العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 5 > من ذخائر التراث  > المفاضلة بين الرضيّ والهرويّ >

من ذخائر التراث
المفاضلة بين الرضي والهروي

السيد أحمد الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد والمجد

     الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي البغدادي ، شاعر طالبي مفلق مكثر ، سار شعره في دنيا الادب سير الشمس عند الظهيرة ، وأذعن معاصروه ـ بما فيهم من وفرة الشعراء والممتازين من أرباب القول والكلام ـ بتقدمه في الشعر وإمامته في الادب ، مع ما عرف قديماً بأن الشاعر المكثر تقل محاسن شعره ويكثر المبتذل في نظمه .
     « إبتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل ، وهو أبدع أبناء الزمان . . . ثم هو أشعر الطالبيين ، من مضى منهم ومن غبر ، على كثرة شعرائهم المفلقين . . . ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق ، وسيشهد بما اجريه من شعره العالي القدح الممتنع عن القدح ، الذي يجمع إلى السلاسة متانة ، وإلى السهولة رصانة ، ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مداها » (1) .
     « وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه ، وعقد بالنجم نواصيه ، وإذا نسب انتسب الرقة إلى نسيبه ، وفاز بالقدح المعلى من نصيبه . . . وورد شعره دجلتها ـ أي بغداد ـ فشرب منها حتى شرق ، وانغمس فيها حتى كاد أن يقال غرق » (2) .



(1) يتيمة الدهر 3 | 136 .
(2) دمية القصر 1 | 288 .



(177)

     وقد « يسميه الادباء النايحة الثكلى لرقة شعره . . . ويقال : أشعر قريش . قلت : معناه أنه ليس لقرشي كثرة جيدة » (3) .
     قال الخطيب البغدادي : سمعت أبا عبدالله محمد بن عبدالله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ ـ وكان أحد الرؤساء ـ يقول : سمعت جماعة من أهل العلم بالادب يقولون : الرضي أشعر قريش . فقال ابن محفوظ : هذا صحيح . وقد كان في قريش من يجيد القول إلا أن شعره قليل ، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي (4) .
     نعم « إن شعر الشريف الرضي ـ وإن يكن قديم الاسلوب ـ ظاهر البلاغة ، عالي النفس مديده ، قوي النسج ، واضح التعابير ، فيه متانة وسهولة ورصانة ، تظهر فيه شخصية صاحبه ، شخصية نبيلة عزيزة النفس أبيّة طموح ، وقلما قرأت له قصيدة ـ في أي نوع من أنواع الشعر ـ إلا أحسست فيها روح الفخر وشكوى الزمان والشيب » (5) .
* * *

     من طريف ما صنعه أديب متذوق من أدباء القرن الخامس الهجري ، أن أجرى مفاضلة بين شاعرين فحلين لهما شهرة وصيت في عالم الادب العربي في تلك الحقبة الزمنية وما تلتها من الاحقاب ، هما الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي البغدادي والقاضي أبو أحمد منصور بن محمد الازدي الهروي ، شاعرا العراق وخراسان وفحلا القطرين المتسابقين في حلبة الادب .
     قدم أديبنا الذواقة قصيدة رائية للرضي وقصيدة دالية للهروي ، معتذراً عن عدم ـ وقوفه على قصيدتين لهما من قافية واحدة في غرض مشترك حتى تتم عناصر المفاضلة بين الشاعرين ، فاختار هاتين القصيدتين وقدمهما للمفاضلة بين الشاعرين لانه يعلم أن الاديب يستدل بمباني الكلام ومعانية وصيغة ألفاظه على درجة الشاعر ، ويميز بين المتقدم الفاضل عن المتأخر المفضول .
     أما الاديب الذي أجرى المفاضلة وأتحفنا بهذه الدرة اليتيمة من هو ؟
فهذا سؤال لم نهتد إلى جوابه ، إلا أنه يبدو من تقديمه المقتضب للقصيدتين رفيع أدبه



(3) الوافي بالوفيات 2 | 374 .
(4) تاريخ بغداد 2 | 246 .
(5) ديوان الشريف ، المقدمة 1 | 6 .



(178)
الشعري والنثري ، بالاضافة إلى قول إسماعيل الاديب فيه عند حكومته بين الشعرين : « ولولا اقتراح هذا الفاضل ، المحتوي على أجناس الفضل ، المتشبث بأفنان فنون الادب ، لما أثبت هذا الفصل » .
وأما المشاركون في هذه الحكومة الادبية ، فهم :
1 ـ الفضل بن إسماعيل .
2 ـ أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ، المتوفى سنة 468 .
3 ـ أبو نصر صاعد بن الحسين الزوزني .
4 ـ زكريا بن الحسن بن زكريا الزوزني .
5 ـ إسماعيل بن الحسن الاديب .
إتفق هؤلاء الادباء على تقدم شعر الرضي على شعر الهروي ، وأنه أعلى شأوا ، وأسنى مقصدا ، وأشرق لفظا ، وأعمق معنى ، مع اختلافهم في تعابيرهم واحتياط بعضهم في الحكومة .
ويزيد في قيمة هذه المفاضلة أن قصيدة الرضي من شعره غير المنشور ، فإنها لم ترد في ديوانه المطبوع في مطبعة نخبة الاخبار بالهند سنة 1306 ، ولا في طبعة دار صادر ببيروت . ويكفي لاثبات نسبتها إليه أن هؤلاء الادباء المعاصرين له أو المقاربين لعصره سجلوا حكومتهم من غير شك أو ترديد في صحة النسبة .
*  *  *

     الشريف الرضي محمد ابن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الامام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، الموسوي العلوي البغدادي .
     نشأ في كنف والده أبي أحمد منشأ جمع كل صفات النبوغ والتقدم ، وعني بتربيته شيخ الشيعة محمد بن محمد بن النعمان المفيد التلعكبري البغدادي عناية جعلته من الاعلام البارزين الذين يفتخر بهم التاريخ الاسلامي عبر القرون .
     كان مبرزا فاضلا ، عالما ورعا ، عارفا بالفقه والفرائض معرفة قوية ، إماما في اللغة والعربية لايشق غباره ، مترسلا ذا كتابة جيدة ، أوحد الرؤساء ، عظيم الشأن ، رفيع المنزلة ، له المكانة العالية عند خلفاء زمانه وملوك عصره .


(179)
بدأ دراسته على الشيخ المفيد في سن مبكرة ، وقرأ عند أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد ابن محمد الطبري ، وابن السيرافي النحوي ، وغيرهما .
     وكان شاعراً مفلقاً ، فصيح النظم ، ضخم الالفاظ ، قادراً على القريض ، متصرفاً في فنونه ، وهو أشعر الطالبيين ، ويقال أشعر قريش . إبتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل ، وجمع شعره في ديوان ضخم يتداوله دارسو الشعر العربي .
     وكان عفيفاً شريف النفس ، عالي الهمة ، ملتزماً بالدين وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتى انه رد صلات أبيه . وقد اجتهد بنو بويه على قبوله صلاتهم فلم يقبل منهم شيئاً .
من مؤلفاته « نهج البلاغة » و « تلخيص البيان عن مجازات القرآن » و « المتشابه في القرآن » و « مجازات الاثار النبوية » و « خصائص الائمة » و « رسائله إلى الصابي » .
توفي رحمه الله في شهر محرم الحرام سنة ست وأربعمائة ـ وقيل أربع وأربعمائة ـ وحضر الوزير فخر الملك وجميع الاعيان والاشراف والقضاة جنازته والصلاة عليه ، ودفن في داره بمسجد الانباريين بالكرخ ، ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد الامام موسى بن جعفر عليه السلام ، لانه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ، ومضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي ، فألزمه بالعود إلى داره .
(اُنظر : يتيمة الدهر 3 | 136 ، دمية القصر 1 | 288 ، رجال العلامة الحلي ص 164 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 | 31 ، الدرجات الرفيعة ص 466 ، وفيات الاعيان 4 | 414 ، الوافي بالوفيات 2 | 374 شذرات الذهب 3 | 182 ، روضات الجنات 6 | 190 ، رياض العلماء 5 | 79) .
* * *
القاضي أبو أحمد منصور ابن القاضي أبي منصور محمد ـ ويقال أحمد ـ الازدي الهروي .
كان فقيها ، كثير الفضائل ، حسن الشمائل ، قاضي هراة .
تفقه على أبي أحمد الاسفرايني في بغداد ، وسمع أبا الفضل بن حمدويه والعباس بن الفضل النضروي وغيرهما .


(180)

     وكان شاعراً مجيداً ، كثير الشعر مختلف الاغراض ، يبلغ ديوانه أربعين ألف بيت .
كما أنه كان ناثراً بليغاً ، له رسائل في منتهى البلاغة والفصاحة .
قال الباخرزي في دمية القصر : « أفضل من بخراسان على الاطلاق وأطبعهم بالاتفاق ، يرجع إلى نظم أحسن من انتظام الاحوال ، ونثر كما يهيّء الدر عن اللآل . . . وقد اوتي حظاً وافراً من حياته ، وبلغ أرذل العمر من وفاته ، فانطعن تحت رحياته ، وأثر فيه الهرم تأثيراً نشف ريه وأطر سمهريه ، وحجب طرفه وإن لم يحجب ظرفه ، وكف ألحاظه وإن لم يكف ألفاظه ، وقصر من خطواته وإن لم يقصر من خطراته » .
توفي سنة أربعين وأربعمائة .
     (انظر : دمية القصر 2 | 89 ، معجم الادباء 9 | 191 ، يتيمة الدهر 4 | 347 ، الاعلام للزركلي 7 | 303) .
* * *

     نسخة « المفاضلة » المخطوطة التي رجعنا إليها ، من نوادر مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم ، وهي في مجموعة برقم (4047) معها رسائل اخرى كما يلي :
1 ـ ديوان شعر ، لم نعرف صاحبه .
2 ـ المفيد في التصريف ، للزمخشري .
3 ـ المفاضلة بين الرضي والهروي .
4 ـ الزاجرة للصغار عن معارضة الكبار ، للزمخشري .
5 ـ ادباء الغرباء ، لابي الفرج الاصبهاني .
6 ـ نزهة العشاق ونهزة المشتاق ، لعين القضاة الهمداني .
7 ـ حسيب النسيب للحسيب النسيب ، للراوندي .
هذه المجموعة النادرة كتبت في القرن السابع الهجري بخطوط أشخاص يظهر أنهم كانوا من المعنيين بالادب العربي . ورسالة « المفاضلة » بخط أبي نصر عتيق بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالرحمن بن خليل بن عمر بن سنان الصديقي ، كتبها في جمادى الاولى سنة 657 ، وهي بخط نسخ مشكول لايخلو من قوة . والرسالة مع وضوح خطها بقي فيها كلمات لم يتبين لنا وجه الصواب فيها ، فقومنا بعضها بالقياس والتخمين وأبقينا بعضها كما هي ، مع الاشارة في التعليق إلى ما قومناه وإلى ما أبقيناه .
* * *



(181)
أما بعد :
فهذه زهرة ناضرة تبهج النواظر ، وباقة عطرة تفرح الخواطر ، وطرفة أدبية كانت مطمورة في زوايا الخمول ، أبرزتها من خدرها كما يراها القراء الافاضل ، علها ترضي ذوقهم الادبي وتنال منهم الرضى والقبول . والله تعالى من وراء القصد .
قم ـ إيران

السيد أحمد الحسيني




(182)
بداية مخطوطة الرسالة



(183)
نهاية مخطوطة الرسالة


(184)
المفاضلة بين الرضي والهروي
ذكر المولى بالتقديم أولى
أفاضل أهل نيسابور أصـغوا وقولوا واحكموا بالعدل فيهـا بحكم فيصل أبــدى ضياءا ءأشعار الرضي لديكم ارضى أم القاضي أحق بــذاك منه فأنتم كالنجوم الزهـر ضوءا إلى درر كأمثال الـدراري فإن العدل متضح المنــار لذي عينين من وضح النهار وأدخل فـي نظام الاختيـار وأسبق فـي ميادين الفخـار وإن الفضل كالفلك المــدار

     لم أجد إلا (6) كلمتين (7) على قافية واحدة من بحر واحد في معنى معين ، بيد أني تخيرت قصيدتين من بحر الكامل وإن اختلفت القوافي والمعاني ، فإنه يستدل بمباني الكلام ومعانيه وصيغة ألفاظه على درجة الشاعر في معرفة جيده من رديه ومعوجه من مستقيمه ، والرجلان فحلا خراسان والعراق ومن يثنى عليهما الخناصر (8) بالاتفاق .
     فليرجح كل واحد من هو أشعر عنده وأجزل لفظا وأصح معنى ، فإن للناس في الشعر طرائق ومذاهب ، والكلام فنون وأساليب .
     والله المستعان ، وصلى الله على نبيه محمد وآل الطاهرين .



(6) كذا في الاصل ، ولعل الصحيح « الان » .
(7) يريد : قصيدتين ، فإن الكلمة هي القصيدة بطولها .
(8) الخنصر بكسر الخاء وسكون النون وكسر الصاد أو فتحها : الاصبع الصغرى ، وقيل الوسطى ، يقال : « فلان تثنى عليه الخناصر » أي يبتدأ به إذا ذكر أشكاله .



(185)
[ 1 ] قال القاضي أبو أحمد منصور بن محمد الازدي الهروي :
قـد زار طيفـك لـو ألــم (9) براقد ما كـان طيفا طـاف لكــن خطـرة فتمــا ثلت فيــه خيــالا زائـرا أفدي الذي ودعـت يــوم وداعــه رشأ (12) حكى بـدر السماء طلاقـة إما رنا (13) خجل الغزال ، وإن مشى يـا هاجـرا ذكـراه تأبــى هجـره لو شئت عللــت المحـب بمـوعـد خلفتنــي أعـدو بصبــر ناقـص وإذا عزمت علـى التجـلد ردنــي ولربمــا لاقيــت أسبـاب الهوى أهـلا بـه مـن زائـر بـل عائـد خطرت على قلبي المعنى الواجد(10) أولا فكيف يصح رؤيـا الساهد (11) قلبـي وصبري فـي نظـام واحـد بطــلاقة وتبـاعــدا بتباعــد لم يعتدل قـد القضـيب المائد (14) ومباعـدا والطـيف غـير مباعـد لا تبخلن فلسـت أصـدق واعــد وجوى (15) علـى مر الليالي زائد شرخ الشباب(16) وثـقل حب راكد بجوانح (17) صـم وطـرف جامد




(9) الالمام : النزول ، وقد ألم به أي نزل به .
(10) المعنى : المتعب ، من عني الانسان ـ بالكسر ـ عناءا : أي تعب ونصب .
الواجد : المحب ، يقال له بها وجد وهوالمحبة .
(11) الساهد : الذي يطوي الليل متيقظا لاينام لعارض عرضه ، وهو من السهاد بمعنى الارق .
(12) الرشأ ـ بالتحريك ـ : ولد الظبية الذي قوي وتحرك ومشى مع أمه .
وبه يشبه الانسان الجميل المعتدل في مشيه ، الذكر والانثى .
(13) رنا : نظر طويلا ، يقال رنا إليه يرنو : إذا أدام النظر .
(14) المائد : المتحرك ، من ماد الشيء يميد ميدا : تحرك ، ومادت الاغصان : تحركت وتمايلت .
(15) الجوى : إصابة الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن .
(16) شرخ الشباب ـ بسكون الراء ـ : أوله وريعانه .
(17) الجوانح جمع الجانحة : الاضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر .



(186)
ولقـد تركــت لك المـذاهب كـلها حسبــي جميـل تصبـري وتجلدي أنسيـت أن مــد الظـلام رواقــه بتنــا وحـارسنا الدجــى وكـأننا ولقدعزمت علىالسحاب الجون(19) في دمن صحبت الدهر فـي عـرصاتهـا حين الصبا وافى الذوائـب والهـوى زمـن تصــرم وانقضـى فكــأنه رقت حواشيـه كمــا رق النــدى وصفا فلو أنــي عدلـت عدلتــه قد فل صرف الدهر حد عزائمي(23) وأرى الليالــي قصـرت باعي ولو وثنت عنانــي جهـدها ولو انـها وغدا الــزمان معانـدي ولو انـه وسعى يروم لـي الفسـاد ولو درى وأنا الشهاب خفيـت في أرضي وإن وهجرت فيك طرائقـي ومقاصـدي إن صابني دهر بصوب شدائد (18) منا علـى شفـع كشخـص فـارد صفـو المدامــة بالـزلال البارد سقيــا رسـوم بالحمى ومعاهـد نشوان مشتملا بثبوب مساعد (20) عذب الموارد معــرض للـوارد طيف الخيال رأته عين الهاجد (21) في أخضر نضر وأحمر جاسد (22) بشمائـل الشيـخ الجليـل المـاجد جدا وكـدرت الخطـوب مـواردي انصفـت ألفتني طـويـل الساعـد أطلقن منه بــان سبق الذائد (24) عـرف الرجـال لكان غير معاندي مـن عدتي لسعـى ليصلح فاسدي سافرت لاح سنا الشهاب الواقد (25)




(18) صابني : أصابني ، وصوب شدائد : سهام شدائد ، أي إن أصابني دهر بسهام من شدائده (صحاح اللغة : صوب) .
(19) الجون يطلق على اللون الابيض والاسود ، والمناسب هنا أن يراد منهما الثاني ، لان السحاب الحامل للمطر الكثير يضرب لونه إلى السواد .
(20) الدمن : المدمن للشراب ولم يقلع عنه . ونشوان : سكران ، من نشي الرجل من الشراب نشوا : إذا سكر (لسان العرب : دمن ـ نشا) .
(21) الهاجد : الساهر بالليل ، والنائم ـ من الاضداد ـ ، ويراد في البيت المعنى الثاني منهما .
(22) الجاسد : شديد الحمرة ، وأصله الدم اليابس ، والجاسد من كل شيء : ما اشتد ويبس .
(23) فل السيف : ثلمه . يريد أن تغير الدهر سبب في أن يثنى عما عزم عليه ولم يبق له تلك الارادة القوية التي كانت تدفعه سابقا لملاقاة المكاره .
(24) الذائد : اسم فرس نجيب جدا .
(25) الشهاب ـ بكسر الشين ـ : الكواكب المضيء ، السنان ، لما فيه من البريق . ويراد هنا المعنى الثاني .



(187)
وأنا الحسـام انقــض عنــي رونقي ولقــد صعبـت فمـا تلين معاجـمي واشتط حسـادي وإن ظفــرت يـدي لقد اهتديت مـن الوزيــر بكــوكب ومـن اغتــدى الشيخ الجليـل عميده ومن استظل ذراه (30) أدرك ما ارتجى رجل يجيـر علـى الحـوادث جـاره ويفيض في طوريه (31) صوب سمينه متــدرع حــلل الامــانـة باذل وإذا دجـت قحم الخطوب سمالها (33) وإذا بنــى اكرومــة بلــغ المدى خلق كمـا ابتســم الربيــع وطلعة وأغر رحــب البـاع نـال مراتبـا يامن لـوان النـاس أيــام الهــوى ولو انهم كانوا فصــول زمــانـهم لما ذكـرتك فــي القريض أفدتــه وبليت من صرف الزمان بغامد (26) للعاجمين ولاتحــل معاقـدي (27) بأبي المظفر ثــاخ نجم الحاسد(28) فـي ظلمـة الايام ليـس بخامــد لم يخش عادية الزمان المـارد (29) في ظل فضل منــه بـاد عائــد ويبيـح خصــب جنابــه للـرائد كالغيث [ بين ](32) بـوارق ورواعد للمـلك إشفـاق النصيـح الجـاهـد بعزائم لدجــى الخطــوب طوارد تثبيت أركــان ورفــع قواعــد كالبدر أشــرق فـي الظلام الحاشد فــي المــجد طالبهن ليس بواجد كان الوصال عقيب هجـر آمد (34) كان ابتساما فــي الربيــع الوافد فخرا يدوم علـى الزمــان الخالد




(26) الغمد ـ بكسر الغين ـ جفن السيف ، والغامد : واضح السيف والحسام في الغمد .
(27) المعاجم جمع المعجم ، وهو موضع الاختيار ، ويقال « رجل صلب المعجم » أي صابر ذو صلابة عزيز النفس عند الحوادث . وللعاجمين : العاضين للاختبار والتجربة . والمعاقد : موضع عقد الازار ، كناية عن صلابته ـ وشجاعته وعدم خضوعه .
(28) اشتط حسادي : أمعنوا في الحسد والعداوة . ثاخ : غاب وخفي .
(29) الزمان المارد : العاتي .
(30) الذرى : الملجأ وكل ما يستتربه .
(31) طوريه : حالتيه ، حالة الرضا والغضب ، أو حالة الاعسار والايسار .
(32) كلمة لاتقرأ واضحا في نسخة الاصل .
(33) دجت : أظلمت . القحم جمع القحمة ـ بفتح القاف ـ : الامور الشاقة المظلمة . الخطوب جمع الخطب ـ بفتح الخاء وسكون الطاء ـ : الامور العظيمة المكروهة . السمال : الاثواب .
(34) يمكن قراءة الكلمة في النسخة « آفد » ، وهو بمعنى الاستعجال.



(188)
ولقد عقدت على القوافي منـة كانـت شوارد نفرا حتى درت وتزاحمت فلـو انها مختـارة خلصتهــا ونقدتهــا لكنها أصدرتها ولو انني نلت المنى ولقد بذلت لك المودة مـحضة ووثقت منك بنيل ما أنـا آمل بل طلعة ليست لها بجــواحد من ذا مدحت فجئن غير شوارد لتبدلـت كلماتهـا بقصـائــد نقدت من الشيـخ الجليـل لناقد لصحبتها في ضمن لفـظ شارد والله والقـول المنقـح شاهدي ولو انـه لمس النجوم لقاعـد
[ 2 ]
وقال الشريف الرضي :
ردوا الرقاد إلى المشوق الساهـر لو كان عندي منه ما اقري بـه لمن الطلول بمنحني الاجزاع من دار بمنعرج اللوى والديرة الحم ألقى مراسيه بهــا وتهدلـت وعفت معالمها الرياح فما بهـا في كل يوم أرسم مــن توضح حتى اسائل كل رســم دارس ليعــوده طيــف الخيـال الزائر طيــف الخيال لـكان غير مهاجر ذات الاراكـة والكثيب العاقر (35) راء من وادي الغضا لتماضر (36) منه العزالـى كل مزن هامر (37) إلا أثــاف كالحمـــام الـواكر تعفو وتقوى أربع مـن حاجر (38) عنهم وأبكــى كـل ربــع داثر




(35) الاجزاع ، جمع جزع ـ بكسر الجيم وسكون الزاي ـ : منقطع الوادي . العاقر من الرمل : ما لا ينبت ، يشبه بالمرأة التي لم تلد ، ويقصد هنا موضعا خاصا تصوره مسكن حبيبته .
(36) تماضر : اسم امرأة يتشبب بها الشعراء ، مأخوذ من قولهم « خذا الشيء خِضْراً مِضْراً وخَضِراً مَضِراً » : أي غضيا طريا .
(37) تهدلت : استرخت وأرسلت إلى أسفل . والعزالى ـ بالياء والقصر ـ : العزلاء مؤنث الاعزل : مصب الماء من القربة ونحوه . المزن : المطر .
(38) توضح وحاجر : اسم لموضعين معروفين من منازل العرب .



(186)
كــانت محــل أوانس وخرائد ولربما آنســت فــي حجراتها ريا المعاصم خذلة (40) أزرارها عجزاء مـا ضــم الازار كأنه عرجت فـي عرصاتهن فلم أعج وذكرت أياما هناك نضوتها (43) فالله جــارهم فـإن شطت بهم من مومن (44) أومشئم أو متهم ولقد زجرنا الراقصــات نواجيا من كل ضاربة بعرق واشج(45) وكأنما قـد شد منها ميسها (47) محفية ترمـى بنــا كحنيــة حتــى نزلنــا ساحة نلنا بها بموطأ الاكناف مقترب الجنـى عالي بسامي لحظ عين المجتلى فغدت مراد كوانس وجــاذر (39) بيضاء تؤلمهـا لحــاظ الـناظـر عقدت بخـوط الخيزران النــاضر رمل تخاذل من كثيب هـايـر(41) إلا علـى طلل كرقم الـزابر (42) والذكـر يضعف مـن عنـاء الذاكر يوم النوى نؤب الزمــان الجـائر أو معــرق أو منجــد أو غـائر يشـردن أمثـال النعـام النافــر في السر من آل الجديل وداعر(46) مابين خافيتـي عقــاب كــاسر ترمى إلى غـرض بسهـم ناقــر عهد الامـان مـن الزمان الغـادر مستغرب الجـدوى سعيــد الطائر منه إلى قمـر السماء الــزاهـر




(39) الاوانس ، جمع الانسة : طيبة النفس .الخرائد ، جمع الخريدة :
البكر التي لم تمس قط ، أو الحيية الطويلة السكوت . الكوانس ، جمع الكانس : الجواري ، المحتجبات .
الجاذر : ولد البقرة الوحشية ، ويكنى بها عن الجوار الحسان .
(40) خدلة الساق : ممتلئة ضخمة .
(41) الهاير : الساقط .
(42) كرقم الزابر : خط الكاتب ، يريد خلو المكان من البيوت المتكاملة .
(43) نضوتها : قضيتها .
(44) لعل الصحيح « من ميمن » ، أي متوجه إلى اليمن .
(45) عرق واشج : مشتبك .
(46) لعل الصحيح « داغر » بالغين المعجمة ، و « آل الجديل » و « داغر » من بطون وأفخاذ العرب .انظرمعجم قبائل العرب 1 | 173 و 371 .
(47) الميس : الخشبة التي تشد على الرحال .



(190)
وأغــر يجلــو الحادثات كما جــلا ومجيــل أتــراء يحــدث حدهــا وألـد إن عـلك الهديــر مجرجــرا عزم له فـي كــل خطب مســـدف يرمي العدى منــه بنجــم ثاقـــب وشمائــل قيسيــــة ادديــــة ويد تفيــض لمستميــح نوالــــه ذو شيمــة عبقت بـريحـان العلــى صافي‌الندى يدنيك مـن أقصى المنــى مـن كان لا يرضى بــوفر ناقــص قـرم إذا ماالحـرب شب ضرامـــها وتخــال أسيــاف الكـماة كواكــبا يغشى الكريهة تـحت غاب مــن قنـا يغتـال ‌جـهد مســاجليـه عنــوة قــوم حموا خطط المكـارم والعلـى فتـداولوهــا آخـرا عــــن أول إن يجلسوا كانــوا بــدور أهلــة تالله أي مــدى لمجـدك لــم يغـل ترقى‌إلــى قــلل العلـى بمعـارج ومهنــد مــا مجــه فـم غمـده فتعاطها مــن كـف نشــوان الشما فلقــد تجـلت‌ قــرة المشتــا لنـا وتبســم النيــروز يوقظ بالنــدى فكأنما ينهــل مــن قطـر الحيــا كسف الدجـى فلــق الصبــاح الباهـر في الخطب عــن حــد الصفيح البـاتر تخرس شقاشـق كــل فحــل هــادر لالاء ذي شطــب بكــف الشـاهــر ينقــض مــن فلك البـروج الدائــر كالروض غب سرى النشاص الماطر (48) بجمــام رجــاف الغــوارب زاخـر كالــورد فــي نفس الصديــع النائر بسماحـــة والنــائــل المتــواتر فــي الناس لــم يظفـربعرض وافـر والمــوت ينظــرنظــرة المتحـاذر يطلعن فــي‌ليــل العجــاج الثائـر يعسلن منـه فــوق ليث خــادر(49) بفعالـــه والســؤدد المتــواتــر عـن كـــل باد فـي الانام وحاضـر وتـــوارثوها كــابرا عــن كابـر أو يخطبوا كانــوا شمــوس منابــر فيه مــدى شــوط العتيــق الضامر لك مــن أنابيب الوشيــج الخاطــر إلا اكتســى علــق النجيع المائــر يل يستبيك بلحــظ طــرف ساحــر عــن وجنتــي ورد الربيــع الباكر نورالريــاض مــن النعــاس الفاتر فيهــا صغــار اللــؤلؤ المتناثــر




(48) النشاص ـ يفتح النون وكسرها ـ : السحاب المرتفع بعضه فوق بعض .
(49) يعسلن : يضطربن ويشتد اهتزازهن .
الليث الخادر : المقيم في عرينه .



(191)
وكأنمـا قــد نجـدت أكنافها وتمرحت ورق الحمام وطربت بسباسب (50) من كل وشي فاخر بتــراق لحـن العندليب الصافر




(50) في الأصل « بسبابب ».


(192)
[3]
الخطوط عن الثقات :

الفرق بين القصيدتين لايخفى على الفضلاء ، ولايقاس شعر الرضي بشعر غيره من أهل العصر .
وكتبه الفضل بن إسماعيل بخطه .
*  *  *

     لم تزل بلاغة العراق أسوغ في الاذان ، وأحلى في النظام على تقادم الزمان من بلاغة خراسان ، لرقة هوائها وسلاسة مائها وقرب خطتها من جزيرة العرب وباحتها ومتاخمتها بلاد الفصاحة والبيان ، ومجاورة سكانها أهل البلاغة واللسان .
     فالعراق وما والاها تقاسم (51) نجدا [ في ] (52) صحة هوائها واعتلال نسيمها ، وهن لها عين قسيمها . وإذا هبت الرياح شمالا بسطت في نجدد العراق يمينا وشمالا ، وطابت في لياليها الاسحار ، وتنفست بنفحات المسك الرياض والاشجار .
     وهذه الاسباب تفيد أهلها صحة في الطباع ، وسلامة من الاوجاع ، فتصح أفهامهم ، وتعذب للسامعين كلامهم .
     وخراسان نأت عن ديار البلاغة بقعتها ، وخلت عن المتحلين بالفصاحة ساحتها ورقعتها ، فأهلها عجم لغتهم الرّطانة (53) ، وقلما توجد فيهم الكيس والفطانة ، وفصاحتهم تزري بها اللكنة والفدامة (54) ، ويغلب عليها التكلف والاختلال ، وعلى نظم قلائدهم التهافت والانحلال .



(51) في الاصل « يقاسم » .
(52) الزيادة منا .
(53) الرطانة : التكلم بالاعجمية ، تراطن القوم وتراطنوا فيما بينهم : تكلموا بالاعجمية .
(54) الفدم : العي عن الكلام في رخاوة وقلة فهم .



(193)

     فشعر العراق أبعد شأوا في حلبة الشعر ، وأهدى إلى الاصابة في طريق النظم والنثر ، لانهم ارتضعوا أفاويق (55) در الفصاحة لبانا ، ونطقوا بألفاظها صبيانا ، فكانت لهم لدودا ونشوعا (56) ، يردون مناقعها ينبوعا فينبوعا ، حتى نشأوا وقد مرنت على الفصيح لسانهم ، وأفصحوا باللغة التي ملات آذانهم ، وراثة عن الامهات والاباء ، والعصبات والاقرباء . لاكمن سمع البلاغة بعد البلوغ مترعرعا ، واحتلبها متمحلا متكلفا متتبعا ، وليس التخلق كالخليقة ، والتلهوق (57) كالسليقة ، ولا الدربة كالكلفة .
     وهيهات أن يكون للضباب صوب السحاب ، وللغراب قاب (58) العقاب ، وأن يكون من تبوأ خراسان كمن تربع بالدهناء (59) ، وتشتى الصمان (60) وشرب أحاليب اللقاح ، وهبت عليه صبا نجد في الرياح ، واستظل في العكاك (61) ، بظل السمرات والاراك ، واستاك بفروع البشام (62) ، وظلل وطابه بالتمام (63) ، وبكى بنوح الحمام ، وخاطب الربوع بعد الاقواء ، وساءل تقاطيع الظباء ، واحترش الضباب مغتديا بالكشى والمكن (64) ، وندب الاطلال وبكى على السكن ، ونطق بالفصيح ، وسكن منابت القيصوم والشيح (65) . هل يستوي هو ومن تدرب بلغة نيسابور وهراة ، هيهات أن يكون ذلك هيهات . هذا هو القول عموما في شعر الفريقين ، عند الاتحاد باللسان العربي ، ولغة إسماعيل النبي .
     فأما خصوصا في الفحلين : فإن فتى الازد منصورا ، وإن أصبحت الاذان إلى كلامه



(55) الافاويق جمع الفيقة ، بمعنى خيار اللبن .
(56) اللدود : الدواء . النشوع : السعوط ، الدواء الذي يصب في فم المريض .
(57) تلهق الرجل : أكثر من الكلام .
(58) القاب : المقدار ، مابين نصف طرف القوس ووتره .
(59) الدهناء : الفلاة .
(60) الصمان : أرض غليظة دون الجبل ، وهي محاددة للدهناء في شرقي الجزيرة العربية .
(61) العكاك : شدة الحر مع سكون الريح .
(62) البشام : شجر طيب الرائحة تتخذ عيدانه لاخراج ما دخل بين الاسنان من الطعام .
(63) الوطاب : الثدي العظيم .
(64) الكشى ـ بضم الكاف ـ جمع الكشية : شحمة مستطيلة في جنبي الضب من العنق إلى أصل الفخذ .
والمكن ـ بفتح الميم وسكون الكاف وكسرها ـ : بيض الجرادة ونحوها .
(65) القيصوم : ما طال من العشب . الشيح : نبات أنواعه كثيرة كله طيب الرائحة ، واحده « شيحة » .



(194)
صورا (66) ، استحلاءا لنظامه ، وتعجبا من بعد غوره في الفصاحة ومرامه ، وبلغ من درجات الشعر مناط العيوق والنسر ، وأبدع في صنعته كل الابداع ، حتى أروى بماء كلامه الرقراق ظمأ الاسماع ، ولم يبق في قوس البلاغة منزعا ، متحققا فيها لا متشبعا ، تضاهي قلائده أوشحة المجرة والجوزاء ، يكاد يخبو لديها دراري السماء ، يقرطس (67) سهام البلاغة أهدافها ، ويقشر عن لالئ البحر من أصدافها ، ويمتري مستوعبا أخلافها ، متربعا في أوساطها ، جامعا أطرافها .0
     فإن الشريف الرضي أعذب كلاما ، وأحلى نظاما ، وأندى بمحاسن الشعر غماما ، وأتم فيها تماما . بحر لا تكدره الدلاء ، ونطق يقصر عنه لو نطق الجوزاء ، وقصائد تبهى بمزاينها جبين الايام ، ويتوضح بضيائها سدف الظلام ، وشواردهن بعدهن قريبة من الافهام ، إذا حصلت على البياض بين المداد وألسنة الاقلام ، يخوض بها لجج البلاغة أتم الخوض ، ويفتن في أنواعها تفنن الصفراء والحمراء من قطع الروض . فما من باب شرع فيه إلا علك الفصاحة بأشد لحى ، حتى كأنه ألهم الصواب بأسدّ وحى ، وما من بحر ركب سفينه ، إلا غاص على دره وانتزع دفينه .
     وإن من ولدته هاشم وانتسب إلى مضر الحمراء لعريق في الفصاحة رأس في الفصحاء ، إذا عضد بما عضد به الرضي من سلاسة ألفاظ ، وبعد مرمى في المعاني والاغراض .
     وليس يستحيي مفضول فضله الشريف وإن كان أمير المنطق ، بليغ المشرق ، فلا إزراء بالقمر وإن بهرته الشمس ، وللعرب الفصاحة مسلمة ليست تنكر ذلك الفرس .
     وهذا حكم يحكم به حكام الفضل ، ويسجل به اولو التمييز والعقل . ومن تأمل الكلمتين لم يطل به الزمان حتى ينقاد لحكمي وإن كان أبيا ، ويحطب في حبلي وإن كان بايناً (68) . ولولا خوف الملال لوازنت بين كل بيتين من الكلمتين ، حتى يتبين الصبح لذي عينين .
كتبه علي بن أحمد الواحدي .



(66) أي مائلة ملتفة إليه ، يقال « صار عنقه أو وجهه إلي » : أي أماله وأقبل به علي .
(67) قرطس السهم : أصاب القرطاس ، أي الغرض .
(68) لعله « باينا » .



(195)

     تأملت هاتين القصيدتين فألفيت كل واحدة منهما كالروض الزاهر ، غب السحاب الماطر ، وكالدر المنظوم ، والوشي المرقوم . إلا أن التفاوت بين شعريهما كالتفاوت بين أبويهما .
وكتبه أبو نصر صاعد بن الحسين الزوزني بخطه .
* * *

     تأملت هاتين القصيدتين فوجدتهما أرق من دمع المستهام ، ومن الراح رقرق بماء الغمام ، ومعانيهما أحسن من در الطل في أعين الدهر ، إذا تفتحت عيون الرياض غب المطر . إلا أن شعر الرضي أرضى ، وأقرب إلى الرضا .
وكتبه زكريا بن الحسن بن زكريا الزوزني .
* * *

     الفاضل الفاصل بين القرمين ، حقه أن يكون عادلا مجادلا عن سنن المين ، واجتليت الجريدتين فألفيتهما من العرب الاتراب ، معربتين في الانتساب عن أنساب الاعراب ، كلتا تحكي بغرتها ومقلتها الغزالة والغزال ، وتروي برقتها وعذوبتها الخمر والزلال . لا يتمكن من ترجيح إحداهما على الاخرى ، إلا من صعد في معرفة رسوم الشعر إلى الدرجة الكبرى ، فسر الشعر عندي أبعد منالا من سرة الشعرى ، ومن خال أنه . أكسى من البصل فهو أعرى من المغزل ، ونحن بعد في العنوق ولم نبلغ فيه إلى النوق ، والقرمان جاوزا دون العيوق . فالامساك عن الترجيح بمثلي أحق ، وشربا من هو من الضب أعق . ولولا اقتراح هذا الفاضل المحتوي على أجناس الفضل ، المتشبث بأفنان فنون الادب لما أثبت هذا الفصل .
وكاتبه إسماعيل بن الحسن الاديب .
الحمدلله ، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007