|
|
 |
| العدد 21 > کلمة التحرير > |
(1)
نشرة فصلية تصدرها مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث الإسهام في النشرة باب مفتوح لجميع العلماء والمحققين والمهتمين بشؤون تراث أهل البيت عليهم السلام . الآراء المنشورة لا تعبر عن رأي النشرة بالضرورة . ترتيب المواضيع يخضع لاعتبارات فنية ، وليس لأي اعتبار آخر . النشرة غير ملزمة بنشر كل ما يصل إليها .
المراسلات : تعنون باسم : هيئة التحرير بيروت - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني / الفرنسي ص . ب . 34 / 24 - ، تلكس 40512 - ت : 820843 تراثنا العدد الرابع [ 21 ] السنة الخامسة / شوال - ذو القعدة - ذو الحجة 1410 ه . عدد خاص بمناسبة مرور 1400 عام على عيد الغدير . الإعداد والنشر مؤسسة آل البيت - عليهم السلام لإحياء التراث . الكمية . 1000 نسخة . قيمة الاشتراك السنوي في نشرة " تراثنا " 1200 ليرة داخل لبنان ، و 20 دولارا في البلاد العربية وأوربا ، و 22 دولارا في آسيا وأفريقيا ، و 25 دولارا في الأمريكيتين وأستراليا . بضمنها أجور البريد المضمون .
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
بسم الله الرحمن الرحيم
(7)
كلمة التحرير
الغدير عبر التاريخ والتراث
بسم الله الرحمن الرحيم
في حجة الوداع ...
حين كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يستعد لوداع الكعبة في آخر زيارة لها ، وكانت أمته بكاملها تستعد لتودع نبيها الحبيب ! وحيث توافد المسلمون - زرافات ووحدانا - على مكة ، بعد الإعلان عن تلك الحجة المباركة ، ليكونوا في ركب النبي في آخر مناسك يقوم بأدائها . في هذا الزمان ، وهذا المكان ، نزلت آية التبليغ ، تقول (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ) .
عجبا ! فما هو هذا الأمر الذي أنزل الآن إلى النبي من ربه ؟ ! أليس الرسول قد صدع بالوحي ، منذ نزوله في مكة قبل ثلاث وعشرين عاما ، وحتى اليوم ؟ وقد تحمل في سبيل تبليغ الرسالة من الأذى ما لم يتحمله نبي قبله ؟ ! فما هو هذا الأمر الذي تقابل به الرسالة كلها ، على عظمتها وثقلها ، فلم يكن النبي مبلغا لها ، إن لم يبلغ هذا الأمر ؟ ! ثم ، هل في تبليغ هذا الأمر ، من الخطورة والشر والتخوف على النبي من جرائه.
(8)
ما لم يكن في تبليغ كل الرسالة على مخاطرها ، حتى أحتاج إلى عصمة الله له ؟
ومن هم الناس الذين يخاف منهم على الرسول ، في هذا الزمان ، وهو في مكة ، بين أصحابه ؟ !
لم يعهد من التاريخ أن سجل في حجة الوداع حدثا هاما ، ولا تبليغا من النبي لأمر خطير - بعد نزول تلك الآية - ليكون تفسيرا عينيا لما ، وإجابة واضحة لما أنزل على الرسول من ربه ، وكلف بتلك الشدة بتبليغه !
سوى ما صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم ، يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، ذلك العام . حيث نزل قوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
إن ذلك اليوم هو " يوم الغدير " . يوم أعلن البارئ فيه عن إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، وأفصح عن رضاه بالإسلام دينا للناس . يوم نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليا عليه السلام ، خليفة ، وإماما ووليا من بعده على المسلمين لأمور الدنيا والدين . ومنذ ذلك اليوم ، والغدير يحتل موقعا عميقا في وجدان المسلمين ، يختمر في ضمائرهم ، ويشكل ركنا من عقيدتهم ، ، يشارك في تفسير الكتاب ، ورواية الحديث والسنة ، وتكوين الأدب والتراث ، ويحدد معالم من التاريخ والحضارة ، ويميز لجماعات من مسلمي العالم مسيرهم ومصيرهم . ذلك هو الغدير : في معاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ، حيث مفترق الطرق ، في موقع " غدير خم " وقبل أن يتفرق جمع الحجيج ، فلم يشذ منهم أحد على كثرتهم . . . في هذا الموقع الحساس وضع رسول الله على نفسه أوزار المسير ، ونهض في
(9)
رمضاء الهجير ، فحشد الجموع ، وأعلن أمر الولاية صرخة مدوية في الإسلام .
وفي ذلك اليوم ، في أعظم اجتماع للأمة بقائدها العظيم ، وأكبر محفل ضم الرسول والمسلمين ، في آن واحد ، على صعيد واحد ، وفي الشهور الأخيرة من حياته الشريفة وهي تتصرم ! وعمره الشريف يقترب من نهايته ، والفرص الأخيرة لتقديم آخر وصاياه تمر بسرعة . مثل هذه الظروف استغلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأداء مهمة ذلك الأمر الذي أنزل إليه من ربه ، وتصدى لتبليغه ، بأبدع ما بإمكانه ، وأكمله ، وأتمه . . . فخطب وأسمع ، ونادى فأبلغ ، وناشدهم أجمع : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا . بلى . فقال - رافعا لعلي على يديه - : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأنصر من نصره ، واخذل من خذله . في خطبة جامعة ، ناصعة ، طويلة الذيل ، حوت كل ما اهتم به من الوصايا الضرورية ، والتي أدى بها حق رسالة الله . وقد أعلن الرسول يومئذ عن ولي الأمر من بعده ، إشفاقا على أمته من أن يتركها هملا ، تتجاذبها عسلان الأهواء . واستخلف على المؤمنين من بعده إمامهم ، ليثبت به قلوبهم ، وليحافظ على قواعد الدين العظيم بإمرة من هو خير هاد للمسلمين . ولقد أدى الرسول هذه المهمة الصعبة ببطولة نادرة ، فقد كان الأعداء - المتربصين بهذا الدين الدوائر - يراقبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يخشون مثل ذلك الأمر ، وكان المنافقون يهابون إعلان اسم ولي الأمر الذي يخلف النبي ، فبدؤوا شغبهم وأخفوا مكرهم ، ولكن الله بوعده بالعصمة قطع دابرهم . فظل خبر الغدير يتسع مع الحجيج العائدين إلى بلدانهم ، فلم تسعه المؤامرات ولم تطله الخيانات ، بل انتشر عبقه مع الأثير ، وسار نبؤه مع النور .
(10)
فمع القرآن ، حيث تتلى آيات التبليغ ، والإكمال ، وتتجلى الأذهان مناظر نزولها ، وذكريات معانيها ، وأيام أحداثها . ومع السنة ، حيث انتهى خبرها ، وأبلغ ذكرها ، حتى تواتر حديث الغدير ، فلم يسعه الإنكار ، ولم يخفه الستر والإضمار . ولقد امتلأت دواوين أهل الأدب بأنشودة الغدير ، تشدو بها القرائح ، وتغردها الأصوات الملاح في أندية الولاء . وملئت صحف الأعلام بخبر الغدير ، رغم تعرضه على طول الخط ، لمنع التدوين ، وحظر النقل ، فها هو اليوم يمثل في " التراث " بمجلدات ضخمة تعبر بصدق عن خلود الغدير ومجده عبر القرون . والتاريخ حافل بذكرياته العطرة عن هذا اليوم الخالد ، مقرونا بأعظم ما في الإسلام من ذكريات خالدة ، مستلهمة عظمتها من اسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وجهده وتوجيهه ، كالبعثة النبوية ، والهجرة ، والغدير العظيم ، إلى وفوده على ربه .
تلك الذكريات العظيمة التي لا تنفك عن الإسلام ، ويجد المسلم في استعادتها قوة ، واندفاعا ، وشموخا ، وإباءا . ولقد كان للغدير أثره البارز في حياة أمة من المسلمين ، في طليعتهم أهل البيت النبوي الشريف الطاهر ، حيث بذل الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام اهتماما عديم المثيل بواقعة الغدير ، وحديثه ، ويومه ، ودلالته . فاعتبروه شارة الحق وميقاته ، فكان الغدير من أقوى الأدلة على إمامة علي والأئمة من آل محمد عليهم السلام ، به يستدلون ، وإليه يرشدون . يشيدون به ، باعتبار أنه من أكبر الأعياد الإسلامية ، حيث تمت فيه نعمة الله ، وكمل دينه ، وأصبح الإسلام دينا مرضيا . - ويتناقلون خبره ، فكانت روايتهم لحديث الغدير ، من أضبط نصوصه ، وأقوى طرقه ، وأوثق أسانيده .
(11)
وأوضحوا معالم دلالته ، بإيراد نصه الكامل ، المحفوف بقرائن تبين مراداته ، وتكشف أبصار معانيه . والشيعة على مدى العصور وفي كل الأقطار اتبعوا القرآن الكريم في تجليل هذا اليوم وتعظيمه في آياته . وتأسوا بالرسول العظيم في إحياء هذه الذكرى وتجليلها في أزل (غدير) في العام العاشر من الهجرة . واقتدوا بالأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام الذين أشادوا بالغدير وخلدوه ، في يومه ، وحديثه ، على طول تأريخ الإمامة . فهم يستبشرون بهذا اليوم ، ويحمدون عوده ، ويتلون حديثه ، ويستهدون بهديه ، ويحتفلون بذكراه . و " تراثنا " تحيي - في عددها الخاص هذا - كل تلك المآثر ، وتستعيد كل تلك الخواطر ، وتجدد العهد مع كل تلك الأمجاد في هذا اليوم العظيم .
ونحن إذ نبارك لصاحب الولاية ، أمير المؤمنين عليه السلام ، يوم تتويجه الأزهر . ونشارك المسلمين المؤمنين إحياءهم للذكرى المئوية الرابعة عشر لعيد الغدير الأغر . نزجي بالشكر لله قائلين : الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية علي أمير المؤمنين وأولاده المعصومين . ونلهج بالدعاء متضرعين : ربنا ، إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ، أن آمنوا ، فآمنا ربنا ، لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . ربنا ، تغمد الأمة الإسلامية برضاك ، وأفض عليها رحمتك وإحسانك ، وخذ بأيدي المسلمين إلى النصر ، والكرامة ، إنك ذو الجلال والإكرام .
هيئة التحرير
|
|
|