العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 16 > من ذخائر التراث > الحکايات ـ إملاء الشيخ المفيد ورواية الشريف المرتضى


من ذخائر التراث
الحكايات
    

من إملاء الشيخ المفيد الإمام أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري ، البغدادي (336 ـ 413 هـ)
ورواية السيد الشريف المرتضى أبي القاسم علي الحسين الموسوي (355 ـ 436 هـ)
تحقيق السيد محمد رضا الحسيني

(1)
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين. وبعد ، فقد لفت هذا الكتاب نظري ، منضما إلى مخطوطة لكتاب « أوائل المقالات » ولاحظت أن ما ورد فيه من مطالب لم ترد في موضع آخر من كتب الشيخ المفيد ، وبالتفصيل المذكور فيه.
     ولاحظت أيضا تركيز الشيخ في هذا الكتاب على رد المعتزلة وذكر آرائهم الشاذة التي ينفردون بها دون جميع الأمة ، وخاصة ما يبعد الشيعة عنهم من الآراء. وبعد الفحص في فهارس المخطوطات ، وجدت أن لهذا الكتاب نسخا عديدة منتشرة في خزائن العالم.
     وبالرغم مما يدل عليه من استقلاله بالتأليف ، وتشكيل وحدة متكاملة متسقة في موضوع واحد ، فإن هذا الكتاب لم يحظ ـ مثل سائر مؤلفات الشيخ المفيد ـ بالعناية اللائقة ، من التحقيق والإخراج.


(94)
وقد وفقني الله ـ تبارك ذكره ـ لتحقيقه بما يبرز أهميته العلمية.
     وأنا إذ أقدمه إلى العلماء والمحققين والباحثين ، أرفع به النداء إليهم كافة ، وإلى كل المؤسسات والمزاولين للعمل التراثي ، أدعوهم للاهتمام بمؤلفات الشيخ المفيد ، وأن يعتنوا بها عناية تناسب مقام مؤلفها الشيخ ، استعدادا لإحياء ذكراه ، الألفية ، التي نقف بكل اعتزاز على أبوابها.
     ونحثهم على تقديم الخدمة إلى هذا الشيخ الذي خدم الطائفة بكل ما أوتي من حول وقوة ، وذلك بتحقيق كتبه العلمية ، وعرض آرائه القيمة ، وتنظيم فهرس جامع لما في كتبه كلها من المطالب المرتبطة بمختلف العلوم والفنون ، وكذلك ترجمة ما كتب عنه باللغات الأخرى ، وإعداد ليل كامل عن مؤلفاته ومخطوطاتها في العالم ، وإعداد كتاب يضم مصادر الدراسة عنه ، تيسيرا لمن يريد الاطلاع عليها ، وترغيبا لإحيائها ونشرها.
     إن الشيخ المفيد شخصية عظيمة ، ذو مقام شامخ في مختلف العلوم ، وذو أثر بارز في تثبيت العقيدة ، وذو دور فعال في مجريات الأحداث التي عاشها ، فقد تمكن من الدخول إلى التاريخ من أوسع أبوابه ، واستحق وسام « التجديد » في القرن الخامس بجدارة.
     فالحديث عنه متسع لذي مقال ، وللتحقيق حوله علميا وتراثيا وتاريخيا وفقهيا أوسع مجال.
وفقنا الله لخدمة الحق وأهله.
(2)
أقسام التعاليم الإسلامية

تنقسم تعاليم الإسلام إلى قسمين رئيسيين :
     الأول : الأحكام الشرعية المرتبطة بتحديد أفعال المكلفين من عبادات ومعاملات ، والحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة.


(95)
الثاني : العقائد ، والالتزامات الفكرية للإنسان المسلم.
وقد اختلفت الفرق والمذاهب الإسلامية في تحديد مصادر هذه التعاليم.

أما القسم الأول :
     فقد قال قوم بأن مصدره هو خصوص الطرق المقررة من قبل الشارع نفسه ، ولا يمكن أن يتدخل العقل ـ بأي شكل ـ في تحديد التكليف الشرعي ، وهؤلاء هم « المحدثون ».
     وقال قوم بأن مصدره هو الطرق المقررة ، إن وجدت ، وإلا فإن الدليل العقلي يكشف عن وجود التزام شرعي على طبقه ، وهم « المجتهدون ».
ومحل تفصيل هذين القولين ، بمالها من الخصوصيات ، والمضاعفات ، واللوازم ، هو علم أصول الفقه (1).
     وأما القسم الثاني : فقد تكفل ببيان مسائله علم (الكلام) لكن المسلمين اختلفوا اختلافا كبيرا في تحديد مصدر أساسي لهذا العلم ، بعد اتفاقهم على أن مسائله جزء من أهم تعاليم الإسلام.
     وبذلك يمكن القول بأن من المجمع عليه بين الأمة وجود بذور علم الكلام مع بزوغ الإسلام ومنذ بداية ظهوره ، فإن من مهمات المسائل الكلامية ، هي مسألتا « التوحيد » و « النبوة » وهما من المعتقدات التي أكد عليها الإسلام منذ البداية.
     فيتضح خطأ من أخر عهد نشوء علم الكلام إلى عهد متأخر (2). (1)لاحظ بحث « الوسائل الرئيسية للإثبات في علم الأصول » من كتاب « المعالم الجديدة للأصول » تأليف السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، ص 30 ـ 45 ، ، وعامة القسم الأول من هذا الكتاب مفيد للمطالعة والبحث في هذا الصدد.



(2) الرسائل العشر ـ للشيخ الطوسي ـ : المقدمة ص 16 ، وقارن : تاريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 154.


(96)
     وإذا قارنا بين العلوم الإسلامية ، وجدنا أن علم الكلام ، أكثرها أهمية من حيث ما يحتويه من بحوث عميقة ضرورية ، كما هو أسبق رتبة من غيره ، وأشرف موضوعا ، لأنه يبحث عن أساس ما على المسلم من التزامات فكرية وعقائد ، من المبدأ ، والمعاد ، وما بينهما ، وعلى ذلك تبتني كل تصرفاته وشؤون حياته الدنيوية والأخروية (3).
     وبالرغم من اتحاد المسلمين على عهد الرسالة في الالتزام بما يتعلق بالقسمين من تعاليم الإسلام معا ، فإن عنصرا جديدا طرأ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فأدى إلى حدوث خلاف بينهم ، وهو « الخلافة » وسبب البحث حولها انقسام الأمة إلى فرقتين :
1 ـ الفرقة الأولى : تقول بوجوب الإمامة على الله تعالى ، كما هو الاعتقاد في النبوة ، وأن الإمام يتعين بتعيين الله تعالى ، وهم « الشيعة ». وعلى رأيهم يكون بحث الإمامة ، من صميم المباحث الكلامية.
2 ـ الفرقة الثانية : تقول بأن الإمامة واجب تكليفي على الأمة ، فيجب على المسلمين كافة تعيين واحد منهم لأن يلي أمر الأمة ، وهؤلاء هم « العامة ».
     وعلى رأيهم يكون بحث الإمامة ، من مباحث الأحكام الشرعية ، وهذا النزاع مع أنه لم يمس ـ ظاهرا ـ العقائد المشتركة التي كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الإنسان بها مسلما إلا أنه أدى إلى تصديع الحق الذي كانوا عليه في ذلك العهد ، وسبب بعد إحدى الفرقتين عن الأخرى ، فوجود مدرستين منفصلتين ، لكل منهما طريقتها الخاصة في التدليل والتحليل ، إلى حد دخل بحث الإمامة في صلب مباحث علم الكلام ، بعد حين (4). (3) لاحظ : تلخيص المحصل ـ للمحقق الطوسي ـ : 1.



(4) لاحظ : المقالات والفرق ـ للأشعري القمي ـ : ص 2 وبعدها ، وخاندان نوبختي 5 ـ 76 ، وقارن : تأريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 20 و 25 و 88.


(97)
     ولئن كانت العقائد الإسلامية في بداية عصر الإسلام محدودة كما ، وواضحة سهلة كيفا ، لتحددها بالتوحيد والتنزيه ، وإثبات الرسالة بالمعاجز المشهودة عينا ، والوعد والوعيد ، فإنها كانت تعتمد على القرآن المجيد كنص ثابت ، وعلى السنة النبوية كنص حي ، فقد كانت بعيدة عن البحوث المعقدة المطروحة على طاولة علم الكلام فيما بعده من الفترات ، كما أن تلك البحوث لم تمس تلك الأصول الواضحة ، ولم تؤثر عليها بشيء (5).
     وطرحت في العقود الأولى لتأريخ الإسلام ، بحوث كلامية مستجدة ، كانت مسرحا للنزاعات الفكرية بين المسلمين ، أدت بالتالي إلى تأسيس مدارس كلامية متعددة ، ومن أهم تلك البحوث.
1 ـ الجبر والاختيار ، وما يرتبط بمبحث العدل.
2 ـ القضاء والقدر.
3 ـ صفات الله تعالى ، وما يرتبط بمبحث التوحيد.
4 ـ الإيمان ، والفسق ، وارتكاب المعاصي ، وما يرتبط بمبحث المعاد. وغير ذلك مما لم يطرح من ذي قبل ، أو كان مطروحا بشكل بدائي جدا ، من دون تفصيل.
ومع ذلك ، فإن هذه البحوث ـ أيضا ـ لم تثر اختلافا يؤدي إلى حدوث فرق مذهبية منفصلة ، إلا بعد فترة ، وإن لم تتجاوز القرن الأول الهجري (6) على الأكثر.



(5) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 10 و 114.
(6) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 109 و 148.



(98)
(3)
نشوء الفرق الكلامية
     واختلف المسلمون في تحديد المصادر الأساسية للتعاليم الإسلامية في مجال العقائد ، فكانوا فرقا ثلاثا :
1 ـ فرقة تقول بأن المصدر الوحيد هو النص الشرعي ، من الكتاب والسنة ، وأن المسائل الاعتقادية توقيفية ، فلا يتجاوزون ما ورد في النصوص موضوعا ، وتعبيرا ، ولا يتصدون لشرح ما ورد فيها أيضا ، ولا لتوضيحه أو تأويله ،
ويلتزمون بعقد القلب على تلك الألفاظ بما لها من المعاني التي لم يفهموها ولم يدركوها (7).
2 ـ وفرقة تقول بأن المصدر هو النص ، لكن ما ورد فيه من ألفاظ وتعابير لا بد من حملها على ظواهرها المنقولة ، لا المعقولة ، والالتزام بها على أساس التسليم بما ورد النص بتفسيره ، وقد التزم بهذا من ليس له حظ من العلوم العقلية ، وهم « أصحاب الحديث » (8).
3 ـ وفرقة تقول بأن طريق المعرفة بالعقائد الحقة والمسائل الكلامية هو العقل ، إذ به يعرف الحق ، ويميز عن الباطل ، ولا منافاة بين الشرع والعقل في ذلك ، فالنص إنما يرشد إلى الحق الذي يدل عليه العقل ، ولو ورد ما ظاهره مناف لما قرره العقل ، فلا بد من تأويل ذلك الظاهر إلى ما يوافق العقل ويدركه (9).
فالفرقة الأولى : تسمى من العامة ب « السلفية » وهم « المقلدة » من الشيعة.
والفرقة الثانية : تسمى من العامة ب « الأشاعرة » وهم « الأخبارية » من (7) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية 213.



(8) تلبيس إبليس ـ لابن الجوزي ـ : 116.
(9) تاريخ المذاهب الإسلامية. 148 و 149.



(99)
     الشيعة. والفرقة الثالثة : تسمى من العامة ب « المعتزلة » وهم « الفقهاء » المجتهدون من الشيعة.
     ويلاحظ في أتباع كل فرقة ، شبه كبير بين شيعتهم ، وبين العامة منهم. فالسلفية من العامة ، يشبهون في المحاولات الفكرية والالتزامات العقائدية المقلدة من الشيعة.
     والأشاعرة من العامة ـ وهم أهل الحديث عندهم ـ يقربون في الطريقة والأسلوب من الأخبارية الذين هم أهل الحديث من الشيعة.
     والمعتزلة من العامة ، تشبه طريقتهم في التفكير والاستدلال طريقة الفقهاء المجتهدين من الشيعة.
     وقد يتصور البعض أن الفرق بين شيعة كل فرقة وبين العامة منها ، هو مجرد الاختلاف في الإمامة ، وتعيين أشخاص الأئمة ، ذلك الخلاف الأول الذي أشرنا إليه.
     لكن الواقع أن الخلاف بين الشيعة والعامة من كل فرقة واسع ، مضافا على ذلك الخلاف في الإمامة والإمام. فالفرقة الأولى :
     يعتمد العامة منهم ـ وهم « السلفية » (10) ـ على ما جاء ي الكتاب والسنة من العقائد ، وإذا تعذر عليهم فهم شيء من النصوص توقفوا فيه ، كما أنهم يلتزمون بالنصوص حرفيا ، فيكررون ألفاظها ، ويفوضون أمر واقعها إلى الشرع. وكانوا يقفون من « علم الكلام » المصطلح ، موقفا سلبيا ، فكان مالك بن أنس يقول : « الكلام في الدين أكرهه ، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل... (10) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 212 ـ 213. 100 أما الكلام في الدين وفي الله تعالى فالكف أحب إلي » (11). وكان يقول زعيمهم أحمد بن حنبل : « لست صاحب كلام ، وإنما مذهبي الحديث » (12).
     لكن الشيعة من هذه الفرقة ، وهم « المقلدة » (13) كانوا يأخذون العقائد من الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مع ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من الاستدلالات ، وفيها الكثير مما لم ينله السلفية من العامة لبعدهم عن الأئمة عليهم السلام.
     لكن المقلدة والسلفية يشتركون في أنهم لا يحاولون الاستدلال على شيء خارج عن النص ، ولا يجتهدون في المزيد من البحث والفكر فيما يرتبط بالعقائد. والفرقة الثانية :
     فأهل الحديث من العامة ، هم « الأشاعرة » يلتزمون بالعقائد التي تدل عليها الخصوص ، ويفسرونها حسب ما تدل عليها العبارات من الظواهر المفهومة لهم ، وبما يدركونه من المحسوسات ، حتى ما ورد فيها من أسماء الأعضاء المضافة إلى اسم الله ، كاليد ، والرجل ، والعين ، والوجه ، ولم يلجؤوا إلى تأويل ذلك عن ظاهره (14) ولذلك يسمون ب « المشبهة ».
     ويختلف الأشاعرة عن السلفية في تجويز هؤلاء البحث في الكلام ، وقد كان أبو الحسن الأشعري ـ وهو زعيم الأشاعرة ومؤسس مذهبهم ـ من أوائل الرادين على دعوة ابن حنبل رئيس السلفية في النهي عن الكلام ، إذ تصدى له في كتاب (11) الإعتصام ـ للشاطبي ـ : 2 / 2 ـ 334 ، وانظر : مناهج الاجتهاد في الإسلام : 624 ـ 625.



(12) المنية والأمل ـ المطبوع باسم « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى ـ : 125 ، وانظر : مناهج الاجتهاد في الإسلام :
7 ـ 508 و 679.
(13) لاحظ عن « المقلدة » : الفصول المختارة : 8 ـ 79 ، وتصحيح الاعتقاد ـ للمفيد ـ : 219 ـ 220 طبعة النجف ، وعدة الأصول ـ للطوسي ـ 1 / 7 ـ للطوسي 1 / 7 ـ 348.
(14) تأريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 297 ، وتاريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 186.



(101)
     بعنوان « رسالة في استحسان الحوض في علم الكلام » قال فيه. « إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم ، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ، ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أن الكلام... بدعة وضلالة » ثم تصدى لردهم بقوة (15).
     أما أهل الحديث من الشيعة ، وهم « الأخبارية » فيعتقدون بلزوم متابعة ما ورد في النصوص والاعتماد عليها ، لكنهم يعتمدون على ما ورد في حديث أئمة أهل البيت عليهم السلام من تأويل وتفسير لتلك النصوص ، كما يتبعون ما ورد عنهم من الاستدلالات العقلية ، ولذلك فإنهم يؤولون النصوص التي ظاهرها إثبات اليد والوجه والعين الله تعالى ، وينفون التشبيه ، تبعا لأهل البيت عليهم السلام (16).
     قال الشيخ الكركي (ت 1076) ـ وهو من الأخبارية المتأخرين ـ عند البحث عن التقليد في أصول الدين : « والحق أنه لا مخلص من الحيرة إلا التمسك بكلام أئمة الهدى عليهم السلام ، إما من باب التسليم ، لمن قلبه مطمئن بالإيمان ؟ أو بجعل كلامهم أصلا تبنى عليه الأفكار الموصلة إلى الحق ، ومن تأمل نهج البلاغة ، والصحيفة الكاملة ، وأصول الكافي ، وتوحيد الصدوق ، بعين البصيرة ، ظهر له من أسرار التوحيد والمعارف الألفية ما لا يحتاج معه إلى دليل ، وأشرق قلبه من نور الهداية ما يستغني به عن تكلف القال والقيل » (17).
     ويشترك الأشاعرة من العامة والأخبارية من الشيعة ، في رفض المحاولات العقلية ، والاحتجاجات الخارجة عن النص.

والفرقة الثالثة :
     فالمعتمدون على العقل من العامة ، وهم « المعتزلة » يفترقون عن



(15) وردت الرسالة كاملة في : مذاهب الإسلاميين ـ للبدوي ـ 1 / 15 ـ 26.
(16) أنظر : مقدمة « التوحيد » للصدوق : ص 17 ، طبعة طهران.
(17) هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار : 1 ـ 302.



(102)
« الفقهاء » من الشيعة ، في جهات عديدة كما سيأتي ، وإن اشتركوا في اعتمادهم على العقل كمصدر للعقائد.
(4)
الخلط بين المذاهب
     والتشابه الكبير بين الشيعة من كل فرقة والعامة منها ، أصبح منشأ لاتهام كل منهما بالأخذ من الآخر ، أو للخلط بين كل من المذهبين ، أو نسبة آراء كل منهما إلى الآخر ، باعتبار أن منهجهما الكلامي واحد ، ويلتزمان في الفكر بمصدر واحد (18).
   &nbs وعلى أساس من هذا الخلط ، قد يسوي البعض بين أهل الحديث من العامة ، وبين أهل الحديث من الشيعة ، باعتبار اعتمادهم على الحديث مصدرا للمعتقدات الكلامية ، غفلة عن الفوارق المهمة الأخرى التي ذكرناها.
     فإن أهل الحديث من العامة ، يرفضون التأويل في النصوص ، بينما أهل الحديث من الشيعة يلتزمون بالتأويل بالمقدار الموجود في أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
     والتزامهم بالتأويل ـ ولو بهذا المقدار منه ـ سبب اتهامهم بأنهم من المعتزلة ، لأن هؤلاء أيضا يلتزمون بتأويل الظواهر ، غفلة عن أن المعتزلة يختلفون عن أهل الحديث من الشيعة في جهات عديدة ـ بعد الإمامة ـ أهمها اختلاف المنهج الفكري ، حيث يعتمد أهل الحديث من الشيعة على النصوص ، بينما المعتزلة يلتزمون بالعقل مصدرا للفكر والعقيدة ، كما ذكرنا.
     وقد تكال هذه التهم عن علم بالواقع ، وعمد للأمر ، لغرض تشويه سمعة الفرقة المتهمة ، أو إثارة الفتن والإحن بين المذاهب المختلفة.



(18) أنظر : مقدمة « أوائل المقالات » ـ بقلم الزنجاني ـ 12 طبعة النجف.


(103)
ومن ذلك الخلط بين المعتزلة وهم العامة من الفرقة الثالثة ، وبين الفقهاء وهم الشيعة.
     فمن لم يحدد المناهج الفكرية ، ولم يقف على أصول الانقسامات المذهبية ، قد يتهم جمعا من المعتزلة بالتشيع ، لما يجد من وحدة المنهج والفكر الكلامي بينهما ، واعتمادهما على العقل كمصدر للعقيدة (19).
وقد يتهم التشيع بالاعتزال ، على ذلك الأساس نفسه.
     والمعترضون المغرضون ، لا يفرقون بين التهمتين ، تهمة الاعتزال بالتشيع ، أو تهمة التشيع بالاعتزال ، فأيتهما حصلت تحقق غرضهم ، من ضرب الفريقين ، لأنهم يجدونهما ـ معا ـ معارضين لمنهجهم الكلامي ، وملتزماتهم الفكرية.
     وهذا ما وقع ـ مع الأسف ـ في تأريخ الفكر الإسلامي ، حيث عمد بعض الأشاعرة ، إلى إلقاء تلك التهم ، بغرض التشويش على سمعة المعتزلة تارة ، وعلى سمعة الشيعة أخرى.
     مع أن الأشاعرة هم الذين يشتركون مع المعتزلة في أصل المذهب ، وهو الالتزام بمنهج الخلافة على طريقة العامة ، وبذلك يبتعدون عن التشيع في أصل المعتقد.
     وكذلك يتهم بعض الشيعة من الأخباريين ، الفقهاء من الشيعة بالاعتزال ، باعتبار اتخاذهم كلهم العقل مصدرا للفكر. ناسين أن التشيع يفترق عن الاعتزال في أصل الإمامة ـ قبل كل لقاء ـ كما يفترق عنه في كثير من المسائل الفكرية المهمة.
     وأن مجرد التقاء التشيع مع الاعتزال في بعض المواضع والنقاط ، كالتوحيد ، والعدل ، ليس معناه اتحادهما في كل شيء ، فضلا عن أن يكون التشيع مأخوذا من الاعتزال ، أو أن يكون الاعتزال مأخوذا من التشيع !



(19) أنظر : الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1 / 85 ، ومنهاج السنة ـ لابن تيمية الحنبلي ـ 1 / 31 طبعة بولاق.


(104)
والغريب أن أشخاصا كبارا من متكلمي الشيعة نسبوا إلى الاعتزال مثل الحسن بن موسى النوبختي (ت 300) (20) !
مع أنه قد ألف كتابا باسم « النقض على المنزلة بين المنزلتين » (21).
     والمنزلة بين المنزلتين من أهم عناصر الفكر المعتزلي ، وهو رابع الأصول الخمسة التي يبتني عليها الاعتزال (22).
     قال الشيخ المفيد : « المعتزلة لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين (23) فن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة ، وإن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء (24).
     ولو كان مجرد الالتقاء في بعض الأصول سببا لاتهام مذهب بآخر لكان الأشاعرة كلهم معتزلة ، لأنهم على مسلك واحد في جعل الإمامة من واجبات الأمة ، وتعيين الإمام باختيار المسلمين ، وهذا أهم ما افترقت به العامة عن الشيعة.
     وقد تصدى جمع من متكلمي الشيعة لرد هذا الاتهام ودفع تهمة أخذ مذهب الشيعة من المعتزلة ، وبينوا الفرق بين المذهبين ، وفي مقدمتهم الإمام الشيخ المفيد (ت 413) فقد أورد في كتبه المختلفة أبوابا ذكر فيها الفرق بين الشيعة والمعتزلة ، ومن ذلك ما أورده في كتابه « أوائل المقالات » بعنوان :
باب القول في الفرق بين الشيعة والمعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال (25).
وباب في ما اتفقت الإمامية فيه على خلاف المعتزلة مما أجمعوا عليه من



(20) لاحظ : طبقات المعتزلة ـ المنية والأمل ـ لابن المرتضى.
(21) رجال النجاشي : 50 ، خاندان نوبختي : 131.
(22) أنظر : مذاهب الإسلاميين ـ للبدوي ـ 1 / 64 ـ 69 ، والشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 126 وبعدها.
(23) أوائل المقالات : 40 طبعة النجف.
(24) أوائل المقالات : 42.
(25) أوائل المقالات : 38.



(105)
القول في الإمامة (26).
     وقد رد الشيخ المفيد في كتب خاصة على آراء المعتزلة وكبار أهل الاعتزال مثل كتاب « نقض فضيلة المعتزلة » (27).

ونقوضه على معتزلة البصرة :
     كأبي بكر الأصم (ت 236) وأبي علي الجبائي (ت 303) وأبي هاشم ابن الجبائي (ت 321) وأبي عبد الله البصري (ت 367).

وردوده على معتزلة بغداد :
     كجعفر بن حرب أبي الفضل الهمداني (ت 236) وأبي القاسم البلخي الكعبي (ت 319) وعلي بن محمد بن إبراهيم الخالدي أبي الطيب (ت بعد 351).
     وكتابنا هذا « الحكايات » ـ الذي نقدم له ـ خاص لعرض عدد كبير من مخالفات المعتزلة ، والرد عليها ، وبيان آراء الشيعة فيها.
     كما رد عليهم في أثناء كتبه الأخرى ، فانظر « الإفصاح » في « عدة رسائل » ، ص 68 و 70 و 73 و 77.
والرسالة السروية ، عدة رسائل ، ص 330 ، المسألة (11).
والمسائل الصاغانية ، عدة رسائل ، ص 239.
     وقد كتب من أئمة الزيدية عبد الله بن حمزة المنصور بالله (ت 614) كتاب « الكاشفة للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال » كما أورد ذلك السيد مجد الدين المؤيدي ، في مقدمة كتاب الشافي ، ص 9.
     و « حكاية الأقوال العاصمة عن الاعتزال في بيان الفرق بين الشيعة والمعتزلة » في أربعة فصول ، لأبي عبد الله حميدان بن يحيى القاسمي الحسني الزيدي ، يوجد في دار الكتب المصرية ، ضمن المجموعة 34 ، قسم النحل ، [ الذريعة (26) أوائل المقالات : 48.



(27) أنظر عن هذا الكتاب ، وما يلي من النقوض على المعتزلة ، الفصل الخاص بمؤلفات الشيخ المفيد من كتاب « أنديشه هاى كلامى شيخ مفيد » : 34 ـ 66.


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007