العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 5 > دفاع عن الشريف الرضي في عقيدته > 

اكذوبتان حول الشريف الرضي

السيد جعفر مرتضى العاملي

     الشريف الرضي هو ذلك الرجل العظيم ، الذي يمتلك الشخصية الفذة ، التي يعنو لها كل عظماء التاريخ الذين جاؤا بعده بالاجلال والاكبار ، وكانت ولاتزال تستأثر منهم ، ومن كل مفكر ونيقد بأسمى آيات التعظيم والتكريم ، حيث يجدون فيها كل الخصائص الانسانية النبيلة ، التي تملأ نفوسهم ، وتنبهر بها عقولهم ، وتعنو لها ضمائرهم . .
ولعل من يسبر ثنايا التاريخ لايكاد يعثر على أي مغمز أو هنات في شخصية هذا الرجل العملاق على الاطلاق ، بل على العكس من ذلك تماما . . . فإنك مهما قرأت عن حياة هذا الرجل ، فإنك لن تجد إلا آيات المدح والثناء ، والمزيد من الاعجاب والاطراء ، من محبيه ومناوئيه على حد سواء .
إلا اننا ـ مع ذلك ـ لا نستطيع أن نولي هذا التاريخ كل الثقة ، ولا أن نمنحه كل الطمأنينة . . . فلعل . . . وعسى . . . وقد . . . ولربما .
فلما علينا إلا أن ندرس التاريخ ونصوصه دراسة مستوعبة وشاملة ، من شأنها أن تقضي على كل أمل بالعثور على المزيد مما له مساس بهذه الشخصية أو بتلك ، كما أن علينا أن نهتم بكل صغيرة وكبيرة ، وأن لا نعتبر هذا تافهاً ، وذاك ثميناً ، إلا بعد البحث والتمحيص والتدقيق والمعاناة ، فالتافه ما أثبت البحث تفاهته وكذبه وزوره ، والثمين ما استمد قيمته من صدقه ومن واقعيته ، وذلك هو ما يثبت أصالته وجدارته أيضاً .
وبالنسبة للشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه كان الامر من هذا القبيل ، فرغم أن البحث المستقصى قد أثبت عظمته وجدارته ، وأبان بما لا يقبل الشك عن نبله ،



(269)
وعلمه ، وفضله ، وسمو نفسه ، وعن كرائم أخلاقه ، إلا اننا ـ مع ذلك ـ قد عثرنا أخيراً على نصين متميزين وغريبين في نفسهما مما اضطرنا لخوض غمار البحث من أجل إثارة الكوامن ، وتسليط الاضواء الكاشفة ، لينكشف زيف الزائف ، ويبطل خداع السراب .
الاكذوبة الاولى : الشريف الرضي كان زيديا ؟ !
قال ابن عنبة :
« ووجدت في بعض الكتب أن الرضي كان زيدي المذهب ، وأنه كان يرى أنه أحق من قريش بالامامة » (1) .
مناقشة النص
ولكن ذلك لايصح ، فإن كونه إماميا أشهر من النار على المنار ، ومن الشمس في رابعة النهار ، بل لقد كان ـ على حد تعبير ابن تغري بردى ـ : « كان عالي الهمة ، متديناً ، إلا انه كان على مذهب القوم إماماً للشيعة ، هو وأبوه وأخوه » .
ويكفي للتدليل على إماميته أنه قد ذكر الائمة الاثني عشر في قصيدته المشهورة ، التي قالها وهو بالحائر الحسيني ، والتي مطلعها :
كربلا لازلت كربـاً وبـلا ما لقي عندك آل المصطفى
إلى ان قال :
معشر منهم رسول الله والكا صهره البـاذل عنـه نفسه أول الناس إلى الداعي الذي ثم سبطـاه الشـهيدان فـذا وعلي وابنه الباقـروالصـا وعلــي ، وأبـوه وابنـه يا جـبال المجد عزا وعـلا شف للكرب إذا الكرب عـرا وحسام الله فـي يـوم الوغى لم يقـدم غيـره لمـا دعـا بحسي السـم وهـذا بالظبـا دق القـول ،وموسى والرضا والـذي ينتـظر القـوم غدا وبدور الأرض نـوراً وسـنا




(1) عمدة الطالب : 210 ، وروضات الجنات : 548 .


(270)
وقد وجه ابن عنبة نسبة الزيدية إليه وقوله بأنه أحق من قريش بالامامة بقوله : « وأظن : إنما نسب إلى ذلك لما في أشعاره من هذا ، كقوله ـ يعني نفسه ـ :
هـذا أمير المؤمنين محمد أو ما كفاك بأن امك فاطـم طابت أرومته وطاب المحتد وأبـاك حـيدرة وجدك أحمد
وأشعاره مشحونة بذلك .
ومدح القادر بالله ، فقال في تلك القصيدة :
ما بيننا يوم الفخار تفاوت إلا الخلافة ميزتك فانني أبدا كلانا في المفاخر معرق أنا عاطل منها وأنت مطوق

     فقال له القادر بالله : على رغم انفك الشريف (2) .
اما الشيخ عبدالحسين الحلي ، فيرى : « إن تلك التهمة ـ الزيدية ـ قد الصقت به من قبل آبائه لامه ، لان بني الناصر الكبير أبي محمد (الحسن الاطروش) صاحب الديلم ، لكن هذا قد ثبت لدى علماء الرجال من الامامية وفي طليعتهم السيد الشريف المرتضى علم الهدى في كتابه : شرح المسائل الناصرية نزاهته ، ونزاهة جميع بنيه عن تلك العقيدة المخالفة لعقيدة أسلافهم .
سوى ان اصطلاح الكتاب أخيرا جرى على تسمية الثائر في وجه الخلافة زيديا ، ولمن كان بريئا من عقائد الزيدية ، يريدون أنه زيدي النزعة لا العقيدة .
وربما تطرفوا ، فجعلوا لفظ : زيدي ، لقبا لكل من تحمس للثورة ، وطالب بحق زعم أنه أهله ، وإن لم يجرد سيفا ، ولم يحد قيد شعرة عن مذهب الامامية في الامامة ، ولا عن طريقة الجماعة . ولقد كان أبو حنيفة في نقل أبي الفرج الاصبهاني زيدياً ، وكذا أحمد وسفيان الثوري ، وأضرابهم من معاصريهم . ومراده من زيديتهم : انهم يرون أن الخلافة الزمنية جائرة ، وان الخارج آمراً بالمعروف أحق بالاتباع والبيعة » (3) . وقال : « الذي يقال : انه إمام الزيدية هو الملقب بالداعي إلى الحق ، وهو الحسن ابن زيد . . . توفي بطبرستان سنة 250 هـ . . . واما الحسن بن علي الملقب بالناصر للحق الكبير ، وهو الاطروش ، أحد أجداد الشريف لامه والحسن أو الحسين بن علي ـ أو ابن



(2) عمدة الطالب : 210 ، وروضات الجنات : 548 .
(3) مقدمة حقائق التأويل : 75 ـ 76 .



(271)
أحمد ـ الملقب بالناصر الاصغر ، وهو والد ام الشريف فليسا من ائمة الزيدية .
ومن زعم أن الناصر إمام الزيدية ، فقد اشتبه عليه الداعي للحق بالناصر للحق ، ولا يبعد دعوى اتباعه انه زيدي لكنه بريء عن تبعة اعتقادهم . . . » (4) .
الاكذوبة الثانية : الشريف في مجالس المجون :
يقول الحصري : « شرب كوران المغني عند الشريف الرضي ، فافتقد رداءه ، وزعم أنه سرق ، فقال له الشريف : ويحك ، من تتهم منا ؟ أما علمت أن النبيذ بساط يطوي ما عليه ؟!
قال : انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي ، واطووه إلى يوم القيامة » (5) .
مناقشة النص :
ونحن في مجال مناقشة هذا النص ، لانريد أن نتوقف كثيرا عند :
ألف : إن الحصري لم يذكر سندا لهذا الرواية ، ولا أعرب عمن نقل هذه القصة عنه ، اذ قد يجوز لقائل أن يقول : إن من الممكن أن يكون الحصري قد نقل ذلك عن ثقة ، لا يتعمد الكذب والوضع .
باء : ولا نريد أن نناقش في حرمة النبيذ ، فنقول : إن حرمته غير مسلمة لدى جميع الفقهاء . إذ ان الشريف رضوان الله تعالى عليه قد كان من طائفة الامامية الذين يرون حرمة النبيذ كسائر أنواع الخمر .
جيم : ولا بأن النص لم يتضمن مشاركة الشريف الرضي رحمه الله في الشرب . فإن مجرد كون مجلس الشراب في بيته وحضوره فيه كاف في إثبات الادانة للسيد الشريف .
دال : ولا بأننا رغم بحثنا الجاد لم نعثر على ذكر لكوران المغني هذا الذي ورد اسمه على أنه بطل هذه الحادثة . إذ قد يمكن الجواب عن ذلك : بأن عدم ذكره في غير هذه



(4) المصدر السابق ، الهامش .
(5) زهر الاداب 2 : 496 ، ط دار الجيل ، بيروت سنة 1972 .



(272)
الحادثة لايدل على عدم وجوده .
لا ، لانريد المناقشة بذلك ، ولا الاصرار عليه على أنه أو بعضه كاف في وهن هذه الرواية وعدم اعتبارها . وإنما نريد أن نلقي نظرة سريعة على واقع وأخلاقيات الشريف الرضي ، لنرى إن كانت تنسجم مع إقامة مجالس كهذه ام لا ؟
ولا نريد أن نتشبث فيما يذكره كل من ترجم الشريف من إبائه ، وعزة نفسه ، وطموحه إلى جلائل الاعمال وعظائمها ، وتحليه بمحاسن الاخلاق وكرائمها ، وترفعه عن كل مهين ، وتجنبه كل مشين ، ونحو ذلك . فلربما يقال : إن هذا كله لا يتنافى مع صدور ذلك منه ، فإن شرب النبيذ ، والحضور في مجالسه لم يكن عيبا ، ولا هو محل بالمرؤة ، ولا مهيناً للكرامة ، بعد أن كان الاعيان والاشراف ، وحتى الخلفاء يمارسون ذلك ، ولا يأبون عنه ، ولايرون فيه أي محذور .
وإنما نريد أن نشير إلى مايلي :
أولا : إن الشريف كان منزها عن مثل هذه الاعمال ، لانه كان ورعا متدينا ، ملتزما بالدين وقوانينه ، حيث يقولون عنه ، انه :
« كان صاحب ورع ، وعفة ، وعدل في الاقضية ، وهيبة في النفوس » (6) .
وأنه « أمره في العلم ، والفضل ، والادل ، والورع ، وعفة النفس وعلو الهمة ، والجلالة ، أشهر من أن يذكر » (7) .
أنه كان « عالي الهمة متديناً ، إلا أنه كان على مذهب القوم إماماً للشيعة ، هو وأبوه وأخوه » (8) . وانه : « الشاعر العالم الزاهد »(9)



(6) الغدير 4 : 204 ، عن الرفاعي في صحاح الاخبار : 61 .
(7) الكنى والالقاب 2 : 272 ، ط العراق ، النجف الاشرف ـ الحيدرية ، سنة 1389 ، وسفينة البحار 1 : 526 .
(8) النجوم الزاهرة : 4 : 240 ، ط مصر ، وزارة الثقافة والارشاد .
(9) غاية الاختصار : 77 ، ط العراق ، النجف الاشرف ـ الحيدرية ، سنة 1382 .



(273)
وانه كان « فاضلاً عالماً ، ورعا عظيم الشأن » (10) . وأن « فيه ورع ، وعفة وتقشف » (11) . اما ابن الجوزي ، فيقول عنه : « كان عالما فاضلا ، وشاعراً مترسلاً ، عفيفا ، عالي الهمة ، متدينا » (12) .
ويقول عنه ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : « كان عفيفا ، شريف النفس ، عالي الهمة ، ملتزما بالدين وقوانينه » (13) .
وأخيرا ، فقد قال عنه صاحب الروضات انه : « كان في غاية الزهد والورع ، صاحب حالات ومقالات ، وكشف ، وكرامات » (14) .
ثم ذكر عنه قضية جرت بينه وبين أخيه السيد المرتضى وملخصها أنه اقتدى يوما بأخيه المرتضى في بعض صلواته ، فلما دخل في الركوع قطع الاقتداء به ، وقصد الانفراد ، فسئل عن سبب ذلك فقال : انه لما دخل في الركوع رأى أخاه الامام يفكر في مسألة من مسائل الحيض ، وقلبه متوجه اليها وهويغوص في بحر من الدم .
وفي نص آخر انه قال لاخيه بعد ما فرغ من الصلاة : لا أقتدي بك بعد هذا اليوم أبداً .
فسأله عن سبب ذلك ، فأخبره .
فصدقه المرتضى وأنصف ، والتفت إلى أنه أرسل ذهنه في أثناء تلك الصلاة للتفكير في مسألة من مسائل الحيض كانت سألته عنها بعض النسوة في أثناء مجيئه إلى



(10) جامع الرواة 2 : 99 ، ط قم ، سنة 1403 ، ورجال أبي علي : 271 ، ورجال المامقاني 1 : 109 .
(11) عمدة الطالب : 207 ، ط الحيدرية ـ النجف الاشرف ، العراق ، سنة 1380 ، وأمل الامل 2 : 262 ، ط بغداد ـ مكتبة الاندلس ، سنة 1385 ، ورياض العلماء 5 : 81 ، والدرجات الرفيعة ص 467 ، وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : 339 ، ومستدرك الوسائل 3 : 510 الخاتمة ، وروضات الجنات : 547 ، ط حجرية ، والغدير 4 : 202 .
(12) المنتظم ج 7 ص : 279 ، ط الهند ، سنة 1358 هـ ، وعنه في رجال السيد بحر العلوم 3 : هامش صفحة 132 ، وفي الغدير 4 : 203 .
(13) شرح النهج 1 : 33 ، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم وعنه في قاموس الرجال 8 : 146 ـ 147 ، ط طهران مركز نشر الكتاب ، سنة 1387 ، وفي الغدير 4 : 203 ، ومقدمة حقائق التأويل لعبدالحسين الحلي : 49 .
(14) روضات الجنات : 550 ، ط حجرية .



(274)
الصلاة (15) .
ثانياً : إننا إذا رجعنا إلى شعر الشريف الرضي ، فإننا نلاحظ :
ألف : ما يقوله الشيخ عبدالحسين الحلي :
« إننا نعتقد . . . انه لم يجالس الخلعاء والظرفاء ، الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته ، وانه لذلك لم يصرف شيئاً من شعره في فنون المهازل والمجون ، فإن هذا يدلنا على أنه لم يعمل ما يعتذر عنه ، ولا يصانع أحدا ستراً على نفسه ، ولذا نجده وهو بمرصد من أعدائه لا يحفل أن يجاهر بمثل قوله :
عـف السـرائر لم تلـط بريبـة يـوما علـي مغـالقي وسجوقي
وقوله :
أنا المرء لاعرضي قريب من العدا ولافـي للبـاغي علي مقال
(16) باء : إننا نجده يقول عن نفسه :
وإنـي لمأمـور علـى كـل خلوة أمين الهوى ، والقلب ، والعين والفم وغيري إلى الفحشاء إن عرضت له أشد من الذؤبان عدوا على الدم (17)

جيم : وحين يخبر عن نفسه رحمه الله بأنه قد طلق الدنيا ، حيث يقول :
مالي إلى الدنيا الغرورة حاجة سكناتها محـذورة وعهودهـا طلقتـها ألفـا لاحـسم داءها فليخز سـاحر كيـدها النفاث منقوضـة وحبالـها أنكـاث وطلاق من عزم الطلاق ثلاث

نجد مهيار الديلمي يؤكد صحة هذا الطلاق وواقعيته حيث قال في مرثيته له :
أبـكيك للـدنيا التي طلقتها ورميت غاربها بـفتلة حبلها وقد اصطفتك شبابها وغرامها زهـدا وقـد القت إليك زمامها

دال : وقد قالوا عن شعر الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه الشيء الكثير ،



(15) راجع في ذلك روضات الجنات : 550 ، ولآليء الاخبار 4 : 38 ـ 39 ، ط ايران ـ قم ـ ، منشورات مكتبة العلامة .
(16) مقدمة حقائق التأويل : 50 ـ 51 .
(17) أعيان الشيعة ج 9 ص 220 ، ط بيروت ، سنة 1403 هـ .



(275)

وهذه بعض النماذج التي لابد من ملاحظتها في هذا المجال :
1 ـ « ليس له شعر في الهجاء يشبه هجاء الشعراء الذين كانوا يهجون بقبيح القول والالفاظ الفاحشة ، فالشريف إن وجد في شعره ما يشبه الهجاء فهو بألفاظ نقية إلى آخره » .
2 ـ « ولم يكن يخرج من فم هذا الرجل النبيل حقيقة كلمة واحدة من الكلمات القبيحة التي يتلفظ بها العامة ، التي نجد مثلها عند ابراهيم الصابي صاحب ديوان الرسائل ، وعند الوزير المهلبي ، وعند الوزير ابن عباد .
وإذا كان غيره من الشعراء قد استباحوا لانفسهم في الذم كل قبيح ، فإننا لانجد للشريف الرضي في باب الهجاء أقوى من ذمه لمغن بارد قبيح الوجه :
تغفـي بمنظره العيون إذا بدا أشهى إلينـا من غنائك مسمعا وتقـيء عنـد غـنائه الاسمـاع زجـل الضراغم بينهن قراع (18)

     ونحن نلاحظ هنا كذلك أنه حتى في هذا المورد قد نزع إلى التغني بما تهفو اليه نفسه ، ويشده إليه طموحه ووجده ، ألا وهو معالي الامور وعظائمها ، التي لاتنال إلا بركوب الاهوال ، ومقارعة الرجال الابطال ، كما صرح به في البيت الثاني آنف الذكر .
وفيما يرتبط بغزل الشريف نجدهم يقولون :
« لم يزل زلة واحدة ، ولم ينحرف به الطريق عن العفة ، والشرف ، والخلق الرفيع في هذا الباب » (19) . ويقولون : « . . . والذي نقرؤه من مجموعتي أخلاقه وشعره ترفعه عن نوع من الغزل ، يستعمله الخلعاء ، أو ما يشبه العبث والمجون ، وهذا النوع قد لاتطاوعه شاعريته عليه لو أراده ، وهو الذي يخل بمقامه وشرفه » (20)
واما فيما يرتبط بوصفه للخمرة ، ومجالس الغناء ، ونحو ذلك ، فيرى المحققون أنه « إذا تحققنا أن الشريف لم يشرب ، ولم يسمع ، ولم يجالس أرباب اللهو والمهازل ، ولم يتخذ



(18) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ، 1 : 506 ، ط بيروت سنة 1387 هـ .
(19) أعيان الشيعة 9 : 223 .
(20) حقائق التأويل ، مقدمة الشيخ عبدالحسين الحلي : 106 .



(276)
الندمان ، ولم يستعمل الملاهي ، فإننا نعذره في الاوصاف ، سيما ما يكون منها مقترحا عليه ، لانها تقع في زمنها لاسباب مجهولة ، لايصح الحكم عليها بشيء ، والوصف بمجرده لايقدح بصاحبه ، وإن أظهره بمظهر الحاضر المشاهد » (21) .
وكذلك هم يقولون : « . . . ولا يليق بنا أن نمدح الشريف الرضي بأن شعره خال من المجون الذي كان شائعا في ذلك العصر ، فهو أجل قدرا ، وأرفع شأنا من أن نمدحه بذلك . كما ان شعره خال من وصف الخمرة ، وإن وصفها كثير من الشعراء الذين لا يتعاطونها . ولكن الشريف لم يصفها إلا بسؤال من سأله ذلك على لسان بعض الناس ، فوصفها بعدة أبيات لم يصفها بغيرها » (22) .
وأخيرا ، فإننا حين نسمع الشريف الرضي يقول :
وقور فلا الالحان تأسر عزمتي ولا تمكر الصهباء لي حين أشرب

     فإننا نعرف : إن ذلك ما هو إلا استرسال شاعر ، لايمكن أن يريد به معناه الحقيقي المطابقي أبدا ، وإنما يريد به التأكيد على لازم المعنى ليس الا ، ثم هو يتبع ذلك بقوله :
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ولاأنطق العوراء والقلب مغضب

     وبعد كل ما تقدم ، نقول : انه إذا كان السيد الشريف يتحاشى حتى عن إيراد الكلمات النابية حتى وهو في مقام الهجاء في شعره . وإذا كان يترسم طريق العفة والشرف والكرامة ، ولا يجيز لنفسه أن يصدر فيه شيء مما يتعاطاه الشعراء حتى أهل النبل والكرامة منهم ، وإذا كان يربأ بنفسه حتى عن وصف الخمرة ومجالس اللهو والغناء ، فإننا لا نستطيع أن نتصوره مشاركا في تلك المجالس أو ممعنا في تناول النبيذ الذي يعتقد حرمته تدينا ، وهو الرجل الزاهد الورع ، والنزيه الجليل ، الشريف النفس ، عالي الهمة ، ولا سيما وهو يعلم أن هذه المجالس ، وتلكم الاحوال لا تخلو من صدور شيء مما يتنافي مع الشرف والكرامة والسؤود . وهكذا ، فإننا نجد أنفسنا مضطرين لقبول قول بعض الباحثين انه رحمه الله : « لم يجالس الخلفاء والظرفاء ، الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته » (23) .



(21) حقائق التأويل ، مقدمة الحلي : 53 .
(22) أعيان الشيعة 9 : 217 .
(23) حقائق التأويل ، مقدمة الشيخ عبدالحسين الحلي : 50 .



(277)
ويقول : «. . .ولم يكن حتى في إبان شبيبته يسامر الظرفاء ، الذين يغازلون ويتغزلون » (24) .
ويقول : « ونحن لتلك العزة ، وتلك الانفة والمرؤة نذعن انه لاخر نظرة : انه لم يغترف مأثما » (25) .
وثالثا : يقول المعتزلي الحنفي وغيره :
« حدثني فخار بن معد الموسوي ، قال : رأى المفيد في منامه : كأن فاطمة بنت النبي دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ، ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين ، فسلمتهما إليه ، وقالت : علمهما الفقه !
فانتبه متعجبا ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة دخلت اليه في المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها ، وبين يديها إبناها محمد وعلي الرضي والمرتضى صغيرين ، فقام اليها وسلم ، فقالت : أيها الشيخ ، هذان ولدان قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه ، فبكى المفيد ، وقص عليها المنام ، وتولى تعليمهما ، وفتح الله عليهما من العلوم ما اشتهر في الافاق » (26) .
الا إن لنا على هذه الرواية ملاحظة ، وهي :
إن هذه الرواية تذكر :
ألف : إن الرضيين رحمهما الله كانا حينا جاءت بهما امهما إلى المفيد صبيين صغيرين .
باء : ان ام الرضيين قد خاطبت المفيد رحمه الله بقولها : « أيها الشيخ » .
مع ان المفيد قد توفي في سنة 413 عن ستة وسبعين عاما ، وقد كانت ولادة المرتضى رحمه الله في سنة 355 وولادة الرضي رحمه الله في سنة 359 هـ . ومعنى ذلك ان عمره رحمه الله كان حين ولادتهما 20 و 22 عاما ، فلو انها أتت بهما إليه وعمرهما عشر



(24) المصدر السابق : 107 .
(25) المصدر السابق : 50 .
(26) راجع شرح النهج للمعتزلي الحنفي 1 : 41 ، وأعيان الشيعة 9 : 216 ، وقاموس الرجال 8 : 147 ، ورجال أبي علي : 292 ترجمة المفيد ، ورجال السيد بحر العلوم 3 : 134 ـ 135 ، والغدير 4 : 184 عن المعتزلي ، وعن صاحب الدرجات الرفيعة .



(278)
سنوات أو ثلاث عشرة سنة لكان عمر المفيد آنئذ ما بين الثلاثين والخمس وثلاثين عاما فقد كان في عنفوان شبابه ، فلا يصح منها مخاطبته بـ « أيها الشيخ » ! !
إلا أن الحقيقة هي أن المراد بالشيخ هو : شيخ التعليم ، وقد لقب الشيخ المفيد بالشيخ المفيد وهو في عنفوان شبابه ، واما احتمال أن تكون هذه الكلمة مقحمة من قبل الناقلين اجتهادا منهم ، فهو أيضا غير بعيد :
ومهما يكن من أمر ، فإننا نقطع بأن رواية كوران المغني لا أساس لها من الصحة ، ولعلها من وضع حساد السيد الشريف ، الذي لم يشف ما في صدورهم موت هذا الرجل الفذ ، حتى راحوا يحسدونه حتى على ما يرثيه به الشعراء ويعيبون عليهم رثاءهم له بما يعبر عن سموه وعظمته ، كما كان الحال بالنسبة لمهيار الديلمي ، الذي صمم على أن يكيدهم ويثير المزيد من كوامن حقدهم فراح يرثيه بقصيدة اخرى تظهر المزيد من فضائه وكراماته ، وتشيد بماثره ، وجلائل كرائمه .
فرحم الله الشريف ، ورحم الله مهيارا .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007