العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 5 > الرضي والمرتضى كوكبان > 

الرضيّ والمرتضى كوكبان

الشيخ جعفر السبحاني


     إن الرضي والمرتضى من دوح السيادة ثمرتان ، وفي فلك العلم قمران ، وأدب الرضي إذا قرن بعلم المرتضى ، كان كالفرند في متن الصارم المنتضى (1) .
     وقد وصف أبوالعلاء المعري الشريفين في قصيدة يرثي بها والدهما بقوله :
     أبقيـت فينـا كوكبيـن سناهما * فـي الصبح والظلماء ليس بخاف
     إلى أن قال :
ساوى الرضي المرتضى وتقاسما * خطط العلى بتناصف وتصاف (2)
     وروى أهل السير والتواريخ ان المفيد ، أبا عبدالله محمدبن النعمان نابغة العراق ، ومفخرة الافاق ، رأى في منامه ان فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخلت عليه وهو في مسجده في الكرخ ، ومعها ولداها : الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ صغيرين ، فسلمتهما اليه ، وقالت له : علمهما الفقه ، فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا ، دخلت إليه في المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها وبين يديها ابناها : محمدالرضي ، وعلي المرتضى صغيرين ، فقام اليها وسلم عليها ، فقالت له : ايها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه ، فبكى أبوعبدالله ، وقص عليها المنام ، وتولى تعليمهما الفقه ، وأنعم الله عليهما ، وفتح لهما من



(1) دمية القصر : 75 .
(2) ديوان السقط ، لشاعر المعرة ، طبعة القاهرة .



(249)
أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا ، وهو باق ما بقي الدهر (3) .
هكذا بدأ العلمان حياتهما الفكرية والعلمية ، ونشئا وترعرعا في مدرسة استاذ واحد ، غير ان كل واحد انطلق حسب ذوقه ومواهبه الطبيعية ، وفي مجاله الخاص ، فركز الرضي اهتمامه على العلوم الادبية والشعر والحديث والتفسير ، وهو يتولى نقابة الطالبيين ، إلى غير ذلك من مهام الامور .
بينما صب المرتضى جهوده على الفقه والكلام ثم التفسير ، ونبغ كل واحد منها في مجال خاص ، مع اشتراكهما في سائر المجالات العلمية والفكرية .
ولاجل ذلك نجد ان الرضي يراجع أخاه المرتضى في المسائل الفقهية ويطلب منه حلها .
قال الشهيد الاول في (الذكرى) ، والشهيد الثاني في (الروض) في مسألة الجاهل بالقصر في السفر ـ حيث ان الامامية تذهب إلى صحة صلاة الجاهل بالحكم إذا أتم مكان القصر ـ سأل الرضي أخاه المرتضى وقال : إن الاجماع واقع على أن من صلى صلاة لايعلم أحكامها فهي غير مجزية ، والجهل باعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزية ، (فكيف تكون صلاة الجاهل بوجوب القصر إذا أتم صحيحة) فأجابه المرتضى بجواز تغير الحكم الشرعي بسبب الجهل ، وإن كان الجاهل غير معذور (4) .
ما ينبئ عن أن المرتضى يرجع إلى أخيه الرضي في الفنون التي برع فيها أخوه ، روى السيد نعمة الله الجزائري قال : دخل أبوالحسن ، على السيد المرتضى ـ طاب ثراه ـ يوما ، وكان المرتضى قد نظم أبياتا من الشعر ، فوقف به بحر الشعر فقال : يا أباالحسن خذ هذه الابيات إلى أخي الرضي قل له يتمها وهي هذه :
سرى طيف سلمى طارقا فاستفزني فلما انتبهنا للخيـال الـذي سرى فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي سميرا وصحبي في الفلاة رقود إذ الارض قـفر والمزار بعيد لعل خيـالا طارقا سيــعود
قال أبوالحسن : فاخذت الابيات ، ومضيت إلى السيد الرضي ، فلما رآها قال : علي بالمحبرة فكتب :



(3) الشرح الحديدي ج 1 : 41 ورياض العلماء 4 : 23 ، والروضات 4 : 295 .
(4) بحر الفوائد ، للعلامة الشيخ محمد حسن الاشتياني ص : 45 وغيرها .



(250)
فـردت جوابـا والـدموع بوادر فهيهات عن ذكرى حبيب تعرضت وقــد آن للشمـل المشتـت ورود لـنا دون لـقياه مــهامـه بــيد

     فأتيت بها إلى المرتضى فلما قرأها ضرب بعمامته الارض ، وقال : يعز علي أخي ، يقتله الفهم بعد اسبوع ، فما دار الاسبوع إلا وقد مضى الرضي إلى رحمة الله سبحانه (5) .
     ومما يكشف عن شدة التلاحم والارتباط والودّ بين هذين الاخوين العلمين ، انه لما توفي السيد الرضي وحضر الوزير فخر الملك وجميع الاعيان والاشراف والقضاة جنازته والصلاة عليه ، مضى أخوه المرتضى عن جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ لانه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ، ومضى بنفسه آخر النهار إلى اخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره .
     نرى ان المرتضى يصب عواطفه الرفيعة وحنانه في الابيات التالية :
يا للرجال لفجعة جذمت يـدي ما زلت آبى وردها حتى أتت ومطلتها زمنا فلما صممــت لله عمرك من قصير طاهــر ووددت لو ذهبت علي براسـي فحسوتها في بعض ما أنا حاسي لم يثنها مطلي وطول مكـاسي ولرب عمر طال بالادناس (6)

     هذا بعض ما حفظ التاريخ من تفاني كل من الاخوين بالنسبة إلى الاخر . غير أن هناك شرذمة من أهل السير والتراجم لم يتحملوا ما وجدوه بين هذين الاخوين من العطف والمودة ، والادب والاخلاق والفضائل والمناقب ، فعادوا ينسبون إليهما ما لاتصح نسبته إلى من هو أدون منهما بدرجات ، وإليك بعض هذه التهم التي تكذبها سيرة العلمين وحياتهما المشرقة .
     1 ـ المرتضى خائض في دماء
يحكى أنه اقتدى الرضي يوما بأخيه المرتضى في بعض صلاته ، فلما فرغ قال :



(5) رياض العلماء 4 : 64 ، الروضات 6 : 199 .
(6) الشرح الحديدي 1 : 41 ، راجع ديوانه 2 : 142 .



(251)
أقتدي بك أبدا ، قال : وكيف ذلك ؟ ، قال : لاني وجدتك حائضا في صلاتك ، خائضا في دماء النساء ، فصدقه المرتضى وأنصف والتفت إلى أنه أرسل ذهنه في أثناء تلك الصلاة إلى التفكر في مسألة من مسائل الحيض . وربما يحكى أن الرضي بمجرد أن انكشف له الحالة المزبورة إنصرف من صلاته وأخذ في الويل والعويل ، وأظهر الفزع الطويل في تمام السبيل إلى أن بلغ المنزل بهذه الحالة ، فلما فرغ المرتضى أتى المنزل من فوره وشكا ما صنعه به إلى امه ، فعاتبته على ذلك فاعتذر عندها بما ذكر ، وأنه كان يتفكر إذ ذاك في مسألة من الحيض ، سألتها عنه بعض النسوة في اثناء مجيئه إلى الصلاة (7) .
تساؤلات حول القصة
وهذه القصة تحيط بها إبهامات عديدة وتساؤلات عويصة نشير اليها :
     أولا : هل الفكرة الشرعية الصحيحة إذا راودت ذهن الانسان في اوقات الصلاة أو غيرها توجب تمثل الانسان بنفس تلك الفكرة عند أرباب البصائر وذوي العيون البرزخية ، الذين يستطيعون مشاهدة ماوراء الحجب والستور ببصائرهم ؟
     فلو غاص الانسان في أحكام السرقة اوحد الزنا والقذف ، فهل يوجب ذلك أن يتمثل المفكر فيها عند من يعاين الاشياء بأبصار حديدة ، سارقا وزانيا وقاذفا ! ؟ لاأظن أن يتفوه بهذا أي حكيم نابه أو عارف بصير ، بل لازم تلك البصيرة أن يعاين صاحبها الاشياء على ماهي عليه فيرى مثلا الرضي صاحب تلك البصيرة أخاه الفقيه على الحالة التي هو عليها ، أي متفكرا ومتعمقا في مسألة فقهية منشغلا بها لا خائضا في الدماء .
     ثانيا : إن القصة تكذب نفسها ، فإن لازم رجوع النساء إلى المرتضى في المسائل المختصة بالنساء ، هو كون المسؤول من ذوي الشخصيات الضاربة في الاربعين عاما أو



(7) روضات الجنات 6 : 202 ـ 203 ، نقلا عن صاحب حدائق المقربين .


(252)
ما يقاربها ، ولازم إرجاع الشكاية إلى الام كون المصلي والمتقدي في سني الصبا ، ومن المعلوم ان الاخوين كانا متقاربي السن ، ولايكبر المرتضى أخاه الرضي إلا بأربعة أعوام .
     ثالثا : إن القصة ـ على بعض الروايات ـ تصرح بانصراف الرضي عن الصلاة بقطعها وإبطالها به ، وهو أمر محرم ، ولايسوغ لمثل الرضي ارتكابه .
     2 ـ المرتضى شحيح والرضي سخي !
     إن هذه التهمة ليست التهمة الوحيدة التي الصقت بالشريف المرتضى ، بل نسجت الالسنة الحاقدة فرية اخرى أرادوا بها الانتقاص من ذينك العلمين الجليلين ، وإليك واحدة اخرى من هذه التهم :
     قال صاحب كتاب « عمدة الطالب في أنساب ال أبي طالب » : ان المرتضى كان يبخل ، ولما مات خلف مالا كثيرا وخزانة اشتملت على ثمانين ألف مجلد ، ولم أسمع مثل ذلك ، وقد أناف القاضي عبدالرحمن الشيباني على جميع من جمع كتبا ، فاشتملت خزانته على مائة ألف وأربعين ألفا ، وكان المستنصر أودع خزانته في المستنصرية ثمانين ألفا أيضا (8) .
     ثم ان القصاصين لم يكتفوا بهذه التهمة ، وذكروا لها شاهدا ، ونقلوا عن أبي حامد أحمد بن محمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي قال : كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه الرضي أبوالحسن ، وأجلسه ورفع من منزلته وخلى ما بيده من الرقاع والقصص ، وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف ، ثم دخل عليه المرتضى أبوالقاسم ـ رحمه الله ـ فلم يعظمه ذلك التعظيم ، ولا أكرمه ذلك الاكرام ، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، فجلس قليلا وسأله أمرا فقضاه ثم انصرف .
     قال أبوحامد : فتقدمت إليه وقلت له : أصلح الله الوزير ، هذا المرتضى هو الفقيه



(8) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : 235 ، ولاحظ أيضا الرياض 4 : 21 .


(253)
المتكلم صاحب الفنون ، وهو الامثل والافضل منهما ، وإنما أبوالحسن شاعر ، قال : فقال لي : إذا انصرف الناس ، وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة .
     قال : وكنت مجمعا على الانصراف ، فجاءني أمر لم يكن في الحساب ، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا ، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه ، دعا بالطعام ، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه ، ولم يبق عنده غيري قال لخادم : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني ، فأحضرهما فقال : هذا كتاب الرضي ، إتصل بي انه قد ولد له ولد ، فأنفذت إليه ألف دينار ، وقلت له : هذه للقابلة ، فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء إلى أخلائهم وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ، فردها وكتب الي هذا الكتاب ، فاقرأه ، قال : فقرأته وهو اعتذار عن الرد ، وفي جملته : إننا أهل بيت لايطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذالامر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذ اجرة ، ولايقبلن صلة ، قال : فهذا هذا .
     واما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الاملاك ببادوريا تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب الي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب فاقرأه ، فقرأته وهواكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن املاكه المشار إليها ما يطول شرحه .
     قال فخر الملك : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الاوحد ، ونفسه هذه النفس أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ، ونفسه تلك النفس ، فقلت : وفق الله تعالى سيدنا الوزير فما زال موفقا ، والله ما وضع سيدنا الوزير الامر إلا في موضعه ، ولا أحله إلا في محله ، وقمت فانصرفت (9) .
قرائن تكذب هذه القصة
إن هناك قرائن وشواهد قوية على ان القصة حديث كاذب وتهمة مختلقة ، واليك



(9) الشرح الحديدي 1 : ص 39 ـ 40 ، وروضات الجنات 6 : 195 .


(254)
تلك القرائن المفيدة للعلم بخلاف هذه الحكاية :
1 ـ إن السيد المرتضى ـ وهوذلك الرجل الصدوق ـ ينص بنفسه على انه لم يكن يرى لثروته الطائلة قيمة تجاه مكارمه وكراماته وكان يقول :
وما حزني الاملاق والثروة التـي أليـس يبقـى المال إلا ضنـانة إذا لم أنل بالمال حاجـة معـسر يــذل بـها أهـل الـيسار ضـلال وأفقــر أقـوامـا نـدى ونــوال حصور عن الشكوى فمالي مال (10)

     أفترى ان صاحب هذه النفسية القوية يكتب لاعفاء عشرين درهما ، مائة سطر تتضمن الخضوع والخشوع ! ؟ 2 ـ إن الشريف المرتضى تقلد بعد أخيه الرضي نقابة الشرفاء شرقا وغربا ، وإمارة الحاج والحرمين ، والنظر في المظالم ، وقضاء القضاة ثلاثين سنة ، وذلك من عام 406 (وهو العام الذي توفي فيه أخوه الرضي) إلى عام 436 الذي توفي فيه الشريف المرتضى نفسه .
     أفهل يمكن أن يقوم بأعباء مثل هذه المسؤولية الاجتماعية من يبخل بدينار واحد يصرفه فخر الملك في حفر نهر ، تعود فائدته إلى الجميع ، ويكتب في إسقاطه اكثر من مائة سطر .
     هذا والحجيج بين شاكر لكلاءته ، وذاكر لمقدرته ، ومطر لاخلاقه ، ومتبرك بفضائله ، ومثن على أياديه ، وهذا يفيد أن الشريف المرتضى كان كأخيه الرضي سخيا معطيا ولم يكن يرى للمال قيمة .
     3 ـ إن ابن خلكان بعدما عرفه بقوله : كان إماما في علم الكلام والادب والشعر ، أتى بقصة حكاها الخطيب التبريزي ، وهي بنفسها أقوى شاهد على أن السيد كان ذا سماحة كبيرة .
     قال الخطيب : إن أبا الحسن علي بن احمد علي بن سلك الفالي الاديب كان له نسخة لكتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة ، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها ، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا ، فتصفحها فوجد فيها أبياتا بخط بائعها ، والابيات قوله :
أنست بها عشرين حولا وبعتها * فقد طال وجدي بعدها وحنيني



(10) الغدير 4 : 275 .


(255)
وما كان ظنـي أنني سـأبيعها ولكن لضـعف وافتقار وصبية فقلت ولـم أملك سوابق عبرتي وقد تخرج الحاجات يا ام مالك ولو خلدتني في السجون ديوني صغار ، عليهم تـستهل شؤوني مقالة مكـوي الفـؤاد حـزين كرائم مـن رب بهـن ضنيـن

     وقال الخطيب : فأرجع السيد النسخة إليه ، وترك له الدنانير (11) .
أفهل في وسع البخيل الشحيح المقدم على التنقيص من كرامته لاجل إسقاط دينار ضرب عليه لحضرته ، أن تسخو نفسه وتجود بمثل هذه الدنانير ! ؟
4 ـ روى أصحاب التراجم ؛ إن السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته ، حتى انه قرر للشيخ الطوسي كل شهر ـ أيام قراءته عليه ـ إثني عشر دينارا ، وعلى ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير ، ليتفرغوا بكل جهدهم إلى الدراسة ، من غير تفكر في أزمات المعيشة (12) .
     أفي وسع القارئ أن يتهم من يدر من ماله الطاهر ، أو مما يصل إليه من الناس من الحقوق الشرعية ، على تلامذته الكثيرين البالغ عددهم المئات ، هذه الرواتب الكبيرة ، أن يشح ويبخل بدينار ، ويكتب في إسقاطه مائة سطر ؟ !
     5 ـ إن الشريف الرضي كان قد وقف قرية على كاغذ الفقهاء ، حتى لايواجه الفقهاء أية أزمات في لوازم الكتابة والتحرير .
     6 ـ وقد روي ان السيد المرتضى كان يملك قرى كثيرة واقعة بين بغداد وكربلاء ، وكانت معمورة في الغاية ، وقد نقل في وصف عمارتها ؛ إنه كان بين بغداد وكربلاء نهر كبير ، وعلى حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات ، وكان يعمل في ذلك السفائن ، فإذا كان في موسم الثمار كانت السفائن المارة في ذلك النهر تمتلئ مما سقط من تلك الاشجار الواقعة على حافتي النهر ، وكان الناس يأكلون منها من دون مانع (13) .
     7 ـ قد نقل أصحاب السيران الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد ، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوته ، فحضر يوما مجلس الشريف المرتضى ، وسأله أن يأذن له



(11) وفيات الاعيان 3 : 316 . ط بيروت ، دار الثقافة .
(12) الرياض 4 : 30 .
(13) الرياض 4 : 30 .



(256)
في أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم ، وأمر له بجراية تجري عليه كل يوم ، فقرأ عليه برهة ثم أسلم على يديه (14) .
     8 ـ إن ياقوت الحموي نص في معجم الادباء (3 : 154) على ان المرتضى كان يدخل عليه من أملاكه كل سنة أربعة وعشرون ألف دينار .
     9 ـ إن الشريف المرتضى هو أول من جعل داره دارالعلم ، وقدرها للمناظرة ويقال : انه امر ولم يبلغ العشرين ، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا بالعلم والعمل الكثير ، والموظبة على تلاوة القرآن وقيام الليل ، وإفادة العلم ، وكان لايؤثر على العلم شيئا مع البلاغة وفصاحة اللهجة .
وحكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي انه قال : كان الشريف المرتضى ثابت الجأش ، ينطق بلسان المعرفة ويردد الكلمة المسددة ، فتمرق مروق السهم من الرمية ما اصاب أصمى وما أخطأ أشوى (15) .
والقارئ الكريم إذا لاحظ ما ذكرناه في هذه البنود الخمسة الاخيرة ، يقف على تفاهة ما نسب إلى هذا العلم من تلك القصة المنحوتة المختلقة .
    10 ـ ان القصة تتضمن ان فخر الملك لم يعظم المرتضى بما يليق بشأنه ، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، ولكن الفخر هذا قد عظم المرتضى بأفضل ما يمكن يوم مات الشريف الرضي ، حيث ان المرتضى لم يشهد جنازة اخيه ، ولم يستطع أن ينظر إلى تابوته ، وذهب إلى مشهد موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ ، ومضى فخرالملك بنفسه آخر النهار إلى المشهد الكاظمي ، واستدعى من السيد العود إلى داره ببغداد .
فبأي هذين الموقفين نؤمن ؟
هذه القرائن والشواهد تشهد بوضوح على بطلان هذه القصة الخرافية ، وتدل على ان ناسجها نسجها في غير موضعها .
     11 ـ قد اشتهر على ألسن العلماء انه لما اتفقت فقهاء العامة على حصر المذاهب الفقهية الاسلامية التي تعددت وتشعبت من زمان الصحابة والتابعين ، ومن تبعهم إلى عصر السيد المرتضى في مذاهب معينة ، التقى السيد المرتضى بالخليفة ، وتعهد له ان يأخذ



(14) الرياض 4 : 23 ، والروضات 4 : 296 .
(15) لسان الميزان : 4 : 223 ، نقلا عن تاريخ ابن أبي طي .



(257)
من الشيعة مائة الف دينار ، حتى ترفع التقية والموأخذة على الانتساب اليهم ، فتقبل الخليفة ، ثم انه بذل لذلك من عين ماله ثمانين ألفا ، وطلب من الشيعة بقية المال ، ومن الاسف انهم لم يقدروا عليه (16) . وهذه القصة ـ سواء صحت أم لا ـ تكشف عن أن السيد كان بمثابة من السخاء ، بحيث أمكن نسبة هذه القصة اليه .
     12 ـ هذا هوالدفاع الصحيح عن كرامة السيد الجليل ، ودحض القصة بهذه القرائن المفيدة للعلم وبطلانها ، والعجب ان صاحب الروضات ـ بعد ما نقل تلك القصة المختلفة إنبرى للدفاع عن السيد بمانقله عن السيد الجزائري بقوله : كأن الوزير فخرالملك لم يحقق معنى علو الهمة ، فلذا عاب الامر على الشريف المرتضى ، وإنما كان عليه غضاضة لو كان سائلا لها من أموال الوزير ، وما فعله الشريف عند التحقيق من جملة علو الهمة ، وذلك أنه دفع عن ملكه بدعة لو لم يتداركها بقيت على ملكه ، وربما وضعت من قدره عند أهل الاملاك وغيرهم ، وكما أنه ورد في الحديث ؛ المؤمن ينبغي له الحرص على حيازة أمواله الحلال كي ينفقه في سبيل الطاعات ، كما كانت عادة جده أبي طالب بن عبد المطلب ، فانه كان يباشر جبر ما انكسر من مواشيه وأنعامه ، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له (17) .
     غير انه كان من الواجب على السيد الجزائري وصاحب الروضات أن يبطلا هذه القصة من أساسها للقرائن والشواهد التي ألمحنا إلى بعضها ، كما كان عليهما أن يتمسكا في المقام بما روي عن علي ـ عليه السلام ـ من ان أفضل المال ما وقي به العرض ، وقضيت به الحقوق (18) .



(16) الروضات 4 : 307 ، ولاحظ الرياض 4 : 33 ـ 34 ، وقال في الاخير : 53 انه خلف بعد وفاته ثمانين ألف مجلد من مقرواته ومصنفات ومحفوظاته ، ومن الاموال والاملاك ما يتجاوز عن الوصف ، إلى آخرما افاد . . . (17) روضات الجنات 6 : 203 ـ 204 .
(18) بحار الانوار 78 : 7 .



(258)
الشريف الرضي
     قد عرفت ما في كنانة القصاصين من التهم الباطلة الموجهة إلى الشريف المرتضى . فهلم الان إلى ما اختلقه الاخرون ممن يحملون الحقد والبغض لابناء البيت العلوي حول الشريف الرضي وإن نقله أصحاب التراجم من غير دقة وتحقيق .
قالوا : كان الرضي ينسب إلى الافراط في عقاب الجاني ، وله في ذلك حكايات ، منها ، إن امرأة علوية شكت إليه زوجها وإنه لايقوم بمؤونتها ، وشهد لها من حضر بالصدق في ما ذكرت ، فاستحضره الشريف وأمر به فبطح وامر بضربه فضرب ، والمرأة تنظر أن يكف ، والامر يزيد حتى جاوز ضربه مائة خشبة ، فصاحت المرأة : « وايتم أولادي » كيف يكون حالنا إذا مات هذا ؟ فكلمها الشريف بكلام فظ ، وقال : ظننت أنك تشكينه إلى المعلم ؟ (19) .
لاشك انه كان من وظيفة الشريف الرضي نصح الزوج ، ودعوته إلى الرفق بالمرأة والقيام بلوازم حياتها ، لا الامر ببطحه وضربه ضربا كاد يقضي على حياة الزوج .
وعلى فرض ان الشريف كان آيسا عن تأثير النصح في ذلك الرجل ، كان يجب عليه القيام بما جاء به الشرع في مورد التعزيرات ، إذ لا شك ان ذلك المورد ليس من موارد الحدود ، بل من موارد التعزيرات ، فإن الحدود ما جاء به الشرع بمقرر وحد خاص ، وأسبابه كما في « الشرائع » على ما قرر في الفقه ستة : الزنا ، وما يتبعه ، والقذف ، وشرب الخمر ، والسرقة ، وقطع الطريق .
والمورد ليس من تلك الموارد ففيه التعزير ، وقد قرر في محله أنه يجب أن يكون التعزيز أقل من الحد .
     روى حماد بن عثمان ، عن الصادق ـ عليه السلام ـ قال ، قلت له : كم التعزير ؟ فقال : دون الحد ، قال ، قلت : دون ثمانين ؟ قال : لا ، ولكن دون أربعين فإنها حد المملوك ، قلت : وكم ذاك ؟ قال : على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة



(19) الروضات 6 : 196 .


(256)
بدنه (20) .
وبما أن حد القاذف في الحر هو ثمانون جلدة ، فلو قلنا بأن حد المملوك فيه نصف ما على الحر ، يصير الحد المقرر هو أربعون جلدة ، قال تعالى : « فإن اتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب » (21) ، فيجب أن يكون التعزيز على هذا دون الاربعين .
وفي خبرالقاسم بن سليمان : سئل الصادق (ع) عن العبد إذا افترى على الحر ، كم يجلد ؟ قال : أربعين (22) .
ولو قلنا بأنه لايشترط في الثمانين الحرية وإن حد القاذف في الحر والعبد سواء ـ كما هو المشهور ـ وإن الفاحشة (في الاية) التي تصرح باختلاف حد الحر مع العبد ظاهرة في الزنا فقط ، وحدها ـ حسب تصريح الذكر الحكيم ـ هو مائة جلدة ، يكون أقل الحد هو خمسون (23) .
وإن قلنا : إن قوله : « دون الحد » منصرف عن حدود العبد والامة ، لان الاحكام المتعلقة بهما في الاسلام ، أحكام موقتة ثابتة ما دامت الرقية موجودة ، فإذا ارتفع الموضوع ولم يوجد في أديم الارض أية رقية ، ترتفع أحكامها بارتفاع موضوعها ، والناظر في التشريع الاسلامي يقف على أن الشارع اهتم بتحرير العبيد والاماء بطرق كثيرة كادت تقضي على حديث الرقية ، وإن الحكومات القائمة باسم الاسلام ما قامت بوظيفتها في ذاك المجال .
فلو قلنا بذلك الانصراف ، وقلنا بإن ما ورد في حد القيادة من أنه يضرب ثلاثة أرباع الزاني خمسة وسبعين سوطا (24) ، حد لاتعزير ولا توضيح لاحد مصاديقه يكون « أقل الحد » هو أربعة وسبعون سوطا فما دونه ، وعلى كل تقدير ليس في الفقه الامامي تعزير يتجاوز عن المائة ، وكان الرضي يعمل بالفقه الامامي ويعتنقه ، وليس ممن يخفى



(20) الوسائل 18 : 584 أبواب بقية الحدود ، الباب 10 ، الحديث 3 .
(21) النساء : 25 .
(22) الوسائل 18 : 437 ، الباب 4 من أبواب حد القذف ، الحديث 15 .
(23) سورة النور .
(24) الوسائل 18 ، الباب 5 من أبواب حد السحق والقيادة ، الحديث 1 .



(260)
عليه ذاك الحكم الذي كان يمارسه طيلة نقابته للطالبيين . وعلى كل هذه التقادير ، كيف أمر الشريف بجلد ذلك الرجل حتى جاوز مائة خشبة ؟ مع انه ـ رحمه الله ـ ذلك الورع التقي ، الذي اتفق الجميع على طهارته ، ونزاهته وتقواه ؟
وما نرى ذلك إلا فرية أراد الجاعل الحط بها من مكانة السيد الشريف قدس الله روحه .
وقد روي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ إن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أمر قنبرا أن يضرب رجلا حدا ، فغلط قنبر ، فزاده ثلاثة أسواط ، فأقاده علي عليه السلام من قنبر بثلاثة اسواط (25) .
إن الشريف الرضي هو الذي يعرفه ابن الجوزي في المنتظم : كان الرضي نقيب الطالبيين ببغداد ، حفظ القرآن في مدة يسيرة ، بعد أن جاوز ثلاثين سنة ، وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قوياً ، وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسلاً وعفيفاً عالي الهمة ، متديناً إشترى في بعض الايام جزازاً من امرأة ، بخمسة دراهم فوجد جزءاً بخط أبي علي بن مقلة ، فقال للدلال : إحضر المرأة فأحضرها ، فقال : قد وجدت في الجزاز جزءاً بخط ابن مقلة ، فإن أردت الجزء فخديه ، وإن اخترت ثمنه فهذه خمسة دراهم ، فأخذتها ، ودعت له وانصرفت (26) .
فمن كان هذا مبلغ تقواه وورعه ، لايقدم على معاقبة الزوج أمام زوجته بتلك المعاقبة الخشنة الخارجة عن حدود الشرع .
هذا ابن أبي الحديد يعرفه في كتابه بقوله : كان عفيفاً شريف النفس ، عالي الهمة ملتزماً بالدين ، وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة (27) .
وهذا الرفاعي يعرفه في صحاح الاخبار بقوله : كان أشعر قريش . وذلك لان الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر ، والمكثر ليس بمجيد ، والرضي جمع بين فضلي الاكثار والاجادة ، وكان صاحب ورع وعفة ، وعدل في الاقضية ، وهيبة في النفوس (28) .



(25) الوسائل 18 : 311 ، أبواب مقدمات الحدود ، الباب 2 ، الحديث 3 . (26) المنتظم 7 : 279 . (27) الشرح الحديدي 1 : 33 . (28) صحاح الاخبار : 61 .


(261)

     فمن كان عفيفاً شريف النفس ملتزماً بالدين وقوانينه ، وكان صاحب ورع وعفه ، وعدل في الاقضيه ، أترى يتجاوز عن حدود الشريعة ويرتكب مالا يرتكبه من له أدنى علم وورع ؟ ما هكذا تورد يا سعد الابل ؟
لقد تولى الشريف نقابة الطالبيين ، وإمارة الحج ، والنظر في المظالم سنه 380 وهو ابن واحد وعشرين سنة على عهد الطائع ، وصدرت الاوامر بذلك من بهاء الدولة وهو بالبصرة عام 397 ، ثم عهد اليه في 16 محرم عام 403 بولاية امور الطالبيين في جميع البلاد فدعي نقيب النقباء ، وتلك المرتبة لم يبلغها أحد من أهل البيت إلا الامام علي بن موسى الرضا ـ سلام الله عليه ـ الذي كانت له ولاية عهد المأمون ، واتيحت للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر (29) .
     والنقابة موضوعة لصيانة ذوي الانساب الشريفة عن ولاية من لايكافؤهم في النسب ، ولايساويهم في الشرف ، ليكون عليهم أحبى ، وأمره فيهم امضى ، وهي على ضربين : خاصة وعامة ، اما الخاصة فهي أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حد ، فلا يكون العلم معتبرا في شروطها ، ويلزمه في النقابه على أهله من حقوق النظر إثنا عشر حقا ، وقد ذكرها الماوردي في الاحكام السلطانية .
     واما النقابه العامة ، فعمومها أن يرد إلى النقيب في النقابة عليهم مع ما قدمناه من حقوق النظر ، خمسة أشياء :
1 ـ الحكم بينهم في ما تنازعوا فيه .
2 ـ الولاية على أيتامهم في ما ملكوه .
3 ـ إقامة الحدود عليهم في ما ارتكبوه .
4 ـ تزويج الايامى اللاتي لايتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن .
5 ـ إيقاع الحجر على من عته منهم ، أو سفه وفكه إذا أفاق ورشد .
فيصير بهذه الخمسة عام النقابة ، فيعتبر في صحة نقابته وعد ولايته أن يكون عالما من أهل الاجتهاد ليصح حكمه ، وينفذ قضاؤه (30) .
فمن تصدى لهذه المناصب الخطيرة أعواما وسنين عديدة مضافا إلى ولاية المظالم



(29) الشرح الحديدي 1 : 33 ، ولاحظ الغدير 4 : 250 .
(30) الاحكام السلطانية ص 82 ـ 86 .



(262)
والولاية على الحج ، والكل يتطلب خصوصيات وصفات نفسانية عالية ، وسجايا أخلاقية رفيعة جدا ، حتى أنه يجب أن يكون ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع ، لا يعقل أن يقوم بما جاء ذكره في القصة السابقة التي لا توجد إلا في علبة القصاصين وجعبة الوضاعين .
     كل ما مر عليك من الاكاذيب والتهم كان يختص إما بالشريف الرضي أو أخيه المرتضى ، وكان الهدف من وراء وضع هذه التهم تكبير هذا بتصغير ذاك أو بالعكس ، هذا يرشد إلى ان كليهما كانا موضع حقد البعض وبغضهم وحسدهم ، لا أحدهما خاصة .
     ويؤيد ذلك ما اتهما به على وجه الاشتراك ، وأول ما رميا به ما ذكره ابن خلكان في تاريخه إذ قال : إختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب ، هل هو جمعه ، أو جمع أخيه الرضي ، وقد قيل انه ليس من كلام « علي » إنما الذي جمعه ونسبه اليه ، هوالذي وضعه (31) .
     وتبعه اليافعي ـ من دون تحقيق ـ وردد نفس ما قاله ابن خلكان في تاريخه (32) .
     فما تورط فيه هذان الكاتبان من نسبة الكتاب إلى علم الهدى واتهامه بوضعه أو عزو ذلك إلى سيدنا الشريف الرضي ، مما لايقام له في سوق الحقائق وزن ، وليس له مناخ إلا حيث تربض فيه العصبية العمياء وهو يكشف عن جهل اولئك .
     وبما انه قد قام عدة من المحققين بنقد هذه النسبة بوضع تاليف قيمة حول : ما هو نهج البلاغة ؟ وذكر مصادره المؤلفة قبل أن يولد الرضي أو الشريف المرتضى ، فنحن نضرب عن ذلك صفحا ونمر عليه كراما .
وفي كتاب مصادر نهج البلاغة للعلامة الخطيب السيد عبدالزهراء الحسني ، وما كتبه الاستاذ عبدالله نعمة ، وما أفرده العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في ذلك المضمار ، وطبع مع كتابه مستدرك نهج البلاغة غنى وكفاية في دحض الشبهة ، وإبطال الفرية ، والله الهادي .



(31) وفيات الاعيان 3 : 313 ، بيروت ، ط دار الثقافة .
(32) لاحظ الروضات 4 : 304 ، ولاحظ الرياض 4 : 55 .



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007