|
|
 |
| العدد 5 > دفاع عن الشريف الرضي في عقيدته > |
دفاع عن الشريف الرضي
في عقيدته
الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني
لم يكن الشريف الرضي رضي الله عنه ـ بأول من تزاحمت حوله نظريات زائفة ، وحامت دون صميم عقيدته أقاويل مختلفة ، وآراء متضاربة مما أثار هذا التزاحم الشك والحذر والتساؤل عن عقيدته لادراك الواقع والحقيقة ، لان التاريخ كثيرا ما يقسو ، والقلم قد يسكب عن الصراط المستقيم ، والبيان يشذ عن مهيع الحق ، فيحرف الكلم عن مواضعها الاصيلة ، وهذا ما نشاهده بكثرة في معاجم السير والتراجم والتاريخ :
|
كم حادث جلل ببطن الكتب يدرسها
| |
سرد المؤرخ ذكره طوعا لما أوحى الهوى
|
فإذا ما تصفحنا التاريخ بدقة ودرسناه دراسة تتبع وتحقيق لالفينا على صفحاته من النظريات الشاذة والاراء المتناقضة المتضاربة بالنسبة إلى رجالات الشيعة الامامية بصورة عامة على امتداد التاريخ ، إذ لم يسلموا من لدغات هاتيكم الكلمات القارصة ، والنسب الفارغة المفتعلة ، مع اليقين أنهم متبرئون منها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام .
إن الشريف الرضي واحد من الذين جنى عليهم التاريخ ، وحرف القلم عن بيان واقعه ، وتعريف حقيقته فشط عن مهيع الحق ، وسجل ما هو خلاف الواقع لذلك اندفع المؤلف والكاتب عن الشريف الرضي يضع علائم الاستفهام حول معتقده ، ودينه ، وعقيدته ، وسياسته ، وحتى حياته الفردية والاجتماعية لان الامر التبس عليه من جراء هذا التزاحم والتحريف . فالتاريخ ارتكب الامرين : إخفات الواقع واخفاء الحقيقة ، وأخيرا اعياء الاجيال وإتعاب الانسال ، مع العلم أن حياة الشريف الرضي لا
(264)
يكتنفها الغموض ، فهي كسائر حياة رجالات الشيعة تتناول ناحيتين احداها سياسية والاخرى دينية ، وأساس الناحيتين واحد وليست الصفة هذه خاصة به بل ان قادة الشيعة وعلماءها كافة في جميع الادوار والقرون كانوا كائمتهم الهداة عليهم السلام رجال علم ودين وفقه واجتهاد ، ورجال سياسة وقيادة وسيف وحرب معا .
لقد تضاربت النظريات حول الشريف الرضي ، كما تزاحمت في شخصية تلميذه شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي ، ذلك العملاق العلمي الذي استقل بالزعامة الدينية وتقلد شؤون الطائفة الامامية والفتيا إلى أن توفي عام 460 هـ ، فقد ترجم له تقي الدين السبكي في « طبقات الشافعية » المجلد 3 ص 51 ، وقال : إن أبا جعفر الطوسي كان ينتمي إلى مذهب الشافعي قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعي . واحتذى حذوه شمس الدين الذهبي في كتابه « مناقب الشافعي وطبقات أصحابه » ، والحاجي خليفة في « كشف الظنون » المجلد 1 ص 452 ، إلى غيره من الاقاويل التي لامقيل لها في ظل الحقيقة ، وبعيدة كل البعد عن جادة الصدق والصواب والصحة . وهذه الناحية تخص تراجم رجالات الطائفة الامامية فحسب ، ولا طريق لها في تراجم رجال المذاهب الاسلامية الاخرى ، وإن شوهدت ففي نطاق ضيق ، وداخل اطار محدود .
وهذا إن دل على شيء فانما يدل على جهل اولئك المؤلفين برجال الشيعة وتصانيفهم ، ويكشف عن عدم دراستهم لمؤلفاتهم ليقفوا على صفحاتها ما ينبئ عن واقع عقيدتهم ، وحقيقة معتقداتهم ولو بصورة سطحية ، هذا وربما كان الحسد باعثا على التمويه والخلط :
|
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله
كضرائر الحسناء قلن لوجههـا
| |
فالناس أعداء له وخصوم
حسدا وبغضا إنـه لدميـم
|
اما بالنسبة إلى أبي الحسن الرضي فهناك أعجب كلمة وأغرب قولة قالها شمس الدين الذهبي فقد جاء في كتابه « سير النبلاء » المجلد 3 ص 289 في حوادث سنة 436 : وفيها توفي شيخ الحنفية العلامة المحدث أبوعبدالله الحسين بن موسى الحسيني الشريف الرضي واضع كتاب « نهج البلاغة » .
ان هذا القول مردود لجهات :
(265)
1 ـ إن الحسين بن موسى هو والد الشريف الرضي لا اسم الشريف الرضي ، وقد توفي عام 400 لا سنة 436 ، ورثاه الشريفان المرتضى والرضي ، ورثاه أبو العلاء المعري ، ومهيار الديلمي .
2 ـ جامع نهج البلاغة محمد بن الحسين بن موسى الشريف الرضي لا الحسين بن موسى ، وكان من أبطال ورجالات الشيعة الامامية لاشيخ الحنفية كما صرحت بذلك المصادر ، ومنهم جلال الدين السيوطي في كتابه « حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة » فقال : كان الشريف أبوأحمد سيدا عظيما مطاعا وكانت هيبته أشد هيبة ، ومنزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل ، ولقبه بالطاهر ، والاوحد ، وذوي المناقب ، وكانت فيه كل الخصال الحسنة إلا انه كان رافضيا هو وأولاده على مذهب القوم .
3 ـ إن نهج البلاغة للشريف الرضي من غير شك وترديد مهما طبل وزمر المعاند المتطفل على موائد الكتابة والتأليف فأبدى ضالة رأيه ، وسخف أنظاره ، فجاء كالباحث عن حتفه بظلفه ، فقال احدهم : إنه كله من كلام جامعه لامن كلام من نسب إليه . وجاء آخر فزعم أنه من تأليف الشريف المرتضى أخي الشريف الرضي ، وادعى انه من وضعه أيضا لا من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام . وبعضهم تنازل عن هذه الدعوى إلى ماهو أخف منها ، فقال : قد أدخل فيه ما ليس من كلام علي (ع) ، وبعضهم كالذهبي شمس الدين في كتابه « الميزان » ، تجاوز الحد فادعى ان كلامه ركيك وأنه ليس من نفس القرشيين .
هذا ما في كتب القوم بالنسبة إلى الشريف الرضي ومهما يكن من أمر فالذي ينبغي القول به حقا : إن الشريف الرضي كان فقيها عالما متكلما مجتهدا عملاقا ومن كبار رجالات الشيعة الامامية وانه لم يكن زيديا ، ولم ينتسب إلى طائفة أو مذهب غير التشيع ، فهو يؤمن برسالة النبي الاعظم (ص) وإمامة وخلافة الائمة الاثني عشر عليهم السلام .
لقد صرح وأبان بمعتقده هذا في طيات نثره ونظمه ، ولم يتطرق بصورة باتة إلى ذكر زيد أو عمرو أو إلى إسم واحد من ائمة الزيدية ، لذلك كانت على منثوره ومنظومه مسحة من العبق العلوي الامامي . . . والعطر الجعفري الاثني عشري ، وسيبقى خالدا إلى الابد مع الحياة ومادامت الحياة إلى أن يرث الله الارض ومن عليها .
(266)
إن الشريف الرضي عبر في شعوره عن ولائه وحبه الخالص لال البيت عليهم السلام ، ودافع عن حقهم المشروع المغتصب وعد أسماءهم الكريمة ومحل قبورهم الشريفة ، ومثاويهم المقدسة ، وأتى بعين الواقع فما أحلى أسماءهم ، وأكرم أنفسهم ، وأعظم شأنهم ، وأجل خطرهم ، وأوفى عهدهم ، وأصدق وعدهم ، كلامهم نور وأمرهم رشدُ ووصيتهم التقوى ، وفعلهم الخير ، وعادتهم الاحسان ، وسجيتهم الكرم ، وشأنهم الحق ، والصدق ، والرفق ، وقولهم حكم وحتم ، ورأيهم علم وحلم ، إن ذكر الخير كانوا أوله وأهله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه .
قال في مفتتح كتابه « خصائص الائمة » : كنت حفظ الله عليك دينك ، وقوى في ولاء العترة يقينك ـ سألتني أن اصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم ، على ترتب أيامهم ، وتدريج طبقاتهم ، ذاكرا أوقات مواليدهم ، ومدد أعمارهم ، وتواريخ وفاتهم ، ومواضع قبورهم ، وأسامي اماتهم ، ومختصرا من فصل زياراتهم ، ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها ، واستخرجت أقاويلهم فيها ، ولمعا من أسرار أحاديثهم ، وظواهر وبواطن أعلامهم ، ونبذا من الاصحاح في النص عليهم » .
ومن نماذج شعره قوله في قصيدة يفتخر بأهل البيت ويذكر قبورهم ويتشوق إليها ومنها :
|
سقى الله المـدينة مـن محل
وجاد على البقيـع وساكـنية
وأعـلام الغري وما أستباحت
وقبر بالطفـوف يضـم شلوا
وبغـداد وسامـرا وطـوس
قبور تنطـف العـبرات فيها
صـلاة الله تخفـق كـل يوم
| |
لبـاب الماء والنـطف العذاب
رخي الذيـل مـلان الوطاب
معالمها مـن الحسـب اللباب
قضـىظمأ إلى بـرد الشراب
هطول الودق منـخرق العباب
كما نطف الصبيرعلى الروابي
علـى تـلك المـعالم والقباب
|
إلى أن يقول :
|
ولي قبران بالزوراء اشفي
اقود اليهما نفسي واهـدي
| |
بقربهمـا نـزاعي واكتئابي
سلاما لايـحيد عن الجواب
|
(267)
|
لقاؤهما يطهـر مـن جنـاني
قسيم النارجـدي يـوم يـلقى
وساقي الخلق والمهجات حرى
| |
ويدرأ عـن ردائي كل عاب
به باب النجـاة مـن العذاب
وفاتحة الصراط إلى الحساب
|
هذا وفي شعره الكثير من هاتيك النماذج الحية نضرب عنها صفحا خشية الاطالة ، وحسبنا انها صريحة بأن الشريف الرضي شيعي إمامي في جوانبه العلمية والفكرية والعقائدية والسياسة كافة ، وأخيرا كان المثل الاعلى في الفضائل كلها ، وأختم حديثي بما قاله علي بن الحسن الباخرزي في كتابه « دمية القصر » قال : ولعمري إن بغداد قد أنجبت به فبوأته ظلالها ، وأرضعته زلالها ، وأنشقته شمالها ، وورد شعره دجلتها ، فشرب منها حتى شرق ، وانغمس فيها حتى كاد يقال غرق ، فكلما انشدت محاسنه تنزهت بغداد في نضرة نعيمها ، واستنشقت من نفاس الهجير بمراوح نسيمها . . .
|
|
|