|
|
 |
| العدد 16 > من ذخائر التراث > الحکايات ـ إملاء الشيخ المفيد ورواية الشريف المرتضى |
من ذخائر التراث
الحكايات
من إملاء الشيخ المفيد الإمام أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري ، البغدادي (336 ـ 413 هـ)
ورواية السيد الشريف المرتضى أبي القاسم علي الحسين الموسوي (355 ـ 436 هـ)
تحقيق السيد محمد رضا الحسيني
(1)
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين. وبعد ، فقد لفت هذا الكتاب نظري ، منضما إلى مخطوطة لكتاب « أوائل المقالات » ولاحظت أن ما ورد فيه من مطالب لم ترد في موضع آخر من كتب الشيخ المفيد ، وبالتفصيل المذكور فيه.
ولاحظت أيضا تركيز الشيخ في هذا الكتاب على رد المعتزلة وذكر آرائهم الشاذة التي ينفردون بها دون جميع الأمة ، وخاصة ما يبعد الشيعة عنهم من الآراء. وبعد الفحص في فهارس المخطوطات ، وجدت أن لهذا الكتاب نسخا عديدة منتشرة في خزائن العالم.
وبالرغم مما يدل عليه من استقلاله بالتأليف ، وتشكيل وحدة متكاملة متسقة في موضوع واحد ، فإن هذا الكتاب لم يحظ ـ مثل سائر مؤلفات الشيخ المفيد ـ بالعناية اللائقة ، من التحقيق والإخراج.
(94)
وقد وفقني الله ـ تبارك ذكره ـ لتحقيقه بما يبرز أهميته العلمية.
وأنا إذ أقدمه إلى العلماء والمحققين والباحثين ، أرفع به النداء إليهم كافة ، وإلى كل المؤسسات والمزاولين للعمل التراثي ، أدعوهم للاهتمام بمؤلفات الشيخ المفيد ، وأن يعتنوا بها عناية تناسب مقام مؤلفها الشيخ ، استعدادا لإحياء ذكراه ، الألفية ، التي نقف بكل اعتزاز على أبوابها.
ونحثهم على تقديم الخدمة إلى هذا الشيخ الذي خدم الطائفة بكل ما أوتي من حول وقوة ، وذلك بتحقيق كتبه العلمية ، وعرض آرائه القيمة ، وتنظيم فهرس جامع لما في كتبه كلها من المطالب المرتبطة بمختلف العلوم والفنون ، وكذلك ترجمة ما كتب عنه باللغات الأخرى ، وإعداد ليل كامل عن مؤلفاته ومخطوطاتها في العالم ، وإعداد كتاب يضم مصادر الدراسة عنه ، تيسيرا لمن يريد الاطلاع عليها ، وترغيبا لإحيائها ونشرها.
إن الشيخ المفيد شخصية عظيمة ، ذو مقام شامخ في مختلف العلوم ، وذو أثر بارز في تثبيت العقيدة ، وذو دور فعال في مجريات الأحداث التي عاشها ، فقد تمكن من الدخول إلى التاريخ من أوسع أبوابه ، واستحق وسام « التجديد » في القرن الخامس بجدارة.
فالحديث عنه متسع لذي مقال ، وللتحقيق حوله علميا وتراثيا وتاريخيا وفقهيا أوسع مجال.
وفقنا الله لخدمة الحق وأهله.
(2)
أقسام التعاليم الإسلامية
تنقسم تعاليم الإسلام إلى قسمين رئيسيين :
الأول : الأحكام الشرعية المرتبطة بتحديد أفعال المكلفين من عبادات ومعاملات ، والحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة.
(95)
الثاني : العقائد ، والالتزامات الفكرية للإنسان المسلم.
وقد اختلفت الفرق والمذاهب الإسلامية في تحديد مصادر هذه التعاليم.
أما القسم الأول :
فقد قال قوم بأن مصدره هو خصوص الطرق المقررة من قبل الشارع نفسه ، ولا يمكن أن يتدخل العقل ـ بأي شكل ـ في تحديد التكليف الشرعي ، وهؤلاء هم « المحدثون ».
وقال قوم بأن مصدره هو الطرق المقررة ، إن وجدت ، وإلا فإن الدليل العقلي يكشف عن وجود التزام شرعي على طبقه ، وهم « المجتهدون ».
ومحل تفصيل هذين القولين ، بمالها من الخصوصيات ، والمضاعفات ، واللوازم ، هو علم أصول الفقه (1).
وأما القسم الثاني : فقد تكفل ببيان مسائله علم (الكلام) لكن المسلمين اختلفوا اختلافا كبيرا في تحديد مصدر أساسي لهذا العلم ، بعد اتفاقهم على أن مسائله جزء من أهم تعاليم الإسلام.
وبذلك يمكن القول بأن من المجمع عليه بين الأمة وجود بذور علم الكلام مع بزوغ الإسلام ومنذ بداية ظهوره ، فإن من مهمات المسائل الكلامية ، هي مسألتا « التوحيد » و « النبوة » وهما من المعتقدات التي أكد عليها الإسلام منذ البداية.
فيتضح خطأ من أخر عهد نشوء علم الكلام إلى عهد متأخر (2). (1)لاحظ بحث « الوسائل الرئيسية للإثبات في علم الأصول » من كتاب « المعالم الجديدة للأصول » تأليف السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، ص 30 ـ 45 ، ، وعامة القسم الأول من هذا الكتاب مفيد للمطالعة والبحث في هذا الصدد.
(2) الرسائل العشر ـ للشيخ الطوسي ـ : المقدمة ص 16 ، وقارن : تاريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 154.
(96)
وإذا قارنا بين العلوم الإسلامية ، وجدنا أن علم الكلام ، أكثرها أهمية من حيث ما يحتويه من بحوث عميقة ضرورية ، كما هو أسبق رتبة من غيره ، وأشرف موضوعا ، لأنه يبحث عن أساس ما على المسلم من التزامات فكرية وعقائد ، من المبدأ ، والمعاد ، وما بينهما ، وعلى ذلك تبتني كل تصرفاته وشؤون حياته الدنيوية والأخروية (3).
وبالرغم من اتحاد المسلمين على عهد الرسالة في الالتزام بما يتعلق بالقسمين من تعاليم الإسلام معا ، فإن عنصرا جديدا طرأ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فأدى إلى حدوث خلاف بينهم ، وهو « الخلافة » وسبب البحث حولها انقسام الأمة إلى فرقتين :
1 ـ الفرقة الأولى : تقول بوجوب الإمامة على الله تعالى ، كما هو الاعتقاد في النبوة ، وأن الإمام يتعين بتعيين الله تعالى ، وهم « الشيعة ». وعلى رأيهم يكون بحث الإمامة ، من صميم المباحث الكلامية.
2 ـ الفرقة الثانية : تقول بأن الإمامة واجب تكليفي على الأمة ، فيجب على المسلمين كافة تعيين واحد منهم لأن يلي أمر الأمة ، وهؤلاء هم « العامة ».
وعلى رأيهم يكون بحث الإمامة ، من مباحث الأحكام الشرعية ، وهذا النزاع مع أنه لم يمس ـ ظاهرا ـ العقائد المشتركة التي كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الإنسان بها مسلما إلا أنه أدى إلى تصديع الحق الذي كانوا عليه في ذلك العهد ، وسبب بعد إحدى الفرقتين عن الأخرى ، فوجود مدرستين منفصلتين ، لكل منهما طريقتها الخاصة في التدليل والتحليل ، إلى حد دخل بحث الإمامة في صلب مباحث علم الكلام ، بعد حين (4). (3) لاحظ : تلخيص المحصل ـ للمحقق الطوسي ـ : 1.
(4) لاحظ : المقالات والفرق ـ للأشعري القمي ـ : ص 2 وبعدها ، وخاندان نوبختي 5 ـ 76 ، وقارن : تأريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 20 و 25 و 88.
(97)
ولئن كانت العقائد الإسلامية في بداية عصر الإسلام محدودة كما ، وواضحة سهلة كيفا ، لتحددها بالتوحيد والتنزيه ، وإثبات الرسالة بالمعاجز المشهودة عينا ، والوعد والوعيد ، فإنها كانت تعتمد على القرآن المجيد كنص ثابت ، وعلى السنة النبوية كنص حي ، فقد كانت بعيدة عن البحوث المعقدة المطروحة على طاولة علم الكلام فيما بعده من الفترات ، كما أن تلك البحوث لم تمس تلك الأصول الواضحة ، ولم تؤثر عليها بشيء (5).
وطرحت في العقود الأولى لتأريخ الإسلام ، بحوث كلامية مستجدة ، كانت مسرحا للنزاعات الفكرية بين المسلمين ، أدت بالتالي إلى تأسيس مدارس كلامية متعددة ، ومن أهم تلك البحوث.
1 ـ الجبر والاختيار ، وما يرتبط بمبحث العدل.
2 ـ القضاء والقدر.
3 ـ صفات الله تعالى ، وما يرتبط بمبحث التوحيد.
4 ـ الإيمان ، والفسق ، وارتكاب المعاصي ، وما يرتبط بمبحث المعاد. وغير ذلك مما لم يطرح من ذي قبل ، أو كان مطروحا بشكل بدائي جدا ، من دون تفصيل.
ومع ذلك ، فإن هذه البحوث ـ أيضا ـ لم تثر اختلافا يؤدي إلى حدوث فرق مذهبية منفصلة ، إلا بعد فترة ، وإن لم تتجاوز القرن الأول الهجري (6) على الأكثر.
(5) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 10 و 114.
(6) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 109 و 148.
(98)
(3)
نشوء الفرق الكلامية
واختلف المسلمون في تحديد المصادر الأساسية للتعاليم الإسلامية في مجال العقائد ، فكانوا فرقا ثلاثا :
1 ـ فرقة تقول بأن المصدر الوحيد هو النص الشرعي ، من الكتاب والسنة ، وأن المسائل الاعتقادية توقيفية ، فلا يتجاوزون ما ورد في النصوص موضوعا ، وتعبيرا ، ولا يتصدون لشرح ما ورد فيها أيضا ، ولا لتوضيحه أو تأويله ، ويلتزمون بعقد القلب على تلك الألفاظ بما لها من المعاني التي لم يفهموها ولم يدركوها (7).
2 ـ وفرقة تقول بأن المصدر هو النص ، لكن ما ورد فيه من ألفاظ وتعابير لا بد من حملها على ظواهرها المنقولة ، لا المعقولة ، والالتزام بها على أساس التسليم بما ورد النص بتفسيره ، وقد التزم بهذا من ليس له حظ من العلوم العقلية ، وهم « أصحاب الحديث » (8).
3 ـ وفرقة تقول بأن طريق المعرفة بالعقائد الحقة والمسائل الكلامية هو العقل ، إذ به يعرف الحق ، ويميز عن الباطل ، ولا منافاة بين الشرع والعقل في ذلك ، فالنص إنما يرشد إلى الحق الذي يدل عليه العقل ، ولو ورد ما ظاهره مناف لما قرره العقل ، فلا بد من تأويل ذلك الظاهر إلى ما يوافق العقل ويدركه (9).
فالفرقة الأولى : تسمى من العامة ب « السلفية » وهم « المقلدة » من الشيعة.
والفرقة الثانية : تسمى من العامة ب « الأشاعرة » وهم « الأخبارية » من (7) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية 213.
(8) تلبيس إبليس ـ لابن الجوزي ـ : 116.
(9) تاريخ المذاهب الإسلامية. 148 و 149.
(99)
الشيعة. والفرقة الثالثة : تسمى من العامة ب « المعتزلة » وهم « الفقهاء » المجتهدون من الشيعة.
ويلاحظ في أتباع كل فرقة ، شبه كبير بين شيعتهم ، وبين العامة منهم. فالسلفية من العامة ، يشبهون في المحاولات الفكرية والالتزامات العقائدية المقلدة من الشيعة.
والأشاعرة من العامة ـ وهم أهل الحديث عندهم ـ يقربون في الطريقة والأسلوب من الأخبارية الذين هم أهل الحديث من الشيعة.
والمعتزلة من العامة ، تشبه طريقتهم في التفكير والاستدلال طريقة الفقهاء المجتهدين من الشيعة.
وقد يتصور البعض أن الفرق بين شيعة كل فرقة وبين العامة منها ، هو مجرد الاختلاف في الإمامة ، وتعيين أشخاص الأئمة ، ذلك الخلاف الأول الذي أشرنا إليه.
لكن الواقع أن الخلاف بين الشيعة والعامة من كل فرقة واسع ، مضافا على ذلك الخلاف في الإمامة والإمام. فالفرقة الأولى :
يعتمد العامة منهم ـ وهم « السلفية » (10) ـ على ما جاء ي الكتاب والسنة من العقائد ، وإذا تعذر عليهم فهم شيء من النصوص توقفوا فيه ، كما أنهم يلتزمون بالنصوص حرفيا ، فيكررون ألفاظها ، ويفوضون أمر واقعها إلى الشرع.
وكانوا يقفون من « علم الكلام » المصطلح ، موقفا سلبيا ، فكان مالك بن أنس يقول : « الكلام في الدين أكرهه ، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل... (10) لاحظ : تأريخ المذاهب الإسلامية : 212 ـ 213.
100
أما الكلام في الدين وفي الله تعالى فالكف أحب إلي » (11).
وكان يقول زعيمهم أحمد بن حنبل : « لست صاحب كلام ، وإنما مذهبي الحديث » (12).
لكن الشيعة من هذه الفرقة ، وهم « المقلدة » (13) كانوا يأخذون العقائد من الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مع ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من الاستدلالات ، وفيها الكثير مما لم ينله السلفية من العامة لبعدهم عن الأئمة عليهم السلام.
لكن المقلدة والسلفية يشتركون في أنهم لا يحاولون الاستدلال على شيء خارج عن النص ، ولا يجتهدون في المزيد من البحث والفكر فيما يرتبط بالعقائد. والفرقة الثانية :
فأهل الحديث من العامة ، هم « الأشاعرة » يلتزمون بالعقائد التي تدل عليها الخصوص ، ويفسرونها حسب ما تدل عليها العبارات من الظواهر المفهومة لهم ، وبما يدركونه من المحسوسات ، حتى ما ورد فيها من أسماء الأعضاء المضافة إلى اسم الله ، كاليد ، والرجل ، والعين ، والوجه ، ولم يلجؤوا إلى تأويل ذلك عن ظاهره (14) ولذلك يسمون ب « المشبهة ».
ويختلف الأشاعرة عن السلفية في تجويز هؤلاء البحث في الكلام ، وقد كان أبو الحسن الأشعري ـ وهو زعيم الأشاعرة ومؤسس مذهبهم ـ من أوائل الرادين على دعوة ابن حنبل رئيس السلفية في النهي عن الكلام ، إذ تصدى له في كتاب (11) الإعتصام ـ للشاطبي ـ : 2 / 2 ـ 334 ، وانظر : مناهج الاجتهاد في الإسلام : 624 ـ 625.
(12) المنية والأمل ـ المطبوع باسم « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى ـ : 125 ، وانظر : مناهج الاجتهاد في الإسلام : 7 ـ 508 و 679.
(13) لاحظ عن « المقلدة » : الفصول المختارة : 8 ـ 79 ، وتصحيح الاعتقاد ـ للمفيد ـ : 219 ـ 220 طبعة النجف ، وعدة الأصول ـ للطوسي ـ 1 / 7 ـ للطوسي 1 / 7 ـ 348.
(14) تأريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 297 ، وتاريخ المذاهب الإسلامية ـ لأبي زهرة ـ : 186.
(101)
بعنوان « رسالة في استحسان الحوض في علم الكلام » قال فيه. « إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم ، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ، ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أن الكلام... بدعة وضلالة » ثم تصدى لردهم بقوة (15).
أما أهل الحديث من الشيعة ، وهم « الأخبارية » فيعتقدون بلزوم متابعة ما ورد في النصوص والاعتماد عليها ، لكنهم يعتمدون على ما ورد في حديث أئمة أهل البيت عليهم السلام من تأويل وتفسير لتلك النصوص ، كما يتبعون ما ورد عنهم من الاستدلالات العقلية ، ولذلك فإنهم يؤولون النصوص التي ظاهرها إثبات اليد والوجه والعين الله تعالى ، وينفون التشبيه ، تبعا لأهل البيت عليهم السلام (16).
قال الشيخ الكركي (ت 1076) ـ وهو من الأخبارية المتأخرين ـ عند البحث عن التقليد في أصول الدين : « والحق أنه لا مخلص من الحيرة إلا التمسك بكلام أئمة الهدى عليهم السلام ، إما من باب التسليم ، لمن قلبه مطمئن بالإيمان ؟ أو بجعل كلامهم أصلا تبنى عليه الأفكار الموصلة إلى الحق ، ومن تأمل نهج البلاغة ، والصحيفة الكاملة ، وأصول الكافي ، وتوحيد الصدوق ، بعين البصيرة ، ظهر له من أسرار التوحيد والمعارف الألفية ما لا يحتاج معه إلى دليل ، وأشرق قلبه من نور الهداية ما يستغني به عن تكلف القال والقيل » (17).
ويشترك الأشاعرة من العامة والأخبارية من الشيعة ، في رفض المحاولات العقلية ، والاحتجاجات الخارجة عن النص.
والفرقة الثالثة :
فالمعتمدون على العقل من العامة ، وهم « المعتزلة » يفترقون عن
(15) وردت الرسالة كاملة في : مذاهب الإسلاميين ـ للبدوي ـ 1 / 15 ـ 26.
(16) أنظر : مقدمة « التوحيد » للصدوق : ص 17 ، طبعة طهران.
(17) هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار : 1 ـ 302.
(102)
« الفقهاء » من الشيعة ، في جهات عديدة كما سيأتي ، وإن اشتركوا في اعتمادهم على العقل كمصدر للعقائد.
(4)
الخلط بين المذاهب
والتشابه الكبير بين الشيعة من كل فرقة والعامة منها ، أصبح منشأ لاتهام كل منهما بالأخذ من الآخر ، أو للخلط بين كل من المذهبين ، أو نسبة آراء كل منهما إلى الآخر ، باعتبار أن منهجهما الكلامي واحد ، ويلتزمان في الفكر بمصدر واحد (18).
&nbs
وعلى أساس من هذا الخلط ، قد يسوي البعض بين أهل الحديث من العامة ، وبين أهل الحديث من الشيعة ، باعتبار اعتمادهم على الحديث مصدرا للمعتقدات الكلامية ، غفلة عن الفوارق المهمة الأخرى التي ذكرناها.
فإن أهل الحديث من العامة ، يرفضون التأويل في النصوص ، بينما أهل الحديث من الشيعة يلتزمون بالتأويل بالمقدار الموجود في أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
والتزامهم بالتأويل ـ ولو بهذا المقدار منه ـ سبب اتهامهم بأنهم من المعتزلة ، لأن هؤلاء أيضا يلتزمون بتأويل الظواهر ، غفلة عن أن المعتزلة يختلفون عن أهل الحديث من الشيعة في جهات عديدة ـ بعد الإمامة ـ أهمها اختلاف المنهج الفكري ، حيث يعتمد أهل الحديث من الشيعة على النصوص ، بينما المعتزلة يلتزمون بالعقل مصدرا للفكر والعقيدة ، كما ذكرنا.
وقد تكال هذه التهم عن علم بالواقع ، وعمد للأمر ، لغرض تشويه سمعة الفرقة المتهمة ، أو إثارة الفتن والإحن بين المذاهب المختلفة.
(18) أنظر : مقدمة « أوائل المقالات » ـ بقلم الزنجاني ـ 12 طبعة النجف.
(103)
ومن ذلك الخلط بين المعتزلة وهم العامة من الفرقة الثالثة ، وبين الفقهاء وهم الشيعة.
فمن لم يحدد المناهج الفكرية ، ولم يقف على أصول الانقسامات المذهبية ، قد يتهم جمعا من المعتزلة بالتشيع ، لما يجد من وحدة المنهج والفكر الكلامي بينهما ، واعتمادهما على العقل كمصدر للعقيدة (19).
وقد يتهم التشيع بالاعتزال ، على ذلك الأساس نفسه.
والمعترضون المغرضون ، لا يفرقون بين التهمتين ، تهمة الاعتزال بالتشيع ، أو تهمة التشيع بالاعتزال ، فأيتهما حصلت تحقق غرضهم ، من ضرب الفريقين ، لأنهم يجدونهما ـ معا ـ معارضين لمنهجهم الكلامي ، وملتزماتهم الفكرية.
وهذا ما وقع ـ مع الأسف ـ في تأريخ الفكر الإسلامي ، حيث عمد بعض الأشاعرة ، إلى إلقاء تلك التهم ، بغرض التشويش على سمعة المعتزلة تارة ، وعلى سمعة الشيعة أخرى.
مع أن الأشاعرة هم الذين يشتركون مع المعتزلة في أصل المذهب ، وهو الالتزام بمنهج الخلافة على طريقة العامة ، وبذلك يبتعدون عن التشيع في أصل المعتقد.
وكذلك يتهم بعض الشيعة من الأخباريين ، الفقهاء من الشيعة بالاعتزال ، باعتبار اتخاذهم كلهم العقل مصدرا للفكر.
ناسين أن التشيع يفترق عن الاعتزال في أصل الإمامة ـ قبل كل لقاء ـ كما يفترق عنه في كثير من المسائل الفكرية المهمة.
وأن مجرد التقاء التشيع مع الاعتزال في بعض المواضع والنقاط ، كالتوحيد ، والعدل ، ليس معناه اتحادهما في كل شيء ، فضلا عن أن يكون التشيع مأخوذا من الاعتزال ، أو أن يكون الاعتزال مأخوذا من التشيع !
(19) أنظر : الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1 / 85 ، ومنهاج السنة ـ لابن تيمية الحنبلي ـ 1 / 31 طبعة بولاق.
(104)
والغريب أن أشخاصا كبارا من متكلمي الشيعة نسبوا إلى الاعتزال مثل الحسن بن موسى النوبختي (ت 300) (20) !
مع أنه قد ألف كتابا باسم « النقض على المنزلة بين المنزلتين » (21).
والمنزلة بين المنزلتين من أهم عناصر الفكر المعتزلي ، وهو رابع الأصول الخمسة التي يبتني عليها الاعتزال (22).
قال الشيخ المفيد : « المعتزلة لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين (23) فن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة ، وإن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء (24).
ولو كان مجرد الالتقاء في بعض الأصول سببا لاتهام مذهب بآخر لكان الأشاعرة كلهم معتزلة ، لأنهم على مسلك واحد في جعل الإمامة من واجبات الأمة ، وتعيين الإمام باختيار المسلمين ، وهذا أهم ما افترقت به العامة عن الشيعة.
وقد تصدى جمع من متكلمي الشيعة لرد هذا الاتهام ودفع تهمة أخذ مذهب الشيعة من المعتزلة ، وبينوا الفرق بين المذهبين ، وفي مقدمتهم الإمام الشيخ المفيد (ت 413) فقد أورد في كتبه المختلفة أبوابا ذكر فيها الفرق بين الشيعة والمعتزلة ، ومن ذلك ما أورده في كتابه « أوائل المقالات » بعنوان :
باب القول في الفرق بين الشيعة والمعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال (25).
وباب في ما اتفقت الإمامية فيه على خلاف المعتزلة مما أجمعوا عليه من
(20) لاحظ : طبقات المعتزلة ـ المنية والأمل ـ لابن المرتضى.
(21) رجال النجاشي : 50 ، خاندان نوبختي : 131.
(22) أنظر : مذاهب الإسلاميين ـ للبدوي ـ 1 / 64 ـ 69 ، والشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 126 وبعدها.
(23) أوائل المقالات : 40 طبعة النجف.
(24) أوائل المقالات : 42.
(25) أوائل المقالات : 38.
(105)
القول في الإمامة (26).
وقد رد الشيخ المفيد في كتب خاصة على آراء المعتزلة وكبار أهل الاعتزال مثل كتاب « نقض فضيلة المعتزلة » (27).
ونقوضه على معتزلة البصرة :
كأبي بكر الأصم (ت 236) وأبي علي الجبائي (ت 303) وأبي هاشم ابن الجبائي (ت 321) وأبي عبد الله البصري (ت 367).
وردوده على معتزلة بغداد :
كجعفر بن حرب أبي الفضل الهمداني (ت 236) وأبي القاسم البلخي الكعبي (ت 319) وعلي بن محمد بن إبراهيم الخالدي أبي الطيب (ت بعد 351).
وكتابنا هذا « الحكايات » ـ الذي نقدم له ـ خاص لعرض عدد كبير من مخالفات المعتزلة ، والرد عليها ، وبيان آراء الشيعة فيها.
كما رد عليهم في أثناء كتبه الأخرى ، فانظر « الإفصاح » في « عدة رسائل » ، ص 68 و 70 و 73 و 77.
والرسالة السروية ، عدة رسائل ، ص 330 ، المسألة (11).
والمسائل الصاغانية ، عدة رسائل ، ص 239.
وقد كتب من أئمة الزيدية عبد الله بن حمزة المنصور بالله (ت 614) كتاب « الكاشفة للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال » كما أورد ذلك السيد مجد الدين المؤيدي ، في مقدمة كتاب الشافي ، ص 9.
و « حكاية الأقوال العاصمة عن الاعتزال في بيان الفرق بين الشيعة والمعتزلة » في أربعة فصول ، لأبي عبد الله حميدان بن يحيى القاسمي الحسني الزيدي ، يوجد في دار الكتب المصرية ، ضمن المجموعة 34 ، قسم النحل ، [ الذريعة (26) أوائل المقالات : 48.
(27) أنظر عن هذا الكتاب ، وما يلي من النقوض على المعتزلة ، الفصل الخاص بمؤلفات الشيخ المفيد من كتاب « أنديشه هاى كلامى شيخ مفيد » : 34 ـ 66.
|
|
|