(58)
من التراث الأدبي المنسي في الأحساء
حسن العيثان
الشيخ جعفر الهلالي
بعد هذه الفترة من الانقطاع عن متابعة حديثنا حول الشعراء المنسيين من أدباء الأحساء ، ولأسباب خارجة عن إرادتنا ، معتذرين في ذلك للقارئ العزيز ، نتابع ما توقف من ذلك الحديث ، مستعرضين في هذا العدد حياة أحد هؤلاء الشعراء وهو الشاعر حسن العيثان .
حسن العيثان
هو الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله بن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان الأحسائي القاري . وآل عيثان من الأسر المعروفة في الأحساء ، اشتهر كثير من أفرادها بالعلم والأدب .
ولادته :
ولد المترجم الشيخ حسن في قرية (القارة) من قرى الأحساء عام 1276 ه ، وبها نشأ وترعرع ، فدخل الكتاتيب وقرأ القرآن ، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة .
(59)
دراسته العلمية :
أخذ هو وأخوه الشيخ علي - وكان يكبره سنا - على يد ابن عمهما الشيخ علي ابن أحمد آل عيثان ، فقرأ عنده مبادئ العلوم من نحو وصرف وغيرهما ، ثم وبعد عودة أخيهما الأكبر الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله - وكان من أهل الفضل - حضرا عنده في الفقه والأصول . عرف المترجم بعد ذلك بفضيلته العلمية والأدبية ، وكان بالإضافة إلى ذلك يزاول الخطابة الحسينية .
شعره وأدبه :
كان المترجم أديبا شاعرا نظم الشعر في أكثر من مناسبة ، إلا أن أغلب شعره قد افتقد ، ولم يبق منه إلا النزر اليسير كما سترى .
وفاته :
توفي المترجم في الأحساء عام 1248 ه ، كما جاء ذلك عن ولده الخطيب الحاج ملا عبد الحسين آل عيثان .
نماذج من شعره :
عثرنا للمترجم على مجموعة يسيرة من قصائده وتخاميسه ، فمنها هذه القصيدة التي رثى بها الإمام الحسين عليه السلام حيث قال :
|
تذكرت المعابد والربوعا
منازل أقفرت من ساكنيها
وصفت بها فما وقفت دموعي
وماذا تنكر العرصات مني
| |
ففارقت المسرة والهجوعا
فما ترجو لساكنها رجوعا
أسائلها كأن بها سميعا
وقد رويت ساحتها دموعا
|
(60)
|
سقى الله الديار ملث وبل
وما برحت بروق المزن تهمي
وركب من سراة بني علي
يؤمهم فتى العليا حسين
وأسمر ناظر مهج الأعادي
بدور أشرقت والنقع ليل
تخالهم على الجرد العوادي
متى أنقضت لرجم بني زياد
ولاكهم وقد بدت المنايا
ومما أثكل الدنيا وأجرى
تساهمهم سجال الحرب حتى
وعاد بياضي شكلهم برمل
| |
سحابا مغدقا خضلا هموعا
إلى الأطلال بارقة لموعا
عن الأوطان قد رحلوا جميعا
قد اتخذ الحسام له ضجيعا
بعين تنفث السم النقيعا
وقد جعلوا القلوب لهم دروعا
كواكب حلت الفلك الرفيعا
تكاد تطير أنفسهم نزوعا
لأعينهم فما أبدوا خضوعا
مدامعها دما قان نجيعا
تهاووا في ثرى الرمضا وقوعا
نقي الخد نكسيا صريعا
|
وفيها يذكر وحدة الحسين عليه السلام ومصرعه فيقول :
|
وعن حرم الإله غدا يحامي
ولما أنشبت فيه المنايا
أراش له القضا سهما فأومى
دعاه مليكه لجوار قدس
هوى بهويه عمد المعالي
ورب مروعة برزت ولما
وتهتف بالسراة بني نزار
عناها ما تعاني من أيامى
| |
عديم النصر خشية أن يضيعا
مخالبها وقد ساءت صنيعا
فؤاد الدين بل حطم الضلوعا
وجنات فلباه مطيعا
وحبل الدين قد أمسى قطيعا
تجد غير السياط حمى منيعا
فما وجدت لدعوتها سميعا
وأيتام كسرب قطا أريعا (1)
|
(1) استللنا هذه القصيدة من مجموعة شعرية كانت لدى الأديب جواد الرمضان في الأحساء .
(61)
وقال مخمسا - والأصل لغيره - في أسر الإمام زين العابدين عليه السلام :
|
فديت إماما عابدا متنسكا
ونادى وجمر الحزن في قلبه زكا :
| |
إذا شفه حر السرى حن واشتكى
أبي كنت قبل اليوم لا أعرف البكا
|
ولا سمحت لي بالدموع جفون
|
لقد كنت صعبا والزمان ألانني
ومن يرعني قدما أراه أراعني
| |
ولي موطن عن مورد الذل صانني
أبي قد سطا دهري علي وخانني
|
وما كان عهدي بالزمان يخون
|
قضى وتره مني عدوي وحاسدي
لئن قرنا في الغل عنقي وساعدي
| |
وأصبحت مقرونا بقوس الشدائد
فلست أبالي بعد فقدان والدي
|
بما بي من جور الزمان يكون
وقال مخمسا هذين البيتين والأصل للكعبي :
|
يخوضى غمار الموت في ظهر سابق
فما انفك يفري هام كل منافق
| |
بعزم وحزم لا يراع بخافق
إلى أن أتاه في الحشى سهم مارق
|
فخر فقل في يذبل قل يذبل
|
تحكم فيه من سنان سنانه
فخر ومنه الكون دك رعانه (2)
| |
ومن كف عن ذي بغي أصيب جنانه
وأدبر ينحو المحصنات حصانه
|
يحن ومن عظم المصيبة يعول (3)
ومن شعره هذه القصيدة رثى بها الشيخ محمد آل عيثان ، المتوفى عام 1221 ه ، منها قوله :
(2) الرعان جمع رعن : أنف الجبل ، الجبل الطويل . (3) نقلنا هذه التخاميس للشاعر من بعض المجاميع الخطية في الأحساء .
(62)
|
رعى الله قبرا قد حوى جسم عالم
فيا ليتني كنت الفداء له ولا
فوالله لو ذابت من الوجد مهجتي
ونفسي عليه دائما بتلوع
حقيق عليه أن أنوح بحسرة
| |
له الناس طرا بالأقاليد (4) ترجع
بقيت على فقدانه أتفجع
ودمعي عليه ساكب ليس يقطع
ولم يهن لي نوم ولا أنا أهجع
وآفات حزني في الحشا لي تلذع
|
ويعرج فيها على مصيبة الحسين عليه السلام فيقول بعد هذا البيت :
|
ولكن رأت نفسي مصيبة كربلا
فهون ما بي فجع سبط محمد
تدوس على أجسادهم أعوجية
ولم أنس أم الصون زينب إذ بدت
إذا انتحبت يأتي لها من يردها
فليت عليا حامي الجار حاضرا
| |
فهاتيك من كل المصائب أفجع
بأبنائه والصحب حوليه صرع
نطاهم وتغدو عندهم ثم ترجع
من الخدر بالأشعار ترثي وتسجع
عن النوح بالأسياط بالضرب توجع
وينهض من طي التراب ويطلع (5)
|
وقال هذه القصيدة يمدح بها المرجع الديني الكبير آية الله السيد ناصر الأحسائي عند عودته من العراق إلى الأحساء :
|
أبا حسن يهنيك في جنة الخلد
به (هجر) حفت بأسعد طائر
وبات يباهي النيران ترابها
فكادت قلوب الناس تسبق طرفها
وأكبادنا حنت إليه كأنها
| |
قدوم ابنك العلامة العلم الفرد
من اللطف والتأييد والطالع السعد
وتختال في ثوب من الشكر والحمد
لرؤيته مما عراها من الوجد
خوامس هيم حين حنت إلى الورد
|
(4) الأقاليد جمع إقليد : المفتاح ، والكلمة يونانية . (5) مجموعة الشيخ باقر أبو خمسين في الأحساء .
(63)
|
وذات جناح تسبق الطرف أقبلت
فلما سرت وانحل عنها قلوصها
تهتل من تلك العمامة عارض
من الهاشميين الأولى في أكفهم
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه
نماه فتى العليا ابن أحمد هاشم
وللسيد الندب المهذب (ناصر)
بها عز عن أقرانه وهو واحد
وثاقب رأي من طليعة فكره
نشدتك هل في صدرك اللوح مثبت
ولو برزت في الكون للعلم صورة
ولو فاخرتك الشمس ردت نقابها
لكم في العلى بيت رفيع عمارة
إذا أمه الساري ومطلبه القرى
فيا أحسن التسليم زر خير قاطن
تطوف حواليه الحفاة ويلتجي
وما (هجر) إلا بأمن ونعمة
| |
تشق به الدأما كسارية الرعد
وقابلت البرج المشيد بالبرد
من الجور وكاف معيد لما يبدي
جداول يورقن العصا في الصفا الصلد
ومن شرف الآبا دليل على الولد
ولكنه يختال في العكس والطرد
مناقب لا تحصى بحصر ولا عد
الصفات وجمع في الكمالات والحد
يرى نصب عينيه الحوادث في البعد
فتعلم أسرار الغيوب كما تبدي
لكنت بها روحا وقلبا بلا نسد
حياء وما دارت بنحس ولا سعد
إلى الحشر باق لم يزل كعبة الوفد
بأنواره لا بالكوكب يستهدي
إلى هجر باليمنى سيدنا المسدي
بمفناه عان فاقد المال والجد
بتأريخ (باب الجود ثم ضحى المجد) (6)
|
وقال هذه القصيدة في رثاء السيد ناصر الأحسائي الممدوح بالقصيدة السابقة ، ويؤرخ وفاته ، وهي من أحسن قصائده :
|
عقدت عليك المكرمات لواءها
يا سيدا مذ غاب عن أبصارنا
| |
وكستك من حلل الكمال رداءها
قذيت ومذ شهدته كان دواءها
|
(6) نفائس الأثر في علماء وشعراء هجر (مخطوط) لمؤلفه السيد هاشم الشخص الأحسائي .
(64)
|
إن القلوب مريضة فالطف بها
كادت تذوب من الفراق صبابة
يا سيدا من سادة علوية
من دوحة في المجد عرف أصلها
هذي يتامى آل بيت محمد
مرفوعة الأيدي تكرر في الدعا
| |
وأبعث لهاتيك القلوب شفاءها
ولها عليك فما تبارح داءها
رسم الإله بعرشه أسماءها
والعالمون تفيأت أفياءها
تشكوا إليك من الزمان بلاءها
لك بالبقاء لأن فيه بقاءها
|
ومنها :
|
لله من قمر بدا في وجهه
تالله لو يشأ المسير برجله
إن المعالي تصطفي أربابها
| |
نور النبوة قد محا ظلماءها
فوق البحار رعا فأجمد ماءها
دون الأنام وتنتقي أبناءها
|
ومنها :
|
يا يوم طلعة نور بهجة هاشم
فيك الملائك هللت وتهللت
يا ناصر الإسلام مهلا ريثما
فتنال من تقبيل كفك رشحة
هذي البلاد وأهلها في موكب
كادت لرؤيته تغيب عقولها
أهلا بطلعة سيد من سادة
| |
نشرت عليك النيران ضياءها
ديم السحاب وأمطرت أنواءها
تاوي النفوس معادة أشلاءها
تغدو بها أمواتها أحياءها
ملأ الفجاج مطبقا أرجاءها
وتميط ربات الخدور حياءها
تمشي الملائك والملوك وراءها
|
ويقول في آخرها :
|
يا سادة (7) شرفت وطار نجارها
| |
وسمت من الرتب العلى قعساءها
|
(7) يقصد الشاعر بالسادة هنا أهل البيت عليهم السلام الذي ينتمي إليهم المرثي بالنسب والحسب .
(65)
|
قرت عيونكم بمقدم (ناصر)
عم البلاد من الجهالة غاسق (8)
ولكم على التقوى بيوت أسست
أذن الإله بأن ينوه باسمه
عرفت بركن المستجار وسميت
يا بن النبي إليك نظم خريدة
جاءتك تزهو في لآلئ عقدها
تختال في حلل الهنا أرختها
ثم السلام على مصابيح الدجى
| |
بيت الرسالة فاهر أعداءها
حلكت غياهبه فكان جلاءها
فعلت إلى أن جاوزت جوزاءها
فيها فعلى في البيوت بناءها
أمن النزيل إذا يحل فناءها
شرفت بذكرك فاستمع أبناءها
بكرا تردد حمدها وثناءها
(قرم زكي بالمفاخر جاءها)
وعليك ما لمح العيون ذكاءها (9)
|
(8) الغاسق : الليل إذا اشتدت ظلمته . (9) نقلنا هذه القصيدة من كتاب " نفائس الأثر " لصاحبه السيد هاشم الشخص الأحسائي ، والكتاب مخطوط يعد للطبع . وقد طبع هذا الكتاب أخيرا تحت عنوان " أعلام هجر " وصدر عن مؤسسة دار البلاغ في بيروت ، راجع حقل " من أنباء التراث " لهذا العدد ، ص 223 . " تراثنا " .
|