر ليس للإيجاب . أو أنه قاله للعذر المذكور ، وهو أنه رجل رقيق كثير البكاء لا يملك عينه . وقد تأوله بعضهم بأنه قال تواضعا) (155) .
قلت : أما الوجه الأول فتأويل - وهكذا أولوا قوله عندما استخلفه الناس وبايعوه : (وليتكم ولست بخيركم) (156) - لكنه - كما ترى - تأويل لا يلتزم به ذو مسكة ، ولذا قال النووي : (وليس كذلك) . وأما الوجه الثاني فقد عرفت ما فيه من كلام النبي . وأما الوجه الثالث فأظرف الوجوه ، فإنه احتمال أن يكون فهم أبو بكر ! ! الإمامة العظمى ! ! وعلم ما في تحملها من الخطر ؟ ! علم قوة عمر على ذلك فاختاره ! ولم يعلم النبي بقوة عمر على ذلك فلم يختره ! ! وإذا كان علم من عمر ذلك فعمر أفضل منه وأحق بالإمامة العظمى ! ! لكن الوجه الوجيه أنه كان يعلم بأن الأمر لم يكن من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم ، وعمر كان يعلم - أيضا - بذلك ، ولذا قال له في الجواب : (أنت أحق بذلك) ، وقوله لعمر : (صل بالناس) يشبه قوله للناس في السقيفة : (بايعوا أي الرجلين شئتم) يعني : عمر وأبا عبيدة . . .
(154) فتح الباري 1 / 123 . (155) الكواكب الدراري - شرح البخاري 5 / 70 . (156) طبقات ابن سعد 3 / 182 .
(61)
7 - خروجه معتمدا على رجلين :
إنه وإن لم يتعرض في بعض ألفاظ الحديث إلى خروج النبي إلى الصلاة أصلا وفي بعضها إليه ولكن بلا ذكر لكيفية الخروج . . . إلا أن في اللفظ المفصل - وهو خبر عبيد الله عن عائشة ، حيث طلب منها أن تحدثه عن مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - جاء : (ثم إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج بين رجلين أحدهما العباس) . وفي حديث آخر عنها : (وخرج النبي يهادي بين رجلين ، كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض) . وفي ثالث : (فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة ، فقام يهادي بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد) . وفي رابع : (فوجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من نفسه خفة ، فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس) . وفي خامس : (فخرج أبو بكر فصلى بالناس ، فوجد رسول الله من نفسه خفة ، فخرج يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض) . أقول : هنا نقاط نلفت إليها الأنظار على ضوء هذه الأخبار :
1 - متى خرج أبو بكر إلى الصلاة ؟
إنه خرج إليها والنبي في حال غشوة ، لأنه لما وجد من نفسه خفة خرج معتمدا على رجلين . . .
2 - متى خرج رسول الله ؟
إنه خرج عند دخول أبي بكر في الصلاة ، فهل كانت الخفة التي وجدها في نفسه في تلك اللحظات صدفة بأن رأى نفسه متمكنا من الخروج فخرج على عادته
(62)
أو أنه خرج عندما علم بصلاة أبي بكر إما بإخبار مخبر ، أو بسماع صوت أبي بكر ؟ إنه لا فرق بين الوجهين من حيث النتيجة ، فإنه لو كان قد أمر أبا بكر بالصلاة في مقامه لما بادر إلى الخروج وهو على الحال التي وصفتها الأخبار !
3 - كيف خرج رسول الله ؟
لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقادر على المشي بنفسه ، ولا كان يكفيه الرجل الواحد بل خرج معتمدا على رجلين ، بل إنهما أيضا لم يكفياه ، فرجلاه كانتا تخطان في الأرض . . . وإن خروجا كهذا - ليس إلا لأمر يهم الإسلام والمسلمين ، وإلا فقد كان معذورا عن الخروج للصلاة جماعة ، كما هو واضح . . . فإن كان خروج أبي بكر إلى الصلاة بأمر منه فقد جاء ليعزله ، كما كان في قضية إبلاغ سورة التوبة حيث أمر أبا بكر بذلك ثم أمر بعزله وذاك من القضايا الثابتة المتفق عليها ، لكنه لم يكن بأمر منه للوجوه التي ذكرناها . . .
4 - على من كان معتمدا ؟
واختلفت الألفاظ التي ذكرناها فيمن كان معتمدا عليهما - مع الاتفاق على كونهما اثنين - فمنها : (رجلين أحدهما العباس) ومنها : (رجلين) ومنها : (فقال : أنظروا لي من أتكئ عليه ، فجاءت بريرة ، ورجل آخر فاتكأ عليهما) . وهناك روايات فيها أسماء أشخاص آخرين . . . ومن هنا اضطربت كلمات الشراح . . . فقال النووي بشرح (فخرج بين رجلين أحدهما العباس) : وفسر ابن عباس الآخر بعلي بن أبي طالب . وفي الطريق الآخر : فخرج ويد له على رجل آخر ، وجاء في غير مسلم : بين رجلين أحدهما أسامة بن زيد . وطريق الجمع بين هذا كله : إنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة تارة هذا وتارة ذاك وذاك ، ويتنافسون في ذلك . وأكرموا العباس باختصاصه يبدو استمرارها له ، لما
(63)
له من السن والعمومة وغيرها ، ولهذا ذكرته عائشة مسمى وأبهمت الرجل الآخر ، إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازما في جميع الطريق ولا معظمه ، بخلاف العباس ، والله أعلم) (157) .
وفي خبر آخر عند ابن خزيمة عن سالم بن عبيد : (فجاءوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما ثم خرج إلى الصلاة) (158) .
ترى أن (الرجل الآخر) في جميع هذه الطرق غير مذكور ، فاضطر النووي إلى ذكر توجيه لذلك ، بعد أن ذكر طريق الجمع بين ذلك كله ، لئلا يسقط شئ منها عن الاعتبار ! ! بعد أن كانت القضية واحدة . . . وروى أبو حاتم أنه خرج بين جاريتين ، فجمع بين الخبرين بأنه (خرج بين الجاريتين إلى الباب ، ومن الباب أخذه العباس وعلي ، حتى دخلا به المسجد) (159) .
لكن خبر خروجه بين جاريتين وهم صدر من الذهبي أيضا (160) .
وذكر العيني الجمع الذي اختاره النووي قائلا : (وزعم بعض الناس) ثم أشكل عليه بقوله : (فإن قلت : ليس بين المسجد وبيته مسافة تقتضي التناوب . . .) فأجاب بقوله : (قلت : يحتمل أن يكون ذلك لزيادة في إكرامه أو لالتماس البركة من يده) (161) .
وأنت تستشم من عبارته (وزعم بعض الناس) ثم من الإشكال والجواب عدم ارتضائه لما قاله النووي وكذلك ابن حجر رد - كما ستعلم - على ما ذكره النووي بما جاء في رواية معمر : (ولكن عائشة لا تطيب نفسا له بخير) ورواية الزهري : (ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير) .
(157) المنهاج شرح مسلم هامش إرشاد الساري 3 / 57 . (158) عمدة القاري 5 / 187 . (159) عمدة القاري 5 / 187 . (160) عمدة القاري 5 / 190 . (161) عمدة القاري 5 / 187 .
(64)
والتحقيق : إن القضية واحدة ، و (الرجل الآخر) هو علي عليه السلام (ولكن عائشة . . .) أما ما ذكره النووي فقد عرفت ما فيه ، وقد أورد العيني ما في رواية معمر والزهري تم قال : (وقال بعضهم : وفي هذا رد على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة ولا معظمها) قال العيني : (أشار بهذا إلى الرد على النووي ولكنه ما صرح باسمه لاعتنائه به ومحاماته له) (162) .
قلت : والعيني أيضا لم يذكر اسم القائل وهو ابن حجر ، ولا نص عبارته لشدتها ، ولنذكرها كاملة ، فإنه كما لم يصرح باسم النووي كذلك لم يصرح باسم الكرماني الذي اكتفى هنا بأن قال : (لم يكن تحقيرا أو عداوة ، حاشاها من ذلك) (163) وهي هذه بعد روايتي معمر والزهري : (وفي هذا رد على من تنطع فقال : لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة ، ورد من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة . . . وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس ، وأختص بذلك إكراما له . وهذا توهم ممن قاله ، والواقع خلافه ، لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي فهو المعتمد) (164) .
إلا أن من القوم من حملته العصبية لعائشة على أن ينكر ما جاء في رواية معمر والزهري ، وقد أجاب عن ذلك ابن حجر حاملا الإنكار على الصحة فقال : (ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة) (165) .
8 - حديث صلاته خلف أبي بكر :
وحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتم في تلك الصلاة بأبي بكر - بالإضافة إلى أنه في نفسه كذب كما سيأتي - دليل آخر على أن ، أصل القضية - أعني أمره أبا
(162) عمدة القاري 5 / 191 . (163) الكواكب الدراري 5 / 52 . (164) فتح الباري 2 / 123 . (165) فتح الباري 2 / 123 .
(65)
بكر بالصلاة - كذب . . . وبيان ذلك :
9 - وجوب تقديم الأقرأ :
o
هذا ، وينافي حديث الأمر بالصلاة منه صلى الله عليه وآله وسلم ما ثبت عنه من وجوب تقديم الأقرأ في الإمامة إذا استووا في القراءة ، وفي الصحاح أحاديث متعددة دالة على ذلك ، وقد عقد البخاري (باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم (166) .
وذلك لأن أبا بكر لم يكن الأقرأ الإجماع . . . وهذا أيضا من المواضع المشكلة التي اضطربت فيها كلماتهم : قال العيني : (اختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة فقالت طائفة : الأفقه ، وقال آخرون : الأقرأ) فأجاب عن الإشكال بعدم التعارض : (لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه) قال : (وأجاب بعضهم بأن تقديم الأقرأ كان في صدر الإسلام) (167) .
وقال ابن حجر بشرح عنوان البخاري المذكور : (هذه الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث . ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري . قيل : المراد به الأفقه . وقيل : هو على ظاهره . وبحسب ذلك اختلف الفقهاء ، قال النووي قال أصحابنا : الأفقه مقدم على الأقرأ ، ولهذا قدم النبي أبا بكر في الصلاة على الباقين ، مع أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم نص على أن غيره أقرأ منه - كأنه عنى حديث : أقرؤكم أبي - قال : وأجابوا
(166) صحيح البخاري بشرح العيني 5 / 212 . (167) عمدة القاري 5 / 203 .
(66)
عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه) . قال ابن حجر : (قلت : وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر ، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه) . قال : (ثم قال النووي بعد ذلك : إن قوله في حديث أبي مسعود : فإن كانوا قي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة . يدل على تقديم الأقرأ مطلقا . إنتهى) . قال ابن حجر : (وهو واضح للمغايرة) (168) .
أقول :
فانظر إلى اضطراباتهم وتمحلاتهم في الباب ، وما ذلك كله إلا دليلا على عجزهم عن حل الإشكال ، وإلا فأي وجه لحمل حديث تقديم الأقرأ على (صدر الإسلام) فقط ؟ أو حمله على أن المراد هو (الأفقه) ؟ ! وهل كان أبو بكر الأفقه حقا ؟ ! وأما الوجه الآخر الذي نسبه النووي إلى أصحابه فقد رد عليه ابن حجر . . . وتراهم بالتالي يعترفون بوجوب تقديم الأقرأ أو يسكتون ! ! إن المتفق عليه في كتابي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الإمام في تلك الصلاة . وكذا جاء في حديث غيرهما . . . فهذه طائفة من الأخبار صريحة في دلك . . . وطائفة أخرى فيها بعض الاجمال . . . كالحديث عند النسائي : (وكان النبي بين يدي أبي بكر ، فصلى قاعدا ، وأبو بكر يصلي بالناس ، والناس خلف أبي بكر) . والآخر عن ابن ماجة : (ثم جاء رسول الله حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتى قضى أبو بكر صلاته) . وطائفة ثالثة ظاهرة أو صريحة في صلاته خلف أبي بكر ، كالحديث عند النسائي
(168) فتح الباري 2 / 135 .
(67)
وأحمد : (إن أبا بكر صلى للناس ورسول الله في الصف) والحديث عند أحمد : (صلى رسول الله خلف أبي بكر قاعدا) وعنده أيضا : (وصلى النبي خلفه قاعدا) . ومن هنا كان هذا الموضع من المواضع المشكلة عند الشراح ، حيث اضطربت كلماتهم واختلفت أقوالهم فيه . . . قال ابن حجر : (وهو اختلاف شديد) (169) .
فابن الجوزي وجماعة أسقطوا ما أفاد صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف أبي بكر عن الاعتبار ، بالنظر إلى ضعف سنده ، وإعراض البخاري ومسلم عن إخراجه (170) قال ابن عبد البر : (الآثار الصحاح على أن النبي هو الإمام) (171) وقال النووي : (كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر كان هو الإمام والنبي مقتد به ، لكن الصواب أن النبي كان هو الإمام وقد ذكره مسلم) (172) .
لكن فيه : أنه إن كان دليل الرد ضعف السند ، فقد عرفت أن جميع ما دل على أمره أبا بكر بالصلاة ضعيف ، وإن كان دليل الرد إعراض الشيخين فقد ثبت لدى المحققين أن إعراضهما عن حديث لا يوهنه ، كما أن إخراجهما لحديث لا يوجب قبوله . نعم ، خصوم ابن الجوزي وجماعته ملتزمون بذلك . وعبد المغيث بن زهير وجماعة قالوا : كان أبو بكر هو الإمام أخذا بالأحاديث الصريحة في ذلك قال الضياء المقدسي وابن ناصر : (صح وثبت أنه صلى خلفه مقتديا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية) (173) .
(169) فتح الباري 2 / 120 . (170) لابن الجوزي رسالة في هذا الباب أسماها (آفة أصحاب الحديث) نشرناها لأول مرة بمقدمة وتعاليق هامة سنة 1398 ه . (171) عمدة القاري 5 / 191 . (172) المنهاج ، شرح صحيح مسلم 3 / 52 . (173) عمدة القاري 5 / 191 ، لعبد المغيث رسالة في هذا الباب ، رد عليها ابن الجوزي برسالته المذكورة .
(68)
لكن فيه : أنها أحاديث ضعيفة جدا ، ومن عمدتها ما رواه شبابة بن سوار المدلس المجروح عند المحققين . . . علي أن قولهما : (ثلاث مرات) معارض بقول بعضهم (كان مرتين) وبه جزم ابن حبان (174) وأما رمي المنكرين بالجهل فتعصب . . . والعيني وجماعة على الجمع بتعدد الواقعة ، قال العيني : (روي حديث عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما ، وفيه اضطراب غير قادح . وقال البيهقي ، لا تعارض في أحاديثها ، فإن الصلاة التي كان فيها النبي إماما هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد ، والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها حتى خرج من الدنيا . وقال نعيم بن أبي هند : الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة وليس فيها تعارض ، فإن النبي صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد ، في إحداهما كان إماما وفي الأخرى كان مأموما) (175) .
قلت :
أولا : إن كلام البيهقي في الجمع أيضا مضطرب ، فهو لا يدري الصلاة التي كان فيها إماما أهي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد ! ؟ وكأن المهم عنده أن يجعل الصلاة الأخيرة - يوم الاثنين - صلاته مأموما كي ثبت الإمامة العظمى لأبي بكر بالإمامة الصغرى ! ! وثانيا : إن نعيم بن أبي هند - الذي حكم بصحة كل الأخبار ، وجمع كالبيهقي بالتعدد لكن من غير تعيين لجهله بواقع الأمر ! - رجل مقدوح مجروح لا يعتمد على كلامه كما تقدم في محله . وثالثا : إنه اعترف بوجود الاضطراب في حديث عائشة ، وكذا اعترف بذلك ابن حجر ، ثم ذكر الاختلاف ، وظاهره ترك المطلب على حاله من دون اختيار ، ثم
(174) عمدة القاري 5 / 191 . (175) عمدة القاري 5 / 191 .
(69)
أضاف أنه (اختلف النقل عن الصحابة غير عائشة ، فحديث ابن عباس فيه : أن أبا بكر كان مأموما وحديث أنس فيه : أن أبا بكر كان إماما . أخرجه الترمذي وغيره) (176)
والتحقيق :
إن القصة واحدة لا متعددة ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في تلك الواقعة إلى المسجد ونحى أبا بكر عن المحراب ، وصلى بالناس بنفسه وكان هو الإمام وصار أبو بكر مأموما . . . هذا هو التحقيق بالنظر إلى الوجوه المذكورة ، وفي متون الأخبار ، وفي تناقضات القوم ، وفي ملابسات القصة . . . ثم وجدنا إمام الشافعية يصرح بهذا الذي انتهينا إليه . . . قال ابن حجر : (صرح الشافعي بأنه صلى الله عليه (وآله) وسلم لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة ، وهي هذه التي صلى فيها قاعدا ، وكان أبو بكر فيها أولا إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير) (177) .
ثم إن هذا الذي صرح به الشافعي من أن أبا بكر (صار مأموما يسمع الناس التكبير) مما شق على كثير من القوم التصريح به ، فجعلوا يتبعون أهواءهم في رواية الخبر وحكاية الحال ، فانظر إلى الفرق بين عبارة الشافعي وما جاء مشابها لها في بعض الأخبار ، وعبارة من قال : (فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله وهو جالس ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر) . ومن قال : (فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) .
(176) فتح الباري 2 / 120 . (177) فتح الباري 2 / 138 .
(70)
ومن قال : فصلى قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس ، والناس خلف أبي بكر) . ومن قال : (فكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بأبي بكر) . ومن قال : (جاء رسول الله حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتى قبض أبو بكر صلاته) . إنهم يقولون هكذا كي يوهموا ثبوت نوع إمامة لأبي بكر ! ! وتكون حينئذ كلماتهم مضطربة مشوشة بطبيعة الحال ! ! وبالفعل فقد وقع التوهم . . . واختلف الشراح في القضية وتوهم بعضهم فروعا فقهية ، كقولهم بصحة الصلاة بإمامين ! ! : فقد عقد البخاري : (باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم) وذكر فيه الحديث عن عائشة الذي فيه : (وكان رسول الله يصلي قاعدا ، ويقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) (178) .
وقال العيني بعد الحديث وفيه : (قيل للأعمش : وكان النبي يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه : نعم !) . قال : (استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض وهو مختار الطبري أيضا ، وأشار إليه البخاري - كما يأتي إن شاء الله تعالى - . ورد بأن أبا بكر كان مبلغا ، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته ، والدليل عليه أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم كان جالسا وأبو بكر كان قائما ، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين ، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم) (179) .
أقول : ولذا شرح السيوطي الحديث في الموطأ بقوله : (أي يتعرفون به ما كان النبي يفعله لضعف صوته عن أن يسمع الناس تكبير
(178) صحيح البخاري - بشرح العيني - 5 / 250 . (179) عمدة القاري 5 / 190 .
(71)
الانتقال ، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك) (180) .
ويشهد بذلك الحديث المتقدم عن جابر : (اشتكى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره) . بل لقد عقد البخاري نفسه : (باب من أسمع الناس تكبير الإمام) وأخرج الحديث تحته (181) ! !
10 - لا يجوز لأحد التقدم على النبي :
هذا كله بغض النظر عن أنه لا يجوز لأحد أن يتقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما بالنظر إلى هذه القاعدة المسلمة كتابا وسنة فجميع أحاديث المسألة باطلة ، ولقد نص على تلك القاعدة كبار الفقهاء ، منهم : إمام المالكية وأتباعه ، وعن القاضي عياض إنه مشهور عن مالك وجماعة أصحابه ، قال : وهو أولى الأقاويل (182) وقال الحلبي بعد حديث تراجع أبي بكر عن مقامه : (وهذا استدل به القاضي عياض على أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه صلى الله عليه (وآله) وسلم ، لأنه لا يصح التقدم بين يديه ، في الصلاة ولا في غيرها ، لا لعذر ولا لغيره ، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك ، ولا يكون أحد شافعا له ، وقد قال : أئمتكم شفعاؤكم . وحينئذ يحتاج للجواب عن صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة ، وسيأتي الجواب عن ذلك) (183) .
قلت : يشير بقوله : (وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك) إلى قوله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (184) وقد تبع في ذلك إمامه مالك بن أنس
(180) تنوير الحوالك - شرح موطأ مالك 1 / 156 . (181) فتح الباري 2 / 162 . (182) نيل الأوطار 3 / 195 . (183) السيرة الحبية 3 / 365 (184) سورة الحجرات 49 : 1 .
(72)
كما في فتح الباري (185) لكن من الغريب جدا قول ابن العربي المالكي : قوله تعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أصل في ترك التعرض لأقوال النبي ، وإيجاب أتباعه والاقتداء به ، ولذلك قال النبي في مرضه : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة لحفصة : قولي له : إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، فمر عليا (186) فليصل بالناس ، فقال النبي : إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس . يعني بقوله : صواحب يوسف الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز ، (187)
أقول : إن الرجل يعلم جيدا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتمثل بقوله : (إنكن صواحب يوسف) إلا لوجود فتنة من المرأتين ، فحرف الحديث من (فمر عمر) إلى (فمر عليا) ليتم تشبيه النبي المرأتين بصويحبات يوسف ، لأن المرأتين أرادتا الرد عن الجائز (وهو - صلاة أبي بكر) إلى غير الجائز (وهو صلاة علي !) إذن ، جميع أحاديث المسألة باطلة . أما التي دلت على صلاة النبي خلف أبي بكر فواضح جدا . وأما التي دلت على أنه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام فلاشتمالها على استمرار أبي بكر في الصلاة ، وقد صخ عنه أنه في صلاته بالمسلمين عندما ذهب رسول الله إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم . . لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة (استأخر) ثم قال : (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله) . . . وهذا نص الحديث عن سهل بن سعد الساعدي :
(185) فتح الباري 3 / 139 . (186) فكان الحديث بثلاثة ألفاظ 1 - (فمر غيره) 2 - (فمر عمر) 3 - (فر عليا) وهذا من جملة التعارضات الكثيرة الموجودة بين ألفاظ هذه القضية الواحدة ! ! لكنا نغض النظر عن التعرض ليس خوفا إلا من الإطالة . (187) أحكام القرآن 4 / 145 .
(73)
" إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم . فصلى أبو بكر . فجاء رسول الله والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته . فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن أمكث مكانك . فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فصلى . فلما انصرف قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ فقال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله . . .) . وقد التفت ابن حجر إلى هذا التعارض فقال بشرح الحديث : (فصلى أبو بكر . أي : دخل في الصلاة ، ولفظ عبد العزيز المذكور : وتقدم أبو بكر فكبر . وفي رواية المسعودي عن أبي خازم : فاستفتح أبو بكر الصلاة وهي عند الطبراني . وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين ، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إماما وحيث استمر في مرض موته صلى الله عليه (وآله) وسلم حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به موسى بن عقبة في المغازي . فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار ، ولما أن لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر) (188) .
وهذا عجيب من ابن حجر ! ! فقد جاء في الأحاديث المتقدمة : (فصلى) كما في هذا الحديث الذي فسره ؟ ب (أي : دخل في الصلاة) : فانظر منها الحديث الأول والحديث السابع من الأحاديث المنقولة عن صحيح البخاري .
(188) فتح الباري 2 / 133 .
(74)
بل جاء في بعضها : " فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة) فانظر الحديث الثامن من أحاديث البخاري . لكن بعض الكذابين روى في هذا الحديث أيضا : (فصلى رسول الله خلف أبي) قال الهيثمي : (رواه الطبراني وفي إسناده عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف جدا) (189) .
فظهر إن لا فرق . . . ولا يجوز لأبي بكر ولا لغيره من أفراد الأمة التقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا في الصلاة ولا في غيرها . . . . .
11 - رأي أمير المؤمنين عليه السلام في القضية :
وبعد أن لاحظنا متون الأخبار ومداليلها ، ووجدنا التعارض والتكاذب فيما بينها ، بحيث لا طريق صحيح للجمع بينها بعد كون القضية واحدة . . . واستخلصنا أن صلاة أبي بكر في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن بأمر منه قطعا . . . . فلنرجع إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لنرى راية في أصل القضية فيكون شاهدا على ما استنتجناه ، ولنرى أيضا أن صلاة أبي بكر بأمر من كانت ؟ ؟ لقد حكى ابن أبي الحديد المعتزلي عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني حول ما كان بين أمير المؤمنين وعائشة ، جاء فيه : (فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه ، أنفذ جيش أسامة وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار ، فكان علي عليه السلام حينئذ بوصوله إلى الأمر - إن حدث برسول الله حدث - أوثق ، وتغلب على ظنه أن المدينة - لو مات - لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية ، فيأخذه صفوا عفوا ، وتتم له البيعة فلا يتهيأ فسخها لو رام ضد منازعته عليها . فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة بإرسالها إليه وإعلامه بأن رسول الله يموت ما كان ، ومن حديث الصلاة
(189) مجمع الزوائد 5 / 181 .
(75)
بالناس ما عرف .
فنسب علي عليه السلام إلى عائشة أنها أمرت بلالا - موك أبيها - أن يأمره فليصل بالناس ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما روي قال : (ليصل بهم أحدهم) ولم يعين ، وكانت صلاة الصبح ، فخرج رسول الله وهو في آخر رمق يتهادى بين على والفضل بن العباس ، حتى قام في المحراب - كما ورد في الخبر - ثم دخل ، فمات ارتفاع ، الضحى ، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه ، وقال : أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة ؟ ! ولم يحملوا خروج رسول الله إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن . فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي عليه السلام على أنها ابتدأت منها . وكان علي يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا ويقول : إنه لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال وغضبا منها ، لأنها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، وإنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك ولا أثر ، مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهد له قاعدة الأمر وتقرر حاله في نفوس الناس ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار . . فقلت له رحمة الله : أفتقول أنت : إن عائشة عينت أباها للصلاة ورسول الله لم يعينه ؟ ! فقال : أما أنا فلا أقول ذلك ، ولكن عليا كان يقوله ، وتكليفي غير تكليفه ، كان حاضرا ولم أكن حاضرا . . . .) (190) .
نتيجة البحث :
لقد استعرضنا أهم أحاديث القضية وأصحها ، ونظرنا أولا في أسانيدها ، فلم نجد حديثا منها يمكن قبوله والركون إليه في مثل هذه القضية ، فرواة الأحاديث بين
(190) شرح نهج البلاغة 9 / 196 - 198 .
(76)
(ضعيف) و (مدلس) و (ناصبي) و (عثماني) و (خارجي) . . . وكونها في الصحاح لا يجدي ، وتلقي الكل إياها بالقبول لا ينفع . . . .
ثم نظرنا في متونها ومداليلها بغض النظر عن أسانيدها ، فوجدناها متناقضة متضاربة يكذب بعضها بعضها . . . . بحيث لا يمكن الجمع بينها بوجه . . . بعد أن كانت القضية واحدة ، كما نص عليه الشافعي ومن قال بقوله من أعلام الفقه والحديث . .
ثم رأينا أن الأدلة والشواهد الخارجية القويمة تؤكد عل استحالة أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة في مقامه . وخلاصة الأمر الواقع : أن النبي لما مرض كان أبو بكر غائبا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان مع أسامة بن زيد في جيشه ، وكان النبي يصلي بالمسلمين بنفسه ، حتى إذا كانت الصلاة الأخيرة حيث غلبه الضعف واشتد به المرض طلب عليا فلم يدع له ، فأمر بأن يصلي بالناس أحدهم ، فلما التفت بأن المصلي بهم أبو بكر خرج معتمدا على أمير المؤمنين ورجل آخر - وهو في آخر رمق من حياته - لأن يصرفه عن المحراب ويصلي بالمسلمين بنفسه - لا أن يقتدي بأبي بكر ! - ويعلن بأن صلاته لم تكن بأمر منه ، بل من غيره ! ! . ثم رأينا أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يرى أن الأمر كان من عائشة و (علي مع الحق والحق مع علي) (191) .
وصلى الله على رسوله الأمين ، وعلى علي أمير المؤمنين والأئمة المعصومين ، والحمد لله رب العالمين .
(191) كما في الأحاديث الكثيرة المتفق عليها بين المسلمين . أنظر من مصادر أهل السنة المعتبرة : صحيح الترمذي 3 / 166 ، المستدرك 3 / 124 ، جامع الأصول 9 / 420 ، مجمع الزوائد 7 / 233 وغيرها .
|