|
|
 |
| العدد 17 > الكنية : حقيقتها ، وميزاتها ، وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلامية > |
الكنية
حقيقتها ، وميزاتها
وأثرها في الحضارة والعلوم الاسلامية
السيد محمد رضا الحسيني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الذي علم بالقلم ، وصلى الله وسلم على سيد ولد آدم ، محمد الرسول الاعظم ، وعلى الائمة المعصومين ، من آله وعترته الميامين ، وعلى شيعتهم الابرار ، والتابعين لهم بإحسان ، من الآن إلى يوم الدين .
وبعد :
فقد لزمني ـ لبعض الاغراض العلمية ـ الوقوف على حقيقة الكنية المعروفة لدى الكل ، والمتداولة على الالسن ، وبعد البحث عنها وجدتها تدخل ـ بشكل أو بآخر ـ في أكثر من علم من العلوم الاسلامية ، فضلا عن توغلها في الحياة العامة كظاهرة اجتماعية معتنى بها ، وتبتني عليها نكت في محادثات الادباء ، وأحاديث الظرفاء ، الامر الذي يجعلها واحدا من ما ينبغي معرفته من معالم الحضارة . .
وكنت ـ على عادتي ـ اقيد ما أستطرفه من ذلك ، في جذاذات تجمعت لدي ، ولقا عدت إليها يوما ـ لغرض علمي آخر ـ وجدتها كثيرة ، فخطر لي جمعها وتنظيمها ، فتكون هذا المقال ، الذي أعتبره جديرا بقول القيرواني :
« ليس لي في تأليفه ـ من الافتخار ـ أكثر من حسن الاختيار ، واختيار المرء قطعة
(8)
من عقله » .
وأملي وطيد أن يستطرفه من يراجعه من فضلاء القراء ، وأن يستعذبة من يقرؤه من الطلاب الاعزاء .
والله ولي الترفيق ، وهو المستعان ، وله الحمد في الاولى والآخرة ، وصلى الله على محمد وعترته الطاهرة .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني
في الخامس والعشرين من شوال سنة تسع وأربعمائة وألف
من هجرة سيد الانبياء صلى الله عليه وآله الاصفياء
(9)
القسم الاول : حقيقة الكنية وميزاتها
1 ـ أصل الكنية :
قال ابن الأثير : بلغني أن سبب الكنى في العرب كان :
أن ملكا من ملوكهم الاول ولد له ولد توسّم فيه أمارات النجابة فشغف به ، فلما نشأ وترعرع وصلح لان يؤدَّب أدب الملوك ، أحب أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة يكون فيه مقيما يتخلق أخلاق مؤدّبيه ، ولا يعاشرمن يضيع عليه بعض زمانه ، فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه ، ورتب له من يؤدبه بأنواع الآداب العلمية والملكية ، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه ، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه وامرائه ليواسوه ويتأدبوا بآدابه بموافقتهم له عليه .
وكان الملك على رأس كل سنة يمضي إلى ولده ، ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد ، ليبصروا أولادهم ، فكانوا معه إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم ، فيقال له : « هذا أبوفلان ، وهذا أبوفلان » يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده ، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب ، ثم انتشرت حتى صاروا يكنون كل إنسان باسم ابنه (1) .
واحتمل الاخ الفاضل السيد حيدر شرف الدين ، العاملي ، أبورضا (2) : أن
(1) المرضع : 1 ـ 42 .
(2) من أحفاد ألامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي ، صاحب المراجعات ، وأخونا السيد الجليل أبورضا يتمتع بذكاء حاد ، وفكر عميق ، ويصحب قلبا طيبا ، ويملك زمام الورع والتقى ، كشفت عن ذلك كله السنوات التي عشتها معه في النجف وقم ، وفرض التنوية بها الواجب الشرعي وحق الاخوة ، عاد إلى وطنه لاداء واجب التبليغ ، كان الله له وأخذ بيده ووفق الله المؤمنين لمعرفة حقه وأداء واجبه .
(10)
يكون أصل استعمال الكنية عند العرب لاخفاء أسمائهم ، لانهم كانوا امة قبلية تعيش حالات الحروب والغارات ، فربّما اتخذوا الكنى ـ في بداياتها ـ ليخفوا وراءها شخصياتهم المعروفة ـ عادة ـ بالاسماء ، ثم تبلورت إلى أداة معبرة عن الاشخاص ، وتميزت بخصوصيات اخرى .
ويؤيد هذا الاحتمال : أن اللغويين فسروا الكنية بالستر ، كما سيجيء .
2 ـ حقيقة الكنية :
قال الجرجاني : الكنية : ما صدر بأب أو ام أو ابن أو بنت (3) .
وقال الشيخ الرضي : الكنية هي : الاب ، أو الام ، أو الابن ، أو البنت ، مضافات ، نحو : أبوعمرو ، وام كلثوم ، وابن آوى ، وبنت وردان (4) .
وقال ابن الأثير : لما كان أصل الكنية أن تكون بالاولاد ، تعين أن تكون بالذين ولدوهم ، كأبي الحسن ، في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام .
فمن لم يكن له ابن ، وكان له بنت ، كنوه بها .
ومن لم يكن له ابن ولا بنت ، كنوه بأقرب الناس إليه كأخ واخت وعم وعمة وخال وخالة (5) .
وجروا في كنى النساء بالامهات هذا المجرى في الكنى بالاولاد (6) .
أقول : ورد في الحديث الشريف عن الامام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال : « من السنة والبر أن يكنى الرجل باسم ابنه » كما سيأتي .
وقال الرضي : وقد يكنى الشخص بالاولاد الذين له ، كأبي الحسن لامير المؤمنين علي عليه السلام .
(3) التعريفات : 81 .
(4) شرح الكافية 2|139 .
(5) لاحظ : النحو الوافي 1|277 .
(6) المرصع 2 ـ 43 .
(11)
وقد يكنى في الصغر تفاؤلا لان يعيش حتى يصير له ولد اسمه ذاك (7) .
التكنية بالبنوة :
قال ابن الأثير : وكذلك فعلوا في إضافة الابناء والبنات إكراما واحتراما لهم بإضافتهم إلى آبائهم مع ترك أسمائهم (8) .
تكنية الحيوان :
قال ابن الأثير : وأجروا غير الأناسيّ مجراهم في ذلك ، لما شارك الناس ـ في الولادة ـ باقي الحيوانات ، كنوا ما كنوا منها بالآباء والامهات ، كأبي الحارث : للاسد ، وام عامر : للضبع ، وأجروها في ذلك مجرى الأناسيّ (9) .
تكنية الجمادات :
قال ابن الاثير : فلما تجوزوا في إجراء الحيوانات العجم مجرى الناس في الكنى والابناء ، حملوا عليها بعض الجمادات فأجروها مجراها فقالوا : أبوجابر : للخبز ، وام قار : للداهية ، وابن ذكاء : للصبح ، وبنت أرض : للحصاة (10) .
3 ـ أقسام العلم :
العلم من ما يسمى في النحو « المعارف » وهوينقسم إلى اسم وكنية ولقب ، قال ابن مالك الأندلسي :
اسم يعين المسمى مطلقا * علمه كجعفر وخرنقا
(7) شرح الكافية : 2|139 .
(8) المرصع : 43 .
(9) المرصع 1 ـ 42 .
(10) المرصع : 1 ـ 42 .
(12)
واسمــا أتــى وكنيــة ولقبــا(11)
وقال الرضي : الاسم : ما لا يقصد به مدح ولا ذم (وإنما يراد به مجرد تعيين المسمى) .
واللقب : هو اللفظ الذي يدل على مدح أو ذم .
وأما الكنية : فما كان فيه أحد أدوات الكناية من : أب ، وام ، وقيل : وابن ، وبنت ـ أيضا ـ (12) .
وقال أبوالبقاء : العلم : إن كان مصدرا بأب أو ام فهو « كنية » وإن لم يصدر بأحدهما : فإن قصد به التعظيم أو التحقير فهو « اللقب » وإلا فهو « اسم » .
وبعض أهل الحديث يجعل المصدر بأب أو ام ، مضافا إلى اسم حيوان أو وصفه كنية ، وإلى غيرذلك لقبا .
والشيء ـ أول وجوده ـ تلزمه الاسماء العامة ، ثم تعرض له الاسماء الخاصة كالآدمي ، إن ولد سمي به ـ ذكرا كان أو انثى أو مولودا أو رضيعا ـ وبعد ذلك يوضع له الاسم ، والكنية ، واللقب .
وقال : ويجوز اجتماع الثلاثة لشخص واحد ، إذا قصد بكل واحد منها ما لا يقصد بالآخرين ، ففي التسمية إيضاح ، وفي الكنية تكريم ، وفي التلقيب ضرب من الوصفية (13) .
وقال الصفدي : إن العلم الدال على شخص معين :
إن كان مصدرا بأب ، كأبي بكر ، أو بام ، كام كلثوم وام البنين . . . فهو « الكنية » .
وإن أشعر برفع المسمى ، كماء السماء ، وذي الجناحين ، وذات النطاقين ،
(11) الالفية ، لابن مالك ، المطبوعة مع النحو الوافي 1|284 هـ 5 .
(12) شرح الكافية 2|139 .
(13) الكليات ، لأبي البقاء 3|192 ـ 193 .
(13)
ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء ، كالعباس ، والمهدي ، . . . ، ويدخل فيه مصطلح الناس من : شمس الدين ، وبدر الدين ، ونجم الدين ، وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب ، كشمس الدولة ، وتاج الملك .
أو يشعر بضعة المسمى ، كقفة ، وبطة ، والاقيشر ، والاحوص .
فهذا هو « اللقب » .
وإن كان للدلالة على ذات المسمى وتعيينه ، كزيد ، وعمرو ، فهو « الاسم » (14) .
4 ـ موقع الكنية في الكلام :
قال ابن مالك الاندلسي :
|
واسمــا أتى وكنيــة ولقبــا
| |
واخــرن ذا إن ســواه صحبــا (15)
|
ومعناه : أن اللقب إذا اجتمع مع الاسم والكنية ، لزم تأخير اللقب عنهما ، فالاسم والكنية مقدمان على اللقب عند اجتماعها ، فيقال : الحسين ، أبو عبد الله ، الشهيد ، عليه السلام .
أما تقديم الاسم على اللقب : فمتفق عليه :
قال ابن عقيل : يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم (16) .
وأما تقديم الكنية على اللقب ، فهو ظاهر الالفية حيث ورد فيها : « وأخرن ذا » أي اللقب « إن سواه » أي غير اللقب « صحبا » .
ولكن شراح الالفية قالوا : أنت ـ في اللقب مع الكنية ـ بالخيار ، بين أن تقدم الكنية على اللقب ، فتقول : أبو عبد الله زين العابدين ، وبين أن تقدم اللقب
(14) نصرة الثائر : 2 ـ 73 .
(15) النحو الوافي 1|284 هـ ه .
(16) شرح ابن عقيل على الالفية ـ الطبعة الاولى ـ : 19 .
(14)
على الكنية فتقول . زين العابدين أبو عبد الله (17) .
وعلى هذا الاساس احتملوا أن تكون عبارة الالفية :
وأخــرن ذا إن سواهــأ صحبــا
أي أخر اللقب إن صحب سوى الكنية ، أي إن صحب الاسم لزم تأخيره عن الاسم ، وأما إن صحب الكنية ، فهو ساكت عنه .
ويرد عليه : أنهم حكموا في اجتماع الاسم والكنية بالخيار في تقديم أحدهما على الآخر ، فلو كان الناطق في اجتماع اللقب والكنية بالخيار أيضا ، لزم من تقديم اللقب على الكنية جواز تقديمه على الاسم نفسه ، وقد عرفنا أن اللقب متأخر عن الاسم ! ذكر أبوالبقاء هذا الاعتراض (18) .
فالظاهر وجوب تأخر اللقب عن الاسم والكنية ، وهذا يوافق النسخة المعروفة من الالفية : « إن سواه » (19) .
وقال أبوالبقاء : إذا اجتمع الاسم واللقب : فالاسم ـ إن لم يكن مضافا ـ اضيف إلى اللقب ، كسعيد كرز ، لانه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد .
وإن كان مضافا ، فهم يؤخرون اللقب ، فيقولون : عبد الله بطة .
ويقدم اللقب على الكنية ، وهي على العلم ، ثم النسبة إلى البلد ، ثم إلى الاصل ، ثم إلى المذهب في الفروع . ثم إلى المذهب في الاعتقاد ، ثم إلى العلم .
وقد يقدمون اللقعب على الا سم ، ويجرون الاسم عليه بدلا أو عطف بيان (20) .]
وقال الصفدي : فسردها يكون على الترتيب : ـ ثم ذكر عين ما ذكره أبوالبقاء إلا أنه أضاف بعد قوله « ثم إلى العلم » قوله . أو الصناعة أو الخلافة أو
(17) شرح ابن عقيل على الالفية ـ الطبعة الاولى ـ : 19 .
(18) الكليات ، لأبي البقاء 3|192 ـ 193 .
(19) النحو الوافي 1|284 هـ ه .
(20) الكليات ، لأبي البقاء 3|192 ـ 193 .
(15)
السلطنة أو الوزارة أو القضاء أو الامرة أو المشيخة أو الحج أو الحرفة .
وقال : هذا الذي ذكرته ههنا هو القاعدة المعروفة والجادة المسلوكة المألوفة عند أهل العلم (21) .
وفي المقام أقوال اخر (22) .
5 ـ كنية أو لقب ؟
قال الشيخ الرضي : لفظ « اللقب » ـ في القديم ـ كان في الذم أشهر منه في المدح ، وهو ما يقصد به المدح أو الذم في الاعصار المتأخرة مثل : بطة ، وقفة ، وعائد الكلب ، في الذم .
وكالمصطفى ، والمرتضى ، وفخر الدين ، في المدح (23) .
وقد تجعل اللفظة المستعملة للكنية « لقبا » لشخص ، والمراد بجعلها اعتبار جهة المدح أو الذم فيها ، بحيث لاتستعمل إلا لارادة أحدهما منها ، فتسمى « لقبا « اصطلاحا ، وهي كنية لفظا .
وقد قسم ابن منظور الانصاري الكنية إلى ما يراد به الذم أو المدح ، أو الخالي منهما (24) .
وعلى ذلك يصح إطلاق « الكنية » و« اللقب » على لفظ واحد ، باختلاف الاعتبار .
وقد جعل ابن الأثير كلمة « أبي تراب » كنية للامام علي عليه السلام ، ولكن جعلها من قسم الكنى النادرة ، كما سيأتي (25) .
(21) الوافي بالوفيات 1|33 ـ 35 .
(22) لاحظ الكواكب الدرية ، للأهدل 1|53 .
(23) شرح الكافية للرضي 2|139 .
(24) لسان العرب 20|98 مادة (ك ن ى) .
(25) المرصع : 44 .
(16)
وأبن الصلاح جعل لفظ « أبي تراب » لقبأ للامام عليه السلام ، فقال : الذين لقبوا بالكنى ، ولهم غير ذلك كنى وأسماء ، مثاله : علي بن أبي طالب عليه السلام يلقب بأبي تراب ، ويكنى أبا الحسن (26) .
وممن لقب بالكنية : عبد الله بن محمد الاصفهاني ، المكنى بأبي محمد ، الملقب بأبي الشيخ(27)
وقال ابن حجر ، في إبراهيم بن خالد : قيل : كنيته أبو عبد الله ، وأبوثور لقب (28) وقد ذكر عدة من الكنى في فصل الالقاب من التقريب (29) .
وقال الفيروز آبادي : أبوالعتاهية : لقب أبي إسحاق بن سويد ، لا كنية (30) .
وقد يقال : إن الكنية ـ كما سيجيء ـ تدل على الاحترام والتعظيم للمكنى ، وهذا ينافي أن يكون دالا على الذم ، عندما يستعمل لقبا ? !
ويجاب : بأن اللقب ـ إنما يذم الملقب به بمعنى لفظه ، فدلالته على الذم لفظية ظاهرية مطابقية ، بخلاف الكنية (31) .
فاللقب يدل بمعناه اللغوي على ذم الملقب به ، أما الكنية فجهة التعظيم فيها ـ كما سيجيء ـ هو عدم ذكر اسم الشخص ، فهي تدل عليه بالدلالة الالتزامية .
6 ـ أهداف الكنى :
قال الاهدل : والمقتضي للتكنية امور :
(26) مقدمة ابن الصلاح : 511 .
(27) مقدمة ابن الصلاح : 263 و512 ، وعلوم الحديث ، له . 152 .
(28) تهذيب التهذيب 1|118 .
(29) تقريب التهذيب 2 | 7 ـ 568 .
(30) كليات أبي البقاء 3|192 ، وانظر : وسائل الشيعة 15|132 ب 30 ح 1 .
(31) شرح الكافية ، للرضي 2|139 ، وانظر : النحو الوافي 1 | 276 هـ 2 .
(17)
الاول : الاخبار عن نفس كأبي طالب ، كني بابنه طالب ، وهذا هو الأغلب.
الثاني : التفاؤل والرجاء ، كأبي الفضل : لمن يرجو ولدا جامعا للفضائل .
الثالث : الايماء إلى الضد ، كأبي يحيى لملك الموت .
الرابع : اشتهار الشخص بخصلة ، فيكنى بها :
إما بسبب اتصافه بها في نفسه .
أو انتسابه إليها بوجه قريب ، أو بعيد . كأبي الوفاء : لمن اسمه إبراهيم ، وأبي الذبح : لمن اسمه إسماعيل أو إسحاق .
ومن هذا القبيل غالب كنى الحيوان (32) .
أقول : ومن فوائد الكنية وأغراض وضعها :
هو التمييز بين الاشخاص بتعيين أحدهم بكنيته ، بالدلالة عليه .
قال ابن قتيبة : الكناية أنواع ، ولها مواضع . . . فمنها : أن تكني عن اسم الرجل بالابوة لتزيد من الدلالة عليه ، إذا أنت راسلته أو كتبت إليه ، إذ كانت الاسماء قد تتفق (33) .
أقول : وتتضح هذه الفائدة لو كانت الاسماء المتفقة لعدة من الاخوة ، حيث تتفق هناك أسماء الآباء والاجدأد ـ أيضا ـ فتكون الحاجة إلى تمييز كل واحد ، والدلالة عليه بما يخصه ، أظهر .
وإليك أمثلة لذلك :
ذكر النسابة المروزي عدة ممن اتفقت أسماؤهم واختلفت كناهم :
منهم أبناء عمر بن يحيى بن الحسين ، أمير الحاج ، صاحب الكوفة ، والموسم : فإنهم ثمانية وعشرون أخا ، واسم (واحد وعشرين) منهم (محمد) وكناهم
(32) الكواكب الدرية ، للأهدل 1|52 .
(33) تأويل مشكل القرآن : 256 .
(18)
مختلفة (34) .
وسمى الحسن بن الحسن بن القاسم بن محمد البطحاني أبناءه السبعة (عليا) وكناهم مختلفة (35) .
وذكر أن محمد الجور بن الحسين بن علي الخارص بن محمد : له عشرة أولاد ممن اسمه (جعفر) وكناهم مختلفة (36) .
وقد ذكر النسابة المذكور تلك الكنى ، فلتراجع .
7 ـ الكنية للتعظيم والتكريم :
قال ابن قتيبة : أن تكني عن اسم الرجل بالابوة . . . لتعظمه في المخاطبة بالكنية ، لانها تدل على الحنكة وتخبر عن الاكتهال (37) .
وقال ابن الأثير : إنما جيء بالكنية لاحترام المكنى بها وإكرامه وتعظيمه . . . ومنه قول الشاعر :
|
اكنيــه اناديــه لاكرمــه
| |
ولا القبــه والســوءة اللقــب
|
وهذا مختص بالانسان دون غيره ، وهو الاصل (38) .
وقال ـ في وجه دلالة الكنية على الاحترام ـ : كي لا يصرح في الخطاب باسمه (39) .
وقال الرضي . الكنية ـ عند العرب ـ يقصد بها التعظيم ، لعدم التصريح بالاسم . . . فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطب باسمها (40) .
(34) الفخري : 245 .
(35) الفخري : 247 .
(36) الفخري : 248 .
(37) تأويل مشكل القران : 256 .
(38) المرصع : 41 .
(39) المرصع : 41 .
(40) شرح الكافية 2|139 .
(19)
أقول : يظهر من الجمع بين الكلمات : أن في الكنية أكثرمن جهة تدل على التكريم والتعظيم :
1 ـ عدم ذكر الاسم .
2 ـ الاخبار عن الاكتهال ، فيما لو كانت الكنية بالابوة .
3 ـ النسبة إلى الآباء ، فيما لو كانت الكنية بالبنوة (41) .
وفي قول ابن الأثير : « وهو الاصل » إشارة إلى أن هذه الدلالة قد تتخلف ، وأن الكنية قد تستعمل للاهانة والذم ، وان كان ذلك نادرا ، فهو بحاجة إلى قرينة تدل عليه .
وقد انعكست دلالة الكنية على التكريم والتعظيم في الاخبار التالية :
1 ـ روى الشيخ المفيد ـ بسنده ـ عن أحمد بن عبيدالله بن الخاقان ـ الذي كان على الضياع والخراج بقم ـ قوله : اذكر أني كنت يوما قائما على رأس أبي ـ وهو يوم مجلسه للناس ـ [ بسامراء ] إذ دخل حجابه ، فقالوا : « أبومحمد ابن الرضا » بالباب .
فقال ـ بصوت عال ـ : ائذنوا له .
فتعجبت مما سمعت منهم ، ومن جسارتهم أن يكنوا رجلا بحضرة أبي ، ولم يكن يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى !
فقلت لحجاب أبي وغلمانه : ويحكم مَن هذا الذي كنيتموه بحضرة أبي . . . إلى آخر الحديث (42) .
ونقله القهپائي ، وقال : فظهر أن ذكر الرجل بالكنية لا يكون إلا مع اعتبار زائد ، حتى قد يصير سببا لاعتباره في حديثه (43) .
(41) المرصع : 43 .
(42) الارشاد للمفيد : 8 ـ 339 .
(43) مجمع الرجال 7|2 هامش .
(20)
2 ـ وقال الحسين بن حمدان الخصيبي ـ في مَن لقيه في ضواحي قم ، فقال له : ياحسين ـ : لا احترمني ولا كناني (44) .
3 ـ قال أبو بكر ابن إسماعيل الوراق : دققت على أبي محمد ابن صاعد بابه ، فقال : من ذا ؟ فقلت : أنا أبوبكر ابن أبى علي ، يحيى ههنا ؟ فسمعته يقول للجارية : هات النعل ، حتى أخرج إلى هذا الجاهل ، الذي يكني نفسه وأباه ، ويسميني ، فأصفعه ? ! (45) .
4 ـ كان عروة بن الزبير (ت 93) يتحدث عن أخيه عبداللة بن الزبير ، عند عبد الملك ، فذكره بكنيته « أبي بكر » فاستشاط الحجاج غضبا ، وقال له : لا ام لك ، أتكني منافقا عند أمير المؤمنين ؟ ! فقال له عروة : ألي تقول : « لا ام لك » وأنا ابن عجائز الجنة ؟ ! امي أسماء بنت أبي بكر ، وجدتي صفية بنت عبد المطلب ، وعمتي خديجة بنت خويلد (46) .
وقد اعترض على دلالة الكنية على الاحترام ، بذكر « أبي لهب » في القرآن دون اسمه !
وقد أجابوا عن ذلك بوجوه ، سنذكرها في فصل « الكنية في التفسير » .
8 ـ الكنى الغالبة :
إن بعض الكنى يغلب وضعها مع بعض الاسماء ، وإذا تمكنا من تحديدها ، أمكن الاستفادة منها عند اشتباه الاسماء بوقوع تصحيف فيها ، أو خلط بعضها ببعض .
وقد وقفنا على مجموعة منها :
المسمى بمحمد يكنى بأبي جعفر .
(44) جامع أحاديث الشيعة 8|551 رقم 1640 .
(45) تاريخ بغداد .
(46) ألانساب ، للبلاذري ، كما في مغازي رسول الله ، لعروة : 3 .
(21)
المسمى بعلي يكنى بأبي الحسن .
المسمى بالحسن يكنى بأبي محمد .
المسمى بالحسين يكنى بأبي عبد الله .
المسمى بأحمد يكنى بأبي العباس .
المسمى بموسى يكنى بأبي عمران .
المسمى بسليمان يكنى بأبي داود .
المسمى بالعباس يكنى بأبي الفضل .
وأمثال ذلك ، مما هو غالبي ، وقد يتخلف .
والظاهر أنهم تعارفوا على تكنية الشخص بالكنية الغالبة ، قبل أن يكتني باسم من يولد له من الاولاد .
وتظهر فائدة ذلك ـ بعد إثبات الغلبة ـ في تعيين الاسم المناسب للكنية عند الاشتباه ، كما أشرنا .
مثلا : كثيرا ما يتصحف اسم « محمد » بـ « عمر » وبالعكس ، فإذا كان الشخص المشتبه في اسمه مكنى بأبي جعفر ، أمكن الحكم بأن اسمه « محمد » وإذا كان مكنى بأبي حفص ، أمكن الحكم بأن اسمه « عمر » استنادا إلى هذه الغلبة .
وقد استند سيدنا الاستاذ إلى هذه الغلبة في ترجمة « الحسن بن سعيد الأهوازي » حيث وقع الخلاف في أن من عنونه النجاشي في رجاله ـ أصالة ـ هل هو الحسن أو أخوه الحسين ، وذكر الآخر تبعا وضمنا .
وقد اختلفت نسخ رجال النجاشي في العنوان ، كما اختلفت المصادر الناقلة عنه .
لكن النجاشي كنى المترجم في صدر الترجمة بقوله : « أبومحمد الأهوازي » (47) .
(47) رجال النجاشي : 58 رقم 136 .
(22)
فقال السيد الاستاذ : إن المذكور في أكثر نسخ النجاشي ، هو « الحسين ابن سعيد » وقد ترجم « الحسن » في ضمن ترجمة الحسين ، ولكن ابن داود والميرزا في رجاله الكبير ، ذكرا عن النجاشي : « الحسن بن سعيد » وقد ترجم أخاه « الحسين » في ضمن ترجمة الحسن .
والمظنون ـ قويا ـ صحة نسخة ابن داود ، والميرزا ، فإن « أبا محمد » يكنى به المسمى بالحسن ، في الغالب . ولو صحت تكنية المسمى بالحسين به ، فهو نادر جدا (48) .
وقد استندنا إلى ذلك في تعيين اسم الحبري صاحب التفسير ، حيث ذكره بعض باسم « الحسن » وورد كذلك في بعض الاسانيد ،
فقلنا : إن من المطمأن به كون الصواب في اسمه هو « الحسين » مصغرا ، وأن تسميته بالحسن مكبرا سهو ، ومن المناسب الاستشهاد لذلك بأن الرجل يكنى بأبي عبد الله ، كما ورد في عدة أسانيد ، فهذه الكنية يغلب استعمالها للمسمى بالحسين ، وأما من يسمى بالحسن فيكنى بأبي محمد ، عادة (49) .
9 ـ بعض أقسام الكنى :
أ ـ الكنى المفردة :
هي الكنى التي لا نظير لها ، مثل :
أبوالسليل : للقيسي البصري .
وأبوالسنابل : لعبيد ربه بن بعكك ، رجل صحابي من بني عبدالدار (50) .
وأبوالمساكين : لجعفر بن أبي طالب ، كان يحب المساكين ويجلس إليهم ،
(48) معجم رجال الحديث 4|357 .
(49) تفسير الحبري : 22 ـ 23 .
(50) الباعث الحثيث ، لشاكر : 209 .
(23)
ويحدثهم ، ويحدثونه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكنيه بذلك (51) .
وذكر ابن الصلاح بعض الكنى المفردة ، كالتالي :
أبوالعبيدين ـ مصغر ، مثنى ـ واسمه : معاوية بن سبرة ، من أصحاب ابن مسعود .
أبوالعشراء الدارمي .
أبوالمدلة ـ بكسر الدال المهملة ، وتشديد اللام ـ ولم يوقف على اسمه .
أبومراية العجلي ، واسمه عبد الله بن عمرو ، تابعي .
أبومعيد ـ مصغر ، مخفف الياء ـ حفص بن غيلان الهمداني .
انظر : علوم الحديث ، تحقيق عتر : 328 .
ب ـ الكنى النادرة :
قال ابن الأثير : قد جروا في الاسماء والكنى على قسمين . معتادا ، وغير معتاد . فمن المعتاد : الكنية بالاولاد ، كما سبق .
والنادر : كقولهم في كنية علي بن أبي طالب عليه السلام : أبوتراب (52) .
أقول : ومن النادر : ابن العشرة ، وابن جماعة ، وابن جني ، وابن فهد ، وابن بابويه .
ج ـ تقسيم آخر :
قال ابن منظور : الكنية على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكنى عن الشيء الذي يستفحش ذكره .
والثاني : أن يكنى الرجل باسمه توقيرا وتعظيما .
والثالث : أن تقوم الكنية مقام الاسم ، فيعرف صاحبها بها ، كما يعرف باسمه (53)
(51) الكنى والاسماء ، للدولابي 1|77 ، والمجدي في النسب : 8 .
(52) المرصع : 44 .
(53) لسان العرب 20|98 مادة (كنى) .
(24)
10 ـ الكنية من خواص اللغة العربية :
الظاهر أن الكنية من خواص الحضارة العربية ، إذ لم يعهد ـ حسب اطلاعنا ـ في اللغات الاخرئ ، مثل هذا الاستعمال .
ومن الظرائف ما نقل عن النقاش ، محمد بن الحسن ، أبي بكر الموصلي ، البغدادي ، فإنه كان يصحف .
قال الدارقطني : قال النقاش . « كسرى ، أبوشروان » جعلها كنية (54) .
بينما هي « أنوشروان » اسم .
(54) سيرأعلام النبلاء 15|576 .
(25)
القسم الثاني : أثر الكنية في العلوم والحضارة
تمهيد :
قد يعجب الانسان إذا لاحظ تأثير الكنية في كثير من العلوم بشكل واضح ومباشر ، وفيما يأتي نحاول إيراد ما وقفنا عليه من هذا القبيل من الآثار ، فلها مجال بحث في العلوم الاسلامية من عقائد ، وفقه ، وحديث ، ومصطلح ، ورجال إسناد .
ولها مجال بحث في علوم الادب من لغة ، ونحو ، وأدب عام كالحرب ، والظرائف والمحادثة ، والتراث .
أولا ـ في العقائد :
1 ـ الكيسانية من الفرق الاسلامية :
قالت بإمامة محمد بن الحنفية ، وهو ابن الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، ويكنى بأبي القاسم ، فزعموا أنه هو « المهدي » .
واعتلوا لانه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لن تنقضي الايام والليالي حتى يبعث الله عز وجل رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، واسم أبيه اسم أبي ، يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا » .
قالوا : وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام : « عبد الله » لقوله : « أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، وأنا الصديق الاكبر ، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر » .
وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا رحمه الله كان الامام بعد الحسن والحسين عليهما السلام (55) .
ورد الشيخ المفيد تعلقهم بهذه الرواية بقوله : إن بإزاءهم الزيدية يدعون
(55) الفصول المختارة : 240 ـ 241 .
(26)
ذلك في « محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن » .
وهم أولى به منهم ، لان أباه كان اسمه المعروف به « عبد الله » وكان أمير المؤمنين عليه السلام اسمه « علي » وإنما انضاف إلى « الله » بالعبودية كما انضاف جميع العباد إلى « الله » بالعبودية (56) .
أقول : إن الاستدلال بهذه الرواية وأمثالها على إمامة ابن الحنفية أمر مرفوض ، لوجوه :
1 ـ أن الامامة من الاصول ، ولا يمكن إثباتها بالخبر الواحد ، لانه لا يوجب علما ولا عملا في هذا المقام ، كما تقرّر في اصول العقائد ، واصول الفقه .
2 ـ أن الاحاديث المذكورة لم تثبت سندا بمستوى الاحتجاج بها .
3 ـ أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن فلانا يملا الارض قسطا وعدلا لا يمكن أن ينطبق على محمد بن الحنفية ، لعدم تحقق ذلك في حياته ، كما هو المعلوم من التاريخ .
كما أن الروايات الدالة على سماح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسمية ابن الحنفية باسمه وتكنيته بكنيته ، لاتدل إلا على إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام وابنه بهذا السماح ، خاصه بعد منعه من الجمع بين اسمه وكنيته لاي أحد .
فعن محمد بن الحنفية ، عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . « يولد لك غلام نحلته اسمي وكنيتي » .
فولد له محمد (57) .
وفيما نقله العمري : عن ابن خداع ناسب المصريين في كتابه « المبسوط » : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : « يولد لك ولد تحليه اسمي
(56) الفصول المختارة : 246 .
(57) معرفة علوم الحديث ، للحاكم : 189 .
(27)
وكنيتي » (58) .
وروى ابن الأثير : عن محمد بن الحنفية ، عن أبيه علي بن أبي طاب عليه السلام قال : قلت : يارسول الله ، أرأيت إن ولد لي بعدك ولد اسميه باسمك واكنيه بكنيتك ?
قال : نعم . أخرجه أبوداود (59) .
وسيأتي في فصل « الفقه » سرد الروايات المانعة عن التسمية بمحمد مع التكنية بأبي القاسم ، والجمع بينها وبين هذه الروايات .
2 ـ أبوتراب :
ذكر العلماء في كنى الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام « أبا تراب » (60) .
وقد عدوها من الكنى النادرة (61) وهي خاصة به ، فينصرف إليه إطلاقها ، في طبقة الصحابة بل التابعين ، قطعا .
وأصل هذه الكنية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كناه بها ، كما جاءت بذلك الاحاديث المسندة :
فقد أخرج الدولابي بسنده حديثا ، فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج ، فإذا علي عليه السلام نائم في ظل جدار المسجد ، وقد سقط الثوب عنه ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينفض التراب عن جسده ويقول « يا أبا تراب ، قم ، يا أبا تراب ، قم » .
فما كان اسم أحب إلى علي من أن يدعى به من « أبي تراب » (62) .
(58) المجدي : 14 .
(59) جامع الاصول (1/280 ، الكنى ، للدولابي 1/5 .
(60) تاريخ أهل البيت عليهم السلام .
(61) المرصع ، لابن الأثير : 44 .
(62) الكنى والاسماء ، للدولابي 1/8 ـ 9 ، وانظر : تاريخ دمشق ، ترجمة الامام علي (عليه السلام) 3|350 ح 1400 ، وانظر : السيرة النبوية ، لابن هشام 2/249 ـ 250 .
(28)
وأخرج الدولابي بسنده عن عمار بن ياسر ، قال : كنت ـ أنا ـ وعلي رفيقين في غزوة العشيرة ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رأينا اناسا من بني مدلج في منزلهم . . . فجئناهم ، فنظرنا إلى عملهم ساعة ، ثم غشينا النوم . . . فوالله ، ماهبنا إلا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحركنا برجله ، وقد تتربنا من تلك الدقعة ألتي نمنا بها ، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « مالك ، يا أباتراب ؟ » لما يرى عليه من التراب ، وقال :
ألا احدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ ! . . . احيمر ثمود . . . والذي يضربك ـ ياعلي ـ على هذا ـ ووضع يده على قرنه ـ حتى يبل منها هذه ـ ثم أخذ بلحيته ـ (63) .
وقد ذكرسماك بن حرب ، قال : قلت لجابر : إن هؤلاء القوم [ يعني بني امية ] يدعونني إلى شتم علي ! !
قال : وما عسيت أن تشتم به · قال : اكنيه بأبي تراب .
قال : فوالله ما كانت لعلي كنية أحب إليه من أبي تراب ، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « قم ، يا أبا تراب » ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : « أنت أخي وأنا أخوك » (64) .
وكذلك قال سهل بن سعد : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب ، وإن كان ليفرح إذا دعي به ، وذكر حديث تكنية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام بهذه الكنية (65) .
أقول : لكن معاوية الذي حارب الامام عليا عليه السلام ، أوغل في الحقد
(63) الكنى والاسماء ـ أيضا ـ 2/163 .
(64) تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام علي عليه السلام ـ 1/32 ح 31 .
(65) صحيح مسلم 4/1874 وهو الحديث الاخيرمن باب فضائل الامام علي عليه السلام ، وصحيح البخاري 5/23 ، والحاكل ! في معرفة الحديث : 261 النوع 45 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام عليه السلام ـ 1/31 ح 30 .
وانظر : الغدير ، للعلامة الاميني 6/333 ـ 335 .
(29)
على علي وآله الاطهار ، فكان يطلق اسم « أبي تراب » بقصد النبز والتعيير ، ونيلا منه ، ومناوءة له ، وعنادا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي توجه بهذا الاسم الشريف ، ولقد خاب كيدهم وخسروا ، حيث كانت هذه الكنية من أحب الكنى عند الامام عليه السلام ، كما عرفنا في الحديث الاول الذي نقلناه عن الدولابي .
ولقد تمادى معاوية وأذنابه في غيهم سعيا في طمس اسم إلامام علي عليه السلام ، وهذا أحد أساليبهم الخبيثة .
3 ـ كنى المعصومين عليهم السلام :
للمعصومين عليهم السلام نوعان من الكنى :
الاول : الكنى الموضوعة لهم ، للاستعمال العام ، وهي الكنى الواردة في كتب التاريخ والسيرة .
وقد ذكرها مؤلف كتاب « تاريخ أهل البيت عليهم السلام » كما يلي :
1 ـ كنية النبي صلى الله عليه وآله : أبوالقاسم .
2 ـ كنية علي بن أبي طالب عليه السلام : أبوالحسن ، وأبوالحسين ، وأبوتراب .
3 ـ كنية الحسن بن علي عليه السلام : أبومحمد .
4 ـ كنية الحسين بن علي عليه السلام : أبو عبد الله .
5 ـ كنية علي بن الحسين عليه السلام : أبوالحسن ، وأبومحمد ، وأبوبكر . قال ابن أبي الثلج : وعندنا في رواية اخرى : أبوالحسين .
6 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام : أبوجعفر .
7 ـ كنية جعفربن محمد عليه السلام : أبو عبد الله .
8 ـ كنية موسى بن جعفرعليه السلام . أبوالحسن ، وأبوإبراهيم .
9 ـ كنية علي بن موسى عليه السلام : أبوالحسن .
10 ـ كنية محمد بن علي عليه السلام : أبوجعفر .
|
|
|