العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 14 > من أدب الدعاء في الاسلام > 


من أدب الدعاء في الاسلام
ضبطه عند التحمل والاداء
وتنزيهه عن اللحن والتحريف
ودعوة إلى إحيائه وتحقيق كتبه

السيد محمد رضا الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله وصلى الله على سادتنا محمد وآله الاطهار .

1 ـ حقيقة الدعاء والادعية الماثورة :
     إن الدعاء ـ في حقيقته ـ يمثل المعاني القيمة ، التي تتبلور في نفس الداعي ، ويستتبع التوجه العميق إلى الذات الالهية ، فالفناء في وجوده الواجب ، ثم الرجوع إلى عالم المادة ، لاداء مهمة الروح العليا ، روح العدالة والحق والصدق وبالتالي : الخلاص من كل العبوديات .
     وفي هذا السفر السريع البطيء ، والطريل القصير ، لاحاجة إلى أي شيء ، سوى التركيز على نقطة المبدأ ، ومركز الانتهاء .
     فلا يمكن أن نقيد الدعاء ـ بعد أن كان عملا روحيا ـ بأي قيد ، من زمان أو مكان أو لفظ ، ولا بأية لغة أو صيغة أو نص .
وقد رسم الامام الصادق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، لهذه



(*) فصل من كتاب « الدعاء في الاسلام : ما هو ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟» للسيد محمد رضا الحسيني.


(11)

الفكرة خطة واضحة ، في الحديث التالي :
     عن زرارة ، قال ، قلت لابي عبد الله عليه السلام : علمني دعاء ؟ فقال : إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك (1).
     فإذا كان الداعي لم يطق أن يستوعب أكثر مما يجري على لسانه ، فإن ذلك يكفيه ، والمهم أن يكون ملتفتا ألى اساس الدعاء ولبه وهو التركيز على نقطة المبدأ ومركز الانتهاء ، في سيره الروحي .
     وقد أفصح الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الحقيقة لما سأل رجلا : كيف تقول في الصلاة ؟ فأجاب الرجل : أتشهد ثم أقول : « اللهم إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ».
وأضاف الرجل : أما أني ـ والله ـ لا احسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : حولها ندندن (2) .
     لكن الاسلام قد حدد للدعاء المختار حدودا ، وقرر له شروطا ، راعى في ذلك بلوغه الى الكمال المطلوب ، ومن ذلك ما يرتبط بالفاظه ولغته .
ففي الوقت الذي اكد على جوانب معناه واهدافه ، لم يهمل جانب ادائه وصيغته .
     والحق ، انا إذا أردنا نركز التفاتنا كاملا ، فإن كل الحواس ـ وهي ترتبط بواسطة الاعصاب بعضها بالاخرى ـ لابد أن تتجه وتلتفت سواء الحواس الخارجية وجوارحها ، أم الحواس الباطنية وقابلياتها ، وحاسة النطق ـ وهي المعبرة عن الجميع ـ وآلتها اللسان ، لابد أن تتحرك اعصابه ، فتكون كلمة الداعي



(1) وسائل الشيعة 4|1171 .
(2) الاسماء المبهمة ـ للخطيب البغدادي ـ : 116 رقم 63 وانظر : كنز العمال 2|88 .



(12)
حاسمة ، وتكون الفاظ الدعاء مركزة موجهة .
اليست الالفاظ تعبيرا عن مكامن الضمير ، وسرائر الوجدان ؟
اليست الكلمات النابعة عن طلبات الروح ، اصدق دليل على التركيز في التوجه والالتفات ؟
ومن يدري؟ !
     فلعل العبد الداعي يكون اقرب الى مولاه الجليل ، عند بعض الحالات ، وأداء بعض النغمات ، وتلاوة بعض الكلمات ، وفي بعض المقامات والاوقات ؟ دون غيرها ؟!
     إن النية الواحدة ، قد تصاغ باشكال مختلفة ، وتؤدى باساليب متنوعة ، وقد تصحبها أنغام متفاوتة . فأيا منها نختار ؟ لنتوسل به الى هذا السير الروحي ، ونتزود منه على هذا الطريق الصعبة ، ونتوصل بسببه الى النتيجة المنشودة .
     ما اروع للداعي ، لو عرف ، او تنبه الى اجمل لفظة في ابدع اسلوب ، والى اليق تعبير في ارق نغمة ، وكان دعاؤه نابعا من اعماق الضمير ، ليكون ارغب الى مقام الانس ، واقرب الى حظيرة القدس ، وآكد في تحقيق رغبات النفس .
اليس هذا هو الاحسن ، والاضمن لحصول الاجابة ؟
     لكن ليس الافراط في المحافظة على اللفظ ، والتوغل في مراعاة اداء الحروف وضبط الحركات ، هدفا للمتكلم الواعي ، ولا غاية للانسان الهادف ، فضلا عن المسلم الذي يقوم بمهمة عظيمة مثل الدعاء .
     فان الدعاء ـ قبل ان يتبلور في الجمل والكلمات ـ انما هو نور مضي ينقدح فيفيض على اللسان ، ولو كان القلب كدرا لم ينقدح فيه ذلك النور ، فاين له ان يظهر على لسان صاحبه ، الدعاء ؟!
قال الامام الصادق عليه السلام : تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو ،


(13)
خطيبا مصقعا ولقلبه اشد ظلمة من الليل المظلم (3) .
وهكذا الانهماك في تطبيق القواعد اللفظية ، بما يصرف توجهه عن المعاني ويقطع التفاته عن الهدف .
وهو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه ، من قوله : من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع (4) .
     نعم ، أن أغفال جانب اللفظ وحسن التعبير ، وصحة النص وسلامة العبارة عيب ، بلا ريب ، في الدعاء يحطه عن مرتبة الكمال اللازم في كل جوانب الدعاء من لفظه ومعناه ، ولابد للداعي العارف ، المتمكن من ذلك أن يتصف به ، فيكون دعاؤه بمستوى ما يطلب من المقام الرفيع المنشود .
     ومن هنا ورد التاكيد البليغ على اتصاف الدعاء بالادب ، ويراد به « الادب العربي » في مراعاة القواعد اللغوية والنحوية والبلاغية ، إذا بلغ الداعي مرتبة عالية من العلم والمعرفة ، وبلغ من الدين والعقيدة مبلغا يحسن مثل هذا الطلب منه .
     قال الامام ابو جعفر محمد بن علي ، الجواد عليه السلام : ما استوى رجلان في حسب ودين ـ قط ـ الا كان افضلهما عند الله آدبهما .
قال الراوي : جعلت فداك ، قد علمت فضله عند الناس ، في النادي والمجالس ، فما فضله عند الله عزوجل ؟!
     قال عليه السلام : بقراءة القرآن كما انزل ، ودعائه الله عزوجل من حيث لايلحن ، وذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله عزوجل (5) .
     ان الكمال اللازم يجب ان يعم ادب الداعي ومعارفه ، فيكون كاملا في لغته التي يتقدم بالدعاء بها ، بعيدا عن اللحن المزري ، فان الله يحب ان يرى



(3) الكافي ـ الاصول ـ 2|422 .
(4) بحار الانوار 1|7 ـ 218 .
(5) عدة الداعي : 18 ، وسائل الشيعة 4|1107 ، وانظر : كنز العمال 2|293 .



(14)
عباده يناجونه اليس عباده يناجونه باحسن ما يناجي به احد احدا .
     أليس القرآن ـ وهو كلام الله ـ نزل بابلغ ما يكون الكلام وأعذبه ، فليكن ما يخاطب به العبد مولاه ـ كذلك ـ في أوج ما يقدر عليه من الكلام الطيب والذكر البديع ، المنزه عن عيب اللحن ، والوهن .
     إن الاسلام ـ في الوقت الذي ينص على الاكتفاء بما يجري على اللسان من الدعاء ، إذا لم يعرف الداعي نصا ماثورا ، لان ذلك ادنى ما ياتي منه ـ فإنه لا يكتفي ممن يمكنه الوصول إلى الماثور ، أن يقنع بالدعاء الذي يخترعه من عند نفسه .
     عن عبد الرحيم القصير ، قال : دخلت على ابي عبد الله عليه السلام ، فقلت : جعلت فداك ، إني اخترعت دعاء !
قال عليه السلام : دعني من اختراعك .
     إذا نزل بك امر فافزع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وصل ركعتين تهديهما الى رسول الله صلى الله عليه وآله . . . (6) .
وعلمه دعاء يتلوه .
     إن الدعاء الماثور ، هو ـ بلا ريب ـ أقوى ، وأصدق ، وأضبط ، فهو أوصل إلى المطلوب ، مما يخترعه ذهن الانسان العادي ، ويلوكه لسانه.

2 ـ المحافظة ، على النص الماثور :
     فإذا كان الدعاء الماثور بهذه الدرجة من الضرورة ، فلابد ان تكون المحافظة عليه شديدة جدا ، ولابد ان يواظب الداعي على نصه ، كي لايتجاوزه في حرف او حركة ، وإلا لم يبلغ المنشود المترقب من ذلك الدعاء ، وقد عرفنا «أن الدعاء الملحون لا يرفع ».



(1) الكافي ، كتاب الصلاة ، باب صلاة الحوائج 3|476 ح 1 .


(15)
     وقد جاء النهي الصريح عن تجاوز نص الدعاء الماثور ، او تخطيه ، ولو بالزيادة فضلا عن النقيصة ، او بتغيير لفظ الى ما يرادفه ، او بوضع جملة مكان اخرى ، وان كانا يهدفان غرضا واحدا .
وذلك كله تقيدا بالماثور ، واداء لما ورد كما ورد .
فعن البراء بن عازب : أن النبى صلى الله عليه وآله قال : يا براء ، كيف تقول اذا اخذت مضجعك ·
قال : قلت : الله ورسوله اعلم .
قال صلى الله عليه وآله : اذا اويت الى فراشك طاهرا ، فتوسد يمينك ثم قل :
     « اللهم اسلمت وجهي اليك وفوضت امري اليك ، وألجأت ظهري اليك ، رغبة ورهبة اليك ، لا ملجأ ولا منجى منك الا اليك ، آمنت بكتابك الذي انزلت ، وبنبيك الذي ارسلت » .
من قالها في ليلته ثم مات ، مات على الفطرة .
قال البراء : فقلت ـ استذكرهن ـ : « . . . ورسولك الذي ارسلت . . . » .
فقال بيده في صدري : « لا ، ونبيك الذي ارسلت » (7) .
     وعن اسماعيل بن الفضل ، قال : سالت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل « وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » [ طه 20 : 130 ].
فقال: فريضة على كل مسلم ان يقول قبل طلوع الشمس عشر مرات ،



(7) اورده البخاري في صحيحه في مواضع : كتاب الوضوء 1|308 ، وكتاب الدعوات 11|93 و97 و98 ، وكتاب التوحيد 13|388 ؛ ومسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء 4|2081 ؛ وابو داود في السنن ، ابواب النوم 4/ 425 ؛ وابن ماجة في السنن ،
كتاب الدعاء 2/ 1275 ، والترمذي في السنن ، أبواب الدعوات 2|245 ، واحمد في المسند 4|285 و290 و292 و296 و299 و300 و301 و302 من طبعة الحلبي .
والطبرانى في المعجم الصغير : 3 ، والخطيب في الكفاية : 270 طبعة مصر .



(16)
     وقبل غروبها عشر مرات : « لا اله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير » .
     قال : فقلت : لا اله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيى . . .
فقال : يا هذا ، لا شك في ان الله يحيي ويميت ويميت ويحيي ، ولكن قل كما اقول (8) .
وعن العلاء بن كامل : قال: « سعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: « واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول » [ الاعراف 7 : 205 ] عند المساء : لا الله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت ويميت ويحيى ، وهو على كل شيء قدير .
قال : قلت : . . . بيده الخير .
     قال : ان بيده الخير ، ولكن قل كما اقول . . . (9) .
     وعن عبد الله بن سنان ، قال : قال الصادق عليه السلام : ستصيبكم شبهة ، فتبقون بلا علم يرى ولا امام هدى ، لا ينجو منها الا من دعا بدعاء الغريق .
قلت : كيف دعاء الغريق ·
قال : تقول : « يا الله ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا مقلب القلوب ، ثبت قبلي على دينك » .
فقلت : يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك .
فقال : ان الله عزوجل مقلب القلوب والابصار ، ولكن قل كما اقول: « يا



(8) الخصال ـ للصدوق ـ : 452 ح 58 من ابواب العشرة ؛ والوسائل ، الصلاة ، ابواب الذكر باب 49 ، 7|226.
(9) الكافي ـ الاصول ـ 2|383 ح 17 ، الوسائل 7|227 ح 6 .



(17)
مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك » (10) .
     تدل هذه الاحاديث على ان الادعية الماثورة توقيفية ، وقع التعبد بخصوص الفاظها الواردة ، وان ادنى تغيير اوتبديل في كلماتها ، او اي لحن او تحريف في حركاتها وحروفها ، وان لم يغير المعنى ، يوجب ان لا يكون اداؤه صحيحا ، فلا يتوقع منه ما يترقب منه فيما لو كان اداؤه تاما من الاثار الروحية .
     وينبئك بمدى تاثير الالفاظ المختلفة للنتائج المتغايرة ، وان كان الاثر الشرعي المترتب على جميعها واحدا ، ما ورد في باب « اليمين » وهو ما رواه الكليني بسنده عن صفوان الجمال ، قال :
     حملت ابا عبد الله عليه السلام الحملة الثانية الى الكوفة وابو جعفر المنصور بها ، فلما اشرف على الهاشمية ـ مدينة ابي جعفر ـ اخرج رجله من غرز الرحل ثم نزل ، ودعا ببغلة شهباء ، ولبس ثياب بيض وكمة بيضاء ، فلما دخل عليه قال ابوجعفر : لقد تشبهت بالانبياء .
فقال ابو عبد الله عليه السلام : وانى تبعدني عن ابناء الانبياء ؟
فقال : لقد هممت ان ابعث الى المدينة من يعقر نخلها ويسبي ذريتها .
فقال : ولم ذلك ، يا امير المؤمنين ؟
فقال رفع الي ان مولاك المعلى بن خنيس ، يدعو اليك ويجمع لك الاموال .
فقال والله ما كان .
فقال : لست ارضى منك الا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي .
فقال : ابالانداد من دون الله تامرني ان احلف ؟ ! انه من لم يرض بالله فليس من الله في شئ .



(10) إكمال الدين ـ للصدوق ـ (المطبوع باسم « كمال الدين » خطأ) 1|352 باب 33 ، ح 49 وعنه بحار الانوار 52|149 ح 73 .


(18)
فقال : أتتفقه علي !
فقال : وأنى تبعدني من الفقه ، وأنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ? !
فقال : فإني أجمع بينك وبين من سعى بك .
قال : فافعل .
فجاء الرجل الذي سعى به ، فقال له أبو عبد الله : يا هذا !
فقال : نعم ، والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، لقد فعلت .
فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ويلك ، تمجد الله ، فيستحيي من تعذيبك ولكن قل : « برئت من حول الله وقوته ،
ولجأت إلى حولي وقوتي » .
فحلف بها الرجل ، فلم يستتمها حتى وقع ميتا .
فقال أبو جعفر : لا اصدق بعدها عليك أبدا ؛ وأحسن جائزته ورده (11) .
     وقريب منه في قصة يحيى العلوي مع عبد الله بن مصعب الزبيري لما وشى به عند هارون الرشيد العباسي ، فحلفه يحيى (12) .

3 ـ مشكلة تجويزهم نقل الحديث بالمعنى ؟
قد ثبت لدى علماء الحديث تجويز نقل الحديث بالمعنى :
     قال الشيخ العاملي : قد ذهب جمهور السلف والخلف ، والطوائف كلها ، إلى جواز الرواية بالمعنى ، إذا قطع بأداء المعنى بعينه . . لما رويناه بطرقنا عن محمد بن يعقوب . . . عن محمد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أسمع الحديث منك ، فأزيد وأنقص ؟
قال عليه السلام : إن كنت تريد معانيه ، فلا بأس (13) .



(11) الكافي ، كتاب الزي والتجمل ، باب لباس البيض 6|5 ـ 446 ح 3 .
(12) الحدائق الوردية ـ للمحلي ـ 1|192 .
(13) وصول الأخيار ألى اصول الأخبار : 152 عن الكافي 1|51 .



(19)

وروينا بالسند عن داود بن فرقد ، قال :
     قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أني أسمع الكلام منك ، فاريد أن أرويه كما سمعت منك ، فلا يجئ .
قال : فتتعمد ذلك ؟ قلت : لا .
قال : تريد المعاني ؟ قلت : نعم .
قال : فلا بأس (14) .
     وقد روى العامة الترخيص في رواية الحديث بالمعنى ، عن الأكثر ، ونقلوه عن جماعة من الصحابة منهم الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وواثلة بن الأسقع (15) ونسبه بعضهم إلى الجمهور (16) . وقد استدل الصحابي واثلة ، على ذلك ، باستدلال ظريف ، لما قيل له : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيه وهم ، ولا تزيد ولا نسيان !
قال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ؟!
     قال الراوي : فقلنا : نعم ، وما نحن له بحافظين جدا ، أنا لنزيد الواو والألف ، وننقص !
     قال : فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم ، لا تألون حفظا ، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون ، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة ، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى (17) .
فالحديث وهو يحتوي على الأحكام الشرعية وهو ثاني مصادر التشريع في



(14) المصدر ، نفس الموضع .
(15) قواعد التحديث ـ للقاسمي ـ : 207 .
(16) توجيه النظر ـ لطاهر الجزائري ـ : 76 .
(17) تدريب الراوي ـ للسيوطي ـ : 312 .



(20)
     الإسلام ، مع ما لذلك من الخطورة ، التي تحتم مزيد المراقبة والاحتياط فيها إذ أن أدنى تغيير فيه يؤدي إلى تحريف الأحكام وتبديل شريعة الإسلام .
     هذا الحديث إذا جاز نقله بالمعنى ، فالدعاء ، وهو ليس بتلك الأهمية قطعا لا بد أن يجوز فيه ذلك ? !
وإذا لم يجز ذلك إذا جاز نقله بالمعنى ، فالدعاء ، وهو ليس بتلك الأهمية قطعا لا بد أن يجوز فيه ذلك · !
     وإذا لم يجز ذلك في الدعاء ، والتزم بنقل نصه المأثور ، فليكن ذلك في الحديث ، وخاصة أحاديث الأحكام ، كذلك ، بطريق أولى . والحاصل : أن روايات الدعاء هي من الحديث الشريف ، فإذا جوزنا رواية الحديث ونقله بالمعنى ، شمل روايات الدعاء أيضا .

والجواب عن هذه المشكلة ، من وجوه :
     الأول : أن أحاديث المحافظة على الدعاء تخصص ما دل على جواز نقل الحديث بالمعنى ، فكل حديث يجوز نقله بالمعنى إلا أحاديث الدعاء .
     وهذا بناء على دخول الدعاء في الحديث ، بمعناه العام واضح لاغبار عليه ، وإلا فهو خارج تخصصا .
     الثاني : أن تجويزهم لنقل الحديث بالمعنى ، إنما هو فيما لم يتعبد بلفظه من نصوص الحديث ، مما اُريد به لفظه الخاص من متون الأحاديث ، حيث لا يجوز نقله بالمعنى ، بل يروى بعين لفظه ، كالخطب التي تلقى بمناسبات خاصة ، والتي يستعمل فيها أساليب إنشائية بلاغية ، وكذلك الكلمات القصار المحتوية على جوامع الحكم ، والنصائح والمواعظ المذكورة في جمل قصيرة ، مما فيه سجع معين يدل على العناية بخصوص الكلمات والألفاظ الواردة فيها ، وكذلك نصوص الأدعية المأثورة الواردة في ظرف معين من زمان أو مكان أو مناسبة خاصة ، وقد أمر الشارع بتلاوتها بعينها ، فلا يجوز تخطيها للناقل الذي يريد العمل بما أمر الشارع ، وبذلك يمتاز الدعاء عن مطلق الحديث .
     الثالث : أن الحديث يتفاوت عن الدعاء بأمر جذري ، فإن الحديث إنما يرويه الراوي وينقله ناسبا معناه إلى المروي عنه ، وناقلا له عنه ، لكن الدعاء إنما


(21)
     يتلوه الداعي بقصد إنشاء ما يتلو من المعنى ، وقاصدا للمعاني التي في الكلام الخاص ، في إطار هذه الألفاظ المعينة ، بعنوان أنه يناجي بها ربه ، لا أنه يرويها وينقلها عن منشئها ، وإن كان إنما أخذ نص الدعاء عنه نقلا .
مع أن جواز رواية الحديث بالمعنى ليس على إطلاقه ، بل :
1 ـ إن رواية الحديث بلفظه أحسن ـ مهما أمكن ـ من روايته بالمعنى . .
     قال المحدث العاملي : نعم ، لا مرية أن روايته بلفظه أولى على كل حال ، ولهذا قدم الفقهاء المروي بلفظه على المروي بمعناه (18) .

وقد أكد الأئمة عليهم السلام على ذلك ، فعن أبي بصير ، قال :
     قلت لأبي عبد الله عليه السلام : قول الله جل ثناؤه : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه » (19) ?
قال عليه السلام : هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه ، لا يزيد فيه ولا ينقص منه (20) .
2 ـ إن على الراوي بالمعنى أن يشعر بذلك .
     فقد صرح علماء الحديث بأنه ينبغي للراوي بالمعنى أن ينبه على ذلك ، فيقول بعد نقل الحديث : « أو كما قال » و« أوشبه ذلك » و« أو نحو ذلك » ليحترز من الكذب في نسبة نفس اللفظ المنقول إلى المنقول عنه (21) .
وقد عمل بذلك جمع من الصحابة والمتقدمين (22) .
ومن الواضح أن مثل هذا غير مناسب للدعاء .
3 ـ إن رواية الحديث بالمعنى مشروط بشرط أساسي ومهم وهو : أن يكون



(18) وصول الأخيار : 152 .
(19) سورة الزمر 39|18 .
(20) وصول الأخيار : 153 ، عن الكافي 1|51 .
(21) لا حظ : وصول الأخيار : 155 .
(22) السنة قبل التدوين ـ لمحمد عجاج الخطيب ـ : 130 .



(22)
الراوي بالمعنى عارفا لمعنى الحديث واقفا على أسراره وجميع خصوصياته .
     قال العاملي : إنما جوزناه لمن يفهم الألفاظ ويعرف خواصها ومقاصدها ويعلم عدم اختلال المراد منها فيما أداه . . . وإذا لم يكن المحدث عالما بحقائق الألفاظ ومجازاتها ومنطوقها ومفهومها ومقاصدها ، خبيرا بما يحيل إليه معانيها ، لم تجز له الرواية بالمعنى بغير خلاف ، بل يتعين اللفظ الذي سمعه إذا تحققه ، وإلا لم تجز له الرواية (23) .
     وهذا يعني أن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز إلا لمن كان واعيا متحققا مما يسمع ، فطنا متنبها لما يتحمل ويؤدي ، فيتعين عليه أداء اللفظ إن لم يصب المعنى ، وإن أصاب المعنى وكان أهلا لذلك لمعرفته بأسرار اللغة ، وخواصها ،
ومرادفاتها ، ومشتركها في مفرداتها ، وخصائص تراكيبها ، جاز له الرواية بالمعنى .
     وأجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى (24) .
     ومع هذا الشرط فلا يرد على تجويز الرواية بالمعنى ما توهمه بعض المغرضين من أن ذلك يؤدي إلى تجويزه لجميع الرواة في كل الطبقات ، وذلك يقتضي ـ بعد تغيير الألفاظ في جميع الطبقات ـ إلى سقوط الكلام الأول ، لأن ذلك لا ينفك عن تفاوت ـ وإن قل ـ وإذا توالت التفاوتات ، كان التفاوت الأخير فاحشا (25) .
     فإن التجويز خاص بالمقتدرين على درك المعاني وأداء جميع خصوصياتها بالدقة المذكورة ، ومن المعلوم أن ذلك كان خاصا بالطبقة الاولى ، حيث كانت اللغة سليمة ، وكانت السلائق على طبيعتها غير مشوبة ، فلم يصب الحديث من نقلهم بالمعنى وبألفاظ اخرى خلل أصلا ، ولم نحتمل في ما نقلوه



(23) وصول الأخيار : 151 ـ 152 .
(24) السنة قبل التدوين : 134 .
(25) أضواء على السنة ـ لمحمود أبي رية ـ : 179 ، ولا حظ تعقيبنا عليه في كتابنا « تدوين الحديث » .



(23)
تفويتا لمعنى مراد أبدا .
     وقد ظهر من خلال ما ذكرنا أن استدلالهم لمنع الرواية بالمعنى ، بما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله :
     « نضر الله عبدا سمع مقالتي وحفظها ووعاها ، وأداها كما سمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » (26) .
     لا يتم ، وذلك ، لأن رواية المعنى مع مراعاة الشرط المذكور ، أداء لما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا تفاوت ، فإن الرسول في أكثر حديثه كان بصدد تعليم الأحكام الشرعية ، والسنن والآداب الإسلامية ، ولا ريب أن مهمة أصحابه كانت فهم مقاصده ، ودرك معاني كلامه وإرشاداته ، وإبلاغها إلى من وراءهم ، سعيا في نشرها ، وفي مثل هذه الأحاديث لم يكن للألفاظ دور إلا مهمة أداء المعاني وإيصالها ، ولم ينظر إلى ألفاظ الحديث كعبارات خاصة لها ميزة تعبيرية من بلاغة وفصاحة ، ولا تحتوي على جهات بديعية ، خاصة في أجواء التشريع ، حيث كان المجتمع بجاجة إلى إصلاحات سريعة وعميقة .
     وبذلك أيضا يرد على من جوز نقل الحديث بالمعنى إلا في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بدعوى :
     « أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفصح من نطق بالضاد ، وفي تراكيبه أسرار ودقائق ، لا يوقف عليها إلا بها كما هي ، لأن لكل تركيب معنى . . . لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها » (27) .
     أقول : أما أحاديث الأحكام والسنن ، فقد عرفت أن الغرض المهم فيها هو إيصال المعاني وإبلاغ المقصود ، من دون نظر خاص إلى الألفاظ .
     مع أن حديثا ما لو كان محتويا على مثل ذلك كان على الناقل له بالمعنى مراعاته مهما أمكن ونقله ، وإلا لم يكن ناقللا له .



(26) وصول الأخيار : 151 ، والسنة قبل التدوين : 134 .
(27) وصول الأخيار : 156 .



(24)
     وأما في غير أحاديث الأحكام والسنن ، من الأحاديث التي أخذ فيها بنظر الاعتبار احتواؤها على كلمات خاصة أو روعي فيها مقتضى الحال ، وناسب تأليفا معينا من الكلمات وتركيبا خاصا من الجمل ، أو حالا لفظية بعينها ، من تقديم أو تأخير ، وفصل أو وصل ، بحيث لو تجاوزه الرواي كان مخالفا لغرض المتكلم ولم يؤد المعنى المراد له .
     أما في هذه ، فاشتراط المحافظة على المعنى يقتضي الاحتفاظ بالتراكيب الخاصة ، ولا يجوز نقلها بالمعنى ، لأداء ذلك إلى تغيير الألفاظ المفوت لما ذكرنا .
     ولذلك نجد أن الرواة كانوا يحافظون على ذلك أشد المحافظة من دون شك ، فنقلوا الخطب والكتب والرسائل وجوامع الحكم والأدعية المأثورة ، كما وردت عن المعصومين عليهم السلام مليئة بالمحسنات البديعية ، مفعمة بأسرار البلاغة ، ومزدانة بقوة الفصاحة ، بما يمكن استشمام روح المعصومين عليهم السلام فيها . ويمكن استشفاف أثرهم عليها .
     وفي نهاية هذه الفقرة نقول : إن الدعاء لا يجوز نقله بالمعنى ، بل يلزم المحافظة على نصه ، ولعل الحكمة في ذلك ، مع أن الدعاء عملية روحية أكثر منها لفظية ، أنه يراد من نصوصه أن يتفاعل الداعي مع مولاه ، وأولياء الله ، تفاعلا تاما ، لا روحيا فقط ، بل يلتزم بالاتباع اللفظي لهم ، ويتقيد بالأوامر فيطبقها حرفيا بفكره وبلسانه .
     إن الالتزام بنص ورد من الشرع في الدعاء ، لا يعني فقط التوجه إلى الله من أقرب الطرق وأليقها ، بل يعني ـ أيضاً ـ السلوك في أبين المسالك ، وأزهرها حجة ، وأنقاها وآمنها محجة .
     إن المقصود الأساسي من الدعاء ، وهو الارتفاع إلى مقام القرب بشكل أكثر اطمئنانا ووثوقا ، كما يرفع مستوى الإنسان معنويا بالاقتراب من أقرب البشر إليه ، كذلك يوحد صوته مع أصواتهم القدسية المستلهمة من مقامه الكريم ، وهم محمد وآله الكرام عليهم الصلاة والسلام .


(25)
     إن ذلك يحقق جزء من الهدف الأساسي من الدعاء ، فلا نشك أن ما ورد من الأدعية المأثورة فيها آثار من مقام قربهم ، ونفحات من قدس أنفاسهم ، وجذبات من صفاء نفوسهم ، يفقدها الداعي لو ابتعد عنها ويبتعد عن مقصوده لو تركها .

4 ـ دعوة إلى ضبط الأدعية وتحقيق كتبها :
     ومن مجموع ما ذكرنا تتبين صحة ما ذكره المحدث الفقيه صاحب المعالم من أن الاختلاف الذي يقع ويكثر في متون الأخبار الواردة بمجرد الأحكام ربما كان العذر فيه تسويغ الرواية بالمعنى ، وعدم انتهاء الاختلاف إلى الحد الذي يحصل به الاضطراب فيه .
وأما ما يتضمن نقل الدعوات والأذكار المأثورة ، فأي عذر للتسامح فيه ، والتقصير في ضبطه (28) .
     نعم ، إن الأمانة الروحية تدعونا إلى المحافظة على الدعاء المأثور وضبطه وحفظه عن التحريف واللحن ، فإن الدعاء من أفضل نعم الله التي ألهمها الإنسان .
     وكذلك الأمانة العلمية تلزمنا المحافظة على النصوص الواردة وضبطها ، فالأخبار التي ذكرناها تدل بوضوح على عدم جواز اللحن في الدعاء ، كما تدل على لزوم الاحتفاظ بنصه كما ورد .
     وأعتقد : أن ذلك يؤكد ضرورة التحقيق في كتب الدعاء لتقديم نصوص مضبوطة موثوقة للأدعية ، كي تبلغ الامة بتلاوتها ما ينشد منها من الآثار الروحية والمعنوية ، وتبلغ المقام المحمود الذي وعده الله للداعين .
مضافا إلى ما فيها من متعة تراثية حيث أن عشرات الكتب قد الفت في



(28) منتفى الجمان 3|258 .


(26)
     الدعاء ، منذ عصور الأئمة عليهم السلام وكذلك ما فيها من متع علمية ، لأن الأدعية تحتوي على مضامين عالية في مجالات العقيدة والسلوك والوجدان .
     ومما يجز في القلب ما آلت إليه كتب الأدعية من إهمال وتشويه ، على أثر تصدي الجهلة لنقلها وتداولها ، وعلى أثر جشع الطابعين ـ بل الطامعين ـ في إصدار ما هب ودب مما يدر الأرباح عليهم ، غافلين ـ أو متغافلين ـ عن أن عملهم هذا اعتداء صارخ على أمر مقدس لدى الامة ، وعلى أهم وسيلة من وسائل رقيها في مجالات العقائد والأخلاق وفي مقامات السلوك والعرفان .
     وهذا أيضا مما يثقل المسؤولية على كاهل المحققين الأفاضل ، والمؤسسات الثقافية ، كي تقوم بعبء هذا الأمر الهام ، وينقذوا الدعاء وكتبه من براثن هؤلاء ، ويرفعوه إلى مقامه العلمي والروحي اللائق .
فلا عذر في التقصير فيه !
5 ـ مصادر الدعاء المأثور :
     إن مصادر الدعاء عند المسلمين هم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي هو أفصح من نطق بالضاد ، وأليق من اكتسى الأمجاد ، من خصه الله بوحيه فبه فاه ، وبالبلاغة حلاه ، وبمكارم الأخلاق حباه ، باعتباره الصادع بالشريعة الغراء ، والواسطة بين الأرض والسماء ، والمطلع على أسرار الخليقة ، والواقف على المجاز والحقيقة ، أعلم الناس وأعرفهم ، وأشجع الناس وأورعهم ، من لا يقاس به سواه ، ولا يعرف حقيقة مقامه إلا الله ، الذي نباه ، عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية .
     وكذلك ابن عمه وربيبه ، ووصيه وحبيبه ، خليفته من بعده على امته ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام « مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه ظهر مكنونها ، وعنه اخذت قواعدها ، وعلى أمثلته حذا


(27)
     كل قائل وخطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، لأن كلامه عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي » (29) .
     وكذلك الأئمة الأخيار من أهل اليبت الأطهار عليهم السلام ، العلماء الأوتاد ، والزهاد الأمجاد ، والأئمة الأجواد ، الذين تحلوا من الفضائل بأحسنها ، ومن الشمائل بأجملها ، وامتلأوا بالعظمة فأقرها لهم العدو قبل الصديق ، فكانوا أنوارا كاشفة لسواء الطريق ، الأئمة المنتجبون بنص القرآن ، وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، للقيادة والإمامة ، وما روي عنهم يدل على تحقق ما قال فيهم أبوهم أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال : « وإنا لامراء الكلام ، وفينا تنشبت عروقه ، وعلينا تهدلت غصونه » (30) .
     هؤلاء هم مصادر الدعاء المأثور عندنا ، وإن ما ورد عنهم من الدعاء لأصدق شاهد ، وأقوى دليل على صدق ما قيل .
     « فقد أنشأوا » كما يقول واحد من كبار العرفاء « من الدعوات الجليلة والمضامين اللطيفة ما فيه فوق طاقة البشر ، من فنون العلم بأسماء الله وصفاته ، وما يقتضيه جماله وجلالة ، وحق أدب العبودية مع كل ، فيما يناسبه مقامه وأوصافه وأحواله ، وكيفية الاستعطاف والاسترحام ، ولطيف الاستدلالات في استيجاب عفوه وكرمه وفضله ، وعرض مذلة الاعتراف عند مقدس أبواب رأفته ورحمته .
     ولعمري لو كان للإنسان فكرة أو فطنة لكفاه ما صدر في الدعاء من أئمة الحق ، عن كل معجز في إثبات الرسالة والامامة » (31) .
     وقد حفظت من أدعية المعصومين عليهم السلام نماذج كثيرة ، رويت بأسانيد صحيحة ، سجلت في كتب باسم « الصحيفة » لكل واحد منهم عليهم السلام صحيفة أو اكثر .



(29) نهج البلاغة ، مقدمة الشريف الرضي : 34 .
(30) نهج البلاغة ، الخطبة (233) : 354 .
(31) المراقبات ، للملكي : 105 .



(28)
     ومنها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام بعنوان : الصحيفة العلوية الاولى والثانية ، الجامعة لأدعية سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام .
     وأما الإمام السجاد ، زين العابدين ، علي بن الحسين عليه السلام ، فقد اشتهرت أدعيته الكثيرة لأنه عليه السلام اتخذ الدعاء في ظروف سياسية قاسية وسيلة لتوعية الامة وتثقيفها ، وبث العقائد الحقة حفاظا من أن تمسها الدول الظالمة المستهترة بسوء .
     فقد أملى جملة وافرة من أدعيته ، فجمعت في كتاب باسم « الصحيفة الكاملة » وهي متداولة ، كثيرة الطبعات .
     ثم جمع عدة من العلماء سائر أدعيته في صحف اخرى بأسماء « الصحيفة السجادية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة » وكلها مطبوعة متداولة (32) .
وأما سائر مصادر الدعاء المأثور :
     فقد بذل علماء الإسلام جهودا وفيرة في جمع ما يتعلق بالدعاء من آيات الكتاب ، وأحاديث العترة الأطياب ، وما ورد عنهم من الدعاء المأثور في كتب قيمة ، منذ عصور الأئمة عليهم السلام وحتى يومنا هذا ، تحت عنوان « كتاب الدعاء » أو بأسماء خاصة .
     كما ضمن مؤلفو الجوامع الكبيرة ، أبوابا وكتبا خاصة بالدعاء وجمعوا فيها ما يرتبط بالدعاء من الأحاديث والنصوص . فهذا كتاب « الكافي » لأبي جعفر ، محمد بن يعقوب ، الكليني ، الرازي (ت 329) وهو من اصول الحديث عند الشيعة الإمامية ـ جعل السادس من كتبه باسم « كتاب الدعاء » وأورد فيه 55 بابا ، تحتوي على 408 أحاديث (33) .



(32) انظر : دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، للسيد حسن الأمين 12|50 بعنوان « الدعاء » ، وص 80 بعنوان « الصحيفة السجادية » .
(33) انظر : الكافي 2|466 ـ 577 طبعة دار الكتب.



(29)
     وأما الكتب الخاصة بالأدعية فكثيرة جدا ، وقد ذكرها شيخنا الطهراني في موسوعته « الذريعة » (34) بعنوان الدعاء ،
والدعوات ، عدا الكتب المعنونة بأسماء خاصة على حروف المعجم .
وقد تخصص بعض العلماء في موضوع الدعاء ، فأولوه عناية فائقة ، وبذلوا أوسع جهودهم في مجاله .
     منهم السيد العالم الزاهد علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحلي (ت 664) حيث جمع الأدعية ونظمها في كتبه مستفيدا من خزانة كتبه الزاخرة بعيون التراث المجيد ، وخاصة ما الف في الدعاء ، وقد بلغت كتب الأدعية التي كانت عنده في أواخر حياته أكثر من (سبعين) مجلدا من كتب الدعاء (35) .
     ومن أهم كتب ابن طاووس المطبوعة : الإقبال ، ومهج الدعوات ، وفلاح السائل ، وجمال الاسبوع .
     ومنهم العالم الفاضل الأديب البارع ، العلامة تقي الدين ، إبراهيم بن علي ، العاملي ، الكفعمي الذي تدل مؤلفاته على تضلعه في العلوم الأدبية عامة ، والبلاغية خاصة ، وقد أبدع فيما ألفه من كتب خاصة بالدعاء من حيث النظم والتحقيق والتثبت ، والاعتماد على مصادر موثوقة .
ومن مؤلفاته : البلد الأمين ، والمصباح .
     وأخيرا : لو اتيح لمصادر الدعاء من يجمع أسماءها وينظم لها فهرسا ، وكشافا جامعا ، لبلغت المئات ، ولدلت على اهتمام بليغ من قبل العلماء ، وخاصة القدماء ، بأمر الدعاء والتأليف فيه .



(34) الذريعة 8|182 ـ 196 و199 ـ 206 ، بعنوان الدعاء والدعوات ، وانظر : دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج 12 مجلد 3 ص 50 .
(35) كشف المحجة لثمرة المهجة : المقدمة ، بقلم الشيخ الطهراني ، وانظر صفحة 131 من أصل الكتاب .



(30)

6 ـ الدعاء والأدب العربي :
     يقول الدكتور حسين علي محفوظ : « الدعاء » جانب مهم من الآداب العربية ، نسيه تاريخ الأدب ، وتجاهله الادباء ،
     وأغفله النقاد وكادوا يطمسون الإشارة إلى بلاغته ، على الرغم من أنه : نثر فني رائع ، واسلوب ناصع من أجناس المنثور ، ونمط بديع من أفانين التعبير ، وطريقة بارعة من أنواع البيان ، ومسلك معجب من فنون الكلام . والحق أن ذلك النهج العبقري المعجز ، من بدائع بلاغات النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام التي لم يرق إليها غير طيرهم ، ولم تسم إليها سوى أقلامهم .
     فالدعاء أدب جميل ، وحديث مبارك ، ولغة غنية ودين قيم ، وبلاغة عبقرية المجاز ، إلهية المسحة ، نبوية العبقة ،
     تفتر عن إيمان جم الفضائل ، وزهد دثر المحاسن ، وتواضع أبيض المحجة ، وعمل أغر الطريقة ، وتقاة عظيمة القدر (36) .
     حقا إن الدعاء يمثل واحدا من أرفع أساليب الأداء العربي في بلاغته الناصعة ، وتعبيره العذب ، وهو من أوقع الكلام في الكشف عن مكامن الضمير ، ومرادات النفس ومتطلبات الروح ، مع تطوره وإبداعه في استخدام أساليب الاستدعاء والرجاء والعتاب والاعتذار ، وفي أطوار المرونة والعنف ، والعجلة والصبر ، واليسر والعسر ، والاضطرار والرخاء .
     وأيضا : الكلمة الناطقة عن التنازلات والتعهدات والالتزامات في صيغ متكاملة الأطراف ، جامعة الاسس ، رصينة البنود ، فصيحة المفردات ، بليغة التراكيب .
وهذا أمر يتكفل الإفصاح عنه والبرهنة عليه ، نصوص الدعاء المأثور



(36) الصحيفة السجادية ، مقال نشر في مجلة « البلاغ » الكاظمية ، السنة الاولى ، العدد 6 .


(31)
بشهادة المنقطعين إلى الأدب ونقده وتحليله اللفظي والمعنوي .
     ومن المؤسف أن أدب الدعاء طواه إغفال الادباء ، بل تعدى إغفالهم لجانب بديعه وغريبه ونحوه واسلوبه أيضا ، بالرغم من صرف جهود واسعة في الأضعف منه والأخس من مجون الشعراء ، ولغط الأعراب في زوايا البوادي أو النوادي .
     إلا أن بعض فطاحل النحو وفحول اللغة ، قد تنبهوا إلى هذا الأمر الخطير ، كابن مالك النحوي ، والمحقق الشيخ نجم الأئمة الرضي شارح « الكافية » وابن منظور الأنصاري صاحب « لسان العرب » وابن فارس صاحب « المقاييس » فقد احتجوا في مؤلفاتهم بحديث النبي وأهل البيت عليهم السلام .
     قال البغدادي : الصواب جواز الاحتجاج بالحديث النبوي في ضبط ألفاظه ، ويلحق به ما روي عن الصحابة وأهل البيت عليهم السلام ، كما صنع الشارح المحقق الرضي (37) .
     هذا في مطلق الحديث ، وأما خصوص ما احتوى على الدعاء منه ، فاهتمام الشارع والمتشرعة بأمر ضبطها والمحافظة عليها ، يدفع كل الشبه المثارة حولها فلا نزاع في الاحتجاج بها في المباحث اللغوية كافة .
     والحق أن « الدعاء » الشريف ، خزينة غنية بالمعارف العقلية ، والأخلاق الفاضلة ، وكنز لغوي حافل بالمفردات الفصيحة ، والتراكيب البليغة ، خالية عن أدنى شوب أو لكنة .
فأين أولياء اللغة من هذه الحقيقة السافرة ؟
وأين هم من هذا الكنز العظيم ؟
وأين هم من هذا المورد العذب ؟
والله ولي التوفيق ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .



(37) خزانة الأدب ، للبغدادي 1|4 ـ 7 ، الطبعة الاولى .


(32)

مراجع البحث
1 ـ الأسماء المبهمة من الأنباء المحكمة ، للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت 463) ، أخرجه دكتور عزالدين علي السيد ، مكتبة الخانجي ، الطبعة الاولى ، سنة 1405 ، القاهرة .
2 ـ أضواء على السنة المحمدية ، لمحمود أبي رية ، الطبعة الخامسة ، دار المعارف ، القاهرة .
3 ـ إكمال الدين وإتمام النعمة ، للصدوق الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381) ، تحقيق علي أكبر الغفاري ، طهران 1395 ، الطبعة الثانية ، دار الكتب الإسلامية .
4 ـ بحار الأنوار ، للمجلسي محمد باقر بن محمد تقي الاصفهاني (ت 1110) ، الطبعة الحديثة ، إيران ولبنان .
5 ـ تدريب الراوي ، للسيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911) ، تحقيق عبداللطيف عبد الوهاب ، القاهرة ،
الطبعة الاولى ، 1379 هـ .
6 ـ الحدائق الوردية ، للمحلي ، طبع دار اسامة ، دمشق .
7 ـ خزانة الأدب ، للبغدادي عبدالقادر بن عمر ، الطبعة الاولى ، المطبعة المنيرية ، القاهرة .
8 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، للسيد حسن الأمين ، دار التعارف ، بيروت ، 1395 هـ .
9 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للشيخ آغا بزرك الطهراني محمد محسن بن محمد رضا (ت 1389) ، طبع النجف وطهران .
10 ـ السنة قبل التدوين ، لمحمد عجاج الخطيب ، دار الفكر ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، 1391 هـ .
11 ـ سنن الترمذي .
12 ـ سنن ابن ماجة القزويني .
13 ـ سنن أبي داود .
14 ـ صحيح البخاري .


(33)
15 ـ صحيح مسلم .
16 ـ الصحيفة السجادية ، مقال مستل من مجلة « البلاغ » ، العدد 6 ، السنة الاولى الكاظمية .
17 ـ عدة الداعي ، لابن فهد الحلي أحمد بن محمد الأسدي (ت 841) ، مطبعة حكمت ، مكتبة الوجداني ، قم 1392 هـ .
18 ـ قواعد التحديث ، للقاسمي جمال الدين الشامي ، طبع دمشق ، سنة 1352 هـ .
19 ـ الكافي ـ الاصول ـ ، للشيخ الثقة أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت 329) ، دار الكتب الإسلامية ،
صححه علي أكبر الغفاري ، مطبعة حيدري ، طهران .
20 ـ كشف المحجة لثمرة المهجة ، للسيد ابن طاووس ، علي بن موسى بن جعفر الحلي (ت 664) ، المطبعة الحيدرية ، النجف ، 1370 ، قدم له الشيخ آغا بزرك الطهراني .
21 ـ الكفاية إلى علوم الرواية ، للخطيب البغدادي علي بن أحمد بن ثابت (ت 463) ، طبع مصر ، الطبعة الاولى ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1972 م .
22 ـ كنز العمال ، للمتقي الهندي .
23 ـ المراقبات ، للحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي (ت 1343) ، نشر مكتبة الشفيعي ، أصفهان ، مطبعة حيدري 1381 .
24 ـ مسند أحمد بن حنبل ، طبع مصر ، في ستة مجلدات .
25 ـ المعجم الصغير ، للطبراني .
26 ـ منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان ، للشيخ حسن صاحب المعالم (ت 1011) ، طبع جامعة المدرسين ، قم 1402 ، تحقيق علي أكبر الغفاري .
27 ـ نهج البلاغة ، من كلام الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، جمع السيد الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوى (ت 406) ، تحقيق صبحي الصالح ، الطبعة الاولى ، بيروت 1387 .
28 ـ وسائل الشيعة ، للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104) ، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، المطبعة الإسلامية ، طهران 1398 .
29 ـ وصول الأخيار إلى اصول الأخبار ، للشيخ المحقق المحدث الشيخ حسين بن


(34)
عبد الصمد الحارثي (ت 984) ، تحقيق السيد عبداللطيف الكوهكمري ، مطبعة الخيام ، قم 1401 هـ .
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007