العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 22 > السنة النبوية الشريفة و موقف الحكام منها في القرن الأول الهجري تدوينا وكتابة ونقلا وتداولا > 




(11)

السنة النبوية الشريفة
وموقف الحكام منها في القرن الأول الهجري
تدوينا وكتابة ونقلا وتداولا

السيد محمد رضا الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، الذي شرع الدين قيما ، وبعث محمدا بالإسلام بشيرا ونذيرا ، وجعله علينا حكما ، وأمرنا بإطاعته وأوجب التأسي بسنته ، واعتبرها من الدين ، على حد الوحي المبين ، ونصب لنا الأئمة من آله الأطهار أعلاما معصومين طاهرين مطهرين ، هداة مهديين ، ووفقنا لاتباعهم والاقتداء بهم ، والتمسك بأذيال ولايتهم ، وبأنوار معارفهم ، صلوات الله عليهم ، ورزقنا في الآخرة شفاعتهم آمين رب العالمين . وبعد ، فالسنة المحمدية الشريفة هي ثاني أعمدة الإسلام وقواعده المحكمة ، لا يشك في هذا مسلم ، ولم يختلف فيه جمهور العلماء منذ عصر الرسالة الأنور ، وحتى يومنا هذا ، لما دل على ذلك من الآيات القرآنية الكريمة ، والأحاديث القولية والفعلية ، القطعية المتفق على صحتها وقبولها ، والسيرة القائمة ، قبل إجماع علماء المسلمين . وقد شذ عن هذا بعض من سولت له نفسه الخروج عن جامعة الإسلام ، وعن جماعة المسلمين ، فخرق الاتفاق المزبور وشذ عن الإجماع المذكور فشكك في حجية السنة النبوية واعتبارها . إلا أن أعلام العلماء تصدوا لهم بالردود الحاسمة ، وتتبعوا عللهم الباطلة بإظهار


(12)

فسادها ، فلم تعد لهم قائمة تذكر ، والحمد لله . لكن اجتثاث جذور فتنتهم ، وقطع شأفة فسادهم ، يقتضي البحث عن أساس تشكيكاتهم وتسويلاتهم ، وأصل التعدي على هذا العماد العظيم من أعمدة الإسلام ، ليمكننا القضاء عليه من أسسه ، وهدم مبانيه على رؤوس مؤسسيه . وقد أحفينا البحث والتنقيب ، في مجريات التاريخ الإسلامي في القرن الأول ، وفي فترة عهد الخلفاء ، لاقتناص تلك الأسباب والعلل ، فكانت النتيجة مذهلة ، إذ وجدنا أن السنة النبوية - والحديث الشريف بالخصوص - قد تعرضت لإجراءات عدائية غريبة ، في فترة عهد الخلفاء ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة . بل ، قد بدأت المعارضة للحديث الشريف ، المتمثل في كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما يفارق هو صلى الله عليه وآله وسلم هذه الدنيا ، ولم يلفظ بعد أنفاسه الأخيرة ، حين طلب من أمته دواة وقرطاسا ليكتب لهم كتابا ، لا يضلوا بعده أبدا . فلم يلبوا طلبه ، بل واجهوه بأصعب من المخالفة ، حيث قال عمر : قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله (1) .
     فكانت هذه أول عملية منع لكتابة حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بينما كان هو الطالب لكتابته ، وقد هم بها بنفسه . وهي أول عملية صد فيها عن الحديث ، بدعوى الاكتفاء بكتاب الله إ . ولقد استعمل أولئك أسلوبين لمواجهة الحديث الشريف ، وكل منهما يكمل الآخر ويدعمه ، في الوصول إلى هدفهم : أحدهما : منع تدوين الحديث وكتابته .



(1) رواه البخاري في مواضع من صحيحه ، من رواية عبد الله بن عباس ، منها باب مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم 6 / 11 . وانظر : المصنف لعبد الرزاق 5 / 438 ، ومسند أحمد 1 / 336 ، ودلائل النبوة - للبيهقي - 7 / 181 ، والملل والنحل - للشهرستاني 1 / 21 .


(13)

وثانيهما : منع نقل الحديث وتداوله على الألسن .

     أما الأسلوب الأول :
     فقد كثر الكلام حوله ، قديما وحديثا ، فإن القدامى أولوه عناية كبيرة ، فألفوا فيه مؤلفات مستقلة ، مثل كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي ، وأما علماء الدراية ، ومصطلح الحديث ، فقد خصصوا له في كتبهم مقاطع مفصلة وبحثوا فيه بشكل مستوعب . وأما في العصر الأخير ، فقد توسعت الكتابة حوله في المؤلفات المستقلة أو المقالات المفصلة ، وفي مقدمات الكتب ، كما استطرق إليه كل من كبت عن الحديث وعلومه وتاريخه ، من علماء الشيعة وأهل السنة .
     وقد وفقني الله ربي - فيما وفقني له من أعمال - أني قمت بتأليف متواضع في تدوين الحديث ، فخرج محتويا على أدلة كل المانعين له ، والمبيحين بشكل مستوعب ، معتمدا كل مصادر البحث من طارف أو تليد .
     وبالرغم من وجود بحوث متفرقة ضمن المؤلفات التي كتبها علماؤنا الأبرار إلا أني لم أقف قبل كتابي هذا ، على تأليف مستقل في هذا الموضوع ، والحمد لله على توفيقه ونسأله العون على إخراجه . وقد وقفنا في ذلك الكتاب على كل ما اتخذوه من إجراءات قاسية ضد تدوين الحديث ، إلى حد الاحراق ، والإماثة في الماء ، والغسل ، والدفن ، وشتى طرق الإبادة الأخرى . وقد استند المانعون أنفسهم في تصرفاتهم تلك إلى أعذار أقبح من الأفعال تلك ، مثل أنهم فرضوا أن الاشتغال بالسنة وكتابتها يؤدي إلى إهمال القرآن . فأوضحنا في ذلك الكتاب أن هذه المقابلة بين السنة من جانب ، والقرآن من جانب آخر ، أمر باطل أساسا ، إذ لا منافاة بينهما ، بل السنة شارحة للقرآن ، ومبينة لأغراضه .


(14)

وانبرى حماة أولئك المانعين عن التدوين بتقديم أعذار أخرى أوهى من هذه . وقد أوضحنا أيضا في ذلك الكتاب ضعف كل تلك التوجيهات وبطلانها . وأما الأسلوب الثاني :
     فهو منع نقل الحديث وتداوله : فإن المعارضين للسنة الشريفة ، وقفوا من نقل الحديث شفهيا موقفا مماثلا لموقفهم من تدوين الحديث ، إن لم يكن أشد ! فمنعوا الصحابة الكرام من التحديث بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونشره ، ونقله ، وتداوله . واستعملوا لذلك أساليب قاسية ضد من لم ينته بنواهيهم ، مثل الحبس والجلب ، والتوقيف ، والتبعيد ، والتهديد بالضرب ! .
     وقد اعتل المانعون في هذه التصرفات أيضا ، بمثل تلك الأعذار التي منعوا بها تدوين الحديث ، مما يدل على أن عملية معارضة الحديث ومنعه تدوينا ونقلا ، كانت مبرمجة ، وتتعقب هدفا موحدا ، نصبه المانعون أمام أعينهم . والواقع أن البرنامج الذي قرر لمعارضة الحديث ، وإسقاطه عن الاعتبار كان قويا ومدروسا ، حيث أن الجمع بين الأسلوبين : منع التدوين من جهة ، ومنع النقل من جهة أخرى ، لا يدع منفذا للحديث يتسرب منه إلى الخارج إ .
     فإذا كان نص ، ممنوعا أن يكتب ويثبت في الصحف ، وممنوعا أن ينقل ويتحدث به ، أو يتداول على الألسنة والشفاه ، فكم يرجي أن يبقى ويستمر في الذاكرة ؟ ! ولا يموت بموت حامله وحافظه على الخاطر ؟ ! وهل يتصور عداء أصرح من هذا تجاه الحديث والسنة الشريفة ؟ ! وهل لأعدى أعداء السنة ، أن يعمل أكثر من هذا إذا أراد القضاء عليها ، وعلى نصوصها ؟ ؟ ! . والعجب من سكوت من يتسمون بأهل السنة عن كل هذا الاعتداء على السنة ، بل محاولة بعضهم الدفاع عن كل هذه التصرفات ، بأعذار أوهى من بيت


(15)

العنكبوت ! .
     والكلام عن منعهم للتدوين وإن كان كثيرا - في الكتب والمقالات والبحوث - إلا أن البحث عن منعهم لنقل الحديث ليس بتلك المثابة . ولذلك رأينا أن نذكر هذا البحث ، ونفصل الكلام فيه ، مستعرضين ما ورد في ذلك من آثار وأخبار ومتتبعين أساليبهم التي قاموا بها لتنفيذه من الحبس ، والتبعيد ، والتهديد بالضرب ، وغير ذلك . ثم تصدينا للتوجيهات الذي ذكروها لتلك التصرفات ، ومناقشتها ليكون مكملا لما في كتاب التدوين ، وبالله التوفيق ، وهو المعين .

وكتب
السيد محمد رضا الحسيني
الجلالي




(16)

أبو بكر يمنع رواية الحديث :
     روى الذهبي في ترجمة أبي بكر ، قال :
     أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبتهم ، فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم ؟ فقولوا : " بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه (2) .
     ولنا في ما يرتبط بهذا الخبر بحثان .

     الأول : في مدلول كلام أبي بكر ومغزاه :
     1 - إن قوله : " لا تحدثوا عن رسول الله شيئا " . يدل على أنه إنما نهى عن عموم الأحاديث ، حيث جاء بكلمة " شيئا " في سياق النهي ، وهي نكرة ، فتفيد العموم ، كما ثبت في أصول الفقه .
     2 - قوله : " بيننا وبينكم كتاب الله " وهذه الجملة خطيرة للغاية ، إذ فيها الدعوة - علنا - إلى الاكتفاء بكتاب الله في مقابل الحديث عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم ، وهي الدعوة التي حذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها في أحاديث " الأريكة " حيث قال : " يوشك الرجل متكئا على أريكته ، يحدث بحديث من حديثي ، فيقول : " بيننا وبينكم كتاب الله . . . " (3) . وقد أبدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استياءه من قائل ذلك ، بعبارات شتى ، مثل قوله . " لا أعرفن . . . " و " لا ألفين . . . " كما رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم



(2) تذكرة الحفاظ 1 / 3 .
(3) سنن ابن ماجة 1 / 6 باب 3 ح 12 .



(17)

بقوله : " ألا ما حرم رسول الله ، كما حرم الله " (4) على من فصل بين الكتاب والسنة .

     البحث الثاني : مع الذهبي في دفاعه عن أبي بكر :
     إن الذهبي - بعد أن نقل هذا الحديث ، عن أبي بكر - قال : " إن مراد الصديق التثبت في الأخبار ، والتحري ، لا سد باب الرواية . . . ولم يقل (حسبنا كتاب الله) كما تقو ل الخوارج (5) .

     أقول : يرد على الذهبي أمور :
     1 - قوله : مراد الصديق التثبت . . . لا سد باب الرواية . ففيه : إن من يريد سد باب الرواية عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم ، ومنع نقل الحديث عنه مطلقا ، هل يجد كلاما أوضح دلالة - على عموم المنع - من قول : " لا تحدثوا عن رسول الله شيئا " ؟ ! ولو لم يرد المتكلم بهذا الكلام سد باب الرواية ، بل كان يريد التثبت والتحري - كما فرضه الذهبي - لما جاز له أن يأتي بما يدل على عموم المنع والنهي عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل كان عليه أن يقول - مثلا - : لا تحدثوا بكل ما تسمعون أو تروون . أو يقول : لا تحدثوا بما لا تتثبتون . . . وما أشبه ذلك ، أو يأمرهم بالاحتياط ، ويحذرهم عن الخطأ والاشتباه . كما أن قوله : " بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه " قرينة واضحة على أن مراده نبذ السنة مطلقا وراء الظهور ، والاكتفاء بكتاب الله وما فيه من حلال وحرام ، تلك الدعوة التي نادى بها أهل الفصل بين الكتاب والسنة والاكتفاء بالكتاب والاستغناء عن السنة .
     2 - قول الذهبي : ولم يقل - يعني أبا بكر - حسبنا كتاب الله .



(4) أوردنا نصوص الأحاديث عن مصادرها في كتابنا " التدوين " .
(5) تذكرة الحفاظ 1 / 3 - 4 .



(18)

     هل يتصور الذهبي أن منع الحديث والرواية مطلقا يتوقف على قول " حسبنا كتاب الله " فقط ؟ ! أليس كل ما يؤدي مؤدى هذه الجملة فقائله ممن يمنع الحديث والرواية ؟ ! ومؤدى جملة " حسبنا كتاب الله " هو الاكتفاء بالقرآن ، في مقابل الحديث وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقول أبي بكر : " بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " يؤدي نفس هذا المعنى ويدل على الاكتفاء بالقرآن وما فيه من حلال وحرام ، وبما أنه ذكر هذه الجملة في مقابل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو يدل على الاستغناء عن الحديث ، وهذا واضح لا غبار عليه . والعجيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الإنكار على الفصل بين حديثه وبين الكتاب في حديث " الأريكة " حذر عن قول " بيننا وبينكم كتاب ا لله . . . " بالذات . فأي فرق يراه الذهبي بين جملة : " حسبنا كتاب الله " التي ذكرها وجملة : " بيننا وبينكم كتاب الله " التي ذكرها أبو بكر ? !
     3 - قول الذهبي : " حسبنا كتاب الله " كما تقول الخوارج . إنا لم نعهد ذكر الخوارج لجملة : " حسبنا كتاب الله " وإنما شعارهم " لا حكم إلا لله " وأما جملة " حسبنا كتاب الله " فهي معروفة من كلام عمر ، قالها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد جابهه بها وهو صلى الله عليه وآله وسلم على فراش الموت . وأهم ما يجب التنبيه عليه في هذا المجال : أن النصوص النبوية الدالة على وجوب رواية الحديث ، ونقله ، وتبليغه ، ونشره وحمله ، وأدائه إلى الآخرين ، كي ينتفعوا به ، متضافرة ، لا مجال للتشكيك في صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هي تجوز حد التواتر المعنوي ، وبعض ألفاظها مستفيض قطعا ، إليك نصوصها ، ومصادرها : قال صلى الله عليه وآله وسلم : " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ، وأداها ،


(19)

فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه " (6) .
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث - " احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم " (7) .
     وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : " مثل الذي يتعلم علما ثم لا يحدث به ، مثل رجل رزقه الله مالا فكنره ، فلم ينفق منه " (8) .
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " من سئل عن علم فكتمه ، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " (9) .
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " من رغب عن سنتي فليس مني " (10) .
     ولا أظن مسلما يتردد في أن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن ينشر ويبلغ وينقل بل ، إن ذلك من بديهيات الإسلام . فأين كان أبو بكر - في صحبته الطويلة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من هذه الحقيقة القطعية ، حتى يقف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بفترة غير طويلة - ويمنع من نقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، بقوله : لا تحدثوا عن رسول الله شيئا ! .



(6) رواه أحمد في مسنده 1 / 437 و 4 / 80 و 5 / 183 ، وفي طبعة شاكر 6 / 96 الحديث رقم 4157 . وبألفاظ أخرى في 4 / 82 و 3 / 325 . وانظر سنن ابن ماجة 1 / 4 - 85 ، ومستدرك الحاكم 1 / 87 و 88 ، وجامع بيان العلم 1 / 39 ، وكنز العمال 5 / 221 .
(7) فتح الباري - لابن حجر - 1 / 194 ، ومسند أحمد 1 / 228 .
(8) الجامع لأخلاق الراوي والسامع .
(9) مسند أحمد 2 / 263 و 305 و 495 و 353 و 296 . وطبعة شاكر 14 / 5 ح 7561 و 15 / 86 ح 7930 . والمستدرك - للحاكم - 1 / 101 .
(10) ا لفقيه والمتفقه - للخطيب - 1 / 144 .



(20)

عمر يمنع الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
     إن عمر كان أول من أعلن المنع عن تدوين الحديث ، بعد أن أراد كتابته ، وشاور الصحابة في ذلك ، وأشار عليه عامتهم بأن يكتب ، لكنه عزم على المنع . وقد استعمل لتنفيذ ذلك أساليب عديدة منها الاحراق للكتب ، ومنها التهديد ، ومنها تعميم المنع رسميا على الأمة ، وقد فصلنا عن كل ذلك في كتاب التدوين . وقد وقف عمر من رواية الحديث ونقله موقفه الشديد من تدوين الحديث ، فرويت أخبار في منعه نستعرضها فيما يلي :

     1 - فمنع وفد الصحابة الذين أرسلهم إلى الكوفة ، عن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال قرظة بن كعب :
     بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة ، وشيعنا إلى موضع قرب المدينة ، يقال له : " صرار " وقال : أتدرون لم شيعتكم ، أو مشيت معكم ؟ . قال : قلنا : نعم ، لحق صحبة رسول الله ، أو : نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولحق الأنصار قال عمر : لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به ، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم ، إنكم تقدمون على قوم - أو تأتون قوما - تهتز ألسنتهم بالقرآن اهتزاز النخل - أو : للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل أو : لهم دوي بالقرآن كدوي النحل - فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم ، وقالوا : أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أو : فيأتونكم ، فليسألونكم عن الحديث - . . . فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنا شريككم . - أو فلا تصدوهم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - (11) .



(11) رواه أصحاب الكتب ، وقد جمعنا بين ألفاظهم المختلفة بقولنا : " أو : كذا " . فانظر : طبقات ابن سعد 6 / 7 ، وسنن الدارمي 1 / 73 ح 285 و 286 ، وسنن ابن ماجة 1 / 12 باب التوقي في الحديث ، ومستدرك الصحيحين - للحاكم - 1 / 110 ، وشرف أصحاب الحديث : 92 ، وجامع بيان العلم 2 / 120 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 7 ، وكنز العمال 2 / 284 - 5 رقم 4017 .


(21)

2 - ومنع عمر صحابة كبارا عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فمنع أبا هريرة :
     قال عمر لأبي هريرة : لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لألحقنك بأرض دوس (12) .
     وقال له - أيضا - : لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لألحقنك بأرض الطنيح - يعني أرض قومه - (13) .
     ومنع ابن مسعود ، وأبا مسعود :
     قال ابن عساكر : بعث عمر إلى أبي مسعود ، وابن مسعود ، فقال : ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (14) ؟ ! . ومنع أبا موسى الأشعري - لما بعثه إلى العراق - بمثل ما ورد في حديث قرظة ابن كعب (15) .

     3 - ومنع عمر عامة الناس عن الحديث :
     خطب عمر ، وقال : ألا ، لا أعلمن ما قال أحدكم : إن عمر بن الخطاب منعنا أن نقرأ كتاب الله . إني ليس لذلك أمنعكم ، ولكن أحدكم يقوم لكتاب الله ، والناس يستمعون



(12) البداية والنهاية - لابن كثير - 8 / 106 .
(13) أخبار المدينة المنورة - لابن شبة - 3 / 800 .
(14) تاريخ دمشق 39 / 108 .
(15) مستدرك الحاكم 1 / 152 ، والبداية والنهاية - لابن كثير - 8 / 107 .



(22)

إليه ، ثم يأتي بالحديث من قبل نفسه ! إن حديثكم هو شر الحديث ، وإن كلامكم هو شر الكلام .
     من قام منكم ، فليقم بكتاب الله ، وإلا فليجلس ، فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل . " قال فلان ، وقال فلان " وترك كتاب الله (16) .
     إن ظاهر هذه الخطبة المنع عن حديث المتكلمين خلال القرآن ، ولم يصرح فيه بالمنع عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن يمكن فهم المراد منه ، بعد ملاحظة أمور :
     1 - إيراد ابن شبة لهذه الخطبة في سياق ما نقله من منع عمر للصحابة عن نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
     2 - ظهور الخطبة - وخاصة الفقرة الأخيرة منها - في تأكيد عمر على ترك كل حديث ما سوى كتاب الله ، وهو نفس المقولة المعروفة عن عمر " حسبنا كتاب الله " ، ويؤدي مؤداها ، ومن الواضح أن عمر إنما كان يردد تلك المقولة " حسبنا كتاب الله " في مقابل الحديث وروايته ، كما يظهر من تعليله المنع عن الحديث بالمحافظة على القرآن وخوف تركه والاشتغال بغيره ، وهو ما عرفناه مكررا في أحاديثه التي تضمنت منع التدوين ، كقوله : إني لا البس كتاب الله بشئ أبدا " (17) .
     3 - إن حسن الظن بالمحدثين ، وبالمسلمين في ذلك العصر ، يقتضي أن يكون الشئ الذي ينقله المحدثون خلال قراءتهم للقرآن الكريم ، وإلى جنب آياته ، وبحيث يقبله المسلمون إذا استمعوا إليه ، شيئا مقدسا ، وحقا ، لا كل كلام صدر من أي أحد ، وبأي محتوى ! . أفهل يعقل من معلمي القرآن - ولا بد أن يكون فيهم مجموعة من الصحابة إن لم يكن كلهم منهم ، ومجموعة من كبار التابعين - أن يقرأوا القرآن ، ويحدثوا الناس في أثناء تلاوتهم بأشياء باطلة ، وبأشياء تكون " شر الحديث " كما يعبر عنها عمر ! !



(16) أخبار المدينة المنورة 3 / 800 .
(17) تقييد العلم : 49 .



(23)

ويقبل المسلمون ذلك ، ويسكتوا عنه ! ؟ ولم ينتبهوا إلى بطلان ذلك إلا بتنبيه عمر ؟ ! .
     إن أفضل محمل لذلك أن يكون ما ينقلونه من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تلك الأحاديث التي لم ترق للسلطة الحاكمة .
     4 - عمر يحبس الصحابة كي لا يحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلٌم
     إن عمر حبس جماعة من كبار الصحابة ، مصرحا بأن السبب في ذلك هو روايتهم الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن هدفه من حبسهم منعهم من رواية الحديث ، وقد وردت في ذلك آثار عديدة :
     1 - إن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيهم : ابن مسعود ، وأبو الدرداء فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! . قال ابن البري : يعني بحبسهم منعهم الحديث ، إذ لم يكن لعمر حبس (18) .
     2 - أسند الحاكم عن إبراهيم أن عمر قال لابن مسعود ، ولأبي الدرداء ولأبي ذر ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي في ذيله (19) .
     3 - قال الذهبي : إن عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود ، وأبا الدرداء ، وأبا مسعود الأنصاري ، فقال : لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (20) .
     4 - قال عبد الرحمن بن عوف : ما مات عمر بن الخطاب ، حتى بعث إلى



(18) ا لمحدث الفاصل - للرامهرمزي - ، والإلماع - للقاضي عياض - : 217 .
(19) المستدرك على الصحيحين - للحاكم - 1 / 110 ، وانظر ذيله .
(20) تذكرة الحفاظ 1 / 7 .



(24)

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجمعهم من الآفاق : عبد الله بن حذيفة ، وأبا الدرداء ، وأبا ذر وعقبة بن عامر ، فقال : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الآفاق ؟ ! .
     قالوا : تنهانا ؟ ! .
     قال . لا ، أقيموا عندي ، لا والله ، لا تفارقوني ما عشت ، فنحن أعلم نأخذ عنكم ونرد عليكم . فما فارقوه حتى مات (21) .
توجيهات العامة لحبس الصحابة :
     لقد ارتبك علماء العامة أمام هذا الإقدام ارتباطا غريبا ، فهم بين منكر لهذه الروايات - وخاصة ما نقل عن عمر في حبس الصحابة - وحاكم بعدم صحتها وبوضعها ، ومن أشدهم في ذلك ابن حزم الظاهري الذي عبر عن رواياتها بالروايات " الملعونة " ! . وبين من أغرب فاحتمل فيها الضعف والبطلان تارة ، والصحة والاتقان أخرى ، وهو ابن عبد البر . وبين من صححها سندا وهم الأكثر ، إلا أنهم اختلفوا في توجيهها مع الاعتراف بظهورها في التشديد على الصحابة في نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولا بد من ذكر التوجيهات التي وقفنا عليها لنرى مدى قابليتها للقبول وما يرد عليها من النقوض :
1 - توجيه الخطيب البغدادي :
     قال الخطيب . إن قال قائل : ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن



(21) كنز العمال 1 / 239 طبعة الهند .


(25)

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتشديده عليهم في ذلك ؟
     قيل له . فعل ذلك عمر احتياطا للدين ، وحسن نظر للمسلمين ، لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال ويتكلوا على ظاهر الأخبار وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ، ولا كل من سمعها عرف فقهها ، فقد يرد الحديث مجملا ويستنبط معناه وتفسيره من غيره . فخشي عمر أن يحمل حديث على غير وجهه ، أو يؤخذ بظاهر لفظه ، والحكم بخلاف ما أخذه . وفي تشديد عمر أيضا على الصحابة في رواياتهم حفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها ! (22) .
     وفي هذا التوجيه نظر من وجوه :
     1 - أما احتياطه للدين : فإنه لم يكن أحد أحرص على هذا الدين من نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصادع بالرسالة ، الذي منه صدرت تلك الروايات ، وهو قد أمر بنشرها وحث على تبليغها ، وأمر باتباعها . ولو كان في الأحاديث أدنى خطر أو سوء على الدين لما صدرت من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
     2 - أن احتياط عمر للدين : لا يقتضي منع الحق الذي سمعه الصحابة الكرام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن الصحابة لا ينسبون إلى النبي باطلا ، وخاصة مثل أبي ذر - الغفاري ، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (23) .



(22) شرف أصحاب الحديث : 97 - 98 .
(23) الكنى - للدولابي - 2 / 62 و 169 .



(26)

هذا الحديث الذي رواه من الصحابة علي عليه السلام وأبو الدرداء وابن عمر (24) .
     3 - ولماذا يفرض عمر نفسه أنه أحرص على الدين ، والمحافظة على الحديث من سائر الصحابة ؟ . أفهل كان الصحابة متهاونين في أمر الحديث أو الدين ؟ ! . كلا ، بل كانوا ينشرون بالحديث حقا ، ويؤدون بنشره واجبا ، وحديثهم هو من الدين . . وإذا فرضنا أن الصحابة يخطئون ، فهذا يشمل عمر أيضا .
     4 - وإذا كان الصحابة يرون حسب اجتهادهم - وجوب أداء الحديث بما يفهمون من ظواهرها . أفهل يجوز لأحد أن يمنعهم ، ويفرض عليهم رأيه ؟ ! ومن أين له حق السيطرة على فهم الناس للحديث ، واجتهادهم في استنباط الأحكام من الروايات ؟ !
     مع العلم بأن المسلمين في القرن الأول - الذي هو خير القرون عندهم - كانوا أتقى من أن يتعمدوا خلاف ما تدل عليه النصوص ؟ ! والمفروض حجية الأحاديث عليهم ، لبلوغها إليهم من أفواه الصحابة - الذين هم قاطبة عدول عندهم - ؟ !
     أفهل كان عمر يريد أن يحجز فهم النصوص على نفسه ؟ ! أو يريد الخطيب حجزها عليه ؟ !
     5 - وأما حبس الصحابة والتشديد عليهم بغرض ترهيب غيرهم . فهل يجوز في شريعة الإسلام أن يشدد على شخص بغرض تأديب غيره ؟ ! ولو فرضنا لعمر حقا في تأديب من خالف من الناس لكان له أن يباشر تأديب المخالفين أنفسهم ، لا تأديب البريئين من الصحابة بغرض تأديب غيرهم ؟ !



(24) مسند أحمد 2 / 175 و 223 و 6 / 442 ، ومستدرك الحاكم 4 / 480 و 3 / 342 و 344 .


(27)

فلماذا يأخذ عمر الجار بذنب الجار ؟ !
     أليس الله يقول : { لا تزر وازرة وزر أخرى } .
     6 - ثم هل من الصحيح أن يمنع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ثاني أعمدة هذا الدين ، بمثل هذا التوجيه ، مع أن بالامكان لمن يريد إرشاد الناس -
     لا ترهيبهم طبعا - أن يبين لهم الطريق الصحيح ، ويحدد لهم نوعية الأحاديث المقبولة ، أو تعيين مراجع خاصة ليأخذوا منها . لا أن يعمد إلى عيون الصحابة الكرام ، بالتهديد ، والتشديد عليهم ، وحبسهم عنده ، ومنعهم من إبلاغ ما تحملوه . من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
والملاحظ :
     أن الخطيب - وهو من أعيان العامة في علوم الحديث ونقده - لم يتعرض لهذا الحديث بالنقد السندي . وهذا يدل على صحته ، وسلامته من أي إشكال رجالي أو علة قادحة في الاحتجاج به . كما أن تصديه لتوجيهه يدل على ذلك ، كما لا يخفى .
2 - توجيه ابن حزم الظاهري :
     نقل ابن حزم الظاهري رواية عبد الرحمن بن عوف ، في حديث حبس عمر للصحابة (25) ثم اعترض عليه سندا ، ودلالة . وكلامه طويل ، اختصرناه ، ورتبناه كما يلي : قال : هذا مرسل ، ومشكوك فيه عن شعبة ، فلا يصح ، ولا يجوز الاحتجاج به . ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد ، لأنه لا يخلو عمر من : 1 - أن يكون اتهم الصحابة .



(25) الذي نقلناه عن كنز العمال 1 / 239 ، طبعة الهند .


(28)

وفي هذا ما فيه ! .
     2 - أو يكون نهى عن نفس الحديث ، وعن تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين ، وألزمهم كتمانها وجحدها ، وأن لا يذكروها لأحد . فهذا خروج عن الإسلام . . . !
     3 - ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما عمر إلا واحد منهم .
     4 - ولئن كان حبسهم - وهم غير متهمين - لقد ظلمهم . فليختر المحتج . . . بمثل هذه الروايات " الملعونة " أي الطريقتين الخبيثتين شاء ؟ ! ! ، ولا بد له من أحدهما (26) .

     أقول : أما إشكاله على السند ، ففيه :
     أولا : أن الحديث هو من مشاهدات التابعين لما فعله الصحابة ، وهذا لا يسمى مرسلا اصطلاحا ، إلا إذا خالف ابن حزم اصطلاح المحدثين ، وهو منه كثير .
     وثانيا : أن الحديث قد ورد بطرق أخرى ، وهو لا ينحصر بهذا السند ، ولا يدور على من رواه عن شعبة ، كما عرفت ، وسيأتي بعض الكلام حول سنده أيضا ، إلا أن المهم أن الحاكم ذكر ما روى عن شعبة ، وقال فيه : صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي فقال : على شرطهما (27) .
     وأين ابن حزم من صيارفة نقد الحديث من أمثال الحاكم والذهبي ؟ ! حتى يعترض على الحديث بخلافهما ؟ ! . كما عرفنا أن الخطيب - وهو من أعيان علوم الحديث - لم يتكلم في سنده ، وإنما اكتفى بتوجيهه دلالة ، وهذا منه ومن كل من تصدى لتوجيه الحديث دليل على عدم مناقشتهم فيه سندا .
     وأما إشكاله على دلالة الحديث :



(26) الأحكام - لابن حزم - 1 / 256 باختصار .
(27) المستدرك - للحاكم - 1 / 110 ، وتلخيص الذهبي له ، بذيله .



(29)

فلا ينكر أحد أن الحبس قد تحقق من عمر قطعا ، كما لم يناقش فيه أحد من أعلام الحديث ، ولهذا تصدوا لتوجيهه دلالة ، ولو كان في أصله أدنى مناقشة ، لما فاتهم ذلك ، لأن المناقشة في الدلالة فرع ثبوت الحديث وصحة سنده كما لا يخفى . وظاهر الحبس رفض ما صدر من الصحابة من الحديث ، كما يظهر من كلامه حيث عاتبهم بقوله : " ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إ " مستنكرا . والاستنكار لا يكون إلا إذا كان المحدث قد جاء بما لم يتوقع منه ، وهذا هو وأحد من أشكال الاتهام . ولا أقل من احتواء ما فعله عمر على التشديد على الصحابة ، وقد اعترف أكثر المحدثين بذلك ، وصرح به الخطيب (28) وابن عساكر (29) وابن قتيبة (30) .
     والتشديد - أيضا - حرام ، وخاصة على الصحابة الكرام . وإذا نفينا أن يكون فعل عمر بالصحابة على وجه التهمة ، فيبقى احتمالان - مما ذكر ابن حزم - لا بد من أحدهما :
     1 - فإما أن يكون غرض عمر منع الحديث والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . وهذا هو ظاهر جميع النصوص التي وردت في مسألة الحبس ، وسائر تصرفات عمر وأقواله لمنع الصحابة ، حيث استنكر عليهم أصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . كما يدل على ذلك إقدامه الشديد على منع تدوين الحديث ، وخاصة احتجاجه بالاكتفاء بالقرآن الذي هو من أدلة المدعين للفصل بين الكتاب والسنة ، ونبذ السنة . 2 - أو الالتزام بأنه حبس الصحابة ظلما .



(28) شرف أصحاب الحديث . 97 - 98 ، وقد مضى نقل كلامه .
(29) تاريخ دمشق 39 / 108 - 109 ، وسيأتي نقل كلامه .
(30) تأويل مختلف الحديث : 39 .



(30)

وهذا أيضا ليس ببعيد من صاحب الدرة التي كان يضعها حيث يشاء ، مبررا ذلك بما يراه ويدعيه من المصلحة .

     3 - توجيه ابن عبد البر :
     وقد أغرب ابن عبد البر في توجيه هذه الأحاديث ، حيث إنه جمع في الاحتمال بين أن لا تكون حجة ، وبين أن تكون صحيحة ثم حاول تأويلها . فإنه قال - ومورد حديثه ما رواه قرظة من حديث عمر مع وفد الكوفة - : طعن في حديث قرظة هذا ، لأنه يدور على بيان عن الشعبي ، وليس مثله حجة في هذا الباب ، لأنه يعارض السنن والكتاب . . . فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به . . والكلام في هذا أوضح من النهار . وقال : وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها - عن عمر - صحيحة متفقة ، ويخرج معناها على أن من شك في شئ تركه (31) .

     أقول :
     إن ترديده في الحديث بين احتمال الإشكال السندي ، وعدم الحجية ، وبين احتمال أن يكون صحيحا ، غريب جدا - وخاصة من مثل ابن عبد البر - حيث إنه مع الإشكال في السند بما ذكر ، لم يبق مجال لاحتمال الصحة . إلا إذا أراد أن يجيب على ذلك الفرض أيضا ، فلا بد أن يذكره فرضا على سبيل التسليم تنزلا ، لا احتمالا . وأما إشكاله السندي ، من جهة دوران الحديث على " بيان " فهو غير وارد ، وذلك : لأن الرجل هو بيان بن بشر ، وهو - عندهم - ثقة (32) .
     وقد اعترض محمد عجاج الخطيب على ابن عبد البر في كلامه هذا ، بقوله :



(31) جامع بيان العلم 2 / 121 - 124 ، وانظر : السنة قبل التدوين : 100 - 103 .
(32) تهذيب التهذيب 1 / 506 .



(31)

طعن عبد البر في روايته هذه ، لأنه خالف من هو أوثق منه ، وهذا لا يمنع صحتها (33) .

     أقول : مع أن الحديث منقول بأسانيد أخرى ، ولا تنحصر روايته بهذا السند ، بل إن حديث منع عمر الصحابة من الحديث مشهور معروف ، لا يحتاج إلى ملاحظة أسانيده . مضافا إلى ورود الصحاح بذلك أيضا . وأما تأويله للحديث على احتمال صحته بأنه : يخرج على أن من شك في شئ تركه . ففيه أنه تخريج بعيد ، لأنه لا يرتبط بأمر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي سمعه الصحابة منه ، وحاولوا نشره وإذاعته ، ولا بمنع عمر لهم عن ذلك إلى حد التشديد والحبس .
     فلا الصحابة كانوا شاكين فيما يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يتركوه ، ولا عمر كان شاكا في شئ مما يفعل من المنع والحبس حتى يتركه . وإذا صح الحديث بأن عمر قد حبس الصحابة ومنعهم عن الرواية ، فلا بد من النظر في مدى موافقة ذلك العمل للنصوص الثابتة الدالة على جواز الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله في كل عصر ومصر ، بل ضرورة ذلك ولزومه ، الذي هو من بديهيات الإسلام وهو أوضح من النهار - كما ذكر ابن عبد البر - ونعم ما قال في نهاية كلامه المذكور ما نصه : ولو كان مذهب عمر ما ذكرناه ، لكانت الحجة في قول رسول صلى الله عليه وآله وسلم ، دون قوله . فهو القائل : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ، . . . " (34) .

     أقول : فلا يحتاج الحديث إلى تخريج أو توجيه ، بل يرد عليه ، ولا يلتزم بمنعه ، كما لم يلتزم بذلك كبار الصحابة وأعيانهم ، إلى أن اضطر إلى جلبهم وحبسهم عنده .



(33) السنة قبل التدوين : 101 ه‍ - .
(34) جامع بيان العلم 2 / 124 .



(32)

فلم يلتزموا بأوامره - ولا أوامر الولاة من بعده - بمنع الحديث كما لم يلتزموا بإجراءاته الشديدة في منع التدوين وكتابة الحديث ، بل خالفوه ، فكتبوا ، وخلفوا لنا وللأجيال ما نشكرهم عليه وتشكرهم الأيام .

     4 - توجيه ابن عساكر :
     روى ابن عساكر حديث منع عمر لابن مسعود ، وقال بعده : لم يكن هذا من عمر على وجه التهمة ، وإنما أراد التشديد في باب الرواية لئلا يتجاسر أحد إلا على رواية ما تحقق صحته (35) .

     أقول :
     أما وجود التهمة للصحابة ، فهو المحسوس من ظاهر كل الأحاديث المتضمنة لمنع عمر لهم عن الحديث ، حيث إنه تكلم معهم مستنكرا حديثهم ، فقال : ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! والمرء يؤخذ بظاهر كلامه . كما أن قوله في حديث عبد الرحمن بن عوف (1) للصحابة بوضوح : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآفاق ؟ ! ثم يقول لهم : فنحن أعلم ، نأخذ منكم ، ونرد عليكم . هو كلام من لا يقبل من الصحابة ، ويتهمهم ، وإلا فلماذا يرد عليهم ؟ ! وما هو المردود عند عمر ؟ ! والعجيب أن علماء العامة يحاولون التمويه ، فيسمون ذلك من عمر " تثبتا " في الحديث ، ومحافظة عليه حتى أوردوا أخبار منعه للحديث في أبواب ترجموها ب " التوقي في الحديث " . وقد أشرنا في جوابنا عن توجيه الخطيب إل أن أسلوب منع الصحابة بغرض ترهيب غيرهم ، أسلوب غير شرعي ، ولا مقبول ، فلاحظ .



(35) تاريخ دمشق 39 / 108 - 109 .
(36) مضى نقله برقم 4 ص 23 .



(33)

وبعد ذلك نجيب عن هذا التوجيه بما يلي :
     أولا : إن منع الحديث بغرض المحافظة ، أشبه ما يكون بالتناقض ، كما إذا أراد الإنسان أن يصلح أداة معينة - أصابها عطب - فيعمد إلى إبادة تلك الآلة أو تهشيمها ، وكما إذا أراد الإنسان أن يؤدب عبدا ، فيعمد إلى قتله وإعدامه . إن من يريد التثبت من الحديث يلزمه أن يحوطه بما لديه من إمكانات احتياطية ، ويحدد له طرقا معينة ويشخص له موارد مأمونة ، ومراجع صالحة ، تقوم على رعايته والمحافظة عليه ، لا أن يعمد إلى كبار الصحابة وحفاظهم للحديث فيكم أفواههم ، ويخوفهم ، ويشدد عليهم ويستنكر رواياتهم ، ويهددهم بالإبعاد عن المدينة أو يجبرهم على الإقامة فيها ، أليس هذا نقضا لغرض المحافظة على الحديث ؟ ! ألم يجعل عمر - بحبس الصحابة ومنعهم من الحديث - ما عند أولئك الصحابة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكتومة في صدورهم ؟ ! فلم يبثوه إلى الأمة ؟ ! ولعلها تعرضت لعوامل النسيان وغيره ! ؟ .
     أمثل هذا العمل يسمى محافظة ؟ ! أو تثبتا ؟ ! أو توقيا . ؟ ! . أم يسمى هدرا ، وتفريطا ، وتضييعا ، وإماتة ؟ ؟ ؟ ! وثانيا : من المتفق عليه - لدى كافة العقلاء - أن كتابة العلم ، وتسجيل المعلومات ما من أفضل وسائل الحفظ والصيانة والتثبت . ولو كان عمر يهدف من إجراءاته تلك المحافظة على الحديث والتثبت والتوقي فيه ، وكان يخاف من تداوله بين الناس وعدم صحته ، لكان يلجأ إلى تدوينه ، ويأمر بتقييده ، وضبطه ، أو يشرف هو - وجمع من الصحابة الحافظين له المأمونين - على عملية جمعه . لكن ، نرى أنه إلى جنب منع رواية الحديث ونقله بهذه الشدة ، كان من أشد المانعين للتدوين ، بأعذار مختلفة ! فبأي شكل كان يريد المحافظة على الحديث ؟ ! إذا هو يمنع من جهة نقله وتداوله والمذاكرة به ، ويمنع من جهة أخرى كتابته وضبطه وتدوينه وتقييده ؟ ؟ !


(34)

هل هناك معلم أمين يحث تلاميذه على العلم ، ويحرص على محافظة طلابه على المعلومات ، لكنه يوصيهم بعدم المذاكرة ، وعدم الكتابة لها ؟ ؟ ! أو أن الذي يريد إضاعة الحديث وإبادة السنة يقوم بعمل غير منع كتابته من جانب ، ومنع تداوله ونقله من جانب آخر ؟ !
     وثالثا : إن محاولة إظهار عمر - وهو المانع للصحابة - بمظهر المحافظ على الحديث ، المتثبت فيه ، تستلزم - بوضوح - أن يكون الصحابة الممنوعون - وفيهم كبار أجلاء مثل أبي ذر الغفاري ، وأبي مسعود الأنصاري ، وغيرهما ، وهم الذين لم يأبهوا بمنع عمر فلم يزالوا مستمرين على الإكثار من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى التجأ عمر إلى جلبهم إلى المدينة من الآفاق ، وحبسهم عنده بالإقامة الجبرية ! - إن تلك المحاولة تستلزم أن يكون هؤلاء الممنوعون من قبل عمر كلهم متهاونين بالسنة لم يحافظوا على الحديث ، ولم يتثبتوا فيه ، ولم يحتاطوا له ، بل فرطوا فيه . إن مثل هذا الالتزام تجرؤ على مقام أولئك الصحابة الكرام ، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .

     5 - توجيه ابن قتيبة :
     وتصدى ابن قتيبة لتوجيه تلك الروايات ، مع تخصيصه البحث بما ورد بلفظ " الاقلال " (37) فقال : كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية . . . وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية ، يريد بذلك ألا يتسع الناس فيها ، ويدخلها الشوب ، ويقع التدليس والكذب من المنافق ، وا لفاجر ، والأعرابي . وكان كثير من جلة الصحابة ، وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وآله



(37) مضى ذكره برقم 1 في ص 20 .


(35)

وسلم - كأبي بكر ، والزبير ، وأبي عبيدة ، والعباس بن عبد المطلب - يقلون الرواية عنه ، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا ، كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (38) .

     أقول : وأول ما يرد على ابن قتيبة أنه لم يتعرض إلى الروايات الدالة على أن عمر منع عن عموم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا تخصيص بالاكثار وهي أكثر روايات الباب . فاقتصاره على ذكر الرواية التي فيها أمر عمر بالإقلال ، وتوجيهها لا ينهض جوابا عن الروايات الدالة على منع عمر لعموم الحديث وهو خارج عن الموضوعية المطلوبة من المحقق في العلم . وقد يخطر على البال أن ابن قتيبة - ومن تبعه - حملوا الروايات العامة في منع الحديث ، على خصوص الاقلال ، حملا للعام على الخاص . لكن هذا غير صحيح ، وذلك :
     1 - لأن ابن قتيبة لم يذكر الأخبار العامة أصلا ، ولا بالإشارة ، فكيف ينسب إليه هذا التخصيص .
     2 - أن المخاطبين بقوله " أقلوا الرواية . . . " هم وفده إلى الكوفة ، وأبو موسى الأشعري الذي أرسله إلى الكوفة ، لكن الممنوعين عن عامة الحديث هم غير هؤلاء ، كأبي هريرة وأبي ذر وأبي مسعود وغيرهم ، ومن الواضح أن المخاطب بالعام إذا اختلف عن المخاطب بالخاص ، امتنع التخصيص . فإذا كلف زيد بإكرام العلماء ، وكلف عمرو بإكرام العلماء النحويين ، لم يجز حمل خطاب زيد على خطاب عمرو ، وهذا واضح .
     3 - أن التخصيص إنما يجري في الخطابين إذا كان أحدهما يحتوي على لفظ عام والثاني على الخاص ، فيكون حمل العام على الخاص ، تخصيصا .



(38) تأويل مختلف الحديث : 8 - 49 .


(36)

s والمقام ليس كذلك ، فإن الحبس الصادر عن عمر لم يكن إلا عملا صدر منه ، وعرفنا من عتابه أن سبب الحبس هو أن الصحابة كانوا يروون الحديث عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم ، ولم ينههم لفظا عن رواية الحديث ، كي يكون عاما قابلا للتخصيص بقوله :
أقلوا .
     مضافا إلى أن ما سنورده على هذا التوجيه ، وارد على فرض إرادة الخاص

ويرد على هذا التوجيه ، أمور :
     الأول : قوله :
" كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية . . . يريد ألا يتسع الناس فيها " .
     يرده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الرسالة ، والصادع بأمر الشريعة ، ومصدر الرواية والحديث ، كان يريد الاتساع في الرواية ، والاكثار منها ، وكان يحث أصحابه وأمته على سماع الحديث ، ونقله ، وتحمله ، وأدائه ، وتبليغه ، ونشره . وإن رغبة الشارع في التوسعة في الحديث والرواية مما لا ينكره عالم من علماء الإسلام ، حتى أصبحت التوسعة فيها من مفاخرهم ، وقد لقبوا كبار المحدثين ، المكثرين من حفظ الرواية والسعة فيها ، بألقاب خاصة مثل الحاكم ، والحافظ ، والحجة ، وغير ذلك (39) .
     فما بال عمر ، يريد أن لا يتسع الناس في الحديث والرواية ، وهي - لا تزال في عصره - غضة ، نضرة ، عبقة بأثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الباهر ، ويفوح منها أريج النبوة العاطر ؟ ! لماذا لا يريد عمر ، الاتساع في الحديث ، وهو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أمر المسلمون باتباعها ، ولهم فيها برسول الله أسوة حسنة ؟ ! . ومن هم الناس الذين لا يريد اتساعهم في الرواية ؟ ! أليسوا هم - في ذلك



(39) أنظر كتب دراية الحديث ومصطلحه ، وخاصة " تدريب الراوي " .


(37)

العهد - الصحابة الأمناء ، الذين لا يرتاب فيهم ، ولا يرتاب على الحديث منهم ؟ !

     الثاني : قوله : " يريد ألا يتسع الناس فيها ، ويدخلها الشوب ، ويقع التدليس ، والكذب من المنافق ، والفاجر والأعرابي " . أقول : إن الممنوعين في زمان عمر كانوا من الصحابة - كما عرفنا أسماء كثير منهم في نصوص منعه - أولا أقل من وجود الصحابة فيهم ، فإن كان ما احتمله من الشوب والتدليس والكذب ، يحتمل صدوره من الصحابة وأن يكون المنافق والفاجر والأعرابي يوجد في ما بينهم ، باعتبار أنهم كانوا محط منع عمر وإنكاره وتشديده وحبسه . فهذا ينافي ما يلتزم به المسلمون من احترام الصحابة وتقديسهم ، من مثل أبي ذر الغفاري ، وأبي مسعود الأنصاري . وإن كان المذكورون من غير الصحابة ، فذلك لا يبرر إنزال العقوبة والإهانة والتضييق بالصحابة الكرام من أجل روايتهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ؟

الثالث : قوله : " وكان كثير من جلة الصحابة ، وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . يقلون الرواية " . فهذا جزاف من القول ، بلا ريب ! . يشهد على ذلك عدم تمثيله إلا بهذا العدد النزر بينما المكثرون للحديث من الصحابة يبلغون المئات ، وفيهم من هو أخص ممن ذكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته ، ونسائه ، وخدمه ، والمخلصين من أتباعه ، فإنهم قد رووا وأكثروا ، وبينهم من منعهم عمر ، وحبسهم مثل أبي ذر الغفاري وأبي مسعود الأنصاري . فكيف يجعل الصحابة موافقين لعمر في إجرائه ، مع أنهم خالفوه في أمر التدوين حيث أشار عليه - عامتهم - بالتدوين ، فخالفهم فمنع من التدوين (40) .



(40) تقييد العلم : 49 - 51 .


(38)

وسيأتي أن جمعا من الصحابة عارضوا إجراءات عمر لمنع الحديث ، وفيهم علي عليه السلام ، وأبو ذر وابن عباس ، وهؤلاء من مكثري الصحابة .
     إن نسبة ما سنه عمر من منع الحديث - سواء عاما أو خاصا بالإكثار - إلى الصحابة الكرام ، تخالف الواقع الموجود في ما بأيدينا من كتب الحديث ، حيث أن هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث لم ترو إلا من طريق صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي الدليل القاطع على أن الصحابة لم يلتزموا بأوامر عمر بالإقلال ، ولم يأبهوا بإجراءاته في المنع من الاكثار . والعجب من الدكتور نور الدين عتر أنه جعل (الاقلال في الحديث) من قوانين الرواية ، فقال : وأهم قوانين الرواية - في عهد الصحابة - تقليل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ خشية أن تزل أقدام المكثرين بسبب الخطأ أو النسيان ، فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله صلى عليه وآله وسلم ، من حيث لا يشعرون . فكان أبو بكر وعمر يشددان في ذلك ، وقد سلك عموم الصحابة هذا السبيل (41) .

     أقول : هذا الكلام بعيد عن الموضوعية من جهات :
     1 - أنه تعرض لمسألة الاقلال ، وأهمل ذكر منع عمر ، وأبي بكر لأصل الحديث والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عامة ، قليلا كان أو كثيرا وهو ما يظهر من أخبار المنع التي قدمناها . وقد فهم الصحابة من عمر ، النهي عن الحديث ، حيث سألوه : أتنهانا ؟ ! . وهو - وإن قال لهم : " لا " - إلا أنه أقدم عمليا على حبسهم عنده ، فمنعهم - عمليا - من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطلقا . وقد مضى أن ابن البري فسر " الحبس " بالمنع من الحديث (42) من دون إشارة إلى



(41) منهج النقد : 52 .
(42) أنظر ذلك ذيل الحديث (رقم 4) ص 11 .



(39)

القليل والكثير ، فظاهره العموم .
     2 - وأما قوله : " تقليل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خشية أن تزل أقدام ، فيقعوا في شبهة الكذب من حيث لا يشعرون " .
     ففيه : مضافا إلى ما أوردنا على مثل ذلك في كلام ابن قتيبة ، فيما مر (43) أن ترك الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استنادا إلى مثل هذه الشبهة والتخوف من الكذب الموهوم ، مخالف للحق الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث إنه تلافى مثل ذلك ، بصراحة في ما رواه رافع بن خديج ، قال : " مر علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما ، ونحن نتحدث ، فقال : ما تحدثون ؟ . فقلنا : ما سمعنا منك ، يا رسول الله . قال : تحدثوا ، وليتبوأ مقعده - من كذب علي - من جهنم ! ومضى لحاجته ، وسكت القوم ، فقال : ما شأنهم لا يتحدثون ؟ ! . قالوا : الذي سمعناه منك ، يا رسول الله ! قال : إني لم أرد ذلك ، إنما أردت من تعمد ذلك . فتحدثنا . قال : قلت : يا رسول الله ، إنا نسمع منك أشياء ، أفنكتبها ؟ قال : اكتبوا ولا حرج " (44) .
     ومعنى ذلك أن توهم الكذب ، لا يسد به باب الرواية والحديث لا قليله ولا كثيره وأن الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو (تعمد الكذب) . والعجب من الدكتور أنه يقول مثل هذا الكلام ، مع أنه يرى قيد " متعمدا " في الحديث المتواتر " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (45) .
     ومن الواضح أن الاعتناء بتوهم الكذب ومنع الرواية كلها أو منع بعضها



(43) أنظر ما أوردناه ثانيا على ابن قتيبة ص 37
(44) تقييد العلم : 2 - 73 ، محاسن الاصطلاح : 300 عن المحدث الفاصل .
(45) أنظر : مسند أحمد 1 / 165 و 2 / 159 و 3 / 39 ومواضع أخر .



(40)

بتقليلها لئلا يقعوا فيه ، يساوي لغوية قيد " التعمد بالكذب " ويلزم منه ترك الحديث مطلقا سواء كان الكذب فيه عن عمد أو غير عمد . وهذا غير صحيح .
     3 - وإما قوله : " وقد سلك عموم الصحابة هذا السبيل " . فهو ادعاء لا يوافق الواقع ، فإن الآثار - ومنها ما نقلناه سابقا - تدل على أن المانع من الحديث - ولو بعنوان الإقلال منه - ليس إلا أبو بكر وعمر . وأما الصحابة :
     فكان كبارهم ، وأجلاؤهم من الممنوعين ، ويفهم من فحوى تلك الآثار أنهم لم يكترثوا بأوامر عمر ، حتى قام بجلبهم من الآفاق إلى المدينة ، وحبسهم عنده ، وفيهم مثل أبي ذر الغفاري ، وأبي مسعود الأنصاري . فكيف يجعل الدكتور الصحابة الممنوعين في صف عمر وأبي بكر المانعين ! . 4 - عدم وضوح حد الاقلال المذكور قال محمد عجاج الخطيب - بعد أن نقل خبر الذهبي في حبس عمر للصحابة (46) - : هؤلاء ثلاثة من جلة أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأتقاهم ، وأورعهم . هل يعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم ؟ وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية ؟ إن المرء ليقف متسائلا أمام هذا الخبر ، ويعتريه الشك فيه ، ويتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الاقلال والاكثار (47) .
     أقول : أما السؤال الأخير فلا بد أن يسأل عنه عمر نفسه الذي أمر وفده إلى الكوفة بالإقلال ، فقال : أقلوا الحديث . . . وكذلك ليسأل ابن قتيبة الذي أخبر بأن فلانا وفلانا كانوا يقلون الرواية ؟ وكذلك الدكتور عتر الذي جعل " الاقلال " في الرواية من قوانينها ؟



(46) ذكرناه برقم 3 ص 20 .
(47) السنة قبل التدوين : 106 وما بعدها .



(41)

فأي قانون هو هذا المجهول الهوية ، والكم ، والكيف ؟ !
     وأما الشك في هذا الخبر ، والقدح في صحته ، فليس من شأن العلماء مع ثبوته في الكتب والمؤلفات المعتبرة بأسانيد عديدة ، وفيها الصحاح بحكم صيارفة الفن مثل الحاكم والذهبي واشتهار أمر ذلك بحيث تصدى كبار حملة الحديث وحماته لتوجيهه . وليس لشخص مثل العجاج أن يشك في ذلك . وإذا لم يتمكن من الاقتناع بهذا التوجيه ، فليس معناه جواز رد الخبر ، بل التحقيق يفرض على الشخص أن يبحث ليجد الحل المناسب . لكن العجاج لما لم يجد إجابة صحيحة لأسئلته تلك ، لجأ إلى رد الحديث تارة بما ذكر ، وأخرى بقوله : " هناك خلاف في المحبوسين ، فهل تكرر الحبس من عمر ؟ ولو تكرر لاشتهر ! ؟ " . . وقال أيضا : " وقد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثا ، ولم يردنا خبر عن حبسهم ، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضا دون بعض في قضية واحدة ، هم فيها سواء ! وهي الاكثار من الحديث . معاذ الله ، أن يفعل ذلك عمر ، فيحبس هؤلاء ، ويترك أبا هريرة - مثلا - وهو أكثر حديثا منهم ؟ ! وكذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة ! " . وأضاف : العجاج قائلا : " ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدا ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابن البري ، قال ، يعني منعهم الحديث ، ولم يكن لعمر حبس . فقد فسر ابن البري الخبر تفسيرا جيدا ، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث ، خوفا أن لا يتدبر السامعون كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كثر عليهم " (48) .



(48) السنة قبل التدوين : 106 - 110 .


(42)

وخلاصة ما ذكره العجاج أمور ثلاثة :
     1 - الخلاف في المحبوسين ، وعدم اشتهار تكرر الحبس .
     2 - لماذا لم يحبس عمر أبا هريرة - مثلا - ، مع أنه أكثر حديثا من غيره ؟ !
     3 - إن عمر لم يكن له حبس ، والحبس بمعنى المنع . أقول : وقد جعل هذه الأمور الثلاثة دليلا على بطلان الخبر ، ونفي صحة ما ورد في حبس عمر للصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وفي كل ذلك نظر :
     أما الأول وهو الخلاف في المحبوسين ، وعدم اشتهار تكرر الحبس :
     ففيه : أن خبر حبس عمر ، ورد في مختلف المصادر التاريخية والحديثية ، واشتهر بين المؤلفين ، بحيث لم ينكره أحد من القدماء ، وإنما يسعون لتوجيهه ، مع أنه قد ورد خبره بالأسانيد الصحيحة بتصديق علماء كبار من أهل الفن كالحاكم والذهبي ، فلا يمكن رده ، ونفي صحته ، بمجرد عدم فهم المراد منه . وليس النزاع في حبس هذا أو ذاك ، حتى يثبت أو ينكر ، وإنما الحبس مسلم كواحد من أساليب عمر ، في التشديد على الصحابة من أجل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . أفهل ينكر ذلك ؟ ! مع أن في بعض النصوص :
     " أنه حبس الصحابة " وهذا يشمل مجموعة منهم ، والوارد في كل رواية بعض الأسماء ، فلا منافاة بين الروايات لأن كل واحد منها لا يدل على الحصر ، ولا يعارض أن يكون غير من فيها أيضا محبوسا ، ويكون ذكر من ذكر في كل رواية ، من باب المثال ، لا الحصر . ومع وجود هذه الاحتمالات ، لم يبق مجال لرد الرواية ونفي صحتها لاختلاف الروايات في أسماء المحبوسين . وأما الثاني وهو عدم حبس أبي هريرة :


(43)

ففيه . أن الروايات وإن لم تذكر أبا هريرة في المحبوسين ، لكن شيئا من الروايات لم ينف حبس أبي هريرة . مع أنه ليس معنى عدم حبسه عدم منعه من رواية الحديث ، الذي هو الهدف من عملية الحبس . وقد وردت آثار عديدة في منع عمر أبا هريرة عن رواية الحديث ، وتهديده بالإبعاد إلى أرض قومه ، ذكرنا بعضها (49) .
     وقد أعلن أبو هريرة عن تخوفه من الحديث في عهد عمر ، وأن عمر لو كان حيا لما سمح له بنقل الحديث (50) .
     بل قال : ما كنا نستطيع أن نقول " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " حتى قبض عمر (51) .
     وهذا النص مع أنه يدل على أن مطلق الحديث كان ممنوعا على الصحابة في عهد عمر . يدل على أن أبا هريرة كان ممن خضع للأوامر ، والتهديدات فلم يحتج إلى أن يحبس . ولسنا نحن بصدد البحث عن خصوص حبس عمر للصحابة ، إلا باعتباره واحدا من أساليبه لمنع الحديث . وأما الثالث فكلمة الحبس يراد بها - لغة - السجن ، والمنع والظاهر أن الأصل في معنى الحبس هو ضد التخلية (52) وتخلية كل شئ بحسبه .
     فلو منع عمر صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الخروج من المدينة



(49) أنظر : ص 20 رقم (2) .
(50) تذكرة الحفاظ 1 / 17 ، وجامع بيان العلم 2 / 121 .
(51) البداية والنهاية - لابن كثير - 8 / 107 .
(52) أنظر : صحاح اللغة - للجوهري - مادة : حبس .



(44)

إلى الآفاق فقد حبسهم في المدينة ، كما جاء في بعض النصوص نفس هذا التعبير (53) ويدل عليه قول عمر في بعض الروايات : " أقيموا عندي . . . لا تفارقوني . . . فما فارقوه حتى مات " (54) .
     ومن المعلوم أن منعهم من الخروج عن المدينة ، إنما كان لأجل أن لا يحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ذلك الحديث الذي أثار عمر وألجأه إلى حبسهم . وأما تفسير الحبس بالمنع من الحديث ، فهو صحيح لغة ، لكنه لا يختلف عن المعنى الأول في شئ حتى يعتبره العجاج " جيدا " وكأن المعنى الأول ليس بجيد . فالمنع من الحديث هو مغزى الحديث ، ومغزى كل الآثار المذكورة عن عمر في معاملته مع الصحابة ، وهو الأمر الذي يتصدى العلماء لتوجيهه . وأما قول العجاج - توضيحا لتفسير ابن البري - : يريد أنه منعهم كثرة الحديث خوفا أن لا يتدبر السامعون . . . إذا كثر عليهم . فهذا تصرف غير أمين ، لأن ابن البري يقول : " منعهم الحديث عن رسول الله " ، والعجاج يقو ل : " يريد منعهم كثرة الحديث " . فكلمة " كثرة " زادها العجاج موهما أن ابن البري يريدها ، وهو لا يريدها ، ولو أرادها لأضافها في كلامه . بغض الحديث ومعارضة تدوينه ، خلق في آل عمر : نقلت آثار تدل على أن معارضة الحديث وبغضه أمر أصبح خلقا في آل عمر . قال الشعبي : " جالست ابن عمر سنة ، فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا " (55) .



(53) أنظر : ص 21 رقم 4 حديث (2) .
(54) أنظر : ص 21 ، رقم 4 .
(55) الحديث والمحدثون - لأبي زهو - : 68 .



(45)

وروي عن حفصة بنت عمر أنها كانت تعارض تدوين الحديث (56) .
     وقال سفيان بن عيينة : دخلت على العمري - يعني الرجل العابد من آل عمر - فقال : ما أحد من الناس - يدخل علي - أحب إلي منك ، إلا أن فيك عيبا ! قلت : وما هو ؟ ! قال : تحب الحديث (57) .
     وقال سعيد بن المسيب : كتب إلي أهل الكوفة مسائل ألقى فيها ابن عمر ، فلقيته ، فسألته من الكتاب ، ولو علم أن معي كتابا لكانت الفيصل فيما بيني وبينه (58) .

     منع الحديث سنة للحكام :
     لقد أصبح منع الحديث سنة اتبعها الحكام . قال الشيخ محمد أبو زهو : وقد تتابع الخلفاء على سنة عمر " فلم يشأ أحدهم أن يدون السنة ، ولا أن يأمر الناس بذلك حتى جاء عمر بن عبد العزيز " (59) . أقول : وكذلك لم يشأ أحد منهم أن ينقل الحديث وينشر إلا ما كان على عهد عمر . فكانوا يعلنون أن منهجهم في ذلك منهج عمر ، وقاموا بما قام به عمر من تهديد الصحابة . والآثار المنقولة كثيرة جدا نكتفي بما يلي :



(56) ذم الكلام - للهروي - :
(57) أنظر ترجمة سفيان .
(58) تقييد العلم : 44 .
(59) الحديث والمحدثون : 126 .



(46)

1 - عثمان يمنع رواية الحديث :
     قال محمود بن لبيد : " سمعت عثمان على المنبر يقول : لا يحل لأحد يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم أسمع به في عهد أبي بكر ، ولا عهد عمر " (60) .
     وهذا النص يدل على أن الممنوع في عهد عثمان ، هو الممنوع في عهد أبي بكر وعمر ، وقد أثبتنا أن الممنوع في ما سبق عهد عثمان إنما هو الحديث ، لا مجرد الاقلال منه ، فالممنوع في عهد عثمان - أيضا - كذلك . لكن محمد عجاج الخطيب يحاول التمويه في هذا أيضا فيقول : " روي عن عثمان أنه اتبع منهج عمر في الإكثار من الرواية (61) ثم أورد رواية محمود بن لبيد ، مع أن الرواية لا تحتوي على كلمة " الإكثار " فلاحظ . وقد فعل عثمان بأبي هريرة ما فعله عمر ، من تهديده بالإبعاد ، فقال له : " ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لقد أكثرت ، لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس " (62) .
     2 - معاوية يعارض الحديث :
     1 - قال رجاء بن حياة : " كان معاوية ينهى عن الحديث ، ويقول : لا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (63) .
     2 - روى ابن عدي ، عن إسماعيل بن عبيد الله : أن معاوية نهى أن يحدث



(60) الطبقات لابن سعد 2 / 2 / 100 ، مسند أحمد 1 / 2 - 363 .
(61) السنة قبل التدوين : 97 .
(62) المحدث الفاضل ، والسنة قبل التدوين : 459 - 460 " وانظر أضواء على السنة المحمدية - لأبي رية - : 54 .
(63) الفقيه والمتفقه - للخطيب - 1 / 7 .



(47)

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث ، إلا حديث ذكر على عهد عمر ، فأقره . عمر .
     إن عمر كان قد أخاف الناس في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (64) .
     3 - وروى ابن عساكر : " كان معاوية يقول على منبر دمشق : إياكم والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا حديثا ذكر على عهد عمر (65) .
     وفي صحيح مسلم ، عن اليحصبي ، قال : سمعت معاوية يقول : إياكم وأحاديث ، إلا حديثا كان في عهد عمر ، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل (66) .
     وقال معاوية : " ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث ، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه " . فقام عبادة بن الصامت ، وعارضه (67) .
     3 - الحجاج يمنع الصحابة من الحديث :
     ذكر ابن الأثير : " كان الحجاج الثقفي قد ختم في يد جابر بن عبد الله ، وفي عنق سهل بن سعد الساعدي ، وأنس بن مالك ، يريد إذلالهم ، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم " (68) .
     ومن قرأ التاريخ وتابع أحداثه ، وتدبر مجرياته ، لا يخفى عليه أن الذي فسح للحجاج أن يقوم - بهذه الجرأة - بإذلال الصحابة الكرام هكذا ويمنع الناس من سماع حديثهم ، إنما هي تلك الإجراءات المعادية التي اتخذت ضد الحديث والسنة النبوية إلى حد الحبس والتبعيد والتهديد لمن نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .



(64) الكامل - لابن عدي - 1 / 33 ، ومسند أحمد 4 / 99 .
(65) تاريخ دمشق - لابن عساكر - 3 / 260 .
(66) صحيح مسلم 2 / 718 كتاب الزكاة ، باب النهي عن المسألة .
(67) صحيح مسلم 3 / 1210 باب الصرف وبيع الذهب .
(68) أسد الغابة - لابن الأثير - 1 / 471 ، الطبعة الحديثة .




(48)

آثار تلك الإجراءات :
     ولقد أثرت تلك الإجراءات ما أريد منها ، من منع تدوين الحديث ، ونكتفي نحن بما سجلناه في كتاب " التدوين " من تلك الآثار عن إعادته هنا . ومما قلناه هناك ما نصه : ومهما كانت الأسباب التي دعت إلى منع تدوين الحديث ، إلى جانب منع روايته ونقله ، فإن الأمر الذي ليس لأحد إنكاره هو أن الحديث قد منع - فعلا - كتابة وتدوينا ، ورواية وتحديثا لفترة طويلة ، وقد أثر ذلك آثارا سيئة ، سواء أراد المانعون أم لم يريدوا ! وسواء رضي المدافعون عنهم ، أم غضبوا ! وقد عبر البيهقي عن هذه الآثار - في دلائل النبوة - لما عنون لأحاديث " الأريكة " بقوله : " باب ما جاء في إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بشبعان على أريكته ، يحتال في رد سنته ، بالحوالة على ما في القرآن من الحلال والحرام ، دون السنة ، فكان كما أخبر ، وبه ابتدع من ابتدع ، وظهر الضرر (69) .
     وأهم تلك الآثار اختفاء جملة كبيرة من السنة النبوية :
     وقد فصلنا الكلام عن ذلك ، إلا أنا نذكر بعض الحقائق الواردة هناك : فقرظة بن كعب الذي روى خبر منع عمر لوفد الكوفة عن الحديث ، يقول - بعد نقله لذلك الخبر - : " فما حدثت بشئ ، وقد سمعت كما سمع أصحابي " (70) . وأبو هريرة يخفي حديثا كثيرا خوفا من تهديدات عمر ، فقد روى عنه المقبري أنه قال : " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ؟ ! " (71) .
     فأي شئ أوجب أن يصير نقل السنة الشريفة سببا لقطع بلعوم شخص مثل



(69) دلائل النبوة 6 / 549 .
(70) سنن الدارمي 1 / 72 ح 285 و 286 .
(71) تذكرة الحفاظ 1 / 35 ، صحيح البخاري 1 / 41 كتاب العلم ، باب حفظ العلم .



(49)

أبي هريرة راوية الإسلام ! ؟
     وماذا يعوض عن الوعاء الثاني الذي لم يبثه هذا الراوي ؟ !
     وماذا يعوض عن الصحف التي أبيدت والكتب التي أحرقت ؟ !
     وقال الشيح محمد أبو زهو : " كاد القرن الأول ينتهي ، ولم يصدر أحد من الخلفاء أمره إلى العلماء بجمع الحديث ، بل تركوه موكولا إلى حفظهم ، ومرور هذا الزمن الطويل كفيل بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين (72) .
     أقول : بالرغم من اعترافه بذهاب الكثير من حملة الحديث الذي يستلزم بالطبع ذهاب جملة كبيرة كذلك من الحديث الشريف نفسه ، فإنه صور أن سبب ذلك عدم إصدار الخلفاء أو عدم أمرهم بالجمع لها ، ولكنه أغفل منعهم عن الجمع والتدوين . فلو أنهم لم يعارضوا تدوين الحديث ، وتركوا علماء الأمة على طبيعة حالهم لكان العلماء أحرص الناس على تدوين الحديث وكتابته . بل ، ليت الخلفاء لم يحرقوا ما كتبه العلماء وجمعوه من الحديث . وكذلك قوله : " بل تركوه موكولا إلى حفظهم " . يريد أن يوهم من طرف خفي إلى أن الحلفاء كانوا يوعزون إلى حفظه ، وكأنهم يريدون ذلك . لكنه تغافل عما أوردناه في هذا البحث من الحقائق الكاشفة عن أنهم كانوا يريدون إخفائه وإبادته ، حيث منعوا حتى تداوله ونقله ونشره وإذاعته . ولو ذكر منع التدوين ، ومنع النقل ، لكان أوصل إلى النتيجة التي ذكرها عن ذهاب جملة كبيرة من الحديث .



(72) الحديث والمحدثون . 127 .


(50)

موقف أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من هذه الإجراءات :
     وبالرغم من كل تلك الإجراءات ، فإنا نعتقد أن السنة النبوية بقيت مصونة من أن يطالها أولئك بسوء . ودليلنا على ذلك أن الحديث الشريف هو واحد من أعمدة هذا الدين الذي وعد الله ببقائه ، واعتلائه ، ونصره على الدين كله ولو كره المشركون . فكيف يمكن أن يتطاول على واحد من أعمدته ؟ ! مع أن المخلصين لهذا الدين ، والمبلغين للإسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تصدوا لتلك الإجراءات بكل ما لديهم من حول وطول ، وأحاطوا الحديث الشريف بكل ما يملكون من أدوات الحفظ والصيانة والضبط . فمن المجموعة الكبيرة التي حفظوها بالكتابة والتقييد بأيد أمينة ، إلى المجموعة الأخرى التي تناقلتها الألسنة الصادقة بعد الحفظ في قلوب واعية ذكية وأفئدة تحترق لهذا الدين ، وتختلج في سبيله ، وتنبض بحياته . أولئك المخلصون من الصحابة الذين استرشدوا بهدي محمد وآل محمد صلوات الله عليهم . وأساس ذلك ما قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عصره ، ببث الحديث ، والحث على نشره ، وحفظه ، وإبلاغه وقد اشتهر قوله : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها " . وقوله : " بلغوا عني ، ولو آية " . وقوله : " اكتبوا ، ولا حرج " في حديث رافع بن خديج الذي استأذنه في كتابة ما يسمع من حديثه . وذلك الحديث يدل على أن الصحابة - في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - وبمرأى منه ومسمع ، كانوا يعقدون الحلقات يتذاكرون فيها ما يسمعون من


(51)

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (73) .
     فقام أولئك المخلصون من الصحابة الكرام بتدوين الحديث في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعده ، من دون توان أو انقطاع ، ومن دون انصياع لأوامر الحكام بالمنع عن التدوين ، وخلفوا لنا الحديث الشريف مصونا في صحفهم الكريمة . وكذلك عارضوا إجراءات منع نقل الحديث وروايته ، وقاموا بنشره ، حتى لجأ الحكام إلى جلب بعضهم إلى المدينة وحبسهم ، لكن ذلك لم يمنعهم عن الاستمرار على أداء ذلك الواجب المقدس تبعا لأئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين كانوا يحثون الأمة على سماع الحديث والمذاكرة به ونقله وحمله وأدائه ونشره . فهذا أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول : " تذاكروا الحديث ، وتزاوروا ، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس " (74) .
     وهذا صد لأهم آثار المنع ، وهو اندراس الحديث وذهابه واختفاؤه .

وأبو ذر الغفاري :
     ذلك الصحابي الصادق الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة ، أصدق من أبي ذر " (75) . وقف من إجراءات منع الحديث موقفا شديدا صارما ، بصراحة : قال الراوي : " أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه ، يستفتونه .
     فأتاه رجل ، فوقف عليه ، ثم قال : ألم تنه عن الفتيا ؟ ! فرفع رأسه إليه ، فقال : أرقيب أنت علي ؟ ! لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني



(73) لاحظ فيما سبق حديث رافع ، وانظر : السنة قبل التدوين : 135 .
(74) سنن الدارمي 1 / 122 ح 632 . ومعرفة علوم الحديث - للحاكم - : 60 و 146 ، وشرف أصحاب الحديث : 69 .
(75) مسند أحمد 5 / 197 . سنن الترمذي 5 / 669 ح 3801 و 3802 باب مناقب أبي ذر رضي الله عنه .



(52)

انفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تجيزوه علي ، لأنفذتها ! " (76) .
     وبهذه الصراحة ، والصلابة ، والقوة ، وقف أبو ذر من إجراء المنع وأعلن رفضه له ويلاحظ في هذا النص وجود الرقابة على أبي ذر كي لا يحدث الناس بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
     ويدل اختيار أبي ذر للزمان والمكان على عنايته الفائقة بأمر معارضته . أما الزمان ، فهو الموسم ، وفي منى حين يجتمع أكبر عدد من المسلمين الوافدين للحج . وأما المكان ، فعند الجمرة الوسطى ، حيث يجتمع الناس عندها ، الصاعد منهم إلى العقبة ، والهابط إلى الجمرة الصغرى . وفي قول الرقيب لأبي ذر " ألم تنه " دلالة واضحة على كون أبي ذر قد بلغ بالنهي عن الحديث ، ولكنه لم يأبه به . ووجود الرقابة على أبي ذر ، وكلامه مع الرقيب ، يدلان على وجود معارضة قوية لإجراءات الحكومة ، لمنع الحديث . وعبد الله بن عباس : حبر الأمة وعالمها ، يقف من إجراء منع الحديث موقفا صلبا ، - بعد أن عارض منع تدوينه ، فكتب الصحف وأمر بكتابتها - ، فقال : " تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت منكم ، فإنه ليس مثل هذا القرآن مجموع محفوظ . وإنكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم . ولا يقولن أحدكم : حدثت أمس ، فلا أحدث اليوم .



(76) سنن الدارمي 1 / 112 ، والبخاري في صحيحه 1 / 27 من قوله : " لو وضعتم " ، وحجية السنة : 3 - 464 .


(53)

بل ، حدثت أمس ، ولتحدث اليوم ، ولتحدث غدا " (77) .
     وفي هذا منتهى التشديد في معارضة المانعين لنقل الحديث . ولا غرو من مثل ابن عباس ، فإنه تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام وربيبه . وهكذا وقف المخلصون لهذا الدين موقف الرفض والمعارضة لكل إجراءات الخلفاء والحكام لمنع الحديث . ووقفنا نحن شيعة أهل البيت عليهم السلام مع أولئك المخلصين فنرفض كل أشكال التعدي على السنة المطهرة ، ونلتزم بوجوب كتابتها وضبطها بدقة تامة ، ثم نقلها وتبليغها ونشرها بأوسع مدى ، كي تستبين للمسلمين السبل العادلة ، الموصلة إلى الحق المبين . وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .



(77) سنن الدارمي 1 / 119 رقم 606 .


(54)

مصادر البحث :

    1 - إحكام الأحكام ، لابن حزم . حققه لجنة من العلماء ، الطبعة الثانية - دار الجيل - بيروت 1407 ه‍ .
     2 - أخبار المدينة المنورة ، لابن شبة . تحقيق شلتوت ، طبع جدة .
    3 - أسد الغابة إلى معرفة الصحابة ، لابن الأثير . الطبعة الحديثة ، تحقيق محمد أحمد عاشور - دار الشعب - القاهرة .
    4 - أضواء على السنة المحمدية ، لأبي رية . دار المعارف - مصر .
     5 - الالماع ، للقاضي عياض . تحقيق السيد أحمد صقر - مصر .
     6 - البداية وا لنهاية ، تاريخ ابن كثير . دار الفكر - بيروت .
     7 - تاريخ دمشق لابن عساكر . طبع دمشق ، ج 3 و ج 39 .
     8 - تأويل مختلف الحديث ، لابن قتيبة . صححه محمد زهري النجار - دار الجيل - بيروت 1386 ه‍ .
    9 - التدوين ، للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي . تحت الطبع .
    10 - تذكرة الحفاظ ، للذهبي . المطبعة العثمانية - حيدر آباد ، أوفسيت دار إحياء التراث - العربي - بيروت .
    11 - تقييد العلم ، للخطيب البغدادي .


(55)

تحقيق وتقديم ، يوسف العث ، الطبعة الأولى ، سنة 1949 م . الطبعة الثانية - دار إحياء السنة النبوية - 1395 ه‍ .
    12 - تلخيص الذهبي ، للمستدرك على الصحيحين . طبع بذيل المستدرك .
    13 - تهذيب التهذيب ، لابن حجر العسقلاني . المطبعة العثمانية - حيدر آباد - الهند 1325 ه‍ .
     14 - جامع بيان العلم وفضله ، لابن عبد البر القرطبي . إدارة الطباعة المنيرية - مصر - ودار الكتب العلمية - بيروت .
     15 - الجامع لأخلاق الراوي والسامع .
    16 - حجية السنة ، للدكتور الشيخ عبد الغني عبد الخالق . المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، واشنطن - دار القرآن ا لكريم ، بيروت 1407 ه‍ .
     17 - الحديث والمحدثون ، لمحمد محمد أبو زهو .
     18 - دلائل ا لنبوة ، للبيهقي .
    19 - ذم الكلام ، للهروي . نقلنا عنه بواسطة بعض المصادر .
    20 - السنة قبل التدوين ، لمحمد عجاج الخطيب .
     21 - سنن الدارمي . تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني ، المدينة المنورة 1386 ه‍ .
     22 - سنن ابن ماجة .
     23 - شرف أصحاب الحديث ، للخطيب البغدادي . تحقيق محمد سعيد الخطيب اوغلي - جامعة أنقرة 1971 م .
    24 - الصحاح في اللغة ، للجوهري .
    25 - صحيح البخاري . الطبعة اليونينية ، دار إحياء التراث العربي - بيروت .


(56)

     26 - صحيح مسلم . طبعة محمد فؤاد عبد الباقي .
     27 - طبقات ابن سعد . طبعة ليدن ، ودار صادر - بيروت .
     28 - فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني . طبع مصر - بولاق 13 ه‍ .
     29 - الفقيه والمتفقه ، للخطيب البغدادي . تحقيق علي السيد .
    30 - الكامل في الضعفاء ، لابن عدي . الطبعة الأولى - بيروت .
    31 - الكنى والأسماء للدولابي . المطبعة العثمانية - حيدرآباد - الهند .
     32 - كنز العمال ، للمتقي الهندي . الطبعة الأولى - المطبعة العثمانية - حيدر آباد - الهند . والثانية . . .
    33 - محاسن الاصطلاح ، للحافظ البلقيني . طبع مع مقدمة ابن الصلاح تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن . دار الكتب المصرية 1974 .
    34 - ا لمحدث الفاصل ، للرامهرمزي .
    35 - المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري . المطبعة العثمانية - حيدر آباد - الهند . طبعه بالأوفسيت - دار الفكر - بيروت 1398 ه‍ .
     36 - مسند أحمد بن حنبل . الطبعة الأولى - مصر في ستة مجلدات .


(57)
الطبعة الثانية ، تحقيق أحمد محمد شاكر - مصر .
    37 - المصنف ، لعبد الرزاق الصنعاني . تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي - المكتب الإسلامي - بيروت 1392 ه‍ .
    38 - معرفة علوم الحديث ، للحاكم النيسابوري . تحقيق معظم حسين .
    39 - الملل والنحل " للشهرستاني . تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل - مؤسسة الحلبي - مصر 1387 ه‍ .
     40 - منهج النقد في علوم الحديث ، للدكتور نور الدين عتر . دار الفكر - دمشق -


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007