العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 4 >نظرات سريعة في فنّ التحقيق (3) > 

نظرات سريعة
في فن التحقيق
(4)

أسد مولوي

عدة المحقق وحاجاته اللازمة
     لكل عامل آلات وحاجات يتوصل بها الى عمله ، ومحقق التراث عامل ـ وإن اختلفت الاعمال في أساليبها ـ وهو محتاج الى آلات عمله ، وفي هذه النظرة سنتحدث عن قسم من هذه الحاجات :
1 ـ الكفاية الاقتصادية
     لا أعني بالكفاية الاقتصادية أن يكون المحقق واسع الغنى متمولا من الطبقة العليا في امتلاك المال (طاغوتا) فان هذه الحالة الاجتماعية لا يؤم لمن أهلها خير ولا يؤمن منهم شر ، فهم يشكلون طبقة أوجدتها الاوضاع الشاذة عن الحق ، وغذاها ظلم الانسان لاخيه الانسان.
     وانما أعني بالكفاية أن يكون للمحقق مورد دخل دار يكفيه مؤونة طلب العيش ، ويصون ماء وجهه أن يراق ، ويحفظ عليه حرية فكره.
     والا.. فهل نأمل ممن يكد في طلب رزقه أن يخرج لنا من رائع نراثنا كتابا مضبوطا.. أم نأمل منه أن يغضب فلاناً وعلاناً في تقويم عوج مانشروه ، أو تصحيح خطأ ما كتبوه.
ولينظر القارئ الى حالة فريدة في التاريخ ، هي حالة علماء الشيعة الامامية


(10)

     أقصد العلماء بما يعطيه حاق الكلمة من معنى ـ وغزارة انتاجهم ودقته ونزاهته ، وليفتش عن سببه.. فانه واجد من أهم أسباب ذلك أنهم كفوا مؤونة عيشهم فانصرفوا إلى علمهم وانقطعوا اليه فأجادوا وأفادوا.
     وكان لهم من استقلال الفكر وحرية النظر ما لا نظير له ، لاستقلالهم الاقتصادي عن المتمولين ، وغناهم عن المرتب والوظيفة.
     وليرجع القارئ بصره الى من كفي المؤونة من المؤلفين والمحققين.. وليعتبر.
قال صاحب « كشف الظنون » في مقدمة الكشف ج1|43 :
     « وأما ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال ، فمن أعظم الموانع وأشدها ، لان صاحبه مهموم مشغول القلب أبدا »
وما اريد بهذا أن اثبط همم المحارفين.. ولا أن أصرفهم عن وجهتهم وانما هي حقيقة اقررها.. ولكل قاعدة شواذ.
2 ـ حسن قراءة الخط العربي
     قد تتبادر الى ذهن القارئ غرابة هذا العنوان ، ولعله يقول : وأي عارف بالالفباء العربية ـ من عربي أو مستعرب ـ لا يحسن قراءة الخط العربي؟
ولكن..
     الخط العربي بتشابه صور حروفه ، ودقة الفرق بينها ، وبجريانها في يد الكاتب على صور مختلفة مشتبهة... كثيرا ما تحتمل في القراءة عدة ألفاظ.
     أضف الى هذا عجلة الناسخ أو جهله ، والسهو والنسيان اللذين لايخلو منهما الا من عصم الله.. ولسبق القلم وسبق النظر حصة كبيرة في هذا الباب.
     ولا تنس سقم الاصل المنقول عنه ، وعجلة المؤلف أو الناسخ ، وقد رأيت من خطوط العلماء نسخة من كتاب الايضاح للعلامة الحلي رحمه الله (ـ 726 هـ) خالية من النقط متصلة الكتابة كلمة بكلمة ، تصعب قراءتها ولا يستطيعها الا الحذاق. ومثلها في تراثنا كثير.
     لهذه الاسباب ـ مجتمعة ـ ولغيرها مما طوينا ذكره ، يكون تمكن المحقق من قراءة الخط العربي عدة يعتد بها لمواجهة هذه المشكلات التي هي في تراثنا المخطوط السمة الغالبة ولها منه الحصة الوافرة.


(11)

     وعندي أن لطالب التحقيق أن يمتحن نفسه بقراءة الخطوط اليدوية الشائعة ، فانها أول الطريق.
     وقراءة الكتب المحققة جيدا وملاحظة هوامشها ، لان محققي التراث الضابطين يستدلون لقرائتهم في الهوامش ـ غالبا ـ بأدلة تفتح الذهن وترسخ الملكة.
     وقراءة مقالات النقود والردود التي يعقب بها بعضهم على بعض ، ومظنتها المجلات المتخصصة كمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ، ومجلة كلية الاداب بجامعة القاهرة ، ومجلة الاستاذ العراقية... وأمثالها.
فان في هذين الموردين من لطائف التصحيح ، ودقائق التصحيف الشيء الكثير.
     وقد جاء السيد محمد باقر الداماد قدس سره (960 ـ 1041هـ) في الراشحة السابعة والثلاثين من كتابه الفريد « الرواشح السماوية في شرح أحاديث الامامية » وهو شرح لاجل كتب حديث أهل البيت عليهم السلام ، كتاب الكافي للشيخ الكليني قدس سره ، ومما يحز في النفس وتكاد أن تذهب عليه حسرات عدم اكماله هذا الشرح القيم ، فلم يخرج منه الا بعض المقدمة..
جاء هذا العيلم بكلام جامع في التحريف والتصحيف (ص132 ـ 157 من ـ مطبوعته على الحجر سنة1311هـ).
     قال رحمه الله عن التصحيف في ص133 : « وهذا فن جليل عظيم الخطر ، انما ينهض بحمل أعبائه الحذاق من العلماء الحفاظ والنقاد من الكبراء المتبصرين ».
وقسمه الى أقسام :
     محسوس لفظي : وهو واقع في مواد الالفاظ وجواهر الحروف وصورها الوزنية وكيفياتها الاعرابية وحركاتها اللازمة.
وهذا التصحيف المحسوس اللفظي :
اما من تصحيف البصر كجرير وحريز.
واما من تصحيف السمع كـ (استأى لها) أي استاء و (استالها) أي أولها ـ من التأويل ـ.
ثم تكلم رحمه الله عن التصحيف المعنوي.
ثم ساق أمثلة من تصحيفات عصرييه ـ لا نوافقه على كلها ـ.
وبالجملة فهو بحث عميق دقيق من مجرب خبير ، فلا يفوتن طلبة العلم امتاع


(12)

عيونهم وعقولهم به.
     وقد تحدث الدكتور مصطفى جواد في تحقيقه لكتاب « تكملة اكمال الاكمال » لابن الصابوني ، عن هذا الامر بمايفيد الطالب ، ولا يحضرني الكتاب لادل على مكانه فيه.
وقد كسر علماؤنا السابقون كتبا برأس لهذا الفن ، منها :
شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ، المشتهر باسم التصحيف والتحريف ، للحسن بن عبد الله العسكري (293 ـ 382هـ).
ودرة الغواص في أوهام الخواص ، للقاسم بن علي الحريري (446 ـ 516هـ).
وذكر عبد القادر البغدادي (1030 ـ 1093هـ) في مقدمة « خزانة الادب » من كتب هذا الفن سبعة كتب تحت عنوان (ما يتعلق بأغلاط اللغويين) [ انظر خزانة الادب 1|11ط. بولاق 1299هـ ].
وأفرد له صاحب « كشف الظنون » عنوانا وعده علما ، وكذلك فعل المولى عصام في « مفتاح السعادة ومصباح السيادة ».
ومما شاع على ألسنتهم في العصر الاول : « لا تأخذ العلم عن صحفي » يعنون به من يأخذ علمه من الكتب لا من أفواه الشيوخ ، لان الكتب مظنة التصحيف والتحريف.
وفي هذا الباب من الطرائف والمضحكات الشيء الكثير.
وبالجملة لاغنى لطالب التحقيق عن معرفة فن التصحيف والاطلاع على ما كتب فيه.
وأعتذر عن ايراد قائمة أمثلة له ، لئلا يصحفها الطابع فتحتاج الى تصحيح جديد..!
وانما أدل القارئ على قائمة مفيدة في (تحقيق النصوص ونشرها) لعبد السلام هارون ، من أرادها فليراجعها.
وقد كشفت لي متابعة سنين طوال لهذا الامر أن كثيرا من أوهام المحققين ـ كبارا وناشئين ـ علتها عدم اجادة قراءة الخط العربي..


(13)

3 ـ الاستقرار
     أعني به أن لا يكون المتصدي لهذا الفن منتقل الدار ، مزعجا في وطنه من دار الى دار ، ومرتحلا من وطنه من قطر الى قطر ، وبخاصة نقلات هذا الزمان الذي صارت فيه الكرة الارضية غابة وحوش كواسر ، من نجا منها برأسه فقد سلم ، وأصبح الانسان فيها من سقط المتاع.. لا حرمة ولا كرامة.
     والمنتقل من وطنه غريب ـ ان لم يكن متمولا ـ لا يجد في البلد الجديد الا الصد والرد ، ولا مثنوية في هذا.. ومن ذاق عرف..
ورب سائل : ما هي حاجة المحقق الى الاستقرار؟ والعلم في الصدور لا في الصناديق..!؟ وفي جوابه نقول :
ان سعة المعارف التي وصلت اليها البشرية ، ومخلفات السلف الضخمة وكون المحقق مجددا لبناء قد تشعث ، أو مزينا له وقد حال عن روائه الاول ، فهو لا شك محتاج الى الالة التي تعينه في عمله وهي آلة يشق معها الانتقال.
وطالب هذا الفن ـ حق الطلب ـ مولع بالكتب ، باذل ما يضن به غيره في سبيل اقتنائها ـ ومن المعلوم أن أثمن المكتبات ما كان حصيلة عمر عالم أو باحث ـ فعلى مر الايام تتجمع عنده مكتبة أقل ما يقال فيها أنها بقدر أثاث بيته.. والكتاب ثقيل يحتاج الى العناية في نقله من مكان الى مكان.
     وطالب هذا الفن ـ أيضا ـ مغرم بالقراءة والتقييد والتسجيل ، لا تكاد تمر به نكتة علمية الا ودونها في طواميره ، أو حزمها في أضابيره ، فتكون له من هذه التقييدات أكوام من الجزازات ، هي خلاصة مطالعاته وزبدة ملاحظاته.
ثم هو غير بالغ هذه المرتبة الا بعد وهن العظم واشتعال الرأس شيبا ، وذلك الوقت من عمره مظنة استقراره من عناء الطلب.. ومن الكدح في سبيل العيش.
     ومن المعلوم عند العارفين اعتذار الصاحب بن عباد عن قبول منصب الوزارة في بلد غير بلده ، لان مكتبته فقط تحتاج في نقلها الى مائتي بعير.
وانظر الى من استقرت به الدار.. كم هو محكم التحقيق لطيف التدقيق ، واستثن هو ملصق بهذا الفن طارئ عليه.


(14)

     وللنفس الانسانية الصافية الفة بما يحيط بها حتى أنها تألف الجماد ، وحسبك شاهدا قوله صلى الله عليه وآله فيجبل احد : « جبل يحبنا ونحبه ».
4 ـ حاجة المحقق من الكتب
     هنا بيت القصيد لهذه النظرة الذي رسمنا على ضوئه عنوان (عدة المحقق). فطالب هذا الفن محتاج الى أنواع من الكتب كثيرة ، هي بعض سلاحه في مواجهة المشاكل التي ألمت بالكتاب المخطوط من طبيعية ومقصودة ، وهي بعض عدته في اخراج الكتاب سالما من المصائب التي لحقت به طوال قرون.
ونستطيع أن نقسم هذه الكتب الى مجموعات :
أ ـ كتب الفن
وهي كتب قليلة لا تكاد تتجاوز عدد الاصابع ، لحداثة التأليف في فن التحقيق عندنا ـ على قدمه واقعا في تراثنا ـ.
من هذه الكتب :
1 ـ تحقيق النصوص ونشرها ـ لعبد السلام محمد هارون ـ طبعته الاولى سنة 1954م.
2 ـ اصول نقد النصوص والكتب ـ للمستشرق الالماني برجستراسر ، وقد نشره الدكتور محمد حمدي البكري سنة 1969م.
3 ـ قواعد تحقيق المخطوطات ـ للدكتورصلاح الدين المنجد.
4 ـ اصول تحقيق النصوص ـ للدكتور مصطفى جواد ، وهي أماليه على طلبة ماجستير اللغة العربية بجامعة بغداد ، نشرها الدكتور محمد علي الحسيني في كتابه « دراسات وتحقيقات » المطبوع سنة 1974م.
5 ـ منهج تحقيق النصوص ونشرها ـ للدكتور نوري حمودي القيسي وسامي مكي العاني ، طبع سنة 1975م.
6 ـ تحقيق التراث ـ للدكتور عبد الهادي الفضلي ، طبعته الاولى سنة 1984م.
وهناك مقالات منشورة في المجلات يجدها الباحث في مظانها.
وفي مقدمات بعض المحققين لبعض ما نشروه فوائد لا يستهان بها ، صدرت عن ممارسة وخبرة.


(15)

وفي تراثنا الواسع درر منثورة ، يجدها الباحث خلال مطالعاته.
ب ـ الفهارس
فهارس الكتب حاجة لازمة للمحقق لانها عينه التي تدله على ما تفرق من مخطوطاتنا ، وتهديه الى أماكن وجودها.. ورب كتاب قطعنا منه الامل ثم عثر عليه مخطوطا في المكتبة الفلانية العامة أو الخاصة.
هذه الفهارس نستطيع تقسيمها ثلاثة أنواع :
1 ـ فهارس تدل الطالب على الاماكن التي هي مظنة احتواء الكتاب العربي ، وهي مكتبات العامة منها كثيرة والخاصة أكثر من أن تحصى ، وقد أفرد جرجي زيدان في كتابه « تاريخ آداب اللغة العربية » ج3|455 ـ 496 فصلا بعنوان (المكتبات) ، وذكر برجستراسر أسماء مكتبات اسطنبول التي زاد عددها على أربعين مكتبة ، وقد جد بعد هما ظهور كثير من المكتبات اما مكتبات خاصة وقفت ، أو مكتبات عامة اندمج بعضها ببعض..
     وعلى كل حال يستطيع الباحث أن يسجل في جزازات أسماء المكتبات وعناوينها ، ويرتبها ترتيبا مناسبا لتكون تحت يده وقت الحاجة.
2 ـ فهارس تدل الطالب علىالكتاب ، وأين يجده؟
وهي فهارس المكتبات ، وقد صدر منها عدد ضخم ، أحصى منها كوركيس عواد في كتابه « فهارس المخطوطات العربية في العالم » (3312) مادة ، وقد نشره معهد المخطوطات العربية بالكويت سنة 1984م ، في مجلدين.
أما المكتبات الخاصة فالمفهرس منها أقل قليل ، والكثير منها بعد في طي الكتمان.
ومن أهم فهارس المخطوطات الجامعة :
الذريعة الى تصانيف الشيعة ، للمرحوم العلامة آقا بزرك الطهراني.
تاريخ الادب العربي ، كارل بروكلمان.
تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين.
     وهنا ملاحظة مهمة يجدر بنا تسجيلها ، وهيأن الفهارس مهما كانت دقيقة فانها لا يمكن الاعتماد عليها اعتمادا كاملا ، لان أكثر الفهارس الدقيقة كتبها المستشرقون وهم ـ بطبعهم ـ قاصرون عن معرفة دقائق تراثنا ، أما الفهارس العربية


(16)

     والفارسية ففيها من الخلط والخبط ما لا حدله.. فقد ترى كتابا في فهرس مكتبة ما ، فتطلبه منهم مصورا ، فيأتيك كتاب غير الذي أنت طالبه.
3 ـ فهارس المطبوعات
وهي التي تدل المحقق على ما أخرجته الطباعة من الكتب ، وهي كثيرة منها :
اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ـ إدوارد فنديك ـ طبع القاهرة سنة 1897م.
معجم المطبوعات العربية والمعربة ـ يوسف اليان سركيس.
معجم المخطوطات المطبوعة ـ د. صلاح الدين المنجد ـ أربعة أجزاء من سنة 1954 ـ 1975م.
وقد عد الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه « تحقيق التراث » 65 عنوانا من الكتب المتخصصة بهذا الجانب من جوانب فن التحقيق.
وفي النشريات الدورية التي تنشرها المكتبات الوطنية اعانة كبيرة لمحققي التراث.
ج ـ كتب اللغة العربية
     هذه اللغة الكريمة الواسعة التي قيل فيها : لم يحط بها الا نبي أو وصي نبي ، والتي حظيت بأعلى المراتب لارتباطها بالله تعالى ـ وكل مرتبط بالله تعالى معجز باق لا يضره من كاده ـ وفازت بالخلود بنزول القرآن الكريم بها ، وبكونها لغة الارض كلها في عالم المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله ، وستبقى بعد فناء الارض وما عليها لغة لاهل الجنة.
     هيأ الله سبحانه ـ لهذه اللغة الكريمة من الاسباب ما مكن لها في الارض ، وسخر ـ لخدمتها أقواما رسخ في قلوبهم حب الله ورسوله وكتابه ، ففضلوها على لغاتهم التي نشؤوا عليها ووقفوا أعمارا جليلة على العناية بها وكان فوز أحدهم بغريبة من غرائبها فوزا بقرطي مارية.
     فأثروا مكتبتها بألوان الكتب في غريبها ومعربها والدخيل فيها ، وفي نحوها وصرفها وبيانها وبديعها ، وفيخطها ونقطها.. ولم يتركوا جانبا من الجوانب التي لها علاقة بها من قريب أوبعيد الا وأشبعوه بحثا ودراسة وافتنوا أيما افتنان في تقييد شواردها وتأنيس أوابدها ، وجمع النظير منها الى نظيرة ، والنادر الى الافه.
وحسبك أنهم في التأليف المعجمي (متن اللغة) قد تفننوا فألفوا معاجم لمعاني.


(17)

     الالفاظ واخرى لالفاظ المعاني ، وثالثة للحقيقة والمجاز ، ورابعة لمعاني اصول المواد ، وخامسة للمصطلحات ، وسادسة للمعرب والدخيل...
     والمكتبة العربية الاسلامية كتبت بهذه اللغة الوسيعة ، والمحقق مغرى بالكتاب المخطوط مغرم باخراجه في أكمل صورة وأجملها ، فعليه أن يكون من معرفة اللغة على حظ كاف يمكنه من غايته.. ووسيلته انما هي الكتب المعتمدة والاسفار التي خلد فيها مؤلفوها علوم هذه اللغة المقدسة.
     ولا نقول ان على محقق التراث أن يكون علامة لغويا أو نحويا ـ لان هذا مطلب عسير لا يتأتى الا للواحد بعد الواحد ـ بل نريد منه أن يكون ذا المام كاف بحيث يفهم الكلام العربي ويتذوقه كأهله.. أما ما عسر عليه لغرابته فما عليه في الرجوع الى الكتب المتخصصة غضاضة.
     لذا فهو محتاج الى عدد من المعاجم اللغوية وكتب النحو والصرف وغيرها من كتب اللغة ، ويشترط أن تكون هذه الكتب مما اعتمده أهل اللغة الاصلاء لا مما يجيء به مستشرق أو عدو لهذه الامة..
     والا فهل يقول عاقل بالاعتماد على المنجد الذي ثبت خطؤه فقد أحصى عليه عبد الستار فراج مئات الاغلاط في القسم اللغوي منه ونشره في مجلة العربي الكويتية ، وفي ذكري أن أحد الدماشقة الحريصين على لغتهم أحصى عليه أكثر من ألف غلطة في القسم اللغوي فقط ، أما قسم الاعلام منه ففيه ما يضر بالاسلام بعد ما أضر قسيمه باللغة.... نعم هل يقول عاقل بالاعتماد عليه وترك عين الخليل ، وصحاح الجوهري ، ومخصص ابن سيدة ومحكمه ، ولسان العرب ، وتاج العروس وأصله القاموس المحيط.. الى مئات من كتب أئمة اللغة الاثبات.
     أم يقول عاقل بالاعتماد على نحو علي الوردي أو سلامة موسى الهدامين ، وترك شرح الكافية للرضي الاسترابادي ، الذي ألفه في حضرة أفصح الناس ـ بعد أخيه صلى الله عليه وآله ـ أميرالمؤمنين عليه السلام ، ففاض عليه من أنوار ذلك المعهد الاقدس ـ ما جعله الحجة في النحو ، وجعله صاحبه نجم الائمة.
د ـ الكتب المشهورة المرجوع اليها كثيرا
هي كتب في تراثنا تفوت العد ، ولكن المحقق محتاج الى جملة منها وأهمها في علم الحديث : الكتب الاربعة والبحار من حديث آل الرسول صلى الله عليه وآله ،


(18)

     والسنة ومسند أحمد وكنز العمال من كتب الجمهور ، وفي التفسير : التفاسير المعتبرة كمجمع البيان لامين الدين الطبرسي وتفسير الطبري.. وفي التاريخ : تاريخ ابن واضح اليعقوبي وتاريخ المسعودي وتاريخ الطبري... وغيرها.
وعليه بحسن الانتقاد وجودة المراجعة.
هـ ـ المجلات والدوريات المتخصصة
وهي كثيرة ـ ومنها ما له عمر طويل ـ مثل :
مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلة مجمع اللغة العربية ـ حاليا) وقد بلغ عمرها الستين عاما.
مجلة المجمع العلمي العراقي.
مجلة التراث العربي السورية.
مجلة معهد المخطوطات العربية.
مجلات كليات الاداب في الجامعات العربية.
     نشرتنا هذه (تراثنا) التي نأمل أن تسد فراغا في هذا البلد المبارك من بلدان الاسلام (ايران الاسلام) البقعة المباركة العريقة الصلة بالتراث العربي ، الحافظة له ـ الحانية عليه. وللمستشرقين مجلات كثيرة.
ولا ننسى البحوث التي تنشر في مجلات غير متمحضة لهذا الفن وهي كثيرة متفرقة.
وبعد هذا كله فان على المحقق أن يكون متابعا لما يصدر من جديد في فنه ، وأن يتصل بأئمة هذا الفن الذين قضوا أعمارهم في البحث والتنقيب . . والا فانه يتخلف عن مسايرة الركب وينقطع به الطريق.
وما التوفيق الا من عند الله . .

للبحث صلة . . . .



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007