العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 4 >من التراث الادبي المنسي في الاحساء >

من التراث الادبي المنسي في الاحساء

الشيخ جعفر الهلالي

ان مما يؤسف له حقا : أن هذه الرقعة من الارض والتي عرفت بـ (الاحساء) اليوم ، وقد كانت تعرف قديما بـ (هجر) ، أو (هجر البحرين) ، والتي اليها يشير المثل المشهور « كناقل التمر الى هجر » قد أغفلها الدارسون والمتصدون لكتابة التاريخ والاداب بالخصوص.
يقول أحد أبناء تلك المنطقة : « فأنت اذا جئت تبحث في صفحات التاريخ فلا تجد ما يبرد ظمناك ولا ما يبل صداك ، وليس حظك من كتب التراجم والاداب بأحسن من حظك من صفحات التاريخ ».
نعم أغفل التاريخ هذه الرقعة ، ولكن الحقيقة لابد أن تظهر ولا بد أن تبرز ولابد أن تأخذ محلها الذي قدر لها ، كما أخذت حقها من الشمس المنيرة التي تشرق عليها في نهارها ، ومن القمر الذي يضيء عليها في ليلها ، ويسايرانها في ركب الزمن الى أن يشاء الله سبحانه في انتهائه !
ان الحقيقة تقول : ان هذه الرقعة مشى عليها بشر لهم عقولهم المفكرة التي منحهم الله اياها ، كما منح غيرهم من البشر ، فساهموا في الحركة العلمية بجميع فنونها من فقه وغيره ، كما ساهموا في الحركة الادبية بجميع فنونها من نثر وشعر ، ولم يتخلف ركبهم في ذلك عن ركب غيرهم من الامة الاسلامية وغيرها ، فهم قد طبقوا قوله صلى الله عليه وآله : « اطلبوا العلم من المهد الى اللحد » ، كما لزموا القول المأثور : ان من الجهل أن يعيش الانسان في الجهل ، كل هذا وان تنكرت كتب السيرة لكثير منهم ، ولم تتنكر لمن ل


(184)
يستحق الذكر.
نعم لا اغمض أن البعض دون عن بعضهم ولم يغفل أن يسجل اسمه في كتابه ، فكتب عن الشيخ فلان : وكان من أهل الفضيلة عالما فاضلا. وكتب عن آخر : الشيخ فلان من أعلام الشعر وله شعر كثير. ولكنه تناسى أن يكتب عن ذاك بذكر شيء من مؤلفاته ، كما تناسى في هذا أن يذكر شيئا من شعره.
(وعلى سنن من مضى درج من أتى بعده ، والحقيقة غير هذا ، فهناك العشرات ممن ساهم في حمل الرسالة العلمية ، وهناك العشرات ممن ساهم في الادب وخلد له الزمن من شعره مهما أغفله كتاب العصر) (1).
مما يؤيد هذا الرأي أنه صدر قبل فترة ديوان باسم « ديوان هجر » ، جمع فيه صاحبه أشعار جماعة من شعراء الاحساء ، وهي خطوة حسنة ، وكنت أظن أن هذا الديوان سيحتضن بين دفتيه قصائد وأشعارا لبعض هؤلاء الشعراء المنسيين ـ على الاقل ـ ضمن من تصدى لنشر شعرهم في هذا الديوان ، ولكن يظهر أن العامل المذهبي عند جامع الديوان كان قد أثر عليه فأسقط من حسابه أن يعنى بنشر شعر هؤلاء الشعراء ، أو ذكرهم ولو ببعض ما يدل على وجودهم كشعراء يعيشون في هذه المنطقة ، ولكن شيئا من هذا لم يحصل.
وهذا العامل في اغفال هذا النوع من الشعراء كان قد تأثر به غير واحد من كتاب الادب وأصحاب المعاجم ، فالمعروف عن صاحب كتاب « نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب » أنه أهمل الكثير من الشعراء الذين عرفوا بموالاتهم لاهل البيت عليهم السلام ، وهكذا الحال بالنسبة لصاحب « الذخيرة » العماد الاصفهاني ، فقد أسقط هو الاخر من حسابه مجموعة من هؤلاء الشعراء ، وعلى هذه الوتيرة مضى الثعالبي في « اليتيمة » ، والميداني في « معجم الادباء » ، وسنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في مقدمة كتابنا « معجم شعراء الحسين عليه السلام ».
والذي نحن بصدده الان هو ضياع هذا الادب لمدينة الاحساء ، ونسيانه .
وتتلخص الاسباب بما يلي :



(1) ما بين القوسين مقتبس من كلمة للعلامة الشيخ باقر الهجري أحد علماء الاحساء ، كان قد صدر به ديوان أحد شعراء الاحساء وهو الخطيب الشاعر الشيخ كاظم بن مطر.



(185)
1 ـ عدم تصدي الدارسين للتأريخ والادب ، وعدم التوجه منهم ، واغفالهم هذه المنطقة الا القليل النادر ، كما اشير له سابقا.
2 ـ التأثر بالعامل المذهبي لدى بعض من تصدى لجمع شعر شعراء هذا القطر كما بينا ذلك.
3 ـ عامل الخوف الذي ساد رجال العلم والادب في تلك البلاد ، وهذا ناتج عن الحملة الوهابية في أول مجيئها ، فقد تعرض الناس وأهل العلم والادب ـ بالخصوص ـ الى الامتهان والقتل أحيانا ، مما دعا البعض من رجال العلم والادب أن يغادروا وطنهم ويهاجروا الى سائر البلدان كايران والعراق والبحرين وغيرها ، واضطر الباقون الى اخفاء ما لديهم من تاليف علمية أو دواوين شعرية ، وذلك بدفنها في الارض.
وأما ما سلم من هذا التراث وانتقل الى يد الورثة من أبناء العلماء والادباء ، فقد قام هؤلاء بسبب العامل نفسه باتلاف ما ورثوه من تلك المأثورات العلمية والادبية وخصوصا الشعر منها ، واذا أحسنوا رموها بين سفوح الجبال أو وضعوها في المساجد مع نسخ القرآن الممزقة.
4 ـ جهل من انتقل اليهم ذلك التراث ، وحرص بعضهم حتى تلف كثير من تلك الكتب والدواوين ، ولعل الجهل والحرص لم يختصا ببلاد دون اخرى ، فهناك الكثير من التراث العلمي والادبي قد ضاع في كثير من البلدان لهذا السبب أيضا.
وبالرغم من كل هذا فقد وقفت في احدى سفراتي الى بلاد الاحساء على مجموعة لا بأس بها من الاثار الادبية والدواوين الشعرية لبعض الشعراء هناك ، وقد نقلت كثيرا من القصائد والمقاطيع الشعرية وبعض البنود ، وقد استنسخت بعض الدواوين بكاملها ، من ذلك ديوان الشيخ محمد البغلي من شعراء القرن الثالث عشر... وكثير من شعراء هذا القرن والقرن الذي قبله ، وممن نقلت كثيرا من قصائده وتخاميسه وتشطيره الشيخ عبد الله الصايغ ، كما نقلت له ملحمة مطولة في المعصومين الاربعة عشر ، تبلغ 1526 بيتا حسب تعداد الشاعر لابيات تلك الملحمة ، وان كان الذي وقفت عليه من أبيات تلك الملحمة يربو على هذا العدد بمائة بيت تقريبا.
وقد جارى فيها الشاعر قصيدة الملا كاظم الازري ، وقد أشار الشاعر المذكور وأشاد بأفضلية السبق له عليه ، وقد نقلتها عن نسختين مخطوطتين موجودتين لدى بعض المؤمنين في الاحساء ، وقد شرحت بعض كلماتها اللغوية ، وها أنا أغتنم هذه الفرصة


(186)
التي أتاحتها لنا نشرة « تراثنا » التي تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، واقدم للنشر جانبا من هذه القصيدة ليطلع عليها جمهورنا المسلم ، عسى أن تتهيأ فرصة أكبر لنشرها بكاملها ان شاء الله ، فوفق الله العاملين في هذا الحقل وبارك هذه المساعي انه سميع الدعاء.
الخطيب
الشيخ جعفر الهلالي




(187)
الشاعر :
هو الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله الوايل الاحسائي المعروف بـ « الصائغ ».
ولد الشاعر في الهفوف عاصمة الاحساء ، في حدود النصف الاول أو بعده بقليل من القرن الثالث عشر ، ولم يحدد بالضبط تأريخ ولادته ، غير أنه كان حيا عام 1281 هـ ، وهو تأريخ الفراغ من نظم ملحمته الشعرية ، كما أرخها هو في آخر أبياتها.
والشاعر ، بالاضافة الى ملكته الشعرية ، كان أحد العلماء المحصلين ، أخذ دراسته العلمية في مدينة الاحساء على يد علمائها آنذاك ، ومنهم الشيخ محمد أبو خمسين (1) فقد أخذ عنه الفقه والحكمة ، ولا يدرى هل سافر الى النجف أم لا ؟
آثاره :
للشاعر المذكور من الاثار المخطوطة ما وقفت عليه في الاحساء عن بعض المعنيين بجمع تراث الاحساء ـ وخصوصا الادبي منه ـ وهي كما يلي :
1 ـ ديوان شعر كبير يتألف من ثلاثة أجزاء في مختلف الاغراض والمواضيع.
2 ـ كشكول كبير في مجلدين سقطت أكثر أوراقه أو تلفت.
3 ـ نهج الازرية ، وهي الملحمة التي سنقدم جزءا منها للقارئ : تشتمل على أكثر من (1500) بيت من الشعر ، كما توجد له ثلاثة بنود ، في التوحيد ، والنبوة ، والامامة.
وفاته :
توفي الشاعر في قربة « سيهات » احدى قرى مدينة القطيف ، وكانت وفاته سنة 1305 هـ.



(1) اسرة آل أبي خمسين من الاسر العلمية المعروفة في مدينة الهفوف بالاحساء ، أشهرهم الشيخ موسى أبو خمسين.



(188)
«قصيدة نهج الازرية »
الفصل الاول
في التشبيب والغزل
هــذه رامــة (1) وهـذي ربـاهــا وأنيـخــا بهـا المطايــا وميـــلا وقفــا بـــي ولــو كلــوث ازار واسـائـل طلولهــا عــن ظعــون واؤدي لهـــا يسيـــر حقـــوق مغــن (4) حـوت لحسن غـوان (5) حـجـبتهــا ليــوثهــا بضباهـا يــا خليلــي لا تلـومـا خليعـــا واسعــداني ـ سعدتما ـ في غرامـي (10) أو دعاني بهـا أبـث شجونـا أنافيهــا متيــم (10) وغــرامـي فاحبسا الركب ساعـة فــي حماهـا للثرى وانشقــا أريـج (2) شذاها (3) عـل نفسـي تنـال منهــا مناهــا سـار قـلبي لسيــرهـا وتـلاهــا مــن كثيــر وأيـن منـي أداهــا تتـوارى الشمــوس تحت ضياهــا مـن ظبــاء كوانيــس (6)بـخدور خـلعـت نفســه غــرام سواهـا ان خيــر الصحـاب صحب صفاها كلمت (7) مهجتي كلوم (8) مداها (9) شاهــد أننـي قتـيـــل هواهـا




1) رامة : اسم مكان تخيله الشاعر مسكنا لاحبائه الذين تغنى في مستهل قصيدته.
(2) الاريج ، توهج ريح الطيب ، تقول : أرج الطيب ، أي فاح.
(3) الشذا : حدة ذكاء الرائحة.
(4) المغاني : جمع مغنى ، وهي المواضع التي كان بها أهلوها.
(5) الغواني : جمع غانية ، وهي الجارية التي غنيت بحسنها وجمالها.
(6) الكوانس : جمع كانس ، وهو الظبي في (كناسه) ، وهو موضعه في الشجر يكتن به ويستتر.
(7) كلمت : أي جرحت.
(8) الكلوم : هي الجروح.
(9) المدى : جمع مدية وهي الشفرة.
(10) يقال : تيمه الحب : عبده وذللـه.



(189)
كيـــف تهــوى الـملام نفـس معنى مــا لـنفسي ولـلـسلـــو وهـــذا صيـرتــه خضـابهـــا لا كـــف لست أنـسى وكيف أنسى ـ ! ؟ زمانــا وليال قد أقمرت (12) بوصال العين (13) زمــن أيـنعـت ثمــار الامانـــي حيث لـــم نـلف واشيــا ورقيبــا فتولى كــأنـه ومضــة (16) مــن يـــا رعـى الله تــلـك أوقات انسى كــم بـه مـن لبـانــة (19)أنعشتنا فقضينــا بــه مناســـك عشــق ثم قــد ضـمنـا معـرس وصـــل كثــرة اللــوم في الهــوى أغوهــا دمعهــا أهرقتـه سرب دمـاهــا (11) وخــدود قــد صــرت مـن قتلاهـا قـــد تجلـــت أيامــه بصفـاهــا مـــن غيدهـا (14) وشــط نواهــا لــي فيه وأتحفتنـي جنــاهــا (15) نتقـي منهمـا وقــــوع جفــاهــا برقة أو كخفقة (17) مـن كراهــا (18) تم حسن الزمـان مـن حسناهــا (20) باجتنا صفوها بـوصــل مهاهــا (20) حيـث احرامنـــا بلـبــس هواهــا فأفضنــا بــه لـورد لمـاهــا (21)

ثـــم حـلــت نفوسنـا مشعــر الامـن ونـالت مـن بعــد ذاك مناهـــــا

فنحرنــا هـدي الجوى (22) وحلقنـا من وشــاة لنــا شعــور رجاهــا

وقذفنـــاهـم برمـي جمــار البــعد عنــا فأحــرقتهــم لظـــاهــا (23)



(11) الدمي : جمع دمية ، وهي الصنم والصورة من العاج.
(12) أقمرت : أضاءت ، يقال : ليلة قمراء أي مضيئة.
(13) العين جمع أعين : وهو واسع العين ، والمرأة عيناء.
(14) الغيد : جمع غادة : وهي المرأة أو الفتاة الناعمة اللينة الاعطاف ، وكذلك الغيداء وهي بينه الغيد.
(15) الجنى : ما يجتنى من الشجر ، يقال : جنى الثمرة أي تناولها من شجرتها.
(16) يقال : ومض البرق أي لمع لمعا خفيا ولم يعترض في نواحي الغيم.
(17) يقال : خفق الرجل أي حرك رأسه وهو ناعس.
(18) الكرى : النعاس.
(19) اللبانة : الحاجة.
(20) المها بالفتح : جمع مهاة ، وهي البقرة الوحشية.
(21) اللمي : سمرة أو سواد في باطن الشفة يستحسن.
(22) الجوى : الحرقة وشدة الوجل.
(23) اللظى : النار ، ولظى أيضا : اسم من أسماء النار معرفة لا ينصرف.



(190)
ثــم طفنــا بكعبـة الحسن منهــا واستلـمنـا لاسود الخـــال منهــا وسعـينــا بصفــو عيش هنــي (30) فأراشت (26) لنا الليالي سهاما واعـتكفنـــا بهــا بهجر سواهــا وشفـاة قـد أنعشتنــا شفاهــا (24) مـــرء (25) لا بـمروة وصفاهــا من صروف النوى (27) فجد جفاهــا

فتـداعــت الـــى الفراق رفـــاق الانـس منـــا ونوهـت بدعاهـــــا

وجـرى ما جرى ولا تســألا عــن فلكـم ثــم مـن قلــوب تهــاوت حال أهـل الهــوى غـداة نواهــا مصعقات (28) لفـوظ روع عـراهـا

وقلـوب تطايرت لـو شيــك البيــن (29) منــا كـأن نــاف نفاهــــــا
لسـت أنسـى علـى النقى (30) وقفــة التوديـــع والعيـن لا يكف بكاهــــا
ثــم ســارت مطيهـــم تذرع البيــد ولكـــن قلوبنـــا تلقاهــــــا

وانثنينا بصفقـة (31) الغـبن (32) ظميا فاسألانـــي بـــه فانـــي خبير للقـاهــا وأيــن منـا لقـاهـــا ذقـت أحوالـه علـى استقصاهـــا

وكــذا عــادة الزمــان بــأهـل الفضـل لا زال مولـعــا بجفـاهـــــا
(40) برقة خلب (33) وسحب أياديه جهام (34) لمـن يروم اســتقاهـــــا (35)

لــم يهب نعمة بــلا سبب اخــرى لـبنـيــه ولا يــدوم بقــاهــا




(24) يقال : شافهه شفاها ومشافهة ، أي خاطبه فاه الى فيه.
(25) يقال : مرء الطعام أي سار مريئا.
(26) أراش السهم : ألزق عليه الريش.
(27) النوى : البعد.
(28) يقال : صعق الرجل أي غشي عليه.
(29) البين الفراق.
(30) النقى : مقصور ، وهو كثيب الرمل.
(31) يقال : صفق له بالبيع والبيعة ، أي ضرب يده على يده وبابه ضرب ، ويقال : ربحت صفقتك للشراء ، رابحة وصفقة خاسرة.
(32) الغبن : الخداع والغلبة ، يقال : غبنه في البيع أو الشراء ، أي خدعه وغلبه.
(33) يقال : برق خلب وسحاب خلب الذي لا مطر فيه كأنه خادع ، ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : انما أنت كبرق خلب.
(34) الجهام بالفتح : السحاب الذي لا ماء فيه.
(35) استقى استبقاءا : طلب ما يشربه.



(191)
مـن عذيـري له ! ؟ وفـي كـل آن تنتحيني صـروفـه (36) بعنـاهــا

مستطيــلا بخفض (37) قدري ولم يــدر بأنــي مــن المعـالـي فتاهــــا

موقفــي فوقهــن نـاش وطـفـلا ولئــن نابنـي بخفــض مقـامـي لا يعاب الاكسيــر (39) يوما اذا مـا قــد غذتنـي بـدرهــا ثديـدهـا بعيون داعــي الغوي (38) أغواهـا جهلتــه مــن الـورى جهلاهــا

الفصل الثاني
في التخلص الى المدح
ويبدأ بمدح النبي
صلى الله عليه وآله

كيـف لاتملــك المعــالي نفــس احمــد المصطــفى أجـل نبــي حب طــه بنــوره زكاهــا (40) بـعــث الله لـلــورى لهـداهــا

علــة النشـأتيــن فيمــن يـرى الله ومولـى وجـودهــا وفنـاهــــــا

ذات قــدس تذوقــت كــل ذات هـو فـي الكائنــات أول نفــس وحباه (43) مـن فضلـه بمعــال ما اصطفى في العباد شخصا سـواه من هيولى (41) هياكل حلاها (50) بــرأ الله كنههــا فاجتبـاها (42) عــرك (44) النيرات أدنـى علاها للعبـوديــة التـي يـرضـاهــا

ثـم آتـاه مــا يشـا مـن علـوم الملكوتيـــة (45) التــي أبداهـــــا



(36) انتحى : بمعنى قصد ، يقال : انتحى الرجل أو الشيء : قصده وتنتحيني هنا بمعنى تقصدني.
(37) خفض : ضد رفع.
(38) الغوى : الضلال ، واغوى بمعنى أضل.
(39) الاكسير : ما يلقى على الفضة ونحوها فيحولها الى ذهب خالص ، والكلمة يونانية ، وقال في تاج العروس : الاكسير ـ بالكسر ـ : الكمياء.
(40) زكى : بمعنى طهر وأصلح ، يقال : زكاه الله ، أي طهره وأصلحه.
(41) الهيولى من المصطلحات الفلسفية ـ يونانية ـ جمع هيولات : المادة الاولى.
(42) اجتباه : اختاره واصطفاه.
(43) يقال : حباه بكذا ، أي أعطاه اياه بلا جزاء ، ومنه الحبوة والحبوة والحبوة وهي العطية.
(44) يقال : عرك عركا الاديم : دلكه ، والشيء : حكه حتى عفاه.
(45) الملكوت : يطلق على الملك العظيم ، العز والسلطان ، والسماوي.



(192)
بـل وأنهـى اليـه خير مزايـا عالم عالم السرائر أسـرى (46) جـاء للانبيـاء منهـا يسيــر جمــع الله فيـه كـل كمـال كبـرت رفعـة بـأن تتنـاهـا سـره فـي عوالـم أنشـاهـا فيـه قد فضلت على من سواها أخذت عنـه كـل نفـس هداها

أول السـابقين في حلبة (47) الفضل ومصبـاح أرضهــا وسماهــا
(60) نيـر أشــرق الوجود باشراقات أنـوار عـزة جـلاها (48)

وبـه قـرت القوابـل طــرا بقبول الوجـود عنـد دعاهــا

واستقـامت به السمـوات والارض ومـن فيـهـمـا بحـسن استواها

ملـك ملكـه الممالـك لا بــل وهو ناموسها (50) العليم بما قـد هو قيومها (49) الذي يرعاهـا عملتـه بـجهـرهـا وخفاهـا

وهـو الكلمـة التـي انزجر العمـق لهـا واستقــام مـن جـدواهــا

عليـم فاض للعـوالـم منـهـى كل مـا في الوجود مـن كائنات وكفـاه عـلى الخـلائـق طـرا خيـر فيـض حوت به نعماهـا ذو المعـالي لاجلــه سواهـا أنه كان في العلـى مصطفاهـا

ولـه اشتـق ذو الجلالــة مـن أسمائــه اسما سمت بـه حسناهــا

(70) فهو فـي خلقه الحميد وهذا فضـل لمـا يطـق كتمـه الغيب لم يـزل في عوالم منـه يجـري (أحمد) ياله على لا يضاهـا لاسـرار حكمــة قد حواهـا في بحـور به افيـض نداهـا




(46) أسرى اسراء : سار ليلا ، والكلمة هنا لا تدل على غرض الشاعر ، وهي كذا وردت في الاصل.
(47) يقال : هو « يركض في كل حلبة من حلبات الجد » أي في كل سباق المجد ، وأصل الحلبة تطلق على الدفعة من الخيل في الرهان خاصة ، والخيل تجمع للسباق.
(48) جلى الامر : أظهره.
(49) القيوم والقيام : الذي لا بدء له والقائم بذاته ، وهما من أسمائه تعالى ، والشاعر أطلق الكلمة على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ اطلاقا مجازيا ، وذلك لما أعطى الله نبيه من قيمومة على الكائنات والخلائق.
(50) الناموس : يقال ناموس الرجل صاحب سره ، الذي يطلعه على باطن أمره ويخصه بما يستره عن غيره ، وعليه فمعنى الناموس هنا بقول الشاعر : أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ هو الذي أطلعه على غيبه ، واختصه بما لم يخص به غيره.



(193)

فأتـى عالــم الشهــادة هــاد اممـا قادهــا دواعي غـواهــا فبـدا فــي سما الرسالـة شمسـا مشرقا فـوق كــل شيء ضيـاها

جـاء منـه لهـا ولـم تبـد آيــات عظـام بهــرن (51) من قـد رآهــا

كتهاوي شهـب السمـا وهـي تنبي وانشقـاق الايــوان ينبـئ عنـه وانطفــا (53) نار فارس عنه منب واغـتدت باسمــه الهواتف تدعـو وأتـت امـة البشائــر مـنـهـا ورأت مـن كـرامــة الله مـنـه وتهــاوى لـدى ولادتـه عــن أنــه للعـدى شهـاب رداها (52) أنـه بالهـدى يشـق عصـاهــا أنــه آن مـن لظـاها انطفاهـا معـلنـات وفوهـت (54) بنداهـا أنه في الورى بشير هداهــا (80) مـا اقـرت بنـيـلـه عينـاهـا كعبــة الله كل جبت (55) علاها

وسرى منه فـي فلاسفـة الكهـان (56) حتف (57) أبادها فاختــلاهـا (58)

وبه الماردون (59) نالت دحورا (60) وثبورا (61) به تحسـت رداهــا

ومـن الحجـب بالبشــارة جبرائيــل بأمـلاكهـا الغـرفـاهــــــا



(51) يقال بهره بهرا : غلبه وفضله وبهر القمر : غلب ضوءه ضوء الكواكب وبهرت فلانة النساء : غلبتهن حسنا.
(52) الردى : الهلاك.
(53) يريد : وانطفاء ، فحذف الهمزة للضرورة الشعرية.
(54) يقال : فاه فوها بكذا : نطق به ، وتفوه بكذا نطق به أيضا ، ومنه الخطيب المفوه : المنطيق البليغ الكلام.
(55) الجبت : الصنم.
(56) الكهان جمع كاهن : وهو من يدعي معرفة الاسرار أو أحوال الغيب.
(57) الحتف جمعه حتوف : الموت.
(58) يقال : اختليته أي قطعته.
(59) الماردون جمع مارد : وهو ذو المرود العاتي ، كأنه تجرد من الخير ، ومراد الشاعرهم مردة الشياطين الذين كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع فلما قارب زمن النبوة عند ولادة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حيل بينهم وبين ذلك ورجموا بالشهب.
(60) يقال : دحره دحرا ودحورا : طرده وأبعده.
(61) يقال : ثبره ثبورا : أي أهلكه.



(194)
وبه الارض أشرقت واستطالت (62) وبــه مكـة عــلى كــل شيء ـ اذ أتاهـا ـ علـى علـو سماها فخرت اذ حواه منهــا فنـاهــا

وحقيق بهـا اذ افتخرت بالـمـصـطـفـى أحمــد على متن سواهــــا
قد حوت ســؤددا تـود دراري الشهـب منــه تكـون من حصبـاهـــا
(90) اذ حــوت سيـد السمــوات والارض ومختـار خالـق سواهــا

كعبة الفاضليــن في كـل فضـل ان يكن جـاء للنبييــن ختـمــا ما أتـى آخـرا سـوى لمزايــا اذ هـو العالـم المفيـض عليهــا فهــي عنــه بكل عصر تؤدي فلـذا مـا حوتـه من مكرمــات سل بـه آدمـا فكــم من أيـاد وبــه تـاب ذو الجــلال عليه بل وناموسهــا الـذي ربـاهــا فلقــد كــان فـي الوجود أباها فيــه ذو العرش حكمة أخفـاهـا كــل علــم أتى به أنبيــاهـا ما من الرشد للبرايــا عنـاهــا وجـلال اليـه يعزى انتهـاهــا مـن جـلال اليــه قد أسداهــا اذ جـنى من خطيئــة حـوباهـا

ولـه أسجـد الملائــك والاسمــاء طـــرا لـحـفـظـه أملاهـــا

(100) ولـه نال بالسفينة نـوح والخـليـل اغتـدت لـه النار بردا وهو سـر العصــا لموسى فألقت ولعيسى أعــار ســرا فأحيــا كم له فـي العلى سوابـق فضـل يعـجز العد عــن مناقـب نفـس فهـي صنــع له وكـل البرايـا ظـهـرت باسمـه العظيــم فكل أنبـــأ الخلق سورة النور عنـه تـــاه في وصفـه الخلائـق طرا (110) صاغة الله جوهرا وهي منه خيــر عقبـى وفلـكـه نجاهـا وسلامـا بـه وأطـفى لظــاها عنده الساحــرون سلما عصاهـا من قبور دوارس عـلى موتـاهـا مستحيــل على العداد انتهـاهـا ذو المعـالـي لاجلــه سواهـا احكمـت صنعها البديـع يـداهـا خاضـع تحت مجتلى كبريـاهـا نبأ كالشمـوس راد ضحـاهــا وحقيق بوصفــه أن يتـاهــا عرضا منـه كونهــا قد أتاهـا




(62) استطال هنا : بمعنى طال ، وهو متعد ، وـ سماها ـ مفعول لاستطالت.



(195)

سيد واجـب الوجـــود (63) اليه كل فضـل وحكمـة أنهـاهــا

ظهـرت منه حكمـة الله لـلـخـلـق عيـانـــا لانــه مجـتلاهـــا

من دعــا البدر لانشقـاق فأهـوى عن سماه وخر في بطحـاهـا! ؟ فهــو لو يـدع جملة الشهـب طرا أو تعصيــه ! وهي منـه استنارت حيث قــد كان للوجـودات قطبـا ومــن الوحـش كلمتـه اســود كـيـف يعصيــه وهو منـه تحلى حلية النــور واكتسـى أسناهـا من سماهــا لحطهـا عن سماها واستقامت بـه عـلى مجراهــا وعلى مجـده استدارت رحاهــا ثم طلس (64) وأعربت عن ثناها

والظبـا (65) سلمـت عليــه ولا غرو بـــأن سلمت عليــه ظبـاهـا
ولـتلقـى هــواه حنـت نيــاق والنبـاتــات كلمـتـه وأحيــا وعلى مثله حقيـق هواه (120) بـاسقـات (66) وأينعـت بجناها
والعصا أورقت لــديــه ولا غــرو بــأن أورقـت لديــه عصاهـا
وله الجذع حــن شــوقا كثكلى ومـن الصخـر كم أسال عيونـا والحصــا سبحت بكفيه جهـرا واذا ســار في الظهيـرة أرخت فارط (67) الحزن مضها وشجاها بمعين تعب (68) في مجراهــا وكثيــر من الورى قد وعاهـا أذيل السحب فوقه أفياهــا (69)




(63) المراد بواجب الوجود : هو الله سبحانه ، وهو مصطلح أطلقه الفلاسفة الالهيون في تقسيمهم للوجود الى ثلاثة أقسام : واجب ومستحيل وممكن ، انظر شرح ذلك في كتب الكلام والفلسفة الالهية.
(64) طلس جمع اطلس : وهو من أسماء الذئب ، يقال : ذئب أطلس وهو الذي في لونه غبرة الى السواد.
(65) الظباء جمع ظبي : الغزال المذكر والانثى.
(66) الباسقات : النخل ، يقال بسق النخل : طال ، ومنه قوله تعالى : « والنخل باسقات لها طلع نضيد » آية 10 : ق.
(67) يقال : أفرط من الامر ، أي جاوز فيه الحد ، والاسم : الفرط.
(68) يقال : عب عبابا البحر : كثر موجه وارتفع ، والعب : المياه المتدفقة ، والعباب معظم السيل ، أو ارتفاع السيل.
(69) الافياء جمع فيء : ما كان شمسا في نسخه الظل ، وهو من الزوال الى الغروب ، وقد سمي الظل فيئا لرجوعه من جانب الى جانب.



(196)
حــق لـو ظـللتـه فهـو كريــم لا تـخـل ذا من النبــي عجيبــا لم يزل في البـلاد يـنشــر آيــا (130) فدعـاه اليه ذو العرش ليلا بعـروج سـبحـان من أسراهــا وخطـا عـالــم الجـواز ولمــا في قـليــل أقل من لمـح طـرق فـدنــا مـن مليكــه فتــدلـى منه نالت حياتـهـا وحياهــا (70) فهو من آي فضلــه أدنـاهـــا ضاق منهـن كثـرة ـ قطـراهـا ثــم أســرت بـه اليــه بـراق ليريــه مـن آيــة كبــراهـا يبق في الـكــون ذرة ما وطـاها سُبـُحـات الجـلال قـد جلاهــا بفـنــا حضـرة تناهى علاهــا
لــم يـكـن بينــه سـوى قــاب قوسيــن وذات الجليــل جل ثناهــا
ثــم نـاجــاه مــا هنـاك بمــا شـاء يؤديــه للبرايــا شفـاهـــا
وعـلى كتفــه امـر يــدا قــد وحبــاه من الكرامــات ما لــم واليــه مفاتيــح الـغـيـب ألقى (140) لا رعى الله من قريش بغاة ظـاهـرته ببغـضهــا وتولــت قد أراهــا معـاجــزا ما رأتهـا بذلــت جهدهــا لاطفاء نــور فــأبــاه الالــه الا تمامـــا أثلج القلــب منـه بـرد رواهــا يحوها غيــره ولا مــن سواهـا وأراه كنــوزها فاحـتــواهــا ما رعته ولـم يــزل يرعـاهــا عـن هـداه وتـابعـت طغواهــا مـن نـبـي ولا الزمـان رآهــا منه لا زال بالهـدى يغشــاهــا فــي عـلاه ونقصهــا وانتفاها





(70) الحيا مقصور : المطر ، والخصب ، والمراد هنا الاول.




شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007