شبكة رافـد :: العقائد الاسلامية

الحياة البرزخية | العقائد الاسلامية

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج4 ، ص 233 ـ 236

 

(233)



مباحث المعاد
(7)


الحياة البرزخية


البرزخ هو المنزل الأوّل للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت ، وتحقيق الحال
يتوقف على تبيين معنى البرزخ ، وإثبات الحياة في تلك النشأة التّي هي قبل البعث
يوم القيامة.
قال ابن فارس في المقاييس : « البرزخ : الحائل بين الشيئين ، كأنّ بينهما
برازاً أي متسعاً من الأرض ، ثمّ صاركل حائل برزخاً . فالخاء زائدة لما
ذكرنا » (1) .
ويقول ابن منظورفي اللسان :« البرزخ : مابين شيئين. وفي الصحاح
الحاجز بين شيئين . والبرزخ مابين الدنيا والآخرة : قبل الحشر من وقت الموت
إلى البعث ، فمن مات فقد دخل البرزخ » (2) .
هذا معنى البرزخ ، وبه يفسرقوله سبحانه : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ} (3) . والوراء في الآية بمعنى الأمام كمافي قوله سبحانه : { وَكَانَ
وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (4) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  -المقاييس : ج 1، ص 333 .
(2) - لسان العرب : ج3 ، مادة برزخ ، ص 8 .
(3)  -سورة المؤمنون : الآية 100 .
(4)  -سورة الكهف : الآية ، 79 .
________________________________________


(234)


والآية لا تفيد أزيد من وجود الفاصل ، والحاجز بين الدنيا والقيامة ، مثل
قوله سبحانه : { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ} (1) . ولا تدل على وجود حياة في هذا
الفصل .
نعم ، هناك آيات يستفاد منها وجود حياة واقعية للإنسان في تلك النشأة ،
نذكرمنها مايلي :
1  ـ قال تعالى:  { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا
فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} (2).
وهذه الآية تحكي عن تحقيق إحياءين وإماتتين إلى يوم البعث ، وقد اختلف
المفسّرون في تفسيرهما ، والمروي عن ابن عباس أنّ الإماتة الأولى ، حال كونهم
نطفاً ، فأحياهم الله في الدنيا ، ثمّ أماتهم الموتة الثانية ، ثمّ أحياهم للبعث ،
فهذان إحياءان وإماتتان ونظيره قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (3) .
يلاحظ عليه:  إنّ الآية الثانية ليست نظير الآية الأُولى حتى تفسّر بها ؛ فإنّ
الآية الثانية ، تصف الناس بكونهم أمواتاً ، وهو ينطبق على الإماتة في حال كون
الإنسان نطفة أوقبل ذلك ، بخلاف الآية الأُولى ؛ فإنّها تحكي عن إماتة الإنسان ،
والفرق بين الموت والإماتة واضح ، فالأحوال المتقدمة على النطفة ، ونفسها ،
توصف بالموت ، دون الإماتة . فلأجل ذلك لا يصح تفسير الإماتة بماجاء في هذا
القول .
والظاهر أنّ المراد هو مايلي :
الإماتة الأُولى هي الإماتة عن الحياة الدنيا.
والإحياء الأوّل هوالإحياء في البرزخ ، وتستمر هذه الحياة إلى نفخ الصور
الأوّل .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -سورة الرحمن : الآية 20.
(2) -سورة غافر : الآية 11 .
(3) - سورة البقرة : الآية 28.
________________________________________


(235)


والإماتة الثانية ، عند نفخ الصور الأوّل يقول سبحانه : { وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ } (1) .
والإحياء الثاني ، عند نفخ الصور الثاني ، يقول سبحانه : { وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} (2) .
وتعدد نفخ الصور يستفاد من الآيتين ، فيترتب على الأوّل هلاك مَن في
السماوات ومَن في الأرض ، إلا من شاءالله ، وعلى الثاني قيام الناس من
أجداثهم ، وفي أمر النفخ الثاني يقول سبحانه : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ
جَمْعًا} (3) .
ويقول سبحانه : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ
يَتَسَاءَلُونَ} (4) . واختلاف الآثار يدل على تعدد النفخ  .
وعلى ضوء هذا ، فللإنسان حياة بعد الإماتة من الحياة الدنيا ، وهي حياة
برزخية متوسطة بين النشأتين   .
2 ـ قوله سبحانه : { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} (5) .
وهذه الآية تدل على أنّهم دخلوا النار بعد الغرق بلا فصل للفاء في قوله :
{ فَأُدْخِلُوا } ولو كان المراد هو نار يوم القيامة لكان اللازم الإتيان بـ « ثمّ »
أوّلاً ، وارتكاب التأويل في قوله : { فَأُدْخِلُوا } ، حيث وضع الماضي مكان
المستقبل لأجل كونه محقّق الوقوع ، وهو خلاف الظاهر ، ثانياً.
3  ـ قوله سبحانه : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -سورة الزمر : الآية 68 .
(2) -سورة يس : الآية 51 .
(3) -سورة الكهف : الآية99.
(4)- سورة المؤمنون : الآية 101.
(5) -سورة نوح : الآية 25.
________________________________________


(236)


السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (1) .
وهذه الآية تحكي عرض آل فرعون على النار صباحاً ومساءً ، قبل يوم
القيامة ، بشهادة قوله بعد العرض:  { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ } ؛ ولأجل ذلك ، عبّر
عن العذاب الأوّل بالعرض على النار ، وعن العذاب في الآخرة ، بإدخال آل
فرعون أشدّ العذاب ، حاكياً عن كون العذاب في البرزخ ، أخفّ وطأًً من عذاب
يوم الساعة.
نعم ، هناك آيات تدلّ على حياة الإنسان في هذا الحدّ الفاصل بين الدنيا
والبعث ، حياة تناسب هذا الظرف ، تقدّم ذكرها عند البحث عن تجرّد النفس ،
ونكتفي هنا بهذا المقدار ، حذراً من الإطالة.
وأمّا من السنة ، فنكتفي بماجاء عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، عندما سئل
عن أرواح المؤمنين؟ فقال : « في حجرات في الجنة ، يأكلون من طعامها ،
ويشربون من شرابها ، ويقولون ربّنا أتمم لنا الساعة وأنجز ما وعدتنا » .
وسئل عن أرواح المشركين ، فقال : « في النار يعذّبون ، يقولون لا تقم لنا
الساعة ، ولا تنجزلنا ماوعدتنا » ( 2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -سورة غافر : الآية 46.
(2) ـ البحار : ج 6، باب أحوال البرزخ ، ص169، الحديث 122، وص 270، الحديث 126.

 

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث